هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
الباشا والرعية.. كيف استغل محمـد علي ثورات المصريين لصالحه؟

الباشا والرعية.. كيف استغل محمـد علي ثورات المصريين لصالحه؟

عز الدين عمر

كاتب متخصص في التاريخ
  • ض
  • ض

في يوليو/تموز 2013م أصدر الإعلامي المصري المقرب من دوائر السلطة أحمد المسلماني كتابه "مصر الكبرى"، وفيه أعاد المسلماني إبراز مقالة كان قد كتبها قبل ذلك بخمس سنوات في زمن مبارك بعنوان "جريمة رائعة"، قاصدا بها "مذبحة القلعة" التي تخلّص فيها محمد علي باشا والي مصر من قوة المماليك المنافس الأكبر والأخطر له حينذاك.

 

لم يكن الأمر اعتباطيا حين أعاد المسلماني نشر مقاله السابق، ففي ذلك الشهر بالتحديد يوليو/تموز كان الانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي على الرئيس المخلوع محمد مرسي واعتقاله، ولم يكد يمر أسبوعان على نشر مقالة المسلماني السابقة إلا ووقعت واحدة من أكبر مجازر مصر في عصرها الحديث في ميداني رابعة العدوية والنهضة في قلب القاهرة، والتي حصدت آلاف القتلى والجرحى والمعتقلين.

 

لماذا إذن يُعدّ محمد علي باشا النموذج الفذ، والأسوة الحسنة لدوائر المثقفين والتنويريين المقربين من السلطة في مصر سواء في عصر مبارك أم في عصر عبد الفتاح السيسي؟ هل لأن محمد علي استطاع الانطلاق بمصر وتقوية مركزها أمام الدولة العثمانية حقا؟ أم لأنه تمكّن من ضرب خصومه ببعضهم واستغلّ زعماء الحركة الشعبية والثورية لصالحه بدهاء ومكر؟ أم لأن الرجل كان نموذجا حيا لديمومة الاستبداد السياسي والقضاء على روح الأمة وصوتها واستغلاله أبناءها في الجندية الإجبارية لتحقيق أطماعه في الخارج؟

   

محمد علي باشا (مواقع التواصل)

  

أحلام الزعامة من قَولة إلى مصر

لمعرفة ذلك علينا أن نعرف قصة الأحداث وتطورها منذ مجيء محمد علي ضمن الجيش العثماني وحتى صعوده إلى سُدّة الحكم على أكتاف المصريين، ففي إحدى المدن الإسلامية العثمانية في البلقان، وتحديدا في مدينة قولة البحرية الصغيرة ذات الأسوار القديمة، وُلد محمـد علي في شهور سنة 1183هـ الموافق سنة 1769م، ثمة من ينسبه من المؤرخين إلى الأرناؤوط الألبان، ومنهم من يجعله من اليونان، وهناك من يؤكد أن أصوله تركية عثمانية، فقد كان أبوه إبراهيم أغا على رأس كتيبة من رجال الحفظ في المدينة، وقد مات وابنه محمـد علي صغيرا.

 

ونظرا لأن أباه كان من رجال الحكم في المدينة، فقد تولى رعايته والي قولة الجديد الذي اهتم بتربيته وتنشئته، فشبّ ملتحما بالشؤون الإدارية والعسكرية، ومتوليا بعض التجريدات العسكرية لحفظ الأمن حول المدينة، وأظهر فهما لفن المباغتة، وإدراكا لصفات الرياسة، وقوة احتمال بدني ونفسي يسترعي الانتباه[1].

 

حين بلغ محمد علي الثامنة عشرة من عُمره تزوّج بسيدة من قريبات الوالي ورزقه الله منها بخمسة من الأبناء والبنات، وقد عمل محمـد علي بعد الزواج في تجارة الدخان، فقد كانت الأراضي حوالي قولة تُزرع بالتبغ التركي الذي اشتُهر في تلك الأثناء، وظل محمـد علي في تلك الحالة من التجارة بالدخان تارة وبالانضواء تحت ستار الدولة العثمانية تارة أخرى، بينما كانت مصر في جنوب البحار على موعد آخر من الأحداث الخطيرة والمؤلمة في آن واحد.

  

في يوم من أيام صيف مصر الحار سنة 1798م، فوجئ المصريون بنزول جيش فرنسي عرمرم بقيادة قائد عسكري فذ وهو نابليون بونابرت، وأحد زعماء الثورة الفرنسية، لم يكن نزول الفرنسيين مصر حدثا عاديا في تاريخها الحديث، كما أنه لم يكن بالحدث العابر غير المخطط له من قِبل الفرنسيين الذين توالى جواسيسهم على الديار المصرية بالزيارة طوال القرن الثامن عشر الميلادي، حتى إن الجبرتي أشار في تاريخه إلى أن بعضا من هؤلاء قابل والده الشيخ حسن الجبرتي ورأوا ولعه بالكيمياء، وشغفه بالعلوم التجريبية.

   

نابليون بونابرت (مواقع التواصل)

   

إن الذي أغرى الفرنسيين بعد معرفتهم أحوال مصر عن قرب هو سوء الأوضاع الداخلية بها، وتناحر القوى السياسية التي كانت تحكم البلاد والأهالي حين ذاك، وكانوا من العثمانيين والمماليك على السواء، لكن القوة الحقيقية كانت في يد المماليك، وهم مجموعة من العصابات المسلحة كانت تتنازع على السيادة والمكانة في البلاد.

 

كانت الدولة العثمانية ترى ما يحدث في ديار مصر من الخلاف بين كبار الأمراء المماليك، وفي الغالب كانت تقف عاجزة عن فعل شيء يهدّئ من الأوضاع الداخلية في البلاد، لا سيما وأن الباشا العثماني كان على الأغلب ضعيفا لا يستطيع التحرك من قلعة الجبل لحكم البلاد حكما حقيقيا.

 

لكنها في أحيان أخرى كانت تتدخل لحفظ الأمن، وإرسال قوات عسكرية وبحرية لتأديب هؤلاء الخارجين، ففي سنة 1200هـ/1786م قبل الحملة الفرنسية على مصر بأكثر من عشر سنوات، أرسل السلطان العثماني حملة عسكرية بحرية لتأديب هؤلاء المماليك، وكان مما جاء في فرمان السلطان لأهل مصر: "بلغ حضرة مولانا السلطان -نصره الله- ما هو واقع بالقطر المصري من الجور والظلم للفقراء وكافة الناس، وإن سبب هذا خائنو الدين إبراهيم بك ومراد بك وأتباعهما، فتعيّنا بخط شريف من حضرة مولانا السلطان أيده الله بعساكر منصورة بحرا؛ لدفع الظلم، ولإيقاع الانتقام من المذكورين"[2].

 

إزاء هذه الحالة من التشتت والشغب، مع قلة حيلة الشعب المصري الذي كان يعاني على المستوى السياسي والاجتماعي وأوضاعه الاقتصادية الصعبة استغل نابليون بونابرت حلم الفرنسيين القديم منذ عصر الحملات الصليبية لإعادة المحاولة والسيطرة على مصر من جديد، لا سيما أن مصر والاستيلاء عليها قد يكون حجر الزاوية في مشروع استعماري فرنسي جديد في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا التي كانت فرنسا تتطلع إليها حينذاك.

   

   

نزل الفرنسيون بالفعل مصر، وحاولوا بكل السبل حكمها بالحديد والنار، وقامت في وجههم عدة ثورات في القاهرة والصعيد والوجه البحري، وقد وجدوها دون ما توقّعوا وشقّ عليهم البعد عن وطنهم، وبخاصة بعدما بلغهم من تألّب الدول الأوروبية من جديد ضد فرنسا، وإرغامها على التخلي عن توسعاتها في إيطاليا وغيرها من القارة الأوروبية، وحتى مصر ذاتها فقد عرفوا معرفة أكيدة أن السلطان قد اعتزم ألا يتخلى عنها، وأرسل نحوها من ناحيتي البحر والشام جموعا من جنده قد لا تكون قيمتها الحربية مما يأبه له الغربيون، ولكنها لا بد لها مع الزمن أثر[3].

 

في المقابل تدخل الإنجليز بثقلهم في إيقاف أحلام الفرنسيين التوسّعية، فقد هزموا ودمروا جزءا كبيرا من الأسطول البحري الفرنسي في معركة أبو قير الشهيرة في الإسكندرية بُعيد دخول الفرنسيين مصر، وبالرغم من اضطرار نابليون بونابرت للرجوع إلى فرنسا كي يصلح أحوالها الداخلية، ويضع الخطط لمواجهة التحالف العسكري الأوروبي ضده، فإن خليفته في مصر الجنرال كليبر ورغم تحالفه مع الأمير المملوكي مراد بك لإخضاع البلاد، فإنه مني بمصرعه على يد البطل سُليمان الحلبي.

 

تلاقت مصالح الأتراك العثمانيين مع الإنجليز في دحر الفرنسيين من مصر، وقد أرسل العثمانيون للولايات القريبة منهم في البلقان وغيرها لتكوين حملة عسكرية تركية لإرسالها إلى مصر، وكان محمد علي بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية التي كان يواجهها في تجارة الدخان قد قرر الانضمام إلى هذه الحملة المتجهة إلى مصر، خصوصا أنه سيكون على رأس إحدى فرقها العسكرية.

  

وبالفعل ترأس فرقة قولة الألبانية "الأرناؤوط" ضمن الحملة التركية بقيادة حسين قبطان باشا وقد رست في ساحل أبو قير بالإسكندرية في شهر مارس/آذار 1801م، وبالفعل نزل محمد علي مصر وعاين أحوالها، واشترك في المعارك التي وقعت بين الإنجليز والأتراك من جانب والفرنسيين من جانب آخر، وقد حقق نجاحا باستعادة مدينة الرحمانية بالبحيرة بعد انسحاب الفرنسيين منها[4].

   

   

شهد محمد علي عهد انتهاء الحملة الفرنسية في مصر، وارتقى في غضون ذلك إلى مرتبة كبار الضباط، فنال رتبة "بكباشي" قبل جلاء الفرنسيين، ثم رقاه الوالي العثماني الجديد خسرو باشا أواخر سنة 1801م إلى رتبة "سرجشمة" أي لواء، وكان المشهد السياسي على رأسه المماليك والعثمانيون والإنجليز ثم أعيان الشعب المصري وطوائفه.

  

وفي 4 صفر 1216هـ/يوليو/تموز 1801م خرج الفرنسيون إثر عقد اتفاقية الانسحاب مع العثمانيين والإنجليز من القاهرة ومصر بالكلية، يقول الجبرتي: "وفي يوم الأربعاء رابعه ارتحل الفرنساوية وأخلوا قصر العيني والروضة والجيزة، وانحدروا إلى بحري الوراريق، وارتحل معهم قبطان باشا ومعظم الإنكليز ونحو الخمسة آلاف من عسكر الارنؤد (الأرناؤوط) ومن الأمراء المصرية (المماليك) عثمان بك الأشقر ومُراد الصغير وأحمد بك الكلارجي وأحمد بك حسن، فكانت مدة الفرنساوية وتحكّمهم بالديار المصرية ثلاث سنوات وواحدا وعشرين يوما، فإنهم ملكوا برّ إمبابة والجيزة، وكسرو الأمراء المصرية يوم السبت تاسع شهر صفر سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف (يوليو/تموز 1798م)، وكان انتقالهم ونزولهم من القلاع، وخلو المدينة منهم، وانخلاعهم عن التصرف والتحكم ليلة الجمعة الحادي والعشرين من شهر صفر سنة ست عشرة ومائتين وألف، فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتحول سلطانه"[5].

  

خرج الفرنسيون من مصر مدحورين، وتسلم البلاد ممثل السلطان العثماني يوسف باشا ضيا والقبطان حسين باشا، وقد كان دخول الفرنسيين مصر وتقليمهم لأظافر المماليك وإضعافهم فرصة سانحة أمام العثمانيين ليستعيدوا قوتهم القديمة في البلاد، لا سيما وأن المماليك مع طول الزمن وضعف العثمانيين قد أصبحوا السادة الحقيقيين في مصر.

 

لكنّ صداما وقع بين الجانبين أثبت أن الخلاف بين المماليك والعثمانيين لا بد له من البروز من جديد، زاد من قوة خسرو باشا انسحاب الإنجليز من مصر في مايو/أيار 1802م وبقيت حامية إنجليزية تراقب الأوضاع في الإسكندرية، وكان عماد الوالي العثماني على قوات الأتراك والأرناؤوط المكونة من سبعة عشر ألف مقاتل على رأسهم ثلاثة من كبار الباشاوات والكوادر هم طاهر باشا وحسن باشا ومحمـد علي باشا الذي كان قد كوّن فكرة ممتازة عن الأوضاع السياسية والاجتماعية ومراكز القوى في البلاد.

    

   

جرد خسرو باشا حملة عسكرية بهدف القضاء على المماليك في الصعيد، لكن هذه الحملة هزمت شر هزيمة بسبب توحد المماليك فضلا عن الظلم والضرائب والمغارم التي كان الوالي العثماني قد بدأ في فرضها على الأهالي الذين أعادوا الانضمام إلى المماليك، بل إن الإنجليز المرابطين في الإسكندرية أعادوا الاتصال بالمماليك وعلى رأسهم الأمير عثمان بك البرديسي، واستطاع المماليك الزحف شمالا صوب البحيرة فاتجهت قوات العثمانيين بقيادة يوسف بك وكيل الوالي لملاقتهم قرب دمنهور، وبالفعل تلاحم الجانبان، لكن في النهاية استطاع المماليك الانتصار وأسفرت المعركة عن مقتل وأسر خمسة آلاف جندي عثماني، فضلا عن الاستيلاء على معدّاتهم ومدافعهم وذخيرتهم[6].

  

محمد علي يلعب على الحبال!

كان محمـد علي وفرقته الألبانية قد أعرض عن الدخول في هذه المعركة، ورأى أن دخول الأتراك العثمانيين والمماليك ضد بعضهم في معركة طاحنة سيقوي مركزه، وحين هُزم العثمانيون أراد قائد الفرقة يوسف بك الفتك بمحمـد علي، لكنه لم يستطع ذلك لقوة فرقة محمـد علي واحتراسه الزائد فضلا عن بدايات تقربه من كبار الأعيان والعلماء في مصر مثل عمر مكرم والشرقاوي والفيومي وغيرهم.

  

وبعد تلك المعركة بعدة أشهر ارتحل الإنجليز عن مصر في 14 مارس/آذار 1803م بعد اتفاقهم مع الإنجليز، الأمر الذي فتح الباب من جديد لدخول المماليك والعثمانيين الأتراك في صراع عسكري، استطاع المماليك من خلاله هزيمة العثمانيين من جديد والاستيلاء على المنيا هذه المرة في صعيد مصر، وقد أراد خسرو باشا أن يؤدب المماليك فاستدعى محمـد علي وفرقته وفرقة أخرى بقيادة طاهر باشا، لكن محمـد علي كان يتطلع للتخلص من خسرو فأوعز للجنود بإحداث فتنة وثورة للمطالبة برواتبهم المتأخرة، وكان معظمهم من الأرناؤوط، ودخل الجنود القاهرة، وعاثوا فيها سلبا ونهبا، واستطاع طاهر باشا وفرقته الانقضاض على القلعة، الأمر الذي اضطر معه الوالي إلى الهرب صوب دمياط بعد حكم دام سنة وثلاثة أشهر، شهدت فيها البلاد اضطرابات أمنية وضرائب فادحة وفتنة داخلية.

 

ارتقى طاهر باشا بموافقة من أعيان مصر قائم مقام حتى يأتي التصديق الرسمي من إسطنبول، وكان تدخل أهل مصر في هذا التعيين بداية قوية في انخراطهم في التعيين والعزل والثورة، ولعل ثورة المصريين ودورهم القوي في مقاومة الاحتلال الفرنسي هو الذي أيقظ هذه الروح، والشعور بالذات في الحياة السياسية حينذاك، وهو شعور وصفه بعض المؤرخين بالشعور القومي.

   

   

كان طاهر باشا مثل سلفه خسرو باشا، يميل إلى فرض المظالم على الشعب وعلى الجنود الإنكشارية مما حدا بهؤلاء إلى الانتقام منه، وبالفعل تم التخلص منه، وخلفه واحد منهم هو أحمد باشا، في تلك الأثناء رأى محمـد علي وفرقته من الأرناؤوط التحالف مع المماليك للتخلص من الأتراك في مصر، وقبل كبار الأمراء المماليك هذا التحالف وكان على رأسهم إبراهيم بك وعثمان بك البرديسي وآخرون، واستطاع الفريقان الدخول إلى القاهرة والسيطرة عليها، وهروب أحمد باشا الإنكشاري من المدينة بعد ولاية دامت يوما واحدا فقط[7].

 

علي باشا المغدور!

حين علمت إسطنبول بما حدث لهيبتها وسقوط جنودها وواليها في مصر على يد المماليك ومحمـد علي باشا، أوفدت على وجه السرعة واليا جديدا مع قوة عسكرية تُقدر بألف جندي، كان هذا الوالي هو علي باشا الجزايرلي الذي دخلت قواته إلى الإسكندرية ثم رشيد، لكن تحالف محمـد علي والمماليك بقيادة عثمان البرديسي استطاعوا جلاء الأتراك عن رشيد، وحين توجه الجانبان إلى الإسكندرية فوجئ البرديسي بانسحاب محمـد علي إلى القاهرة بحجة تأخر رواتب جنوده، فقد أيقن محمـد علي أن استيلاء المماليك على الإسكندرية مع القاهرة سيعضد من قوة المماليك في البلاد، وسيكون أمامهم ضعيفا منكسرا.

 

في النهاية وقع علي باشا الجزايرلي في فخ صنعه له المماليك، فقتلوه في يناير/كانون الثاني سنة 1804م، فخلصت البلاد لعثمان بك البرديسي، لكنه سرعان ما تفاجأ بمنافس جديد هو محمـد بك الألفي الذي كان قد رحل مع الإنجليز إلى لندن وكان من أقوى حلفائهم في مصر، وكانوا يتطلعون إلى أن يكون رجلهم في البلاد، لكن عثمان البرديسي استطاع القضاء عليه.

 

محمد علي بجانب الأقوى من جديد!

على الجانب الآخر كان نقص النيل في صيف سنة 1803م وأثره الخطير على تدهور الزراعة في تلك السنة، مع زيادة الضرائب، ونهب الجنود ما كان في أيدي الناس، قد أصاب الأهالي بحالة من النقمة والضيق على هؤلاء العساكر المماليك الذين لم يختلفوا كثيرا عن الجنود الأتراك من قبلهم، لكن البرديسي برغم حالة السخط هذه، فإنه قد فرض ضريبة على الأملاك والتجارة، فتذمر المصريون من هذا الوضع المختل، وخرجوا إلى الشوارع يضجون: "إيش تاخد من تفليسي يا برديسي"!

   

   

خاف محمـد علي على نفسه وجنوده أمام ثورة الشعب الهادرة في القاهرة، فأعلن انضمامه إلى المشايخ وعلية القوم، وأوصى جنوده الأرناؤوط بعدم الاعتداء على الناس، والانضمام لهم، وراحوا يقولون للناس نحن منكم، وكانت الثورة قد فتكت ببعض من المماليك وقتلتهم، وقد أكسب انضمام محمـد علي إلى الجماهير ثقة الناس وميلهم إليه، وحب كبار العلماء والتجار له.

  

في الجهة الأخرى خاف المماليك وعلى رأسهم البرديسي خوفا شديدا من حركة الشعب وانضمام القوات الألبانية بقيادة محمـد علي إليها، يقول الجبرتي: "غلب عليهم الخوف والحرص على الحياة والجبن وخابت فيهم الظنون وذهبت نفختهم في الفارغ، وجازاهم الله ببغيهم وظلمهم وغرورهم"[8].

 

وهكذا دخلت مصر مرحلة جديدة، اكتشف فيها المصريون قوتهم، ودورهم الفاعل في الأحداث السياسية بعد قرون من تصارع المماليك والعثمانيين الأتراك على السلطة والنفوذ والقوة في البلاد، وكانت ثورة 1804م على المماليك وطردهم من القاهرة فاتحة عصر جديد بزغ فيه اسم محمد علي بقوة.

 

الإفراج عن خورشيد باشا

كان المماليك ومحمد علي وحتى القوات العثمانية من قبل قد انقلبت على خورشيد باشا الوالي العثماني الخامس الذي أرسله الباب العالي في شهور سنة 1804م، فأُلقي في سجن القلعة في القاهرة، وبالرغم من أن الوضع في مصر كان مهيئا لتولي محمـد علي الحكم بمنتهى السهولة وهو القوة العسكرية المتبقية في البلاد، فإنه آثر أن يأتي هذا القرار من جانب الشعب المصري حين أيقن قوته وفاعليته في الأحداث.

   

الوالي العثماني خورشيد باشا (مواقع التواصل)

 

لذا صعد محمد علي إلى القلعة وأفرج عن خورشيد باشا، وأعاده إلى منصب الولاية من جديد، لكن القوة الحقيقية كانت في يد محمد علي، لكن على المستوى الدعائي والشعبي لاقى هذا الفعل من محمد علي قبولا، حين رأى فيه "التعفف وعدم الرغبة في تولي السلطة، وكسب محمـد علي مغنما آخر، ذلك أنه بإعادته الوالي التركي إلى ولايته يكسب عطف الباب العالي ويبرهن له أنه لم تكن له يد في الفتن التي أدت إلى عزل خسروا باشا وقتل على باشا الجزايرلي"[9].

 

لم يهدأ للمماليك بال، وراحوا يجمعون قواهم من جديد، ويهجمون على أقاليم الوجه البحري بالنهب والسلب، فضلا عن القاهرة التي طال حصارهم لها، ودخلوا في مواجهات عسكرية مع بقايا القوات العثمانية وفرقة محمد علي باشا التي استطاعت لأطول فترة ممكنة الثبات في مواقعها ومقاومة المماليك، ولم ينقذها إلا فيضان النيل في صيف 1804م، حين عاد المماليك أدراجهم إلى الصعيد.

 

أيقن محمد علي أن تأجيل المواجهة الحاسمة وإجلاء المماليك عن مراكز الصعيد سيزيد من تفاقم الأوضاع في مصر، وسيُهدد من بقائه وخططه، لذا في شهر أكتوبر/تشرين الأول 1804م قرر الزحف بقواته المقدرة بثلاثة آلاف جندي ألباني/أرناؤوطي صوب الصعيد، مع قوات معاونة من خورشيد باشا بقيادة سلاحداره تُقدّر بأربعة آلاف جندي، والثاني بقيادة حسن باشا مع ألف ومئتي مقاتل، واستطاعت هذه القوات بالفعل مواجهة المماليك، والاستيلاء على المنيا من جديد، وبقيت القوات هنالك تتعقب قوات المماليك في الصعيد[10].

 

الدلاة يعيثون في القاهرة

أما خورشيد باشا الوالي العثماني الذي أفرج عنه محمد علي، فقد استغل خلو القاهرة من هذه القوات، وراح يتواصل مع الباب العالي في إسطنبول طالبا منهم إمداده بقوات عسكرية، ورأى العثمانيون أن هذا الطلب في محله لإعادة نفوذهم في مصر، لكن هذه الأخبار كانت قد وصلت إلى محمد علي في الصعيد، ورأى أنه المقصود بهذا الأمر للحد من نفوذه والقضاء على قوته، فسارع في العودة هو وحسن باشا إلى القاهرة بُعيد مجيء هذه القوات من الشام، وكانت تُعرف بقوات "الدّلاة" ومعظمها كان من العنصر الكردي.

   

   

كانت قوات الدلاة التي وصلت لتكون قوة خورشيد باشا نقمة، وكان يُطلق عليهم "دُلاة" ومفردها الكلمة التركية "ديلي" أي مجنون أو قوات المجانين، وقد أطلق عليها ذلك لعدم اكتراثها بالأوامر، والغشم الذي كانت تتصف به، فضلا عن استخدامها للعنف المفرط، لذا كان دخول هذه القوات مصر وبالا على أهلها، يقول الجبرتي:

"وقدمت عساكر ودلاة في المراكب ودخلوا البيوت بمصر وبولاق وأخرجوا منها أهلها وسكنوها، وإذا سكنوا دارا أخربوها وكسروا أخشابها وأحرقوها لوقودهم، فإذا صارت خرابا تركوها وطلبوا غيرها، ففعلوا بها كذلك، وهذا دأبهم من حين قدومهم إلى مصر حتى عم الخراب سائر النواحي، وخصوصا بيوت الأمراء والأعيان وبواقي دور بركة الفيل وما حولها من بيوت الأكابر والقصور التي كانت يضرب بأدناها المثل (في الجمال والبهجة)"[11].

  

حين أراد محمد علي وحسن باشا وقوات الأرناؤوط الاقتراب من القاهرة أثناء عودتهم من الصعيد أرسل لهم خورشيد باشا قوات الدلاة لمنعهم من التقدم، وكانت أقوى من جيشي محمد علي وحسن باشا، وكان خورشيد باشا في مصر حاول استمالة العلماء والأعيان لصالحه، بهدف إقصاء محمد علي وحسن باشا عن مصر، لذا كان إرسال الدلاة انطلاقا من هذا الجانب.

  

على أن محمد علي بذكائه المعهود لم يدخل في قتال مع الدلاة، وأقنعهم أن قواته لا تريد الدخول في صراع معهم، وأن عودتهم بهدف قبض رواتبهم المؤجلة، فاقتنع الدلاة بذلك، وسمحوا لهم بالدخول إلى القاهرة، ودخل داره بالأزبكية في 19 أبريل/نيسان 1805م، وبدأ يعد العدة للقضاء على هذا الوالي وإزاحته بأسرع وقت ممكن.

  

الثورة على الوالي الظالم

وقع خورشيد في مشكلة كبيرة مع المصريين حين أعاد سياسة فرض الضرائب والإتاوات على أصحاب الحرف والصنائع، فأعلنوا العصيان، وأغلقوا الحوانيت، ولجأوا إلى المشايخ في الأزهر، وخاف خورشيد باشا من هذا التجمهر، وحاول توسيط نقيب الأشراف السيد عمر مكرم، لكنه مال إلى الناس ومظالمهم، فرضخ لهم الوالي ورفع الضريبة عنهم[12]، لكن هذا الرضوخ كان مرحليا.

   

   

في الجهة الأخرى، كان محمد علي منذ تحالف مع الشعب المصري ومال إليه في معركته ضد المماليك قد عرف أن المصريين بقوتهم البشرية بل والعسكرية أيضا لاستخدامهم السلاح في أوقات الأزمات والثورة؛ هم الحصان الرابح في الصراع السياسي في البلاد، لذا أعاد الكرة من جديد، لا سيما وأن تيار السخط العام كان قد بلغ الحلقوم ضد الوالي العثماني خورشيد باشا.

 

وكان من حظ محمد علي أن ذلك قد تزامن مع عودة قوات الدُّلاة للتعدي على أهالي مصر القديمة حيث أخرجوهم من ديارهم ونهبوا بيوتهم ومساكنهم وأمتعتهم، فعظم الأمرُ على الأهالي الذين جاءوا بأولادهم ونسائهم إلى الجامع الأزهر مستغيثين من هذا الوضع الشاذ.

 

حين جاء الأهالي إلى الأزهر التف أهل القاهرة حولهم، ومعهم المشايخ، وبدأت نُذر الثورة في الازدياد، وتجمع حول المشايخ ونقيب الأشراف عمر مكرم ما يقارب من الأربعين ألفا من أهل مصر مطالبين بإقصاء قوات الدلاة عن القاهرة، مُرددين "يا رب يا متجلّي اهلك العثمانللي"، الأمر الذي رفضه خورشيد باشا، مما تسبب في حالة من الاحتقان الذي تسارعت وتيرته مع مرور الساعات وعدم تحقق المطالب ومماطلة الوالي.

 

لجأ المصريون إلى المحكمة الشرعية "بيت القاضي" وأصدروا في نهاية الأمر قرارا بعزل الوالي، وأعلنوا النفير العام وحمل السلاح ومحاصرة القلعة، وأرسلوا هذه المرة يطلبون منه الجلاء عن مصر، فرفض الوالي بشدة، وأكّد أن تعيينه وعزله لا يكون إلا من قِبل الباب العالي والسلطان الشرعي في إسطنبول، لكنهم رفضوا ذلك، وشددوا الحصار على القلعة.

   

   

محمد علي واليا على مصر

وفي 13 مايو/أيار 1805م اتفق الأعيان والمشايخ وأهل مصر على مبايعة محمد علي واليا، فأظهر ترددا في البداية ليظهر أمام الجماهير في دور الزاهد في الحكم، المنضوي لقوى الشعب، لكنه قبل الولاية التي كان يتطلع إليها منذ زمن، فانضم محمد علي بقواته إلى جماهير الناس، وشدد حصارا على القلعة، لكن قوات محمد علي لم تبد قوة، بل أبدت فتورا أمام هذه الأحداث، بحسب رواية الجبرتي، لأنهم كانوا يحاصرون بني جنسهم، ولولا أن الثورة كانت عارمة، وأن المصريين بقيادة عمر مكرم كانوا قد تملكوا زمام القوة لما انضم لهم محمد علي بحسب الجبرتي أيضا.

 

بل بسبب طول الحصار، فترت عزائم عساكر الأرناؤوط، وتركوا مواقعهم في حصار القلعة، "فذهب جماعة من الرعية وتترّسوا في مواضعهم"[13] كما يقول الجبرتي، وهذا دليل آخر على أن الثورة الشعبية لم يكن لجنود محمد علي أهمية كبرى فيها، بل يؤكد الجبرتي أيضا أن الأوامر كانت تصدر باسم السيد عمر مكرم، وأن أوامره كانت مسموعة مدة الحصار، وقد تلافى وقوع خلاف بين قوات الأرناؤوط والثوار من عامة الناس، بل جاءت قوات من الدلاة بقيادة سلاح دار الوالي العثماني من الصعيد للنجدة وكانت ترابط في مصر القديمة وكانت على اتصال بالقلعة، وحاولت فك الحصار المفروض على القلعة.

 

ظل الحصار والقتال بالبنادق والمدافع بين الجانبين مدة شهرين كاملين أحبط فيها المصريون بقيادة عمر مكرم قائد الحركة الشعبية محاولات الباشا العثماني من التملص وفك الحصار، حتى أذعن الباب العالي في إسطنبول، وجاء الفرمان بعزل خورشيد باشا وتثبيت تعيين محمد علي باشا مكانه في 9 يوليو/تموز 1805م، وقد رحل هذا الوالي عن مصر في 5 أغسطس/آب 1805م.

 

كانت خطة محمد علي بعدما تخلص من العثمانيين وابتعد المماليك مرحليا عن القاهرة تأمين حُكمه على مصر من محاولات العثمانيين عزله التي جاءت في العام التالي 1806م، لكنه هذه المرة بمساعدة من العامة والأعيان استطاع النجاة من هذه المحاولة، ولم يبق أمامه إلا تقليم أظافر العامة من خلال ضرب العلماء والأعيان وسحق قوتهم.

   

   

كان عمر مكرم شيخا ذا مكانة وقوة في نفوس المجتمع المصري حينذاك، فضلا عن نسبه الشريف، فقد كان نقيبا للأشراف في مصر، فبمكانته وثقة الناس به تمكّن من تعيين محمد علي واليا على مصر، وبقوته وقوة المصريين من خلفه استطاع خلع الوالي العثماني، وبقوته ونفوذه أيضا قطع آمال المماليك للعودة لحكم مصر حين عادوا على حين غرة في النصف الثاني من سنة 1805م محاولين ذلك، فوقف أمامهم، ورفض مجيئهم، ودعّم مركز محمد علي.

  

يقول الجبرتي المؤرخ الثقة، وشاهد العيان على تلك المكانة التي كان قد وصل إليها السيد عُمر مكرم: "ارتفع شأن السيد عمر، وزاد أمره بمباشرة الوقائع، وولاية محمد علي باشا، وصار بيده الحل والعقد والأمر والنهي، والمرجعُ في الأمور الكلية والجزئية"[14].

 

وكان لهذا التأييد من العلماء والسيد عمر مكرم وعامة الناس لمحمد علي دوره في مقاومة الحملة الإنجليزية على مصر بقيادة الجنرال فريزر، فقد احتلوا الإسكندرية، لكنهم فشلوا في رشيد، وحين أرادت عامة الناس من أهل مصر الخروج لمعاونة العساكر، خاف محمد علي من هذا التطور في وعي الجماهير، وقدرتها على حمل السلاح ومقاومته فيما بعد، فرفض خروجهم قائلا: "ليس على رعية البلد خروج وإنما عليهم المساعدة بالمال لعلائف العسكر"[15].

 

ضرب آخر الأهداف

حين خرج الإنجليز من مصر مدحورين كان هدف محمد علي هو التخلص من الزعامات الشعبية التي ارتقى من خلالها إلى عرش مصر، وتصدى بفضلها للعثمانيين والمماليك والإنجليز، وأخذ بفضلها خيرات البلاد وأموالها ليسد أفواه جنوده الأرناؤوط، لكن اللحظة كانت قد حانت للقضاء على هذه الزعامات التي قد تهدد طموحاته وعلى رأسها الاستئثار بحكم مصر له ولأبنائه من بعده.

   

   

وكان اختلاف هذه الزعامات فيما بينها وتحاسدهم من أهم أسباب استغلال محمد علي له، وكان في تلك الأثناء يفرض الضرائب، وبدأ بالاستيلاء على الأوقاف، فضلا عن التعدي على بعض طلبة الأزهر وسجنهم، الأمر الذي هيج الجماهير، وأعاد مشهد الزعامات الشعبية من جديد إلى الواجهة في يونيو/حزيران 1809م، وبالفعل اضطر محمد علي للإفراج عن الطالب الأزهري، ثم عمل على تفريق وضرب شيوخ الأزهر والزعامات ببعضهم لينتقم في نهاية المطاف من أكبرهم وأقواهم السيد عمر مكرم، وهو ما تم له.

 

يقول الجبرتي: "واستهل شهر رجب بيوم الأحد سنة 1224 (11 أغسطس/آب 1809م) فيه اجتمع المودعون للسيد عمر، ثم حضر محمد كتخدا المذكور (الموكل بصحبة عمر مكرم لدمياط) فعند وصوله قام السيد عمر وركب في الحال، وخرج صُحبته وشيّعه الكثير من المتعمّمين وغيرهم، وهم يتباكون حوله حُزنا على فراقه، وكذلك اغتمّ الناس على سفره وخروجه من مصر؛ لأنه كان ركنا وملجأ ومقصدا للناس ولتعصبه على نصرة الحق"[16].

 

وبهذا قضى الباشا على الزعامة الشعبية ولم يتبق له إلا القضاء بصورة نهائية وحاسمة على زعامات المماليك المتبقية في البلاد، وهو ما تم له في مذبحة القلعة الشهيرة سنة 1811م، وبعدها شرع محمد علي في إنشاء جيش حديث جعل إشرافه موكولا إلى الفرنسيين، كان مكونا من أبناء الشعب المصري، فهم الذين أراقوا دماءهم في سبيل مجده ووراثة أبنائه عرش مصر لمئة وخمسين عاما تقريبا، بل كان سببا في كسر وإضعاف العثمانيين الذين عجزوا عن الدفاع عن سقوط الجزائر على يد الفرنسيين أثناء انشغالهم بالصراع مع محمد علي.

 

وهكذا، استطاع الباشا، تاجر الدخان، الذي لم يكن يتكلم العربية ولا يعرفها، استطاع بدهاء ومكر وخبث سياسي أن يلعب على كافة الحبال عسكرية وسياسية بل وشعبية حتى تم له في نهاية المطاف انتزاع عرش مصر بالحديد والدم والنار وقبل ذلك بالتآمر والخديعة.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار