هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
العثمانيون ضد المماليك.. التاريخ يعيد نفسه بين مصر وتركيا

العثمانيون ضد المماليك.. التاريخ يعيد نفسه بين مصر وتركيا

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
        
تبدو العلاقات بين مصر وتركيا في الآونة الأخيرة على صفيح ساخن، ففي حين تتجه مصر إلى التعاون العسكري والاقتصادي مع أعداء تركيا في الشمال، قبرص اليونانية واليونان، وتدشن الدول الثلاث مناورات عسكرية على مقربة من السواحل التركية، ثم التعاون الاقتصادي لا سيما في التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، تتجه تركيا إلى اتخاذ الاستراتيجية ذاتها في تعاونها العسكري مع السودان والصومال، معززة من قوتها في البحر الأحمر الذي يعد البوابة الجنوبية للأمن القومي المصري. هذا فضلا عن اشتباك الجانبين واختلاف وجهات نظرهما في الجغرافيا الإقليمية في الخليج العربي ووجود تركيا العسكري في قطر، بينما تقف مصر في معسكر الإمارات والسعودية والبحرين في الناحية المقابلة. لذلك فالتقرير التالي يستعرض أثر الجغرافيا في تحركات القاطنين لهاتين المساحتين.

 
ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه، وأن للجغرافيا السياسية أحكامها، حين كان للفريقين قوتهما العسكرية والسياسية في عالم العصر الوسيط، ففي حين كانت مصر مقرا لدولة المماليك التي حكمت مصر والشام والحجاز وجنوب الأناضول، كان العثمانيون يتمددون في مناطق النفوذ السياسي المملوكي مما أدى إلى الصراع العسكري بينهما في دولة السلطان الأشرف قايتباي (872 - 901م/1468- 1496م).

        

حين تمكن السلطان قايتباي من هزيمة العثمانيين في ثلاث معارك فاصلة خلال مدة حكمه، لكن الوضع السياسي والاقتصادي لمصر تغير بعد وفاته، وكان تمدد الصفويين وموقف مصر من الصراع بين الصفويين والعثمانيين سببا في نقمة العثمانيين وتغير معادلة السلام إلى العداء والمواجهة..يُحكى أن أول ما قام به السلطان العثماني سليم شاه بعد انتصاره على الصفويين في معركة جالديران، كان بدء مناوشات بإمارة دلغادر التركمانية التي كانت تتبع السيادة المملوكية في جنوب الأناضول، ثم ما لبث أن تمكن من قتل كبار الأسرة الدلغادرية، واحتلال هذه الإمارة وجعلها تابعة للعثمانيين بدلا من المماليك، وعدّ المماليك في مصر ذلك عملا عدوانيا يستلزم الرد، ولم يتوقف السلطان سليم عند ذلك، بل أرسل رؤوس الدلغادرية الموالين للمماليك إلى السلطان قانصوه الغوري في القاهرة، فلما رآهم السلطان الغوري على هذه الحالة استنكر هذه البشاعة قائلا: "إيش أرسلِّي هذه الرؤوس؟! هي رؤوس ملوك الفرنج انتصر عليهم حتى أَرسلَهم لي؟!"([1]).

      

كان صلح عام 896هـ/1490م بين السلطان المملوكي الأشرف قايتباي والسلطان بايزيد العثماني بعد حروب وصراع بين الطرفين على مناطق جنوب الأناضول قد أعاد الوئام  والسلام بين أقوى دولتين في ذلك العصر، حتى إن السلطنة العثمانية قد ساعدت المماليك على تدعيم أسطولهم البحري بالإمدادت العسكرية واللوجستية والفنية اللازمة  في ما بعد لمواجهة الأخطار البرتغالية التي كانت تتفاقم في جنوب البحر الأحمر وبحر العرب([2])وباعتلاء السلطان سليم شاه بن السلطان بايزيد العرش سنة 1512م/917هـ فإن المعادلة قد تغيّرت بصورة كلية، فلماذا تغيرت السياسة العثمانية تجاه المماليك من الصفاء والصداقة إلى العداء والتربص؟ وكيف كانت خطة السلطان سليم تجاه المماليك بقيادة سلطانهم آنذاك الأشرف قنصوه الغوري؟ وكيف كانت ردة فعل المماليك على هذا العداء العثماني المتنامي؟

      

  

الصفويون العدو الثالث!

بلغت الدولة العثمانية في أوائل القرن السادس عشر نقطة يمكن وصفها بمفترق الطرق؛ ففي أوائل القرن السادس عشـر كان العثمانيون تمكنوا من السيطرة على كامل آسيا الصغرى والبلقان، بل واستطاعوا الوصول إلى أواسط أوربا، وعندئذ صار أمامهم أن يختاروا بين أمرين، إما الاستمرار في التوسّع في أوربا على حساب الأوربيين المسيحيين مما أضفى على حركتهم التوسّعية في ذلك الاتجاه طابع الجهاد الديني، وإما الاكتفاء بما أصابوه من تقدّم في وسط أوربا أوصلهم إلى مدينة فيينا ذاتها، والتوسّع شرقا على حساب الدول الإسلامية المجاورة([3]).

       

وكان أن اختار السلطان سليم العثماني الاتجاه الأخير، لا سيما وأن الخلاف المذهبي والسياسي كان على أشدّه بين العثمانيين السنة من ناحية والصفويين الشيعة الذين ورثوا مناطق شاسعة في العراق وفارس وجنوب الأناضول وأذربيجان، بل توغّلوا في الأراضي العثمانية لتأديب بعض الإمارات التركمانية مثل إمارة ذي القدر، وشرعوا في الدعاية لدولتهم وللمذهب الشيعي الإثني عشـري الذي دانوا له بالمرجعية والاعتقاد، وتدخّلوا في الخلافات على العرش العثماني سنة 1512م بين سليم وأخيه الأكبر أحمد ووقفوا بجوار هذا الأخير، لذا لم يجد السلطان سليم بُدا من مواجهة ذلك الخطر الخلفي المحدق([4]).

     

السلطان سليم الأول

وعلى الرغم من أن مصـر المملوكية كانت مقر إقامة الخليفة العباسي، وتقع في نطاقها المدن الإسلامية المقدسة مكة والمدينة والقدس، والمؤسسات الإسلامية الكبرى كالجامع الأزهر، فإنها كانت بالنسبة للشاه الصفوي مسألة ثانوية؛ ذلك أنه كان يدرك أنه عندما تتضعضع الدولة العثمانية فسوف تضمحل دولة المماليك، والعكس ليس صحيحا، وكان يعلم أن الدولة المملوكية في حالة انحطاط وفي فترة تدنٍّ، أو هي على أقل تقدير فقدت حيويتها، أما العثمانية فإنها تعيش فترة حيويتها، مستهدفة إقامة الدولة العالية([5]).

    

السلطان سليم الأول (مواقع التواصل الإجتماعي)

      

وهكذا بعدما تخلّص السلطان سليم من أخوية الكبيرين اللذين نازعاه العرش أحمد وقرقود بقتلهما سنة 919هـ/1513م، شرع في التجهيز لتأديب الصفويين الذين استغلوا الصراع بين الإخوة العثمانيين بالدخول في أراضي الأناضول واحتلال أجزاء منها، وبالفعل وقعت معركة جالديران الشهيرة بين الطرفين سنة 1514م/رجب920هـ بالقرب من تبريز عاصمة الصفويين، وفيها سُحق الصفويون، وسقطت عاصمتهم في يد السلطان العثماني، وأسفرت هذه المعركة عن نتائج مهمة، على رأسها انتقال الأناضول الشـرقية والجنوبية إلى سيادة السلطنة العثمانية، ولم يتبق إلا القسم الجنوبي الخاضع للسيادة المملوكية([6]).

       

أوراق الفريقين في حلبة الصراع!

كان المماليك في ذلك النزاع الصفوي العثماني يقفون على الحياد على المستوى العسكري، لكنهم على المستوى السياسي كانوا أقرب إلى مناوأة السلطان سليم شاه العثماني؛ حيث إنهم رفضوا عرض السلطان سليم بالدخول في تحالف ضد الصفويين، بل اتفق الغوري مع كبار أمرائه على "أن العسكر لا يدخل بين الفريقين حتى يبدو من أحدهما الغدر إلى عسكر مصـر.. وانفضّ المجلس على ما ذكرناه من خروج العسكر من مصر ويقيم بحلب يُحصّنها من العدو حتى يكون من هذه الفتنة التي بين ابن عثمان وبين الصوفي ما يكون"([7]).

    

لم يكتف المماليك بموقف الحياد؛ فقد آووا ونصروا الأمير قاسم بن الأمير أحمد بن بايزيد، وهو ابن ولي العهد العثماني الذي قتله السلطان سليم سنة 919هـ، ويذكر ابن زنبل الرمال -مؤرخ تلك الحقبة- أن الغوري آوى الأمير قرقود أخو السلطان سليم، "واستجار بالغوري فأجاره، فأرسل السلطان سليم يطلبه من الغوري فأبى أن يمكّنه منه، فاشتدّت العداوة بين الغوري وبينه حتى وقع ما وقع"([8]).

     

   

في المقابل استمال سليم عددا من الخونة في الصفوف المملوكية وعلى رأسهم نائب (والي) حلب الأمير خاير بك ونائب حماة الأمير جان بردي الغزالي، هذان الأميران كشفا مكامن ضعف المماليك، وهوّنا على سليم غزو السلطنة المملوكية وهم رأس حربتها في مواجهته، تزامن ذ لك مع ضعف السلطنة المملوكية ورؤية سليم أنه الأحق بالسيطرة على قلب العالم الإسلامي ومقدّساته([9]).

   

ولعل أبرز مظاهر النظرة السلبية المملوكية في مصر والشام تجاه سليم أنهم لم يُظهروا مظاهر البهجة والفرح عندما أرسل سليم سفيرا من قبله إلى المماليك في القاهرة يُبشّـرهم بالانتصار على الصفويين، بعكس ما فعله سابقا السلطان المملوكي الأشرف إينال حينما أظهر الفرح والسرور عندما فتح السلطان محمد الفاتح القسطنطينية، فـ"لم يُنادَ في القاهرة بالزينة لأجل هذه النصـرة، ولم يُعلم ما سبب ذلك"،([10])  على حد توصيف ابن إياس المعاصر لتلك الأحداث.

   

ويبدو أن السبب في حنق السلطان سليم على المماليك تلك الأخبار التي كانت تأتيه عن الاتصالات السرية بينهم وبين الصفويين في إيران، والحق أن ابن إياس أشار إلى تلك المراسلات السرية بين الجانبين عرَضا، وذكر في حوادث ربيع الثاني سنة 922هـ أن سفير الأشرف قانصوه الغوري قد عاد من غيبته الطويلة إلى الشاه إسماعيل الصفوي.

    

     

قال ابن إياس :"وفي يوم الأحد تاسعه [ربيع الثاني 922هـ/11 مايو 1516م] حضر إلى الأبواب الشريفة العجمي الشنقجي، نديم السلطان الذي كان قد توجّه بأفيالٍ إلى نائب الشام ونائب حلب، وقد أبطأ مدة طويلة حتى أشاعوا موته غير ما مرّة، فظهر أن السلطان كان أرسله إلى شاه إسماعيل الصوفي في الخفية في خبر سر للسلطان بينه وبين الصوفي، كما أُشيع بين الناس بذلك"([11]).

      

فإذا كان قد أشيع بين العامة في القاهرة أن ثمة مراسلات سرية بين الصفويين وقانصوه الغوري، فليس من المستغرب أن تصل إلى مسامع السلطان العثماني تلك الأخبار، ويرى أماراتها واضحة. كان أول ما قام به السلطان سليم العثماني بعد انتصاره على الصفويين، هو التحرش بإمارة دلغادر التركمانية التابعة للسيادة المملوكية في جنوب الأناضول، ثم ما لبث أن تمكن من قتل كبار الأسرة الدلغادرية، وعدّ المماليك ذلك عملا عدوانا يستلزم الرد، ولم يتوقف السلطان سليم عند ذلك، بل أرسل رؤوس الدلغادرية الموالين للمماليك إلى السلطان قانصوه الغوري، فلما رآهم السلطان الغوري على هذه الحالة استنكر هذه البشاعة قائلًا "إيش أرسلِّي هذه الرؤوس؟! هي رؤوس ملوك الفرنج انتصر عليهم حتى أرسلهم لي؟!"([12]).

      

كان إرسال رؤوس القتلى من إمارة دلغادُر الموالين للمماليك رسالة قوية من السلطان سليم إلى السلطان قانصوه الغوري مفادها حتمية الصدام، وكان المماليك على يقين أنهم لا يقدرون على المواجهة مع القوة العثمانية الظافرة والصاعدة، لذا حينما رأى السلطان الغوري وكبار الأمراء رؤوس أمراء دلغادُر بين أيديهم مقطّعة اضطربوا للغاية، فـ"ابن عثمان يقصد في الباطن إثارة فتنة كبيرة بينه وبين السلطان، وأظهر التحرّش بالسلطان، فتح باب الشرّ، فتنكّد السلطان في ذلك اليوم إلى الغاية"([13])!

    

على أن سكوت السلطان الغوري عن هذه الفاجعة كان سببا في سخط عدد كبير من الأمراء المماليك الذين رأوا المناطق الشمالية من سلطنتهم تسقط في يد العثمانيين دون رد مملوكي مناسب لهذا الاعتداء، ومن قبل كان السلطان الأسبق الأشرف قايتباي يتحرّك ضد العثمانيين لأقل من هذا، لذا واجه عددٌ من الأمراء السلطانَ، "وخاشنوه في الكلام وقالوا له: يا مولانا السلطان غالبُ البلاد الحلَبية خرجت من أيدينا وصارت بيد ابن عثمان، وخُطب له فيها باسمه، وضُربت له السكّة (النقود) باسمه، وشرع في بناء برج عند عقبة بُغراص، وآخر عند باب الملك (جنوب الأناضول)، والسلطان يده في الماء البارد، وفسدت أحوال المملكة، وغالب الرعية بحلب وغيرها -من ظلم النوّاب وجورهم- بيميلوا إلى ابن عثمان لأجل عدله في الرعية، وهذه الأحوال غير صالحة. فشقَّ عليه كلام الأمراء وكظم لذلك»([14]).

        

    

وهذه الإشارة المهمة تكشف أن جماهير الناس كانوا يميلون في تلك الآونة إلى الدولة العثمانية نتيجة الظلم والمعاناة التي كانوا يجدونها على يد الأمراء المماليك الذين كان همهم الأكبر جمع المال، وفرض الضرائب.

       

السلطان المغيب!

وعلى الرغم من أن رسائل الاستغاثة كانت تتوالى من الشام وحلب إلى القاهرة للتعجيل بإرسال حملة عسكرية قوية لردع العثمانيين، فإن تباطؤ السلطان الغوري كان الرد المقابل، وكثيرا ما تجاهل هذه المصائب التي كانت "تُكدّره" بالانغماس في اللهو و"الانشراح" على حد قول ووصف ابن إياس، فتارة يتجّه إلى قبة يشبك الدوادار في المطرية "حدائق القبة اليوم شمال القاهرة" ليلهو مع عدد من ندمائه في احتفالات مليئة بالغناء واللهو والطرب، وتارة يتجه إلى المقياس بجزيرة الروضة يستمتع وحاشيته بمياه النيل الرقراقة، والمآدب الحافلة، وربما لعب مع حاشيته هناك حتى ابتلّت ملابسه بالماء والطين كما يصف لنا المؤرخون([15])!!

    

في الجهة المقابلة كان السلطان العثماني سليم شاه متحفزا للقضاء على المماليك، يُعد العدة والخطط لذلك، ويُخبرنا ابن إياس -أهم مصدر لتلك الحقبة- بأن أحد مماليك وعساكر الأشرف قانصوه الغوري هرب إلى السلطان سليم من مصر بسبب خلاف بينه وبين السلطان الغوري، فقرّبه السلطان العثماني، وعلم منه كافة مكامن الضعف والفساد في مصـر.

     

أخبر المملوك السلطان العثماني "بأمور من أفعال السلطان من أبواب المظالم، وأخبره ما أحدثه على السوقة من أمر المشاهرة (ضرائب شهرية)، والمجامعة على أرباب البضائع من المال المقرر عليهم في كل شهر، وأخبره بأمر الغشّ الذي في المعاملة في الذهب والفضّة، وأخبره بأشياء كثيرة من هذا النمط عن أحوال مصر، حتى أخبره بجملة عساكر مصر وما يشتملون عليه، وأخبره عن أمر قضاة مصـر قاطبة وأنهم يأخذون الرشوة على الأحكام الشـرعية، وحسَّن له أن يمشـي على بلاد السلطان، وسهّل عليه ذلك الأمر، فعرَّفه كيف يُرسل مراكب على الإسكندرية ودمياط، فعند ذلك طمعت آمال ابن عثمان بأن يملك مصر"([16]).

   
السلطان قنصوه الغوري

حاول الأشرف قانصوه الغوري وبعض نوابه في بلاد الشام التفاوض مع السلطان سليم حول إعادة تسليم القلاع والمدن التي استولى عليها العثمانيون من إمارة دلغادر جنوب الأناضول، وردّها إلى السيادة المملوكية، لكن سليم ردّ على هؤلاء الحالمين بقوله: "أنا ما أخذتُ هذه القلاع إلا بالسيف وما أردُّهم إلا بالسيف". وقد أخبر السفير المرسل إليه أن السلطان العثماني "ما هو راجع عن التوجّه إلى حلب والشام، وحدّثته نفسه بأخذ مصر، وهو في عمل عظيم، وجهّز مراكب في البحر ليجيء على إسكندرية ودمياط. فلما سمع السلطان ذلك تنكَّد واجتمع هو والأمراء في ضرب مشورة بسبب ذلك"([17]).

     

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار