اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/23 الساعة 17:36 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/8 هـ

انضم إلينا
كيف تطور الطب في الإسلام؟

كيف تطور الطب في الإسلام؟

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض
 

تطور الطب اليوم على المستوى العلاجي والتشخيصي، فضلا عن التطور التكنولوجي الهائل، يعد سببا رئيسا في استثارة عدة أسئلة حول كيفية اعتناء الناس بصحتهم في تاريخنا القديم، في مرضهم وعافيتهم؛ كيف تعالجوا وما هي أساليب الوقاية التي اتخذوها لذلك؟ وما هي مصادر المعرفة التي اعتمدوا عليها في تطوير العلاج ومقاومة الأمراض؟ وفي المنطقة العربية تحديدا، هل ظل العربي القديم لا يعرف سوى ترياقات السحر والكهانة أم تطور الأمر بالانفتاح على الشام والعراق ومصر والحضارات القديمة التي كانت أكثر تطورا من العرب في هذا الشأن؟

 

الطب النبوي

يروي المؤرخون لتاريخ الطب في مرحلته المبكرة في الجزيرة العربية بأن الأفكار التي تبناها الأطباء حينذاك كانت لا تختلف جوهريا ولا هي أكثر من معارفهم القديمة، ومعظمها يعد ممارسات تطبيقية في الوقاية الصحية، وقليل منها في قواعد العلاجات الجراحية البسيطة؛ كالحجامة والفصد والكي وقلع الأسنان والختان وغيرها.1

    

 

  

كان "الطب النبوي" ولا يزال موضوعا مثارا، ففيه نجد الوصايا الصحية في الوقاية من الأمراض، واختيار الأطعمة النافعة، وأصول عيادة المرضى، ولزوم استشارة الأطباء، وجمعت هذه الأحاديث في مصنفات خاصة مثل "الطب النبوي" لأبي نعيم الأصفهاني (ت 430هـ/1039م)، و"الطب النبوي" للحافظ الضياء المقدسي (ت 643هـ/1245م)، و"الطب النبوي" للإمام ابن القيم (ت 751هـ/1350م)

 

في هذه المصنفات، نجد بجوار الحض على التداوي ومعرفة الناس بشؤون دنياهم في هذا المجال، فصولا جاء عنوانها كما يلي: "باب في إحضار الأطباء لمداواة المرضى"، فهذا الباب جمع فيه أبو نعيم الأصفهاني كل الأحاديث التي يستكشف من خلالها أهمية الطب والأطباء في الحضارة الإسلامية، وليس كما كان في الماضي؛ حيث الاعتماد على الكهانة والسحر فقط، بل الحث أيضا على معرفة واستكشاف الأدوية من خلال فتح بارقة أمل. يقول النبي: "مَا أنزلَ اللهُ داء إلا أنزل له دواء، علِمَه مَنْ عَلِمَه وجَهِلَهُ مَن جَهِلَه"[3].

 

ومع ذلك، كانت هذه الوصايا النبوية حضا للمسلمين على تعلم الطب واتخاذ الأساليب العلمية في فهمه، أكثر منها دينا ووحيا، وذلك في ضوء وجود المتخصصين من الأطباء، ومع ذلك بقي الطب في البادية بدائيا، حتى وصفه العلامة ابن خلدون في القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد، بقوله إن طب البادية ظل تقليديا حتى عصره، وما نقل عن النبي في هذا الشأن لم يكن من الوحي.

 

 يقول: "وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص متوارثا عن مشايخ الحيّ وعجائزه، وربما يصح منه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي ولا على موافقة المزاج. وكان عند العرب من هذا الطب كثير، وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره. والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديا للعرب. ووقع في ذكر أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل"[4].

   

الطب من الجزيرة العربية إلى الشام!

سيطرالأمويون على الحكم والخلافة منذ زمن معاوية في العام 41هـ بعد مقتل الإمام علي، وفي دولتهم التي امتدت تسعين سنة، توسعت رقعة الدولة من الصين شرقا حتى الأندلس غربا، واختلطت الأجناس اختلاطا ثقافيا أدى بطبيعة الحال إلى تطور العلوم والمعارف الطبية وانتقالها من الأطراف إلى المركز، ومن المركز إلى الأطراف.

    

   

كانت الشام مركز الحكم السياسي، وأيضا مركز تلاقي الحضارات القديمة بين العرب والروم، لذا كان علماء الشام النصارى منهم على الأخص على علم بما كتبه اليونان في الفلسفة والطب، وبدأت أولى عمليات الترجمة في ذلك العصر، فتُرجمت كتب الكيمياء والطب بطلب من الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية[5].

 

 تُرجمت أيضا في خلافة مروان بن الحكم، والد عبد الملك بن مروان، بعض المخطوطات الطبية اليونانية، وفي زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز، استقدم صديقه وطبيبه من مصر عبد الملك بن أبجر الكناني ليمارس الطب ويعلمه في مدينة أنطاكية، واعتبر ذلك أول نقل مبكر للمعارف اليونانية إلى الأقطار الإسلامية[6].

   

وممن اشتُهر من الأطباء في ذلك العصر ابن آثال؛ الطبيب الذي جعله معاوية بن أبي سفيان من جملة حاشيته وخاصّته، وكان مع كونه طبيبا على دراية، وعنه يقول المؤرخ ابن أبي أصيبعة: "كان طبيبا متقدما من الأطباء المتميزين في دمشق، نصراني المذهب، ولما ملَكَ معاوية بن أبي سفيان دمشق اصطفاه لنفسه، وأحسن إليه، وكان كثير الافتقاد له، وكان ابن آثال خبيرا بالأدوية المفردة والمركبة، وما منها سموم قواتل"[7].

 

كذلك اهتم الأمويون بإنشاء أماكن مخصصة لعلاج المرضى، وكانوا أول من فعل ذلك في تاريخ الإسلام، ويعتبر الوليد بن عبد الملك بن مروان (ت 96هـ/715م) أول من بنى المستشفيات في الإسلام، وكان ذلك في سنة 88هـ/707م، ومن المرجح أن هذا المستشفى الأموي الذي أنشئ في دمشق الأموية كان على نمط البيمارستانات البيزنطية في سورية والإسكندرية في مصر وجنديسابور قرب العراق، وكان مخصصا للمجذومين بالدرجة الأولى، قال المقريزي: "أول من بنى البيمارستان في الإسلام ودار المرضى الوليد بن عبد الملك، وهو أيضا أول من عمل دار الضيافة، وذلك سنة 88هـ، وجعل في البيمارستان أطباء، وأجرى لهم الأرزاق، وأمر بحبس المجذومين لئلا يخرجوا، وأجرى عليهم وعلى العميان الأرزاق، ولم يصل إلينا أي علم أو إشارة عن المكان الذي أنشأ فيه الوليد البيمارستان"[8].

 

الطب العباسي المبكر


   

بعد ترسيخ العباسيين سيادتهم في منتصف القرن الثاني للهجرة/الثامن للميلاد، استقر الاتصال الثقافي والاجتماعي بين العرب وغيرهم من الأجناس التي ألحقت بهم حديثا أو المتاخمة لهم، فنشطت على نطاق واسع ترجمة النصوص العلمية والفلسفية العائدة للثقافات القديمة، وذلك بعد أن نقل الخلفاء العباسيون البلاط من دمشق إلى بغداد.

 

في العصر العباسي الأول والمبكر منه، شجع أبو جعفر المنصور وحفيده هارون الرشيد ثم المأمون،  انتقال الأطباء من أحد أهم المراكز الطبية القديمة في منطقة "جنديسابور" إلى بغداد، واشتهر من هؤلاء آل بختيشوع الجد والابن والأحفاد.

 

أما الجد فهو جرجيس بن جبرائيل الجندي سابوري، أحد أهم أطباء مدينة جنديسابور التي تقع الآن في منطقة خوزستان الإيرانية القريبة من العراق، ففي سنة 148هـ أصيب الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بمرض في معدته لم يتمكن معه من الطعام، ولم يستطع أطباء بغداد علاجه، فأشاروا عليه باستقدام جرجيس من جنديسابور، فأُحضر إليه.

 

يقول ابن أبي أصيبعة: "لما وصل دعا إليه بالفارسية والعربية فتعجّب الخليفة من حُسن منظره ومنطقه، فأجلسه قدامه وسأله عن أشياء فأجابه عنها بسكون، فقال له: قد ظفرت منك بما كنت أحبه وأشتاقه. وحدّثه بعلّته وكيف كان ابتداؤها، فقال له جرجيس أنا أدبرك كما تحب. ولما كان من غد دخل إليه ونظر إلى نبضه وإلى قارورة الماء ووافقه على تخفيف الغذاء، ودبّره تدبيرا لطيفا حتى رجع إلى مزاجه الأول، وفرح به الخليفة فرحا شديدا، وأمر أن يُجاب إلى كل ما يُسأل"[9].

 

منذ تلك اللحظة، لمع نجم عائلة جرجيس وولده بختيشوع، وكان ولده بختيشوع أي "عبد المسيح" طبيبا خاصا لهارون الرشيد، ثم ولده جبرائيل، وكان أيضا طبيبا لهارون ولاثنين من أبنائه في بغداد، وكان اثنا عشر فردا من عائلة بختيشوع على امتداد ثمانية أجيال قد خدموا الخلفاء كأطباء ومستشارين، وهم نصارى نساطرة، اهتموا أيضا بترجمة النصوص وتأليف مقالاتهم الخاصة، ودامت هذه الحقبة حتى النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي[10].

 

 

  

أما النظريات التي اعتمد عليها أطباء الحضارة العربية آنذاك من المسلمين والنصارى على السواء، فكانت نظرية "الأمزجة" أو "الأخلاط"، وذلك في العصر العباسي الأول حتى أواخر القرن الثالث الهجري، وهذه النظرية تعود للطبيب اليوناني الروماني جالينوس في القرن الثاني الميلادي، ارتكز النظام الجالينوسي على مبدأ الأخلاط الأربعة: الدم والبلغم والصفراء والسوداء، وتتحدر هذه المعلومات من كتاب الطبيب اليوناني الأشهر "أبقراط"، وكانت تُقارن بالعناصر الأربعة: الهواء والماء والنار والتراب، وكانت الفصول الأربعة مهمة للأطباء، بحيث تؤخذ في عين الاعتبار عند التشخيص والعلاج[11].

 

ولم يمنع هذا التصور الجالينوسي الأطباء العرب من مراقبة المرضى بانتباه كلي، ومن استعمال المنطق لتفسير ما كانوا يرونه، فتشخيص المرض كان الهم الرئيسي للطب الهلينستي والعربي، في حين أن الجمع بين الفلسفة والطب، والذي كان واضحا في كتابات جالينوس، استمر في الأدب الطبي في العصر الوسيط في الأقاليم الإسلامية[12].

 

وهكذا تطور الطب العربي في بواكيره من التقليدية القديمة التي اعتمدت على موروثات الكهانة والسحر وتجارب العرب البسيطة والبدائية في الجاهلية، إلى اتخاذ الأساليب العلمية، والاهتمام بالاطلاع على تجارب الأمم الأخرى في هذا المضمار، وإن ظلت تسير ببطء في عصرها الأموي وبدايات العباسي. وفي تقريرنا القادم سنقف مع مصادر الطب اليوناني التي ترجمت إلى العربية، وأحد أهم أطباء الحضارة العربية الإسلامية في قرونها الأربعة الأولى، وهو أبو زكريا محمد بن أبي بكر الرازي، الطبيب الذي لا يزال ينظر إليه الغرب قبل الشرق بإعجاب وتقدير!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار