اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/4 الساعة 15:48 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/17 هـ

انضم إلينا
قبرص.. مفتاح البحر المتوسط الذي تصارع حوله الجميع

قبرص.. مفتاح البحر المتوسط الذي تصارع حوله الجميع

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض
مثلت قبرص على مر التاريخ موقعا جغرافيا استراتيجيا في شرق البحر المتوسط جعلها محط اهتمام القوى العالمية في القديم والحديث، فهذه الجزيرة تقع بالقرب من الأناضول وبلاد الشام ومصر، وقد أثبت التاريخ أن الذي يتمكن من السيطرة عليها، أو يتخذ فيها قواعد عسكرية ثابتة يكون له النصيب الأوفر في فرض قوته في شرق البحر المتوسط وسهولة الوصول إلى بلاد الأناضول والشام ومصر؛ واليوم مع استكشاف كميات كبيرة من الغاز يسيل لعاب الجميع في ظل اختلافهم على ترسيم الحدود البحرية لا سيما تركيا ومصر وقبرص واليونان وإسرائيل حول هذه الثروة التي قد تكون نقمة إن نشب صراع عسكري بينهم؛ لذا كان من اللافت سعي جميع القوى العالمية منذ ما قبل التاريخ للسيطرة على هذه الجزيرة الإستراتيجية، فكيف أرادها الجميع؟ ولماذا انتقلت الجزيرة من يد إلى أخرى عبر التاريخ؟! وما الذي تمثله هذه الجزيرة في واقع السياسية الإقليمية والعالمية المعاصرة؟!

 

تعتبر قبرص أكبر جزر البحر الأبيض المتوسط من ناحية المساحة، وأقربها إلى ساحله الشرقي، تبعد عن ساحل تركيا الجنوبي مسافة 65 كم، وعن الساحل السوري 90كم، وعن الساحل المصري 400 كم، وعن سواحل اليونان 900 كم، يبلغ طولها 235 كم وعرضها 90 كم، وتبلغ مساحتها 9251كم2 أي تقرب مساحتها مساحة لبنان[1].

 

تبدو أهمية الجزيرة في موقعها الجغرافي الذي لفت نظر المحاربين وأصحاب التوسع من القديم إلى اليوم، ولما لم تخضع هذه الجزيرة لحكم واحد من القديم فقد فكر كل خصم في احتلال الجزيرة ليتخذها قاعدة يُهاجم منها عدوه، حيث احتلها الحيثيون في الأناضول، ثم المصريون الفراعنة في سنة 1450 قبل الميلاد، ثم الإغريق بعد المصريين ، ثم الآشوريون، ثم عاد المصريون إليها مستغلين مناجم النحاس فيها، فضلا عن الأخشاب، ثم استولى الفرس على الجزيرة من المصريين، ثم الإسكندر المقدوني ومن بعده تمكن قائده بطليموس من الاستيلاء على مصر وقبرص في سنة 322 ق.م، وأخيرا استولى الرومان على الجزيرة قبل أن يفكر المسلمون في فتحها حين دانت لهم بلاد الشام في عصر الخلافة الراشدة[2].

    

  

قبرص في عصرها الإسلامي
حين فتح المسلمون بلاد الشام، بقيت مناطق الساحل التي كانت بيد الروم البيزنطيين تشكل خطورة لا سيما كل من صور وعكا؛ حيث كانت تأتي الإمدادات العسكرية من هذه المنطقة الساحلية لدفع التقدم الإسلامي، وبالفعل استطاعت عرقلة تقدم فتوحات عمرو بن العاص، واضطر المسلمون إلى الاستعانة بالحامية الإسلامية الأكبر في دمشق التي كان يحكمها آنئذٍ يزيد بن أبي سفيان، وقد لبى يزيد النداء بإرسال قوة عسكرية داعمة بقيادة أخيه معاوية بن أبي سفيان، الذي بدأ منذ تلك اللحظة يدرك حقيقة هذه المنطقة وأنها مفتاح الشام والخناق الذي يجب انتزاع سيطرة البيزنطيين عنه لضمان بقاء المسلمين بهذا الإقليم[3].

      

وحين تولى معاوية مقاليد الحكم في بلاد الشام بعد وفاة أخيه يزيد، أرسل إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستأذنه في فتح جزيرة قبرص، لكن استراتيجية الفاروق كانت إبعاد الجيوش الإسلامية عن أي حاجز بحري يحول بينهم وبين العودة، وهكذا فعل مع عمرو بن العاص حين أراد فتح مصر في بادئ الأمر، وفي زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه أعاد معاوية الاستئذان في فتح قبرص، فأرسل إليه لكن عثمان رفض الأمر لأنه كان مقتنعا بوجهة نظر عمر.

    

   

على أن معاوية أعاد المحاولة من جديد سنة 27هـ، "فكتب إليه عُثْمَان: فإن ركبتَ البحر ومعك امرأتك فأركبه مأذونا لك وإلا فلا. فركب البحر من عكا ومعه مراكب كثيرة وحمل امرأته فأخته بنت قرظة بن عبد عمرو القرشية، وحمل عبادة بن الصامت امرأته أم حرام بنت ملحان الأنصارية، وذلك في سنة ثمان وعشرين بعد انحسار الشتاء ويقال في سنة تسع وعشرين، فلما صار المسلمون إِلى قبرص فأرقوا إِلى ساحلها بعث إليهم أركونها (زعيم الجزيرة) يطلب الصلح وقد أذعن أهلها به فصالحهم (المسلمون) عَلَى سبعة آلاف ومائتي دينار يؤدونها في كل عام، وصالحهم الروم عَلَى مثل ذلك فهم يؤدون خراجين"[4].

     

ولم تمر بضع سنوات على ذلك الصلح إلا ونبذ القبارصة اتفاقهم مع المسلمين سنة 32هـ حين ساعدوا البيزنطيين وأمدوهم ببعض السفن في حربهم ضد معاوية في الشام، عندها قرر معاوية أن يضم قبرص هذه المرة إلى الدولة الإسلامية وذلك بغزوها بقوة عسكرية وبحرية بلغت 500 سفينة صُنعت لهذا الغرض في دور الصناعة البحرية الجديدة في كل من الشام ومصر، وتمكن بالفعل من فتح الجزيرة، وأنشأ حامية عسكرية دائمة فيها بلغت 12 ألف مقاتل، ومنذ تلك اللحظة صارت قبرص جزءا من الأراضي الإسلامية[5].

  

        

وفي زمن يزيد بن معاوية تمكن القبارصة من هدم المدينة التي بُنيت للحامية الإسلامية في الجزيرة، حين سحب يزيد هذا الجيش إلى الشام، وظلت عمليات إرسال الحملات العسكرية إلى الجزيرة في العصرين الأموي والعباسي، لا سيما في زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك ثم في عصر هارون الرشيد[6]حين اشتد الصراع بين العباسيين والبيزنطيين في جزيرة كريت وأثّر ذلك بدوره على حياد قبرص، التي امتنعت سنة 902م في زمن الخليفة العباسي المكتفي عن دفع الجزية، بل إن الإمبراطور البيزنطي ليو السادس كلف نائبه في قبرص بمنع الاتصال البحري بين المسلمين في جزيرة كريت وبين الشام، الأمر الذي اعتبرته الخلافة العباسية عملا عدوانيا من قبرص يستلزم الرد[7].

   

أغار العباسيون على الجزيرة بقيادة قائد عسكري بحري عرف بقسوته هو دمنانة، فخرج دمنانة سنة 297 هـ/911م في عهد الخليفة العباسي المقتدر للثأر من القبارصة ونزل بشواطئ الجزيرة وأقام بها أربعة أشهر يقتل ويسبي ويحرق ويحصّن المواضع التي استولى عليها، لكن ظلت العلاقة بين القبارصة والدولة الإسلامية على حالها من الاضطراب، حتى تمكن الإمبراطور البيزنطي نقفور من إعادة قبرص إلى الدولة البيزنطية سنة 965م، وهكذا عادت الجزيرة نهائيا إلى حظيرة البيزنطيين، وكفّ المسلمون أيديهم عن مهاجمة الجزيرة للضعف الداخلي، والحروب العباسية الفاطمية التي استنزفت الجانبين، وحتى في زمن السلاجقة الذين سيطروا على الشام والأناضول لم يتمكن هؤلاء من إعادة الجزيرة لأنهم ظلوا قوة عسكرية برية في المقام الأول والأخير[8].

   

حين بدأت الحروب الصليبية على العالم الإسلامي سنة 491هـ، كان العداء هو السمة البارزة بين البيزنطيين حكام الجزيرة وبين اللاتين الصليبيين للاختلاف المذهبي بين الفريقين، ولما تمكن الصليبيون من الاستيلاء على سواحل الشام خاصة أنطاكية واللاذقية وهي أقرب المناطق الشامية إلى جزيرة قبرص أسرع القبارصة إلى الالتحام العسكري بالصليبيين وعملوا جاهدين على الاستيلاء على أنطاكية، لكن الصليبيين من جهتهم بقيادة أرناط عملوا على تأديب القبارصة بحملة صليبية فاقت بشاعتها الوصف حين جدع أرناط أنوف رجال الدين القبارصة، وعاث فيها إحراقا وتدميرا[9].

     

  

حينذاك تمكن أحد القادة البيزنطيين وهو إسحاق كومنين من الاستقلال بقبرص عن الدولة البيزنطية، وكان إسحاق شديد الكراهية للصليبيين، بل كان موقفه أقرب لصلاح الدين والمسلمين منه إلى الصليبيين، وحين تمكن صلاح الدين الأيوبي من استرجاع بيت المقدس، انطلقت الحملة الصليبية الثالثة بقيادة ملك انجلترا ريتشارد قلب الأسد وفليب أغسطس ملك فرنسا، وفي تلك الأثناء جنحت بعض السفن الانجليزية إلى قبرص، وأصدر إسحاق كومنين قراره بمصادرة تلك السفن وأسر مقاتليها، الأمر الذي جعل الملك الانجليزي يحتل الجزيرة، ويجعلها تابعة للصليبيين لأول مرة منذ تاريخ الحروب الصليبية.

   

قبرص قاعدة صليبية

يرى المؤرخ المعروف الدكتور سعيد عاشور أن فتح قبرص وضمها للصليبيين في تلك اللحظة المفصلية من الصراع الإسلامي الصليبي "جعلها أهم ما تمخّضت عنه الحملة الصليبية الثالثة من النتائج لا في تاريخ قبرص والحروب الصليبية فحسب بل في تاريخ الشرق بوجه عام، فالشرق اللاتيني الذي كاد يلقي به صلاح الدين في غيابة البحر الأبيض كُتب له أن يولد مرة أخرى وسط الأمواج المحيطة بشواطئ الجزيرة القبرصية، ذلك أن قبرص أصبحت بعد فتحها مركزًا دائمًا لتموين البقايا الصليبية بالمشرق، كما أصبحت محورا لكثير من الحركات الصليبية في الشرق والغرب مدة قرون"[10].

  

ساعد الملك الإنجليزي ريتشاد قلب الأسد الأمير الفرنسي جاي لوزجنان على أن يحكم قبرص في مقابل تنازله عن حقه في حكم مملكة بيت المقدس الصليبية، ووافق لوزجنان على ذلك، وتمت الإجراءات القانونية لإبرام الصفقة قبل أن يترك ريتشاد عكا في 9 أكتوبر سنة 1192م عائدًا إلى بلاده، وبالفعل تسلم جاي حكم الجزيرة حوالي ذلك التاريخ، "وهكذا قامت الدولة اللوزجنانية بجزيرة قبرص، وهي الدولة التي استمرت ما يقرب من ثلاثة قرون (1192- 1472م) وأثرت في اتجاهات الحروب الصليبية تأثيرا قويا"[11].

    

الملك الإنجليزي ريتشاد قلب الأسد

مواقع التواصل
  

ومع مجيء المماليك سنة 648هـ، وسقوط الدولة الأيوبية تغير الوضع السياسي والاستراتيجي في العلاقات بين المسلمين والصليبيين فقد حرك المماليك المياه الراكدة، وأعادوا حركة المقاومة والجهاد ضد الوجود الصليبي في الساحل الشامي مرة أخرى، وتكلل هذا النجاح في عصر السلاطين ركن الدين بيبرس والمنصور قلاوون الألفي وابنه الأشرف خليل بن قلاوون الذي تمكن من طرد الصليبيين من آخر معاقلهم في بلاد الشام وهي عكا سنة 690هـ، ولم يجد الصليبيون ملجأ قريبا يلجئون إليه سوى جزيرة قبرص القريبة من الشام، وهكذا أصبحت قبرص منذ القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي مركزا شديد الخطورة، يعد آخر قلاع الصليبية في المشرق الإسلامي[12].

   

اتخذ القبارصة الصليبيون من جزيرتهم مركزًا للوثوب على الموانئ الإسلامية في شرق البحر المتوسط وتهديد تجارة المسلمين، فقام "بطرس الأول لوزجنان" ملك قبرص بحملته القبرصية الصليبية على الإسكندرية في سنة (767هـ/ 1365م)، قال المؤرخ ابن تغري بردي: "وفي سنة سبع وستين وسبعمائة أخذت الفرنج مدينة إسكندرية في يوم الجمعة ثالث عشرين المحرّم؛ على حين غفلة في سبعين قطعة (بحرية) ومعهم صاحب قبرص، وعدّة الفرنج تزيد على ثلاثين ألفا وخرجوا من البحر المالح إلى برّ الإسكندرية فخرج أهلها إليهم فتقاتلوا فقتل من المسلمين نحو أربعة آلاف نفس واقتحمت الفرنج الإسكندرية وأخذوها بالسيف واستمروا بها أربعة أيام وهم يقتلون وينهبون ويأسرون"[13]. وتكرّرت مثل هذه الحملة على طرابلس الشام في سنة (796هـ/ 1393م).

    

ويبدو أن مثل هذه الحملات الصليبية القبرصية على مصر والشام وعدم وجود رد فعل مناسب من المماليك على هذه التصرفات العدوانية المتكررة من الجانب الصليبي جعلهم يكررون محاولاتهم في القرن التالي، وظلّت غارات القبارصة لا تنقطع على الموانئ الإسلامية، ولم تفلح محاولات سلاطين المماليك في دفع هذا الخطر والقضاء عليه، وبلغ استهانة القبارصة بهيبة دولة المماليك واغترارهم بقوتهم أن اعتدى بعض قراصنتهم على سفينة مصرية سنة 826هـ وأسروا من فيها، ولم تفلح محاولات سلطان المماليك حينذاك برسباي في عقد معاهدة مع "جانوس" ملك قبرص، تَضْمن عدم التعدي على تجار المسلمين[14].

     

  

وتمادى القبارصة في غرورهم، فاستولوا على سفينتين تجاريتين، قرب ميناء دمياط، وأسروا من فيهما، وكانوا يزيدون على مائة رجل، ثم تجاوزوا ذلك فاستولوا على سفينة محملة بالهدايا كان قد أرسلها السلطان برسباي إلى السلطان العثماني "مراد الثاني"، عند ذلك لم يكن أمام برسباي سوى التحرك لدفع هذا الخطر، فأعد ثلاث حملات لغزو قبرص، وذلك في ثلاث سنوات متتالية[15].

  

قبرص ولاية مصرية!

في الحملة المصرية الثالثة استهدف السلطان بَرْسْبَاي فتح الجزيرة وإخضاعها لسلطانه، فأعد حملة أعظم من سابقتيها وأكثر عددا وعُدة، حيث أبحرت مائة وثمانون سفينة من ميناء رشيد في (829هـ = 1426م)، واتجهت إلى ليماسول، فلم تلبث أن استسلمت العاصمة للقوات المصرية في (26 شعبان 829هـ/ 2 يوليو 1426م)، وتحركت الحملة شمالا في جزيرة قبرص، وحاول ملك الجزيرة أن يدفع القوات المصرية، لكنه فشل وسقط أسيرًا[16].

   

احتفلت القاهرة برجوع الحملة التي شقّت شوارع القاهرة من شمالها إلى جنوبها، حيث احتشد أهلها لاستقبال الأمراء والمجاهدين المتطوعين في (8 شوال 829هـ/ 14 أغسطس 1426م)، وكانت جموع الأسرى البالغة 3700 أسير تسير خلف الموكب، وكان من بينها الملك جانوس وأمراؤه[17].

       

الملك القبرصي الأسير جانوس

مواقع التواصل 

      

وصف لنا المؤرخ المصري جمال الدين ابن تغري بردي - وكان شاهدًا على ذلك الحدث الجلل - مشهدَ دخول الملك القبرصي الأسير جانوس على السلطان المملوكي الأشرف برسباي في قلعة الجبل في القاهرة قائلا: "ولقد عاينتُ جينوس المذكور لما دخل من الحوش (ساحة قلعة الجبل/صلاح الدين)، ورأى تلك الأبهة والعظمة أُغمي عليه، واستلقى على الأرض كالميّت، ثم أفاق، وأعلامه منكّسة أمامه، وعُرضت الغنائم والأسرى على السلطان، ثم قدم جينوس بقيوده مكشوف الرأس، فخرّ على وجهه يعفره في التراب، ثم قام وقد أظهر من الخوف ما لا مزيد عليه، ثم أمر السلطان بتوجهه إلى منزل قد أُعد له بالحوش، فكان هذا اليوم من الأيام التي لم نعهد بمثلها، ولا شاهدنا مثل هذا اليوم الذي عظّم الله قدره بنصر المسلمين، وأعز الله فيه دينه، فلله الحمد على هذه النعمة، ولما كان جينوس بين يدي الملك الأشرف على تلك الهيئة المذكورة، صارت دموع الأشرف تذرف، وهو يلهج بحمد الله وشكره"[18].

    

كما استمرت قبرص "من جملة بلاد السلطان"[19]، وظل حنا ابن جانوس على ولائه للدولة المملوكية، تابعًا لها على المستوى السياسي، حتى إنه تقلد "خلعة الولاية" التي أرسلها برسباي له حينما خلف أباه على العرش سنة 1432م/835هـ وظلت قبرص تابعة للسيادة المملوكية في مصر.

  

قبرص في يد العثمانيين

تزوج آخر ملوك قبرص الملك جيمس من امرأة من البندقية توفي عنها، ورثت من بعده الجزيرة، ثم سرعان ما تنازلت عنها للبنادقة سنة 1489م، وبالرغم من ذلك ظل البنادقة في قبرص حريصون على دفع الجزية للمماليك في مصر، حتى سقوط دولتهم على يد العثمانيين، فتحولوا لدفع الجزية إلى الأقوياء الجدد العثمانيين، لكن سرعان ما استولى العثمانيون على الجزيرة في خلافة السلطان سليم الثاني سنة 1570 - 1571م[20].

  

كان فتح العثمانيين لقبرص في تلك السنة آخر أكبر نصر للجيش العثماني، وكان لابدّ لفتح هذه الجزيرة المحصنة والإستراتيجية والتي كان الهدف من ورائها قطع الاتصال بينها وبين أقوى أسطول مسيحي في البحر المتوسط، وأن يتم إنزال جيش عثماني كبير قادر على الصمود فيها، وهكذا فقد جاء هذا النصر، الذي تم بفضل التعاون بين القوات البرية والبحرية كأعظم إنجاز للأسلحة العثمانية، وكان فتح العثمانيين لقبرص الدافع الأكبر لتأسيس التحالف المسيحي ضد العثمانيين في نفس العام[21].

    

  

انتصر الأسطول الأوروبي المسيحي بقيادة دون جون النمساوي على الأسطول العثماني في لبيانتو بتاريخ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 1571م، وذلك في أكبر موقعة جرت في البحر المتوسط حتى ذلك الحين، ففي هذه الموقعة شاركت أربعمائة وثمان وثلاثون سفينة، وخسر العثمانيون مائتي سفينة من مجمل سفنهم التي بلغت حينذاك مائتين وثلاثين سفينة شاركت في تلك الموقعة، بينما وصل عدد القتلى من الجانبين تسعة وخمسين ألف قتيل، وقد احتفلت كل أوروبا بهذا النصر باعتباره نهاية الخطر العثماني الذي كان يهدد القارة، لكن سرعان ما أعاد العثمانيين بناء أسطولهم، وحين رأى البنادقة قوة الأسطول الجديد تخلوا نهائيا عن حلم استعادة قبرص[22].

  

المشكلة القبرصية

عاشت الطائفتان التركية واليونانية في وئام طوال الحكم العثماني، حتى تم تأجيرها للإنجليز بموجب اتفاقية بينهم والدولة العثمانية مقابل وقوف بريطانيا بجانب العثمانيين فيما لو فكرت روسيا القيصرية في غزو مناطق حدودية للإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر لكن بريطانيا ضمت الجزيرة إليها بعد أن تحالف العثمانيون مع ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، واستمر البريطانيون بها مستعمرين حتى قامت ثورات ضدهم من القبارصة الأتراك واليونانيين على حد سواء، وفي عام 1960 تم تأسيس الجمهورية القبرصية بموجب اتفاقيتي زيورخ ولندن، وتم الاتفاق على دستور ينص على منح القبارصة الأتراك واليونانيين حق الاشتراك في إدارة الجمهورية الوليدة[23].

 

لم يستمر الوضع في الجمهورية القبرصية الجديدة حسب تلك الاتفاقيات، ففي عام 1963 قام القبارصة اليونانيون بحملات عسكرية على نظرائهم القبارصة الأتراك رافعين شعار "الإينوسيس" المتفرعة عن فكرة "الميغالي" التي تدعو بشكل مختصر إلى ضم كامل الجمهورية أو الجزيرة إلى اليونان وإحياء الإمبراطورية الإغريقية، تدعمهم في ذلك الكنيسة الأرثوذوكسية اليونانية بقيادة الأسقف مكاريوس الذي عين رئيسا للجزيرة[24].

    

  

شن تحت هذا الشعار الأسقف مكاريوس حملات إبادة ضد المسلمين الأتراك القبارصة وحاول بشتى الطرق تهجيرهم ليتسنى له بعد ذلك الانضمام إلى اليونان، وبدأت المنظمات القبرصية اليونانية المتطرفة بارتكاب جرائم ومذابح جماعية عديدة ضد القبارصة الأتراك منذ عام 1963 حتى منتصف عام 1974، إلى أن اضطرت تركيا في زمن وزير الدفاع نجم الدين أربكان للتدخل للحيلولة دون وقوع كارثة كبيرة على غرار ما حصل للأتراك في جزيرة كريت فيما بين عامي 1897 حتى 1920 وأصبحت قبرص من ذلك التاريخ مقسمة بين القبارصة الأتراك في الشمال واليونان في الجنوب[25].

    

وهكذا ظل الوضع في الجزيرة القبرصية متغيرا، انتقلت معه الجزيرة من يد إلى أخرى على طول التاريخ، ساعد على ذلك عدم وجود وحدة سكانية متماسكة؛ هذا الانتقال كان سببه السيطرة الجغرافية والاستراتيجية على شرق البحر المتوسط، ومن ثم التقدم الاستراتيجي والعسكري والمراقبة الدائمة لمناطق بلاد الشام والأناضول ومصر، واليوم تقف الجزيرة على نقطة التاريخ المتكررة، لا سيما مع اكتشاف كميات كبيرة من الغاز وسط لاعبين إقليميين مختلفين كمصر وإسرائيل وقبرص واليونان من جهة وتركيا من جهة أخرى، مع وجود المشكلات السياسية بين القبارصة الأتراك واليونان، فضلا عن  الأوضاع العسكرية الساخنة في بلاد الشام، ليكون السؤال: كيف سيكون شكل الجزيرة مع تغير خارطة الشرق الأوسط!

المصادر

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار