هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
فرج المملوكي.. كيف دمر بعبثيته أراضي الشام ومصر؟

فرج المملوكي.. كيف دمر بعبثيته أراضي الشام ومصر؟

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض
لا يعتبر صعود الشباب إلى مراكز القيادة والحكم مؤشرا على حيوية الدولة وقوتها في أغلب الأحيان، إذ يعتمد هذا على طبيعة إعداد الشباب لمراكز القيادة، وفهمهم لمحركات السياسة، وطبيعة العلاقات الدولية والإقليمية، وموازين القوى الداخلية والخارجية.

       

وإذا كان التاريخ يخبرنا أن أغلب النماذج الشبابية التي صعدت إلى مراكز الحكم تمكنت من التغيير الإيجابي، فإن التاريخ نفسه يعود ليخبرنا أن ثمة نماذج شبابية أخرى كانت أشد رعونة، وأقل خبرة، وكان صعودها لمراكز اتخاذ القرار بمنزلة كارثة سياسية وعسكرية وحضارية على مسيرة الدول التي حكموها، ومن هؤلاء المغفّلين السلطان المملوكي فرج بن برقوق.

 

تفكك التحالف الإسلامي

رأينا في تقريرنا السابق السرور الغامر الذي أصاب السلطان تيمورلنك بوفاة غريميه اللدودين السلطان المملوكي الظاهر برقوق في القاهرة والقاضي برهان الدين في سيواس، وهما من أهم الشخصيات التي أوقفت التمدد المغولي التيموري في الأناضول والشام، فقد أثبت السلطان المملوكي برقوق -برغم المشكلات الداخلية التي مر بها في صراعه مع المماليك البحرية- أنه كان سياسيا وعسكريا بارعا على السواء، بل استطاع أن يهاجم بعض القوات التيمورية في مناطق أعالي العراق وديار بكر، لذا كانت وفاة برقوق فرصة سانحة لتيمورلنك ما كان ليضيعها بسهولة للمضي في خطته التوسعية في منطقة الشرق الأوسط.

    

لذا، عاد تيمور في العام التالي من وفاة برقوق سنة 802هـ/1400م من غزوه للهند مسرعا إلى وسط آسيا ثم إلى إيران وأخيرا تمركز في العراق التي استعادها من أميرها أحمد بن أويس الجلائري، واضطر الجلائري وأمير أذربيجان قرة يوسف إلى الهرب بقواتهما واللجوء السياسي والعسكري إلى دولة المماليك الجراكسة في حلب، وفي حلب تجهّز هؤلاء لمواجهة تيمور عسكريا في سبعة آلاف مقاتل، لكن تيمور أنزل بهم الهزيمة بسهولة، وبدلا من النزول إلى الشام، قرر تيمور تأديب السلطان العثماني بايزيد.

         

       

لم يجد بايزيد بُدًّا من الاستنجاد بالمماليك لإعادة إحياء الجبهة الإسلامية الموحّدة التي أُنشئت خصيصا لمواجهة الغزو التيموري، لكن المماليك تجاهلوه ولم يردوا على رسالته الاستغاثية تأديبا له؛ ذلك أن بايزيد استغل وفاة السلطان برقوق فتوسّع واحتل بعض الأراضي المملوكية في الأناضول لا سيما ولايتي الأبلستين أو البستان وملطية، وكان ردّ كبار الأمراء في مصر على تلك الرسالة: "الآن صار صاحبنا، وعندما مات أستاذنا الملك الظاهر برقوق مشى على بلادنا، وأخذ ملطية من عملنا، فليس هو لنا بصاحب، يقاتل هو عن بلاده، ونحن نقاتل عن بلادنا ورعيتنا، وكتب له عن السلطان بمعنى هذا اللفظ"([1]).

     

كان ذلك الرد المملوكي نوعا مما يمكن تسميته بـ "الحماقة السياسية" في وقت كان المماليك والعثمانيون فيه على السواء في أشد الحاجة إلى التوحد ونسيان الخلافات السياسية بينهما في مواجهة عدو خطير مثل تيمورلنك، هذه الحماقة السياسية التي وقع فيها المماليك حكاها أحد كبار الأمراء المماليك أنفسهم نقلا عن تيمورلنك، وكان قد وقع أسيرا في يد تيمورلنك، ثم قرّبه وعفا عنه بعد ذلك، قائلا: "قال لي تيمورلنك ما معناه: إنه لقي في عُمره عساكر كثيرة وحاربها، لم ينظر فيها مثل عسكرينِ: عسكر مصر (المماليك) وعسكر ابن عثمان (العثمانيين)، غير أن عسكر مصر كان عسكرا عظيما ليس له من يقوم بتدبيره لصغر سن الملك الناصر فرج، وعدم معرفة من كان حوله من الأمراء بالحروب، وعسكر ابن عثمان المذكور، غير أنه كان أبو يزيد (السلطان بايزيد الأول) صاحب رأي وتدبير وإقدام، لكنه لم يكن له من العساكر من يقوم بنصرته"([2]).

    

ولهذا علّق المؤرخ المعاصر لتلك الأحداث جمال الدين يوسف ابن تغري بردي على ذلك بقوله: "ولهذا قلتُ: إن المصلحة كانت تقتضي الصُّلح مع أبي يزيد بن عثمان المذكور، فإنه كان يُصيّر للعساكر المصرية من يدبّرها، ويصيّر لابن عثمان المذكور عساكر مصر مع عساكره عونا، فكان تيمور لا يقوى على مدافعتهم، فإن كلا من العسكرين كان يقوى دفعه لولا ما ذكرناه"([3]).

     


             

ومع ذلك لم يستعد جيش المماليك في مصر والشام للخطر التيموري القريب، بل تمكن تيمور من دخول أراضي المماليك بكل سهولة، فاستولى على مرعش وعين تاب ووصلت طلائع قواته إلى بُزاعة بالقرب من حلب، وعلى الرغم من أن حكام المماليك من القادة العسكريين في الشام وحلب أرسلوا إلى القاهرة يطلبون المساعدة العسكرية العاجلة، فإن فرج أرسل إلى هؤلاء القادة في الشام بمواجهة قوات تيمور بصورة فردية وعليهم ألا ينتظروا أي دعم قادم من القاهرة!

     

قال ابن تغري بردي: "اجتمع الأمراء والنواب على قتال تيمور، وتهيّأ كل منهم للقائه بعد أن يئسوا من مجيء السلطان وعساكره، لعلمهم بعدم رأي مدبّري مملكة مصر من الأمراء، ولصغر سن السلطان، وقد فات الأمر وهم في قلة إلى الغاية بالنسبة إلى عساكر تيمور وجنوده وجموعه، وكان الأليق خروج السلطان من مصر بعساكره ووصوله إلى حلب قبل رحيل تيمور من سيواس، كما فعل الملك الظاهر برقوق -رحمه الله-"[4].

   

لماذا تقاعس فرج؟!

حين ارتقى السلطان فرج بن برقوق إلى عرش السلطنة المملوكية في القاهرة كان فتى يافعا لا خبرة له، وكان والده قد عيّن مجلسا من بعض كبار القادة المماليك لتدبير شؤون البلاد والوصاية على فرج حتى وصوله إلى سن الرشد، وأدّت هذه الحالة إلى تقاطع المصالح بين القادة المماليك، وسرعان ما ثار حكام المماليك في الشام على سلطة فرج ومجلس الوصاية ذلك، بل وانضم إلى جانبهم واحد من كبار رجال ذلك المجلس في القاهرة وهو الأمير أيتمش، لكن فرج وبقية الأمراء المماليك تمكنوا من هزيمة هذا الحلف4.

   

على أن أمراء الشام عادوا مرة أخرى وتمكنوا من الخروج على طاعة فرج ومجلس الوصاية في القاهرة، وكان على رأس هؤلاء الخارجين الأمير شيخ المحمودي الذي سيعتلي عرش المماليك بعد مقتل فرج. في ظل تلك الحالة من التقلبات السياسية والنزاع الأهلي الداخلي بين المماليك في القاهرة بزعامة فرج والمماليك في الشام بزعامة شيخ المحمودي تمكن تيمور من دخول شمال بلاد الشام، وكانت الأوضاع المالية مستنزفة لا تقوى على الدعم العسكري الذي كان يتطلب النفقة في الجنود، واضطر السلطان فرج إلى فرض ضرائب استثنائية على التجار، وبيع بعض الأوقاف مخالفا بذلك سلطة القضاء والفقهاء، تزامن ذلك مع حالة من الجفاف وانعدام الأمن وانتشار اللصوص في مصر4.

       

   

وكان النزاع بين أعضاء مجلس الوصاية على العرش ممثلا في قائد الجيش المملوكي الأمير أيتمش البجاسي وأمراء السلطان فرج المقربين المماليك الخاصكية أو الحرس السلطاني الخاص، وما تلاه من نزاع على النفوذ في القلعة وفي القاهرة سببا من أسباب تلكؤ الناصر فرج وعدم قدرته على مساعدة الشام، هذا فضلا عن خطة الدولة لاستخدام الجنود "البطّالين" وهم الجنود المتقاعدون أو المرتزقة ممن خُشي شراؤهم بالمال لصالح العدو في أرض المعركة([5]).

   

فكان تأخر فرج عن مساعدة بلاد الشام وتردد الجيش المصري في المجيء سببا في ضعف الروح المعنوية والقتالية، فعلى الرغم من توحّد أمراء الشام لمواجهة الجيش التيموري عند حلب فإن الهزيمة كانت من نصيبهم، وراحت تلك القوات تُنزل بأهل المدينة ومنشآتها سوء العقاب من قتل وحرق وتعذيب وتنكيل لمدة شهر كامل، ثم سهُل على تيمورلنك الاستيلاء على مدن حماة وحمص وبعلبك([6]).

    

ويتفق عدد كبير من المؤرخين على أن السبب الأبرز لهزيمة الجيوش الشامية أمام تيمور هو التجاؤهم إلى اتباع نظام الاستنفار، وهذا النظام كان الأمير المملوكي بمقتضاه ينادي في عموم الناس بالتحول والتحصن في مدنهم، والاستعداد لملاقاة العدو، والدفاع عن أراضيهم وممتلكاتهم، لكن دور الأهلين غير المدرّبين وغير المؤهلين في دفع الخطر الخارجي لم يكن ليرقى في هذا السبيل دونما وقوف قيادة عسكرية بجوارهم، مما كان له أسوأ الأثر في السقوط السريع أمام جحافل تيمورلنك([7]).

   

وكان الجيش المملوكي المصري ينتابه الضعف في ذلك التوقيت؛ ذلك أن السلطان برقوق سمح لأول مرة للجنود أن ينزلوا من الثكنات العسكرية وأبراج القلعة للخُلطة بالأهالي في القاهرة، فأكسبهم ذلك نوعا من الدعة والكسل، وفقدوا الانضباط العسكري في معسكرات الجيش، يُضاف إلى ذلك أن هؤلاء جُلبوا منذ أواخر الدولة المملوكية الأولى كبارا في السن، غير مدربين التدريب الكافي من فنون الفروسية والقتال كما كانوا في عصر الدولة المملوكية التركية الأولى، فكانت هذه الأحوال هي حقيقة الوضع العسكري لجيش المماليك في مصر آنذاك، هذا مع وجود سلطان صبي أهوج لم يكن يتعدى الثالثة عشر عاما على أفضل الأحوال([8])!

       

فاجعة دمشق!

في نهاية المطاف أمام هذا الغزو التيموري الجارف اضطر السلطان الناصر فرج بن برقوق للخروج من القاهرة بجيشه على عجل بعد تأخر دام شهرين كاملين، ورأى وهو في غزة أن جيشه قليل العدد، فأرسل إلى نائبه في القاهرة الأمير تمراز الناصري طالبا أن يمده بألف فارس وألف جمل إضافي([9]).

   

وصل فرج بجيشه إلى دمشق أوائل شهر جمادى الأولى سنة 803هـ/1401م، حيث استقبله الأهالي بالصراخ والابتهال إلى الله، بينما كان أمراؤه على حالهم من الاختلاف، وقد مكث فرج لمدة شهر في المدينة، حدثت خلالها بعض المناوشات بين قواته والقوات المغولية التيمورية لم تسفر عن شيء([10]).

   

ويبدو أن الاشتباكات والمناوشات بين المماليك والمغول تكررت أربع مرات حسب رواية العلامة ابن خلدون الذي كان موجودا آنذاك داخل المدينة، أسفرت آخرها عن نصب المغول لكمين لقوات المماليك حيث أنزلوا بهم هزيمة مفجعة([11]).

  

أحد أبواب الجامع الأموي - دمشق (مواقع التواصل الإجتماعي)

   

فأرسل تيمور إلى الناصر فرج شروطه، ومنها الإفراج عن الأمير أطلمش المغولي الذي أسرته قوة مملوكية تركمانية مشتركة في أواخر سلطنة الظاهر برقوق بالقرب من ماردين شمال الجزيرة الفراتية، وكان أطلمش من كبار القادة المغول وقريب تيمورلنك، وأيضا إقامة المماليك الخطبة لتيمورلنك، وسك العملة باسمه، أي تبعية مصر والشام لدولة تيمورلنك([12]).

     

ووافق فرج على هذه الشروط مُرغما إزاء الضعف والانحلال العسكري والتآمر داخل المعسكر المملوكي، وبدلا من استمرار المواجهة، قرر عدد من كبار الأمراء الهرب بجنودهم صوب القاهرة ليحتلوا قلعة الجبل، ولكي ينقضّوا على منصب السلطنة مستغلين وجود فرج في الشام، الأمر الذي اضطره إلى الإسراع والعودة إلى القاهرة، وقد ترك الجميع دمشق تقابل مصيرها وحدها([13])!

    

وينقل المؤرخ المعاصر لتلك الحوادث ابن تغري بردي هذا الانسحاب المخزي عن بعض القادة المماليك بقوله: "أخبرنى غير واحد من أعيان المماليك قالوا: لما بلَغَنا خروجُ السلطان ركبنَا في الحال، غير أنه لم يعُقنا عن اللّحاق به إلا كثرة السلاح الملقَى على الأرض بالطريق مما رمتها المماليك السلطانيّة (جنود السلطان المكلفين بحمايته) ليخفّ ذلك عن خيولهم، فمن كان فرسه ناهضا خرج، وإلّا لحقه أصحاب تيمور وأسروه"[14]، وهو مشهد يصور الهروب المخزي لنخبة قوات الجيش المملوكي وعلى رأسهم السلطان بدلا من حماية عاصمة الشام من الغزو التيموري الوشيك.

    

في المقابل أصر أهل دمشق على المقاومة والدفاع، وأظهروا بسالة وتضحية عالية أمام الهجمات المغولية المتكررة على أسوار المدينة، وحين فشل تيمور في أخذ المدينة بالطرق العسكرية فقد عمل على أخذها بالحيلة والخداع، ذلك أنه أرسل زاعما في طلب الصلح والرحيل مقابل دفع أهل دمشق جزية قدرها مليون دينار، فأرسل أهل دمشق وفدا برئاسة الفقيه ابن مفلح الحنبلي والعلامة ابن خلدون وعددا آخر من أهل الفكر والمكانة، وبالرغم من دفعهم الجزية الثقيلة المرهقة، فإن تيمور أخلف وعده وأنزل بالمدينة سوء العقاب والعذاب مستغلا فتح أحد أبوابها بالحيلة، وظل في دمشق مدة ثمانين يوما حتى خرج منها في 2 شعبان سنة 803هـ/فبراير/شباط 1401م ارتكبت قواته في أثنائها ما لا يكاد يصدقه القارئ من هوله([15]).

   

ولم يكتف بهذا، ففي مستهل شهر شعبان سنة 803هـ أمر تيمور بإحراق المدينة وإضرام النار فيها، وتحوّلت عاصمة الأمويين، ودرة الأيوبيين والمماليك، إلى خرائب قائمة بغير جُدر ولا سقوف ولا أبواب، ولم يكتفوا بحرق بيوت الناس بل أحرقوا منشآتها ومساجدها وأسواقها ووكالاتها التجارية التي بُنيت على مدار القرون، حتى "غدت أطلالا بالية، ورسوما خالية، وصارت مطعما للذئاب، ومغنما للكلاب، لا يستهدي اللبيب فيها إلى داره"، على حد وصف المؤرخين لها بعد تدميرها([16]).

    

  

فوق ذلك أسر تيمورلنك دمشقَ أهلها وفضلاءها ونساءها وأرباب الصنائع والحرف فيها من النسّاجين والحجّارين والبياطرة والخيمية والنقاشين والقوّاسين والبازدارية وأمر بترحيلهم إلى سمرقند، كذلك كان فيهم رئيس الطب والعبيد وغيرهم، ومن ثم لم تكن كارثة دمشق مجرد كارثة حربية، وإنما جاءت كذلك كارثة حضارية ذات أثر بالغ في انحطاط فنونها وتأخّرها إلى أجيال، وكان المؤرخ شهاب الدين بن عربشاه الذي أرّخ لنوائب تيمور وجرائمه الحربية في كتابه "عجائب المقدور في نوائب تيمور" أحد هؤلاء المأسورين هو وأسرته، ولطالما أبدى ابن عربشاه كرهه وبغضه لتيمورلنك وجيشه، وكثيرا ما كتب عن مآسي أهل دمشق في تلك الفاجعة، رغم الفائدة الشخصية التي عادت عليه من التنوّع الثقافي الذي حصّله في وسط آسيا بعد ذلك([17]).

   

حين نعود إلى تاريخ ابن إياس "بدائع الزهور في وقائع الدهور" نتفاجأ بالأهوال والمجازر التي حلّت بأهل دمشق، فهو يصورها تصويرا ينفطر له قلب الإنسان من تلك المذابح، والتي تُذكّر بما حل ببغداد سنة 656هـ على يد التتار أيضا، يقول: "نزل كل أمير (مغولي) في قسمه، وطلبَ مَن فيه، وطالبهم بالأموال، فكان الرجل يقف على باب داره في أزرى هيئة، ويُلزم بما لا يقدر عليه من المال، فإذا توقّف في إحضاره، عُذّب بأنواع العذاب من الضراب وعصر الأعضاء والشيّ على النار وتعليقه منكوسا... ومع هذا كله تُؤخذ نساؤه وبناته وأولاده الذكور، وتُقسّم جميعهم على أصحاب ذلك الأمير، فيُشاهد الرجل المعذّب امرأته وهي تُوطأ، وابنته وهي تُفتضّ بكارتها، وولده وهو يُلاط به، فيصير وهو يصرخ بما به من ألم العذاب وابنته وولده يصرخون... فلما علموا أن لم يبق في المدينة شيء له قَدْر، خرجوا إلى تمرلنك، فأنعم بالبلد على أتباعه الأمراء، فدخلوها يوم الأربعاء آخر رجب [803هـ]، وهم مُشاة، وبأيديهم سيوف مشهورة، فنهبوا ما بقي من الأثاث، وسبوا نساء دمشق بأجمعهم، وساقوا الأولاد والرجال، وتركوا الأطفال الرُّضّع ومن عمره خمس سنين فما دونها، وساقوا الجميع مربوطين بالحبال، وتركوا جماعة من الشيوخ والعجائز، وأسروا جماعة من القضاة والعلماء، والأعيان والتجّار، ومن عسكر مصر ومن أمرائها وقضاتها"([18])، كل هؤلاء أُخذوا أسرى إلى سمرقند ليكونوا نواة حضارية لتلك المدينة التي أطلق عليها تيمورلنك دمشق الثانية.

   

وبعد خروج تيمور استقر الصلح بينه وبين المماليك في مصر على الشروط السابقة، وهي الإفراج عن الأسرى، وسك العملة باسمه، لكن حتى الآن لم تُكتشف تلك العملة التي سكّت باسم تيمور في الدولة المملوكية، وأرسل إليه السلطان فرج بن برقوق رسالة تكيل بالمدح والثناء أطلق فيه على تيمور لقب "السلطان العظيم المقام، الشريف العادلي، المظفري، قطب الإسلام والمسلمين، تيمور كوركان"[19].

     


  

وهكذا كانت سلطنة فرج ذلك الشاب الأهوج خرابا ووبالا على مصر والشام، في مأساة تاريخية تخبرنا أن الشباب الذي يريد التطلع إلى الحكم والمناصب القيادية لا بد أن يكون مؤهلا على المستوى الثقافي والسياسي والعسكري، وألا يتعجل في التطلع إلى منصب لا يقدر على الإيفاء بحقه، وفي ذلك يقول المقريزي المعاصر لعصر فرج، وهو ما نختم به تقريرنا:

"كان الناصر (فرج) هذا من أشأم ملوك الإسلام؛ فإنه خرّب بسوء تدبيره جميع أراضي مصر من حيث يصب النيل إلى مجرى الفرات فطرق الطاغية تيمورلنك بلاد الشام في سنة ثلاث وثمانمائة، وخرّب حلب وحماة وبعلبك ودمشق وحرقها حتى صارت دمشق كوما ليس بها دار، وقتل من أهل الشام ما لا يُحصي عدده إلا الله تعالى، وخربت أراضي فلسطين بحيث أقامت القدس مدة إذا أُقيمت صلاة الظهر بالمسجد الأقصى لا يُصلي خلف الإمام سوى رجلين، وطرق ديار مصر الغلاء، فبذل أمراء دولته ومدبروها جهدهم في ارتفاع الأسعار بخزنهم الغلال وبيعها بالسعر الكبير، ثم زيادة أُجرة أطيان أراضي مصر، وأخذت على نواحي مصر مغارم تُجبى من الفلاحين في كل سنة، وأهمل عمل جسور أراضي مصر، وألزم الناس أن يقوموا عنها بأموال تُجبى منهم وتُحمل إليه، وأكثرَ وزراؤه من رمي البضائع على التجار بأغلى الأثمان، واضطروهم إلى حمل ثمنها فعظُمت مغارمهم، لا جرم أن خرب إقليم مصر، وزالت نعم أهله، وقلّت أموالهم، وصار الغلاء بينهم كأنّه طبيعي لا يُرجى زواله، هذا مع تواتر الفتن واستمرارها بالشام، وتكرار سفره إلى البلاد الشامية، وما من سفرة إليها إلا وينفق فيها زيادة عن ألف ألف دينار يجبيها من دماء أهل مصر ومُهجِهم، ثم يقدم الشام فيُخرب الديار ويستأصل، فخربت الإسكندرية وبلاد البحيرة وأكثر الشرقية ومعظم الغربية والجيزة وتدمّرت بلاد الفيوم وعم الخراب بلاد الصعيد، بحيث بطل منها زيادة عن أربعين خطة (منطقة) كانت تُقام فيها يوم الجمعة، ودثر ثغر أسوان، ومات من أهل مصر بالجوع والوباء نحو ثُلثي الناس"[20]، لذا لم يكن من المستغرب أن يجتمع المماليك المؤيدون له والمخالفون على قتله سنة 815هـ/1412م، وكان قتل فرج بالإعدام جزاء لما ارتكبه في حق السلطة والناس على السواء!

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار