اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/25 الساعة 16:43 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/11 هـ

انضم إلينا
كيف نظر تراثنا لفكرة الموت وهواجسها؟

كيف نظر تراثنا لفكرة الموت وهواجسها؟

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

يلتف الموت بالعالم العربي والإسلامي من كل مكان، وتنتشر أخباره في الآفاق مادّا رسائله تجاه الأحياء، وقاذفا سؤال الموت في فؤاد كل فرد، وليس هذا بعرض حديث، وإنما قد يكون سؤال الموت في عصرنا الحالي أكثر كثافة لما نشهده من حروب وتقلبات واضطرابات.

  
أما بالعودة قليلا للنظر إلى التراث العربي، فإن الاقتصار على منظور واحد نرى من خلاله قضية الموت يعد نظرة قاصرة لا تعطي لهذا التراث الواسع حقه، وإذا كان سؤال الموت هو سؤال الأمس, واليوم، سؤال الشباب والشيوخ حيث لم يفرّق بينهما على أساس السن، فإن لهذا السؤال في تراثنا جذوره الواضحة، وأجوبته المتنوعة.

  

فقد استمد التراث العربي الإسلامي تصوره عن الموت من القرآن الكريم والسنة النبوية، فقد ذُكر الموت في القرآن الكريم في "ثمانين" موضعًا كحقيقة راسخة لا فكاك منها، يقول تعالى:
(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الجمعة: 8].

  

ويفسر الإمام الفخر الرازي وهو واحد من كبار علماء التفسير في القرن السادس الهجري هذه الآية بقوله: "إن الموت ملاقيهم على كل حال، فرّوا أو لم يفرّوا، ظنوا أن الفرار يُنجيهم، وقد صرّح بهذا المعنى، وأفصح عنه بالشرط الحقيقي، يقول الشاعر: 

ومَن هاب أسباب المنايا تنالُه ** ولو نال أسبابَ السماءِ بسُلّمِ".

       

     

وقد  اعتُبر الإيمان بالموت والبعث والحساب من أسس العقيدة الإسلامية التي لا يمكن تغييرها أو تبديلها، فيقول الإمام أبو الحسن الأشعري: "ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض، وأن الميزان حق، والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وأن الله عز وجل يُوقف العباد في الموقف، ويحاسب المؤمنين". لذا كان لرسوخ هذه العقيدة انعكاسها المباشر على كتابات الفقهاء والفلاسفة في تاريخ التراث الإسلامي.

   

فقد حفلت المكتبة الاسلامية بتراث ضخم يتناول قضية الموت وآداب التعامل معها من زوايا تراثية مختلفة بدءا من مصنفات الزهد والرقائق مرورا بآداب وفقه الجنائز ودفن الموتى عند الفقهاء إلى تأملات الفلاسفة وآداب الشعراء والأدباء الذين عبروا عن الموت بصورة فنية كان للتجربة الذاتية فيها الأثر الكبير.

   

الموت.. قضية الوعّاظ الأولى!

كان حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "أكثروا ذكر هادم اللذات" يعني الموت، أنه كان اللبنة الأولى لإنتاج ضخم متدفق من مصنفات الآداب والأخلاق والزهد والرقائق والتصوف، وعلى الرغم من أن "الموت" في التصور الإسلامي كان واضحًا ولا يزال بصورة كبيرة، فمقدمات الموت و البرزخ وعالم ما بعد الموت كله مفصّل على نحو مدهش في التراث الإسلامي؛ فقد ظل للموت رهبته وتساؤلاته وقلقه الدائم في نفس الفلاسفة والكُتاب في هذا التراث الكبير.

       

   

فأول وأهم ما جاء في ذلك تخصيص مؤلفات مفردة عن قضية الموت في القرآن والسنة، وكان ابن الخراط الإشبيلي الأندلسي المتوفى في الثلث الأخير من القرن السادس الهجري، وكتابه "العاقبة في ذكر الموت" واحد من هذا اللون من التراث العربي، يقرر ابن الخراط في مقدمته أن سبب تأليفه لهذا الكتاب هو تذكير القارئ بأن نعيم الدنيا زائل، وأن البقاء الحقيقي في الدار الآخرة، يقول: "واعلموا أنه لو لم يكن في الموت إلا الإعدام وانحلال الأجسام ونسيانك أخرى الليالي والأيام لكان والله لأهل اللذات مكدرًا، ولأصحاب النعيم مغيرًا و لأرباب العقول عن الرغبة في هذه الدار زاجرًا".

   

ويبدأ ابن الخراط الإشبيلي مع سكرات الموت وآداب الجنائز وينتهي في كتابه عن أحوال القيامة والجنة والنار، وشرح ماهية الخلود، ولا يحيد في شرحه عن الاستدلال بآيات القرآن الكريم والسنة النبوية مع نزعة من الرقائق والترهيب، وهو كتاب وعظي في المقام الأول. وإذا كان ابن الخراط الأندلسي يشرح في كتابه مراحل عالم الآخرة الذي يبدأ بالموت وحتى الخلود، فقد وقف ابن الجوزي، وهو واحد من أهم فقهاء ومؤرخي القرن السادس الهجري، فضلاً عن كونه أشهر واعظ في بغداد عاصمة الدولة العباسية في عصره، وقف مع قضية الموت أيضًا من زوايا مختلفة.

  

ومن أهم هذه المصنفات كتابه "الثبات عند الممات"، وهي اللحظة الأهم والأبرز في المخيال الإنساني، لحظة الانتقال من عالم الحياة إلى عالم الموت، وفي سبيل ذلك ساق ابن الجوزي في كتابه أخبار الأنبياء والصالحين وكبار العلماء المشهود لهم بالثقة والأمانة حتى عصره، ساردًا أحوالهم في "لحظة الممات"، ومقدما عددا من الوصايا التي تفيد عموم الناس عند دنو هذه اللحظة الأهم والمفصلية.

       

     

فيقول: "إني رأيتُ جمهور الناس إذا طرقهم المرض اشتغلوا تارة بالجزع منه والشكوى، وتارة بالتداوي إلى أن يشتد فيشغلهم اشتدادُه عن الالتفات إلى المصالح من وصيةٍ أو فعل للخير أو تأهّب للموت، فكم له من ذنوب لا يتوب منها، أو وديعة لا يردُّها أو عليه دين أو زكاة أو في ذمّته ظلامةٌ لا يخطُرُ له على تداركها، وإنما حُزنُه على فراق الدنيا إذ لا همّة له سواها، وربّما أفاق فأوصى بجور، وسبب هذا ضعف الإيمان".

  

واستمر اللون الوعظي في تناول قضية الموت في التراث الإسلامي، وكان كتاب شمس الدين القرطبي المفسر والعالم الأندلسي المصري الشهير الذي جاء بعد ابن الجوزي وعاش في القرن التالي من وفاته، هو الأشهر والأهم حتى الآن، وهو كتاب "التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة" ولا يكاد يخرج في مضمونه وسياقه ومنهجه العام عن منهج سابقيه ابن الخراط وابن الجوزي.

   

الموت .. فلسفيًا!

على أن اللون التأملي الفلسفي للموت لم يغب عن فلاسفة الإسلام، وسؤال الموت في ذاته من أهم أعمدة الفلسفة التأملية في كل زمان ومكان،حيث  يقول الفيلسوف مسكويه المتوفى منذ ألف عام: "إن الخوفَ من الموت ليس يعرض إلا لمن لا يدري ما الموت على الحقيقة، أو لا يعلم إلى أين تصير نفسه، أو لأنه يظن أن بدنه إذا انحلّ وبطل تركيبه، فقد انحلّت ذاته، وبطلت نفسه بطلان عدمٍ ودثور، وأن العالم سيبقى موجودًا بعده وهو ليس بموجود فيه، كما يظنه من يجعل بقاء النفس وكيفية المعاد، أو لأنه يظن أن للموت ألمًا عظيمًا غير ألم الأمراض التي ربما تقدّمته وأدّت إليه وكانت سبب حلوله، أو لأنه يعتقد عقوبة تحل به بعد الموت، أو لأنه متحير لا يدري على أي شيء يقدُم بعد الموت، أو لأنه يأسف على ما يخلفه من المال والمقتنيات، وهذه كلها ظنون باطلة لا حقيقة لها".

     

وفي رسالته الصغيرة والقيمة في آن واحد "رسالة في الخوف من الموت" يستمر الفيلسوف المسلم أحمد بن يعقوب الملقب بمسكويه في مناقشة مسألة "هاجس الموت" بصورة عقلانية تبدأ بعرض تساؤلات الخائفين من عالم الموت وتنتهي بالإجابة التي رآها أكثر منطقية في سبيل ذلك، يرى مسكويه أن "الجهل" هو المشكل الأكبر، بل لعله أكثر إشكالا من الموت نفسه أمام جمهور من الخائفين، يقول: "أما من يخاف من الموت لأنه لا يعلم إلى أين تصير نفسه أو لأنه يظن أن بدنه إذا انحلّ وبطل تركيبه فقد انحلّت ذاته وبطلت نفسه، وجهل بقاء النفس وكيفية المعاد، فليس يخاف الموت على الحقيقة، وإنما يجعل ما ينبغي أن يعلمه، فالجهل إذًا هو المخوّف إذ هو سبب الخوف، وهذا الجهل هو الذي حمل الحكماء على طلب العلم والتعب به وتركوا لأجله اللذات الجسمانية وراحات البدن واختاروا عليه النصب والسهر، ورأوا أن الراحة التي تكون من الجهل هي الراحة الحقيقية وأن التعب الحقيقي هو تعب الجهل لأنه مرض مزمن للنفس، والبرء منه خلاص لها وراحة سرمدية، ولذة أبدية".

      

     

ويرى العلامة أبو حامد الغزالي أن النفس جوهر خالد لا يموت بموت البدن، ولا تفنى أبدا، يقول: "والنفس ليست منطبعة في البدن، بل لها العلاقة مع البدن بالتصرف والتدبير، والموت انقطاع تلك العلاقة، أعني تصرفاتها وتدبيراتها عن البدن، وإنما يموت الروح الحيواني وهو بخار لطيف ينشأ من القلب ويتصاعد إلى الدماغ ومن الدماغ بواسطة العروق إلى جميع البدن، وفي كل موضع ينتهي إليه يفيد فائدة من الحواس الظاهرة والمشاعر الباطنة".

  

فيتناول الغزالي قضية الموت بروح الورِع المتصوف، وفي نظرته التأملية تلك تمتزج الشريعة مع الحكمة عنده، يقول: "إن للإنسان حالتين، حالة قبل الموت، وحالة عند الموت، الحالة الأولى قبل الموت ينبغي أن يكون الإنسان فيها دائم الذكر للموت ... فذكر الموت يطردُ فضول الأمل، ويكفّ غرب المنى، فتهون المصائب، ويحول بين الإنسان وبين الطغيان، ومِن ذِكْرِ الموتِ تتولدُ القناعة بما رُزق، والمبادرة إلى التوبة، وترك المحاسد، والحرص على الدنيا، والنشاط في العبادة".

  

ويرى الغزالي أن المشكل الأكبر في مسألة الخوف من الموت إنما تكون عند أولئك الذين يحرصون على الدنيا، لا سيما حرصهم على الصحة أو الطعام أو المال أو الفرْج، وهؤلاء في نظره حمقى يحتاجون إلى التداوي من هذا المرض، فما من يوم يمر إلا ويجب على العاقل أن ينتظر ملك الموت.

         

   

وفي رأي الغزالي أن التداوي من "خوف الموت" إنما يكون بمعرفة حقيقة النفس، والإجابة على الأسئلة الكبرى، وأهمها حالة ما بعد الموت، هذه الحالة المفصّلة تفصيلا دقيقا في التصور الإسلامي، يقول: "إن كان ذلك لجهله بعاقبة أمره بعد الموت، فعليه أن يطلب العلم الحقيقي، الذي يكشف له حال الإنسان بعد موته، كما قال حارثة للنبي صلى الله عليه وسلم: " كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتلاعنون فيها"، وهذا العلم إنما يحصل بالبحث عن حقيقة النفس وماهيتها، ووجه علاقتها بالبدن، ووجه خاصّيتها التي خُلقت لها، ووجه التذاذ بخاصيته وكماله، مع معرفة الرذائل المانعة له من كماله، وقد نبّه الشرع عليه في مواضع كثيرة، وأمر بالتفكر في النفس، كما أمر بالتفكر في ملكوت السموات والأرض. وإن كان ذلك لما سبق مِن عصيانه، فلا ينفع الغم فيه، بل المداواة، وهو المبادرة إلى التوبة وإصلاح ما فرّط من أمره، بل مثاله في الاغتمام وترك التدارك مثل مَن فتح عِرْقًا من عروقه، وقد خرج بعضُ دمه، وهو قادر على تعصيبه وحفظ حشاشه". 

  

أما العلامة ابن حزم الأندلسي فقد أفرد للموت رسالة خاصة من مجموع رسائله عنوانها "رسالة في ألم الموت وإبطاله" يُجيب فيها على سؤال: هل للموت ألم أم لا؟ وقد ساق ابن حزم رأي فريقين ممن سبقوه، رأي يقول إن الموت لا ألم له وهو الرأي الذي أخذ به ابن حزم، وفريق آخر يؤكد أن الموت مؤلم.

    

ويُفند ابن حزم رأي القائلين بوجود الألم عند الموت بقوله: "أما الطائفة التي قالت إن للموت ألما، فلم تأت ببرهان يصحح قولها، وقد يمكن أن تشغُب من شدائد المرض ومقدمات الموت التي عنها يكون، ومن الشريعة بقول النبي صلى الله عليه وسلم "إن للموت لسكرات" وهذا لا حجة فيه لقولهم، لأن هذه الآلام التي تظهر من المريض إنما هي ما دامت النفس متشبثة بالجسد مقترنة به، لا بعد الموت". وهكذا اهتم الفلاسفة بقضية الموت من زوايا عقلية بحتة، تناولت الخوف من الموت، وألم الموت، والجهل بالموت وهي القضايا التي لا تزال جماهير الفلاسفة في كل زمان ومكان مشغولة بالإجابة عنها.

  

الموت عند أهل الأدب!

سلك الأدب العربي مسالك شتى في معالجة الموت والنظر إليه، والتأمل فيه، فالأدب لم يخلُ من نظرة فلسفية، أو لوحة فنية شديدة الإغراق والتصوير لمسألة الموت، أو التأثر باللون الوعظي الذي ساد في مؤلفات الوعّاظ وأرباب الزهد والرقائق.

      

     

مِنْ ذلك ما نقلَهُ الأصمعيّ، الأديب وعالم اللغة الشهير، ونقلته عنه كتب الآداب، ومنهم الجاحظ عن ذلك الأعرابي الحكيم الذي ابتدرهم يومًا وصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناسُ! إنما الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقرّ. فخذوا من ممرّكم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم. أما بعد، فإنه لن يستقبل أحدٌ يوماً من عمره إلا بفراق آخرٍ من أجله؛ فاستعجلوا لأنفسكم لما تقدمون عليه، لا لما تظعنون عنه؛ وراقبوا مَن ترجعون إليه، فإنه لا قويّ أقوى مِن خالق، ولا ضعيف أضعف مِن مخلوق، ولا مهرب من الله إلا إليه؛ وكيف يهرب من يتقلّب بين يدي طالبه".

       

حيث صور الأدباء في التراث العربي  الموت تصويرا لطيفا، فهُم ما بين ناقل لحكم سائرة كنقلهم لكلام ذلك الأعرابي، أو ساردين لأحوالهم مع الموت والحياة بأسلوب لم يغب عنه الإبداع في القصّ والحكي، فهذا الأديب الأمير، والمجاهد الكبير أسامة بن منقذ الذي عاش حياة طويلة نافت عن التسعين سنة رأى فيها تقلبات الدهر، وتغير السياسة من الزنكيين إلى الأيوبيين، وخطر الوجود الصليبي في بلاد الشام وكان من مقاوميه الكبار في ميادين القتال والحرب والسياسة على السواء، كتب يقول عن تجربته في الحياة، ورؤيته للموت:

   

"لا يظنّ ظانّ أن الموت يُقدّمُه ركوب الخطر، ولا يُؤخرّه شدة الحذر، ففى بقائي أوضح معتبر، فكم لقيتُ مِن الأهوال، وتقحّمتُ المخاوفَ والأخطارَ، ولاقيتُ الفرسانَ، وقتلتُ الأسودَ، وضربتُ بالسيوف، وطعنت بالرماح، وجُرحت بالسهام - وأنا من الأجل فى حصن حصين- إلى أن بلغت تمام التسعين ... فأنا كما قلت:

    

مع الثمانين عاثَ الدّهرُ فى جِلْدِي ... وساءَني ضعفُ رجلى واضطرابُ يَدي

إذا كتبتُ فخطّي جدّ مضطربُ ... كخطّ مرتِعش الكفّين مرتعدِ

فاعْجَبْ لضعف يدي عَن حملها قلمًا ... مِن بَعْد حَطْمِ القَنَا فى لبّة الأسدِ"

  

ولم تغب مسألة الموت عن الشعراء لا في عصر الجاهلية ولا في العصور الإسلامية المختلفة وحتى يومنا هذا، كان الموت التجربة الأقسى على النفس، وأشد قساوة على نفس شاعر مرهف يُدرك حقيقة المعاني والألفاظ، فالموت قادم ولو في أشد لحظات السعادة والحب، يقول الشاعر مخاطبًا محبوبته هُنيد:

أهُنيدُ إنَّ الموتَ مُدركُ مَن مشَى ... ما إنْ له منجاً ولا متأخَّرُ

ولقد رأيتُ من الحوادث عبرةً ... والدَّهرُ ذو عِبَرٍ لمن يتدبَّرُ

ولا تَخشعي للنائباتِ وسلّمِي ... إنَّ الزَّمانَ بأهله يتغيَّرُ!

  

وحتى في زمن الفتوح الأولى كان للموت جلاله في ساحات الوغى، كيف يموت ذلك المجاهد غريبًا في خُراسان، بعيدًا عن موطنه في الجزيرة العربية التي نشأ وتربى وسعِد فيها، لا يصحبه في رحلة الموت الأبدية إلا رفيقاه العزيزان: السيف والرمح، ذلك الرجل هو الشاعر الغازي مالك بن الريب.

     

   

 فكان مالك في بادئ أمره صعلوكًا لا يأبه لفعل المعاصي والمجاهرة بها حتى عاقبه عثمان بن عفان في خلافته ثم تاب وخرج غازيًا، وقد شهد له الناس بالثبات والقوة والشجاعة في ساحات القتال، على أنه قُدّر له الموت هنالك إثر حُمة أُصيب بها، يقول قُبيل وفاته، في قصيدة من عيون الأدب العربي التي خلّد فيها فاجعة الموت والغربة معا:

لَعمْرِي لَئِنْ غَالَتْ خُرَاسَانُ هَامَتِي ... لَقَدْ كُنْتُ عَنْ نَائِي خُرَاسَانَ نَائِيَا

فَللهِ دَرِّي يَوْمَ أَتْرُكَ طَائِعًا ... بنيّ بِأَعلَى الرّقْمَتَيْنِ وَمَا لِيَا

تَذَكرْتُ مَنْ يَبْكِي عَلَيَّ فَلَمْ أَجِدْ ... سِوَى السَّيْفِ وَالرّمْحِ الرُّدَيْنيّ بَاكِيَا

صَرِيْعٌ عَلَى أَيْدِي الرِّجَالِ بِقفْرَةٍ ... يُسَوُّوْنَ لَحْدِي حَيْثُ حُمَّ قَضائِيَا

فَيَا صاحِبَي رَحْلِي دَنَا المَوْتُ فَانْزِلَا ... بِرَابِيَةٍ إِنِّي مُقِيْمٌ لَيَالِيَا

يَقُولُونَ لَا تبتَعد وَهُم يَدفنُونَني ... وَأَين مَكَانُ البُعدِ إِلَّا مَكَانيَا

أُقَلِّبُ طَرْفِي حَوْلَ رَحْلِي فَلَا أَرَى ... بِهِ مِنْ عُيُوْنِ المُؤنِسَاتِ مُرَاعِيَا

  

أما من انتظر الموت لعلة المرض فكثيرون، لكن قليل منهم من آثر تدوين هذه اللحظات في أبيات تعبر عن مشاعره لقادم الموت، مثل الشاعر والوزير الأندلسي ابن شهيد الذي ذاق مرارة الألم والمرض قبل موته، فكتب بكل شجاعة يقرر حقيقة الموت، وأنه ينتظر قدومه ولا يخشى منه شيئًا، بيد أنه يتمنى أن لو عاش حياة الزُّهّاد الذين ابتعدوا عن بهارج الدنيا وزينتها، يقول:

ولمّا رَأيتُ العيشَ لَوَّى برَأسه ... وأيقنتُ أنَّ الموتَ لا شكَّ لاحِقي

تمنّيتُ أنَّي ساكِنٌ في عَبَاَءةٍ ... بأعْلى مهبِّ الرّيحِ في رأسِ شَاهِقِ

أرُدُّ سَقِيطَ الظَّلِّ في فَضلِ عِيشَتي ... وحيداً وأحسو الماَء ثَنيَ المعَالِقِ

خليليَّ مَن رَامَ المنيَّة مرّةً ... فقد رُمتُها خمسينَ قولةَ صَادِقِ

كأنّي وقد حان ارتِحاليَ لم أفُز ... قديماً من الدُّنيَا بِلمحَةِ بَارِقِ!

  

وإذا كان الأدباء وقفوا مع الموت في لحظات فقد الأحبة، أو تذكر هازم اللذات في أوقات السعادة المختلسة من الحياة، أو مع المرض الذي يُدني الموت كل حين، فإن بعضهم لم يخشَ الموت إلا لأن خلفه أولاد يضيعون بموته، ويهلكون بهلاكه، ويذوقون الفقر بارتحاله.

          

     

هكذا تحكي  قصة تميم بن جميل فهو أحد الذين خرجوا على سلطة الخليفة العباسي المعتصم بأمر الله ، وكان المعتصم قد قبض عليه، وتمكن منه، فجاء تميم إلى جمع من الناس فيهم الخليفة ليقضي عقوبة الموت، وكان أديبا وشاعرًا، وقد دخل على الخليفة دون خوف أو وجل، فلما رآه المعتصم على هذه الحالة من الشجاعة والقوة "يمشي إلى الموت غير مكترث به، فأطال الفكرة فيه، ثم استنطقه لينظر في عقله وبلاغته، فقال: يا تميم إن كان لك عذر فأتِ به. فقال: أما إذا أذن أمير المؤمنين، فالذنوب يا أمير المؤمنين تُخرس الألسُن، وتصدع الأفئدة، وأيِّمِ الله لقد عظُمت الجريمة، وانقطعت الحُجة، وساءَ الظّنُّ، ولم يبقَ إلا العفو، وهو الأليق بشيمتك الطاهرة ثم أنشد:

أرَى الموتَ بين السيف والنَّطع كامناً ... يلاحظُني من حيثُ لا أتلفَّتُ

وأكثر ظنيّ أنك اليومَ قاتلي ... وأيُّ امرىءٍ مما قضَى الله يفلتُ

ومن ذا الذي يأتي بعذرٍ وحجةٍ ... وسيفُ المنايا بين عينيه مُصْلَتُ

وما جزَعي مِن أن أموتَ وإنني ... لأعلمُ أنّ الموتَ شيءٌ موقّتُ

ولكنّ خلفي صِبيةً قد تركتُهم ... وأكبادُهُم مِن حَسْرةٍ تتفتَّتُ

كأنيّ أراهم حين أُنعَى إليهمُ ... وقد لَطموا تلك الخدود وصوّتوا

وإن عشتُ عاشوا سالمين بغبطةٍ ... أذودُ الرَّدى عنهم وإن متُّ مُوِّتوا

وكم قائلٍ لا يبعدُ الله داره ... وآخر جذلانُ يسرُّ ويشمتُ

قال: فبكى المعتصم وقال: إن من البيان لسحراً، ثم قال: كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل، وقد وهبتك لله ولصبيتك وأعطاه خمسين ألف درهم".

  

فالموت مصيبة الحضارات والإنسان على مر الزمان وهو المرض الذي عجزت الحضارات مهما بلغت من علم على مداواته وهو الحقيقة التي لا مفر منها , يواجهه الإنسان لا محالة ، شابًا كان أم شيخًا، كبيرا كان أم صغيرًا، فهو المحيط بنا كل حين، وفي التراث العربي  مادة عظيمة متنوعة ومبهرة في آن، تكشف لنا أن الحياة والموت سارا معًا في هذا التراث الذي لا يزال يقدم لنا الإجابات على أسئلتنا الكبرى ومنها مسألة "الموت"، كيف كانت وكيف آلت!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار