اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/13 الساعة 10:14 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/4 هـ

انضم إلينا
جفاف النيل.. حينما أكل المصريون لحوم البشر!

جفاف النيل.. حينما أكل المصريون لحوم البشر!

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

تواجه مصر منذ سبع سنوات وحتى اليوم إحدى أخطر التحديات الكبرى التي قد تتسبب في خسائر فادحة على مستوى البشر والعمران والزراعة في مصر، تلك الخسائر التي تذكرنا بكوارث التاريخ الكبرى مثل المجاعات والطواعين والأوبئة التي كان لها أثرها الفادح على مسيرة الحضارة، بل إن مصر مرت ببعض هذه الخسائر حين جف النيل وتوقف عن الجريان في حوادث عدة، لعل أشهرها تلك التي وقعت في زمن الخليفة الفاطمي المستنصر بالله الذي عُرفت سنوات محنته بـالشدة المستنصرية ولا يزال العقل الجمعي في مصر مستحضرا تلك المحنة بعد ألف سنة من حدوثها نتيجة بشاعتها وقسوتها.

      

يؤكد التاريخ لنا أنه لا يمكن للعقل البشري أن يصدق أن تحيا بلد مثل مصر دون النيل، وقد ورد أنه لما فتح عمرو بن العاص مصر "عرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يلقي أهلُها من الغلاء عند وقوف النيل عن حدّه في مقياسٍ لهم فضلا عن تقاصره، وإن فرط الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار، وأن الاحتكار يدعو إلى تصاعد الأسعار بغير قحط، فكتب عمر إلى عمرو يسأله عن شرح الحال، فأجابه: إني وجدتُ ما تُروى به مصر حتى لا يُقحط أهلها أربعة عشر ذراعا، والحدّ الذي يُروى منه سائرها حتى يفضلَ عن حاجتهم، ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ستة عشر ذراعا، والنهايتان المخوّفتان في الزيادة والنقصان وهما الظمأ والاستئجار اثنا عشر ذراعا في النقصان وثمانية عشر ذراعا في الزيادة"[1].

   

واستمر الوضع على ذلك في مصر مع النيل، أربعة عشر ذراعا الحد الأدنى الذي إن نقص كانت المجاعة وغلاء الأسعار، وإن زاد أغرق مصر وأنتج أيضا المجاعة وغلاء الأسعار لغرق المحاصيل، من أجل ذلك ارتبطت الحياة في مصر بالنيل، فلا حياة دون نيل.

       

والأمثلة على ذلك من التاريخ لا تُحصى لعل أشهرها تلك الحادثة الشنيعة التي وقعت سنة 597هـ/1201م  والتي ذكرها المقريزي وابن تغري بردي والبغدادي في تواريخهم، حين انخفض النيل عن الجريان لثلاث سنوات كاملة، وعم مصر القحط والغلاء الشديد في تلك المحنة اضطر أهل مصر لفعل أشياء ما كان يمكن أن يصدقها العقل البشري لولا تواترها في التواريخ بتفاصيل دقيقة من مؤرخين على درجة كبيرة من الموضوعية لا سيما المقريزي وابن تغري بردي.

     

  

ومن المهم أن نأتي بنص المقريزي كاملا لنرى أثر النيل في حياة المصريين وهو سبب سعادتهم ورغدهم واطمئنانهم وأيضا السبب الرئيسي في تكوين سيكولوجيا الإنسان المصري ونفسيته عبر التاريخ، وكيف تتغير أخلاق المصريين بانخفاض النيل وقلة المياه.

 

يقول المقريزي في تلك المأساة التي استمرت منذ سنة 596 - 598هـ/1200- 1202م: "وفيها تعذَّرَت الأقوات بديار مصر وتزايدت الأسعار وعظم الغلاء حَتَّى أكل النَّاس الميتات وأكل بَعضهم بعضًا وَتبع ذلك فنَاء عظيم وابتدأ الغلاء من أول العام وتمَادى الحال ثلاث سنِين مُتَوَالِيَة لا يمد النيل فيها إلا مدا يسيرا حَتَّى عدمت الأقوات وخرج من مصر عالم كبير بأهليهم وأولَادهم إِلَى الشَّام فماتوا في الطرقات جوعا.

     

 وشنع الموت في الأغنياء والفقراء فَبلغ من كفنه السلطان العادل (الأيوبي) من الْأموات - في مدة يسيرة - نَحوا من مائتي ألف إِنسان وعشرين ألف إنسان، وأكلت الكلاب بأسرها، وأُكل من الأطفال خلق كثير فكانَ الصغير يشويه أبوَاهُ ويأكلانه بعد موته، وصار هذا الفعل لكثرته بحيث لا يُنكر ثمَّ صار النَّاس يحتال بعضهم على بعض ويُؤخَذ من قدر عليه فيؤكل، وإِذا غلب القوي ضعيفا ذبحه وأكله، وفُقد كثير من الأطباء لكثرة من كان يستدعيهم إِلى المرضى فإِذا صار الطبيب إلى داره ذبحه وأكله.

 

ويسوق المقريزي قصة مفجعة لطبيب تمكن من النجاة بأعجوبة في تلك الكارثة بقوله: "واتفق أن شخصا استدعى طبيبًا فخافه الطبيب وسار معه على تخوف فصار ذلك الشَّخص يكثر فى طريقه من ذكر الله تعالى ولا يكاد يمر بفقير إلا ويتصدق عليه حتى وصلا إلى الدار فإذا هي خربة. فارتاب الطبيب مما رأى وبينا هوَ يُريد الدُّخُول إليها إِذ خرج رجل من الخربة وقال للشَّخص الذي قد أحضر الطبيب: مع هذا البطء جئتَ لنا بصيد واحدة. فارتاع الطَّبِيب وفر على وجهه هاربا. فلولا عناية الله به وسرعة عدْوِه لقُبض عليه".

    

  

 ويكمل المقريزي سرده لمشاهد الخراب التي حلت في القاهرة الكبرى، حتى صار الناس يأكلون أولادهم فعليا دون مبالغة، بقوله: "خلت مدينة القاهرة ومصر (الفسطاط) أكثر أهلهَا، وصار من يموت لا يجدُ من يواريه فيصير عدَّة أشهر حَتَّى يُؤْكَل أَو يبلى، وقدم إلى القاهرة ومصر من أهل القرى (الريف) خلق كثير، وكثر الجوع، وعدم القوت حتى أكلت صغار بنى آدم، فكان الأَب يأكُل ابنه مشوياً ومطبوخاً، وكذلك الأم، وظفر الحاكم منهم بجماعة فعاقبوهم حتَّى أعياهم ذلك وفشا الأمر: فكانت المرأة توجد وقد خبأت فِي عبها كتف الصغير أو فخذه، وكذلك الرجل وكان بعضهم يدخل بيت جاره فيجد القِدر على النَّار فينتظرها حتَّى تنزل ليأكل منها فإذا فيها لحم الأطفال، وأكثر ما كان يوجد ذلك فى أكابر البيوت ويوجد النّساء والرّجال فِي الأسوَاق والطرقات ومعهم لحوم الأطفال، وأحرق في أقل من شهرين ثلاثون امرأة وجد معهن لحوم الأطفال، لما فشا ذلك حتى اتخذه النَّاس غذَاء وعشاء وألفوه، وقل منعهم منهُ؛ فإنهم لم يجدوا شيئا من القوت لا الحبوب ولا الخضروات".

   

كان لهذا البلاء العظيم أثره على التعداد السكاني للمصريين حيث قل بصورة كبيرة للغاية، فضلا عن تأثيره الاقتصادي على حياة من تبقى من الناس، فقد "كان الناس قد فنوا بحيث بقي من أهل القرية الذين كانوا خمسمائة نفر إما نفران أو ثلاثَة فلم تجد الجسور من يقوم بها ولا القرى من يعمل مصالحها، وعدمت وجافت الطرقات بمصر والقاهرة وقراهما، ثمَّ أكلت الدودة ما زُرع، فلم يوجد من التقاوى، ودخلت سنة سبع وتسعين وخمسمائة، والنَّاس تأكُل الأطفال، وقد صار أكلهم طبعا وعادة، وضجر الحكَّام من تأديبهم، وأبيع القمح - إِن وجد - بثمانية دنانير ذهبية الأردب، والشعِير والفول بستة دنانير ذهبية، وعدم الدَّجاج من أرض مصر فجلبه رجل من الشَّام وباع كل فروج بمائة درهم وكل بيضتين بدرهم. هذا وجميع الأفران تُقد بأخشاب المساكن حتى دخلت سنة ثمان وتسعين وكان كثير من المساتير يخرجون ليلا ويأخذون أخشاب الدّور الخالية ويبيعونها نهَارا، وكانت أزقة القاهرة ومصر لا يوجد بها إلا مساكن قليلة ولم يبق بمصر عامر إلا شط النيل وكانت أهل القرى تخرج للحرث فيموت الرجل وهو ماسك المحراث"[2].

 

هذه بعض من المشاهد المروّعة التي ساقها مؤرخ ثقة كالعلامة تقي الدين المقريزي تبين مقدار الكارثة التي حلت بمصر في نهاية القرن السادس الهجري جراء توقف النيل عن الجريان لثلاث سنوات متوالية، وهي حقيقة تاريخية تؤكد انعدام الحياة في مصر بمجرد انخفاض النيل عن جريانه الطبيعي.

     

  

علاقات مصر وأثيوبيا

في عام 1941م أعلن استقلال الحبشة، واستعادت أثيوبيا السيادة الكاملة بعد توقيع الاتفاق الأنجلو إثيوبي في ديسمبر 1944، وارتقى هيلا سيلاسي الحكم (1941 - 1974م).

 

كانت العلاقات الأثيوبية المصرية على درجة من القوة والمتانة في عصر عبد الناصر- سيلاسي، ولعل هذه المتانة تعود إلى ارتباط الكنيسة الحبشية حتى عام 1959م بالكنيسة المصرية قبل أن ينفصلا، لكن بدأ الصدام مبكرًا في الخمسينيات حين علم المصريون أن أثيوبيا ستشرع في بناء سد "تيس أباي"، فأرسل عبد الناصر وزير خارجيته محمود فوزي إلى أثيوبيا محذرًا إياها من المساس بحصة مصر من مياه النيل، الأمر الذي قبلته أثيوبيا لضعف مواردها ولقوة العلاقات مع مصر حينذاك[3].

  

على أن هذه العلاقات بدأت في التغير في عهد أنور السادات حين انضمت مصر إلى تحالف سفاري المضاد سنة 1975، والذى اعتبره منجستو مريام الزعيم الجديد المنقلب على سيلاسي آنذاك مؤامرة مصرية ضد أثيوبيا، وحين رأى السادات بعض المحاولات الأثيوبية المضادة لبناء عدد من السدود، خرج بتصريحه الشهير: "إننا لن ننتظر حتى نموت من العطش بل سنذهب لنموت هناك في اثيوبيا"[4]. واستمرت بعد ذلك العلاقات المصرية الأثيوبية شكلية فقط حتى حدوث بعض التوترات في عهد حسنى مبارك[5].
 

قصة بناء السدود الأثيوبية

كانت المحاولة الأولى والحقيقية لإنشاء خزان يحول دون تدفق مياه النيل إلى مصر والسودان قد بدأت مع القرن العشرين، فقد شغل مشروع بناء خزان بحيرة تسانا الحكومة المصرية والرأي العام المصري فترة طويلة بلغت أقصاها سنة 1933 عندما عُقد مؤتمر في أديس أبابا ضم مصر وأثيوبيا والسودان والشركة الهندسية الأمريكية التي أُسند اليها بناء مشروع هذا الخزان. وكانت بريطانيا وراء هذا المشروع التي اهتمت به كثيرا لأمور سياسية بحتة هي الحفاظ على نفوذها ومصالحها في أثيوبيا وحماية منابع النيل الأثيوبية من أطماع الدول فيها[6].

     

  

ظلت بريطانيا تحرص دائما على أن تظل منابع النيل الأثيوبية في مأمن من وقوعها في أيدي أجنبية قد تكون معادية لها وبالتالي يضر بمركزها في مصر والسودان كما تضر الزراعة وسكان هاتين البلدين، على أن اعتراض مصر والسودان على هذا المشروع لاقى آذانا مصغية لدى الجانب البريطاني الذي كان يحتل هاتين الدولتين، ومن ثم وئد المشروع في حينه، لا سيما مع تكلفته الباهظة للغاية.

  

منذ عام 1981م سعت أثيوبيا لاستصلاح 227 ألف فدان في حوض النيل الأزرق بدعوى "عدم وجود اتفاقيات بينها وبين الدول النيلية"، وقامت بالفعل بتنفيذ عدد من المشروعات مثل مشروع سد "فيشا" - أحد روافد النيل الأزرق - والذي يؤثّر على حصة مصر من مياه النيل بحوالي 0.5 مليار متر مكعب سنويًا، ومشروع "سنيت" على أحد روافد نهر عطبرة، ومشروع "خور الفاشن" الذي يقع أقصى شرق أثيوبيا، ويُؤثّر في المياه التي تصل إلى مصر بمقدار 4.5 مليارات متر مكعب، ومشروع "الليبرو" على نهر السوباط، وأخيرًا قامت باستكمال إنشاء أعلى سدّ في القارة الأفريقية على منابع النيل، وهو سد تيكيزي الذي يبلغ ارتفاعه 188 مترًا وذلك في شهر فبراير 2009م، والذي يقوم بحجز 9 مليارات متر مكعب من المياه[7].

 

على أن أخطر تلك الأزمات التي وقعت بين دول المنبع ودول المصب بدأت في الظهور تدريحيا على السطح في مايو 2009م بعد المؤتمر الذي عقده وزراء مياه دول حوض النيل في "كينشاسا" عاصمة الكونغو الديمقراطية، عندما طالبت مصر بالالتزام بمبدأ التشاور والإخطار المسبق في حالة إقامة أية مشروعات مائية علي ضفاف النيل، وذلك بالاتفاق مع ما ينص علية القانون الدولي من ضرورة التزام دول المنبع بعدم إحداث أي ضرر لدول المصب، و بما يتفق مع حقوق مصر التاريخية في حصة مياه النيل، لكن تلك الدول لم تهتم بالاعتراض المصري، وكانت ولا تزال حجتها في ذلك أن مصر لم ترجع إلى هذه الدول حين بنت السد العالي وخزان أسوان وقناة توشكي.

    

السد القاتل!

كان اجتماع كينشاسا بين دول حوض النيل ما عدا مصر والسودان بداية الصعوبات والتحديات الكبرى التي انفجرت في وجه السياسة المصرية في العقد الأخير والتي سيكون لها تأثيرها المباشر على الحياة في مصر في العقود القادمة، ففي أثناء الثورة المصرية في 2011م، وانشغال المصريين بأنفسهم، بدأت أثيوبيا في بناء أكبر سد على النيل الأزرق، والذي سمي أولا سد الحدود ثم سد الألفية العظيم وأخيرًا سد النهضة.

      

   

تعود فكرة إنشاء السد حين وافقت الحكومة الأمريكية على الطلب الأثيوبي في إمكانية التعاون معها للقيام بدراسة شاملة لحوض النيل الأزرق خاصة بعد عزم مصر على إنشاء السد العالي في ذلك الوقت، وجرى التوقيع على اتفاق رسمي بين الحكومتين في أغسطس 1957م، ثم كُلِّف مكتب الاستصلاح التابع لوزارة الداخلية الأمريكية للمشاركة في المشروع المشترك بعنوان "البرنامج التعاوني للولايات المتحدة الأمريكية وإثيوبيا لدراسة حوض النيل الأزرق"، واستمرت تلك الدراسة المكثّفة للمشروع لمدة خمس سنوات (1958- 1964م)، وكان ذلك إبّان بناء السد العالي في مصر (1960- 1970م)، وانتهت تلك الدراسة بتقديم تقرير شامل عن الهيدرولوجيا ونوعية المياه، وشكل سطح الأرض، والجيولوجيا، والموارد المعدنية، والمياه الجوفية، واستخدام الأرض، وأخيرًا الحالة الاجتماعية والاقتصادية[8].

  

 قام المكتب الأمريكي بتحديد 26 موقعًا لإنشاء السدود أهمها أربعة سدود على النيل الأزرق الرئيسي: كرادوبي ومابيل وماندايا وسد الحدود النهضة بإجمالي قدرة تخزين 81 مليار متر مكعب[9].

  

استفادت أثيوبيا من تلك الدراسات الأمريكية السابقة، وبدأت بالفعل في بناء السد على بعد عشرين كيلو متر من الحدود السودانية الأثيوبية، واضطرت مصر منذ العام 2011م إلى الدخول في مفاوضات مضنية ولا تزال مع الجانب الأثيوبي تشترك فيها السودان باعتبارها دولة مصب، وفي مارس 2015م تم الإعلان عن اتفاق المبادئ بين الدول الثلاث والتي كان مضمونها عدم إيقاع أية أضرار تمس أيا من الدول الثلاث.

     

وبحسب بعض الخبراء فإن "اتفاق المبادئ" المبرم بشأن سد النهضة لا يرقى إلى مستوى التعاقد القانوني بين مصر وإثيوبيا، نظرًا إلى وجود اتفاق سابق للتفاهم بين البلدين عُقد عام 1993م ولم يتم العمل به، وكانت إثيوبيا قد تعهّدت فيه بعدم المساس بحصة مصر المائية أو بناء سدود من دون إخطار مسبق ولم يتم التزام هذا الاتفاق[10].

    

  

إن واقع الحال يؤكد أن سد النهضة سيكون قادرًا على تخزين ما مقداره 74 مليار متر مكعب من مياه النيل الأزرق الأمر الذي سيؤثر بصورة مباشرة على حصة المياه القادمة إلى مصر ومقدارها السنوي 55 مليار متر مكعب، والتي لم تعد تلبي كافة التحديات والمتطلبات المصرية وعلى رأسها الزيادة المطردة في السكان والبالغة 92 مليون نسمة في إحصاء هذا العام.

 

في حوار له على قناة "سكاي نيوز عربية" في فبراير/شباط 2014م عدّد وزير الري المصري الأسبق محمد علام خطورة سد النهضة على مصر، يأتي على رأسها تبوير مساحات هائلة من الأرض الزراعية تزيد على 2 مليون فدان في السنوات الثلاث الأولى من ملء سد النهضة وترتفع إلى4 مليون فدان في السنة الرابعة والخامسة، كما سيؤدي بناء سد النهضة إلى تفريغ المياه من بحيرة السد العالي ووقف توربينات توليد الكهرباء في جسم السد العالي وخزان أسوان، فضلاً عن التدهور الكبير في المزارع السمكية حيث من المتوقع القضاء على ما نسبته 50 إلى 75% من المزارع السمكية في مصر، وفي غضون السنة الثالثة من ملء سد النهضة سينتهي مخزون مياه السد العالي الذي ستلجئ إليه مصر لتعويض النقص من حصتها السنوية التي ستتناقص من 55 مليار متر مكعب إلى 30 مليار متر مكعب سنويا.

 

والأخطر من هذا - بحسب علام - فإن سنوات الجفاف ستؤثر بشدة على مصر وسترتفع نسبة بوار الأرض الزراعية إلى 3 مليون فدان أخرى، وستعاني مصر في أثناء التخزين أو التشغيل طويل المدى لسد النهضة من عجز دائم في الحصة المائية، وسيقل منسوب المياه الجوفية في صعيد مصر من 2 إلى 3 متر، وبالنسبة لدلتا مصر في الشمال ستعاني من ملوحة شديدة تدمر نسبة كبيرة من رقعة الأرض الزراعية في شمال مصر نتيجة انخفاض منسوب مياه النيل ودخول مياه البحر المتوسط إلى فرعي دمياط ورشيد[11].

       


ومن المخاطر التي تناولتها بعض الدراسات، وعلى رأسها "لجنة العشرة" الدولية المكونة من خبراء من البلدان الثلاثة إضافة إلى خبراء دوليين، والتي قدمت تقريرها في منتصف عام 2013م، أن مُعامل أمان هذا السد غير معروف على وجه الدقة حتى اللحظة الراهنة، فضلاً عن التهديد المحتمل للأمن الإنساني في دولتي المصب، فتذهب التقديرات إلى إمكانية غرق العاصمة السودانية ليكون مستوى المياه 9 أمتار، وربما اكتساح السد العالي في جنوب مصر، وخطورة ذلك على السد واحتمالات تصدعه، خاصة أن سد النهضة يقع في منطقة الأخدود الإفريقي العظيم وهي المنطقة التي ترتفع معها احتمالية حدوث الزلازل والتصدعات[12].

 

يعتبر النيل الأزرق القادم من منابع النيل في أثيوبيا أهم رافد لنهر النيل، حيث يمثل ما نسبته 85% من حصة النيل القادمة إلى مصر، وقد أخبرنا التاريخ والواقع أن مجرد انخفاض مياه النيل أو زيادتها تؤثر بصورة مباشرة على كافة مظاهر الحياة في مصر، ولعل بناء السد العالي في فترة ستينيات القرن العشرين كان الهدف من ورائها الاستفادة من الفيضانات القادمة، وتعويض النقص في سنوات الجفاف، على أن بناء سد النهضة وسعي أثيوبيا إلى تنفيذ مخططاتها بملء وتخزين بحيرة السد في فترة زمنية قصيرة سيؤدي لا محالة إلى نتائج كارثية على مصر، فهل ستشهد مصر "شدة العصر الحديث" التي قد تكون أطول مدة، وأشد قسوة وقتامة من "الشدة المستنصرية" التي وقعت قبل ألف عام!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار