انضم إلينا
اغلاق
قصة مشروع توحيد المذاهب المسيحية بأميركا.. لماذا فشل التقريب؟

قصة مشروع توحيد المذاهب المسيحية بأميركا.. لماذا فشل التقريب؟

The Conversation

موقع إخباري
  • ض
  • ض
منذ خمسمائة عام، أحدث راهب ألماني يدعى مارتن لوثر انشقاقا في الديانة المسيحية، وسمي هذا الانشقاق باسم الإصلاح البروتستانتي. وبعد الإصلاح، ساهمت الانقسامات العميقة بين البروتستانت والكاثوليك في إشعال الحروب والعداء والعنف في أوروبا وأمريكا. وعلى مدى قرون عدة، شجب كل مذهب منهما الآخر وسعى لتحويل أتباع المذهب الآخر إلى مذهبه.

 

ثم في أوائل القرن العشرين، حاول البروتستانت الطموحين في الولايات المتحدة التفكير في أمر لا يمكن تصوره حينها. بناء على الأفكار المتداولة في أوروبا، تولوا مسؤولية بذل جهد للتفاوض على إعادة توحيد المسيحية، ففشلوا بالطبع. وبقدر ما يبدو هذا غريبا، فإن جهودهم  كان لها أثر نافع على المجتمع. 

 

الراهب الألماني مارتن لوثر


كيف بدأ الأمر؟

بحلول عام 1900، أصبح الملحدون واللاأدريون لهم الظهور الأكبر في الولايات المتحدة. وبدأ الزعماء الدينيون البروتستانتيون القلقون ينادون بمسيحية موحدة لوقف انتشار هذه الأفكار المفسدة للمجتمع. وقد اشتكى عالم اللاهوت نيومان سميث في ذلك الوقت من "السلطة المفقودة" التي كان يملكها الدين على الأسرة والمجتمع والحياة الفكرية للناس، كما أعلن أن "المسيحية المقسمة ضد نفسها" لا يمكنها البقاء على الإطلاق.

   

ردا على ذلك، في عام 1910، قامت مجموعة صغيرة جدا-لكنها مؤثرة للغاية-تضم اللاهوتيين بما فيهم سميث، فضلا عن وزراء الكنائس المرموقة والمهنيين المحترفين بتكريس أنفسهم للعمل من أجل "الوحدة المسيحية". وبالنسبة لهذه المجموعة، كانت وحدة المسيحية تعني شيئا أكثر من التعاون أو التفاهم المتبادل بل كانت تعني التوحيد الفعلي للبروتستانتية والكاثوليكية وإدماجهما في مذهب مسيحي واحد له طقوسه وسماته الواحد.

   

القساوسة في الحرب العالمية الأولى كان أهم عضو منهم هو الأسقف تشارلز برنت الذي كان مبشرا في الفلبين في أوائل عام 1900. وأثناء وجوده هناك، أصبح صديقاً لجون بيرشنغ، ضابط الجيش الذي يشرف على الكثير من الأراضي التي حصلت عليها الولايات المتحدة، ودفعت هذه الصداقة بالأسقف برنت إلى مكانة أكبر وأسمى.

  

عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى عام 1917، تولى بيرشنغ قيادة القوات الأمريكية في أوروبا. وأقنع برنت بتنظيم وقيادة فيلق من القساوسة المعينين حديثا في الجيش. وبينما كان يبني صفوف القساوسة، أظهر برنت التزامه بالوحدة المسيحية. ورغم كونه بروتستانتي، جعل من كاهن كاثوليكي تحته في القيادة وشجع على توظيف القساوسة الكاثوليك. وعندما عاد برنت إلى الولايات المتحدة في عام 1919 كان أكثر اقتناعاً بأن "الكنيسة المنقسمة" بمثابة "خيانة أساسية للمسيح". وأطلق اسمه على المنشورات والفعاليات الداعية للقضية ودعمها.

    

القائد بيرشنغ أثناء قيادة القوات الأمريكية في أوروبا في الحرب العالمية الأولى
 
الفشل في التوحد

أقر أنصار الوحدة بالحاجة إلى المضي ببطء في هذه المهمة الصعبة. وأصر سميث على عدم التسرع لطرح "خطط أو تدابير خاصة"، بل ينبغي على المجموعة ببساطة تنظيم الاجتماعات والمؤتمرات حيث يمكن للكاثوليك والبروتستانت أن يناقشوا خلافاتهم. وأعرب سميث عن أمله في أن تنبثق "مشاعر الوحدة" من الحوار. غير أن سنوات النقاش لم تجلب أي تقدم نحو الوحدة الفعلية. وكانت العقبة الأكبر هي أنه رغم الدعوات المتكررة، لم يشارك الكاثوليك في هذا الجهد سوى بإرسال مراقبين غير رسميين إلى الاجتماعات العارضة.

  

كانت هناك مشكلات أخرى كذلك؛ فقد توقع البروتستانت تنازلات من كلا الجانبين، حيث توقعوا أن يحد الكاثوليك من سلطة البابوية. وتوقع أحد علماء اللاهوت البروتستانتي، تشارلز بريجز، أن يضع الفاتيكان نظامًا من الضوابط على البابا. وفي المقابل، قال البروتستانت إنهم قد يقبلون البابوية بعد أن يتم وضع بعض الحدود لها، متخلين عن نقد شديد يعود إلى فترة الإصلاح. ووجد الكاثوليك هذه التوقعات سخيفة ورفضوا أي طلب لتغيير كنيستهم.

   

سلام عالمي من خلال الوحدة المسيحية؟
رغم هذه الصعوبات، نظر لهذه الحركة باعتبارها حراك مدفوع لا بالدين وحده، حيث ظن قادة الحركة أن الوحدة المسيحية ستؤدي في النهاية إلى سلام عالمي.  وكان ذلك في الفترة التي كان فيها دور أمريكا في العالم  والشؤون العالمية غير مستقر ولا مؤكد. في حين ساعد التدخل الأمريكي الحلفاء في كسب الحرب، رفضت الولايات المتحدة معاهدة فرساي، وهي الاتفاقية التي أنهت الحرب. كما رفضت الولايات المتحدة الانضمام إلى عصبة الأمم، التي كانت من بنات أفكار الرئيس ويلسون لحل النزاعات الدولية. وبالإضافة إلى ذلك كانت الحرب العالمية الثانية تلوح في الأفق.

   

بالنسبة هذه المجموعة، قدمت الوحدة المسيحية وسيلة بديلة لتحقيق السلام.ومنع المزيد من إراقة الدماء.

في مراسلات مع صديق له، كتب  الأسقف تشارلز برنت أنه يشعر أن "الوحدة الجديدة بين الكنائس" من شأنها أن تمنع "موجات الإرهاب البشعة". وتوقع مؤيد آخر هو الناشط من أجل السلام، بيتر أينسلي، أن تستمر المعارك بين الكاثوليك والبروتستانت في إشعال صراعات عالمية. وأشار إلى أن "اتحاد القوى المسيحية" فقط هو الذي سيضع حدا للنزعة العسكرية ويؤدي إلى السلام العالمي.

   

   

لا يوجد دعم كاف

وسلطت مثل هذه العبارات الضوء على كيفية ربط بعض الأمريكيين الدين بالسياسة الدولية بعد الحرب العالمية الأولى. لكنها تكشف أيضا لماذا فشل جهد الوحدة في كسب تأييد واسع النطاق. لم يكن لدى الشعب الأمريكي أي اهتمام ولو حتى ضئيل بالوحدة المسيحية العالمية كما كان الأمر مع عصبة الأمم. فبعد اضطراب سنوات الحرب، أراد الكثيرون التركيز على القضايا الداخلية. ولم تكن لديهم الرغبة في إعادة تشكيل مؤسسات مألوفة مثل الكنيسة.  واتضح ذلك في حملة الانتخابات الرئاسية عام 1920، عندما فاز وارن هاردينج بانتصار ساحق بعد إدارة حملة انعزالية. وشعاره، "العودة إلى الحياة الطبيعية"، يشير إلى نهاية الجهود التي بذلت في العقد السابق لتغيير العالم. 

    
وعلاوة على ذلك،  لم يكن البروتستانت ولا الكاثوليك أنفسهم متحمسين لهذا الأمر، وقالوا إنه لا حاجة للم الشمل المؤسسي هذا بين البروتستانتية والكاثوليكية.  فعلى سبيل المثال، نشرت "أوتلووك"، وهي دورية بروتستانتية تقرأ على المستوى الوطني، افتتاحية تفيد بأن الجانبين اتفقا بالفعل على "العناصر الأساسية للمسيحية" ومهما كانت الاختلافات فإنها لا تزال مجرد "خصائص طائفية مميزة".
   

العيش مع الاختلافات

لم يفشل الجهد المبذول من أجل الوحدة فشلاً كاملاً في نظر مؤدي الحركة، حيث اعتقدوا أنه ساعد بالفعل في تعزيز الوحدة من خلال الحوار. وأن نجاحه الأكبر كان مؤتمر 1927 في لوزان بسويسرا، حيث قام التجمع الذي نظمه الأميركيون برئاسة تشارلز برنت، بإجراء حوار جديد بين البروتستانت، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا.
  

وفي الحقيقة، كانت النتيجة الرئيسية غير المقصودة لحملة الوحدة هي أنها دفعت الناس إلى إدراك أنهم لم يريدوا وحدة فعلية بين المذهبين، وأنه يمكن قبول هذا الانقسام الذي أحدثه الراهب الألماني في المسيحية، فيحيى كل مذهب وفق سماته المميزة له دونا عن الآخر.

---------------------------------------------------------

ترجمة (الزهراء جمعة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار