اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/27 الساعة 14:18 (مكة المكرمة) الموافق 1439/10/14 هـ

انضم إلينا
قلعة الإبداع والثقافة.. لماذا تغزّل الشعراء والعلماء بغرناطة؟

قلعة الإبداع والثقافة.. لماذا تغزّل الشعراء والعلماء بغرناطة؟

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض

يقول الوزير والمؤرخ لسان الدين بن الخطيب (ت 776هـ/1375م) عن موطنه غرناطة وانتقال أهل الأندلس إليها رويدا رويدا منذ فتنة قرطبة التي أودت بالخلافة الأموية في نهاية القرن الرابع الهجري: "لم تزل الأيام تخيف ساكنها، والعفاء يتبوّأ مساكنها، والفتن الإسلامية تجوس أماكنها، حتى شملها الخراب، وتقسّم قاطنها الاغتراب، وكلّ الذي فوق التّراب تراب. وانتقل أهلها مدة أيام الفتنة البربريّة سنة أربعمائة من الهجرة، فما بعدها، ولجأوا إلى مدينة غرناطة، فصارت حاضرة الصّقع، وأمّ المصر، وبيضة ذلك الحقّ، لحصانة وضعها، وطيب هوائها، ودرور مائها، ووفور مدتها، فأمن فيها الخائف، ونظم النّشر، ورسخت الأقدام، وتأثّل المصر، وهلمّ جرّا. فهي بالأندلس، قطب بلاد الأندلس، ودار الملك، وقرى الإمارة، أبقاها الله متبوّأ الكلمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بقدرته"[1].

     

عرفت غرناطة تنوعا عرقيا فريدا من المسلمين العرب والبربر، والنصارى واليهود والمستعربين وغيرهم، ومن المعروف أن المسلمين قدموا إلى الأندلس على دفعات، فالداخلون مع موسى بن نصير سموا بالبلديين، والداخلون مع بلج القشيري سُموا بالشاميين، وقد تفرق الشاميون في منطقة إلبيرة وسهل غرناطة.

  

أما قبائل المغرب من البربر فقد بدأوا يتكاثرون في المناطق الجبلية من غرناطة، يضاف إلى عنصري العرب والبربر الذين شكلوا نسبة عالية من سكان غرناطة المسلمين، كما تناول المؤرخون، جاليات إسلامية أخرى وصلت الأندلس قادمة من الهند وخراسان وإيران وسكنت ضواحي غرناطة إلى جانب قلة من أصحاب البشرة السمراء كانت تسكن قرب مالقة[2].

  

مجتمع غرناطة كيف كان؟!

انقسمت الأسرة في غرناطة إلى نوعين، أسرة غنية ميسورة فيها تلتقي تحت سقف واحد زوجات عدة ومجموعة من الجواري، والأسرة الفقيرة التي يكتفي الرجل فيها بزوجة واحدة لعدم قدرته على إعالة أكثر من ذلك، وكان العرس يدوم بوجه الإجمال أسبوعا كاملا في بيت العروس تنقل بعده إلى بيتها الجديد حيث تزف إلى عروسها، ثم تقام وليمة للرجال وأخرى للنساء.

      

   

لم تكن الزوجة الجديدة في الأسرة الميسورة تخرج من منزلها الزوجي إلا عند الضرورة، فكانت تقضي الساعات الطويلة في التبرج، ولا تتبدل رتابة العيش داخل المنزل إلا عند استقبال الزائرات، أما أوقات التسلية القليلة خارج البيت فكانت زيارة الأخلاء والأقرباء وارتياد الحمامات البخارية العامة مرة أو مرتين في الشهر وربما زيارة المقابر نهار الجمعة، على الجانب الآخر في الأسرة الفقيرة ولدى طبقة العمال والحرفيين كانت المرأة تساعد زوجها في أعماله، فتمضي يومها في غزل الصوف والحياكة داخل البيت[3].

   

كانت المرأة الغرناطية تتمتع بقسط وافر من الجمال، وذلك بشهادة مؤرخ تلك المدينة ابن الخطيب الذي يقول: "وحريمهم حريم جميل موصوف باعتدال السمن، وتنعّم الجسوم، واسترسال الشعور، ونقاء الثغور، وطيب الشذا، وخفة الحركات، ونبل الكلام، وحسن المحاورة، إلا أن الطول يندر فيهن"[4].

  

عرفت نساء غرناطة بالشرف، وقد كان للأرومة العربية دورها في تكوين هذه الهالة من الشرف والرفعة حتى لو كانت تلك المرأة من أصول مغاربية، يقول ابن سعيد المغربي: "يقال لنساء غرناطة المشهورات بالحسب والجلالة "العربيات" لمحافظتهن على المعاني العربية، ومن أشهرهن زينب بنت زياد الوادي آشي، وأختها حمدة"[5].

   

كانت منازل أهل غرناطة بوجه عام تبدو من الخارج بسيطة متشابهة ويغلب على جدرانها اللون الأبيض، ولكنها بالمقابل غنية من الداخل إذ يظهر السخاء في زخرفة السقوف، واهتمام الأندلسيين بتزيين البيوت يعبّر عن ميلهم إلى الزخرفة الدقيقة، فمنذ القرن الثالث عشر للميلاد/السابع الهجري بدأوا يرصفون البيوت بالخزف، والمربعات الخزفية حلت في عهد بني الأحمر مكان الرخام في زخرفة البيوت، فزيّنت الأحواض وعتبات الأبواب بأشكال نجمية رائعة الجمال.

        

    

في بيوت الطبقة المتوسطة والغنية كان هناك مستودع لخزن جرار الزيت والطحين والخل والحبوب وغير ذلك مما يتعلق بمؤونة العائلة، وفي الأسر المتواضعة كان المغول وآلات الحياكة من الأشياء الأليفة داخل كل بيت.

   

تأثر زي أهل غرناطة بمحيطهم، فكثر فيهم لبس الشاية، وهي معطف قصير من صوف كان يرتديه الرعاة في المناطق الجبلية بقشتالة وشمالي إسبانيا، كما أن الأردية كانت متعددة الأشكال والأجناس بحسب تعدد المناطق الأفريقية والأندلسية التي أثّرت في الزي النصري، وأما لبس الرأس "العمامة" فندر في أهل غرناطة، يقول ابن الخطيب: "والعمائم تقل في زي أهل هذه الحضرة إلا ما شذّ في شيوخهم وقضاتهم وعلمائهم والجند المغاربة منهم"[6].

   

أيضا كانت الجبة الحريرية من لباس الخاصة، ودخلت الأندلس مع زرياب المغني البغدادي الشهير ولبسها الأغنياء من رجال ونساء، أما العامة فكانت الجبة عندهم من قطن أو صوف، أما البرنس المغربي المصنوع من القماش الفاخر، فكان لباس السفر، اتخذه الأندلسيون لباسا لهم منذ العهد الأموي، وفيما بعد انتقل إلى المناطق النصرانية فلبسه الرجال والنساء مدة طويلة، فكانوا يرتدونه في أوقات الشتاء[7].

   

عُرف أهل الأندلس عامة وأهل غرناطة خاصة بالاهتمام الشديد بالنظافة، يقول المقري: "وأهل الأندلس أشد خلق الله عناية بنظافة ما يلبسون وما يفرشون، وغير ذلك مما يتعلق بهم، وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه فيطويه صائما ويبتاع صابونا يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعة على حالة تنبو العين منها"[8]. فالفقير المعدم من أهل الأندلس كان يفضل الجوع والصيام على أن يظهر بمظهر غير لائق لاهتمام مجتمعه الكبير بالنظافة الشخصية، ولا شك أن طبيعة الشخصية الأندلسية التي اهتمت بنظافتها الشخصية كانت السبب في إخراج هذا الإبداع الفني في العمارة التي لا تزال شاهدة على رهافة الشخصية الأندلسية.

      

    

في شوارع غرناطة

لعل ذلك الذي دفع دولة بني الأحمر في غرناطة إلى إنشاء المستشفى الكبير في غرناطة في القرن الثامن الهجري، ففي متحف قصر الحمراء اليوم لوحة حجرية للنص التأسيسي للبيمارستان "مستشفى" في غرناطة والذي بُدئ البناء فيه في زمن السلطان محمد الخامس بن الأحمر في محرم سنة 767هـ/1356م وانتهى بناؤه بعد مرور سنتين، وكان هذا المستشفى مؤلفا من جناحين، واحد للرجال وآخر للنساء، وكل جناح من طبقتين، بينهما بهو كبير في وسطه بركة ماء تصب فيها عدة نوافير، ولكن هذا البناء أهمل فظهر فيه الخراب والتصدع ولحقه الهدم في سنة 1843م[9].

    

امتازت شوارع غرناطة مثلها مثل المدن الإسلامية الأخرى بضيق الشوارع وفسحة البيوت، ولا تزال غرناطة القديمة ولا سيما حي البيازين إلى اليوم شاهدا على عصرها المعماري، في تلك الشوراع التي كانت تأخذك إلى مساجد المدينة وأسواقها المسقوفة التي كان يقف فيها صغار الباعة على مداخل الحوانيت ينادون على بضائعهم لاستجلاب المارة، وغالبا ما كانت تغدو المنادة صياحا تختلط معه الأصوات، كما أن الناس كان يتحلّقون حول الباعة المتجولين الذين كانوا يختارون مكانا يعج بالمارة لعرض بضائعهم المتنوعة، وكان المحتسب يحرص على منع أبناء القرى المجاورة لغرناطة من إدخال دوابهم إلى سوق "القيسرية" وربطها في الأزقة الضيقة[10].

  

شغف أهل غرناطة بالألعاب الرياضية وفي مقدمتها الفروسية وسباق الخيل ورمي الجريد، وهي الرياضات العربية الأصيلة، حتى إن بعض أبناء مملكتي أراغون وقشتالة كانوا في مراسم معينة يقصدون غرناطة للمشاركة في أعمال الفروسية في الحفلات، واشتهر السلطان محمد الرابع بن الأحمر بالفروسية، وكذلك السلطان محمد الخامس الذي كان يشرف على سباق للخيول في عاصمته بصورة دورية كان يظهر فيها حماسته للمتسابقين[11]. كما عرفوا الغناء والآلات الموسيقية والألحان، واشتهر منهم أبو الحسين علي بن الحمارة، فكان ممن برع في الألحان وعلمها، واشتهر عنه أنه كان يعمد إلى الشعراء، فيقطع العود بيده، ثم يصنع منه عودا للغناء، وينظم الشعر ويلحنه، ويغني به، فيطرب سامعيه[12]. على أن المدينة فوق ذلك شهدت حالة من النبوغ الثقافي والعلمي أسهم في إخراج أجيال من العلماء الغرناطيين في كافة المجالات كان على رأسهم العلامة الموسوعي لسان الدين بن الخطيب الغرناطي المؤرخ والفيلسوف والطبيب الشهير صاحب المصنفات الصادحة بالتاريخ والأدب الرائق.

    

   

يندهش المؤرخ الأميركي ول ديورانت من ذلك التنوع الثقافي الذي شهدته غرناطة، قائلا: "كانت الحكومة الغرناطية تأخذ سُبع غلة الأرض كلها، وربما أخذت الطبقة الحاكمة مقدارا مماثلا كنفقات للإدارة الاقتصادية والقيادة العسكرية، ووزع الحكماء والنبلاء بعض مواردهم على الشعراء والدارسين والعلماء والمؤرخين والفلاسفة، وتولوا جامعة سمح فيها لعلماء المسيحيين واليهود أن يكونوا أساتذة وعمداء أحيانا. ونقش على أبواب الكلية خمسة أسطر: "دعائم الدنيا أربعة: علم الحكماء، وعدالة العظماء، وصلوات الأبرار، وأقدام الشجعان". وأسهم النساء في الحياة الثقافية بحرية، ونحن نعرف بعض أسماء العالمات في غرناطة الإسلامية. ولم يمنع التعليم السيدات مع ذلك، من تحريض رجالهم، لا على العواطف العارمة بل على حب الفروسية ومبارزاتها"[13].

  

قصر الحمراء.. درة غرناطة

هنالك في ربوة عالية تطل على غرناطة وأزقتها لا تزال الحمراء حصنا وقصورا وحدائق ذات بهجة تسر الناظرين شاهدة على الإبداع الأندلسي، هذا الحصن الذي يعود بناؤه إلى باديس بن حبوس أعظم ملوك البربر في عصر الطوائف وأقواهم جانبا، وكانت مملكته من أكبر ممالك الطوائف رقعة، إذ كانت تمتد من بسطة شرقا حتى إستجة ورندة غربا، وبياسة وجيان شمالا حتى البحر جنوبا. وباديس هو الذي مصّر مدينة غرناطة، وغدت منذ عهده من أهم قواعد الأندلس الجنوبية، وأنشأ قصبة غرناطة فوق أنقاض قلعتها القديمة، وسميت باسمها القديم "القلعة الحمراء" وهو الاسم الذي خلد على كر العصور، وغدا فيما بعد علما على حمراء غرناطة، وأقام داخل القصبة قصره ومسجده الذي دفن فيه، وأنشأ سورا ضخما حول الربوة التي تقع عليها القصبة[14].

  

وفي عصر بني الأحمر أبدع سلاطينها في بناء قصورها وحدائقها وجناتها ونوافيرها، حتى أضحت الحمراء علما على روعة الفن الإسلامي في غرناطة خاصة وفي الأندلس عامة إلى يومنا هذا، وكان من أوائل المؤرخين الأميركيين الذين زاروا هذا الإبداع الأندلسي وكتبوا عنه في فترة مبكرة من القرن التاسع عشر المؤرخ واشنطن إيفرينج الذي دوّن زيارته وتاريخ هذا الأثر في كتابه المهم "الحمراء".

    

يقول إفرينج عن الحمراء وهو ما نختم به جولتنا في أزقة غرناطة: "إن قصر الحمراء هو كعبة زوار إسبانيا من الذين ينشدون رؤية الجانب التاريخي والشعري الرومانطيقي لتلك البلاد، فكم من أسطورة وتقليد صحيح ووهمي، وكم من رقصة وأغنية عربية وإسبانية حول الحب والحرب والفروسية مرتبطة بهذا الركن التاريخي، فهو سرير ملك العرب هناك، المحاط بالروائع والعجائب من أفخم ما صنعته يد الفن الجميل بهدف تشخيص وتكريس تصور الجنة السماوية عند المسلمين في إمبراطوريتهم الإسبانية"[15].

 

وهكذا كانت غرناطة مدينة مسلمة عرفت التنوع العرقي والثقافي لعدة قرون أثمرت في نهاية المطاف إبداعا هندسيا وثقافيا لا يزال شاهدا على عظمة تلك العقلية التي ربما أخذها الترف والدعة إلى الانهيار أمام الزحف الإسباني الذي استطاع أن يلتقم هذه المدينة الوديعة والساحرة في آن!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار