اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/6 الساعة 15:23 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/23 هـ

انضم إلينا
غرناطة.. تاريخ مدينة ممزقة

غرناطة.. تاريخ مدينة ممزقة

محمد شعبان أيوب

محرر تاريخ
  • ض
  • ض
في روايتها البديعة "ثلاثية غرناطة" تسرد رضوى عاشور بأسلوب روائي رائق مشاهد من حيوات بعض من ساكني أهل غرناطة أولئك الذين عاصروا سقوط المدينة، وتكشف لنا كيف انتقلت حياتهم وتأثرت بتأثر الواقع السياسي منذ لحظة الاستسلام وحتى لحظة الطرد النهائي الأليمة.

 

من أبطال تلك الرواية سعد وسليمة الحبيبان الغرناطيان اللذان تزوجا وعاشا حياة متقلبة كتقلب أهل غرناطة على جمر الألم والفقد والتنكيل، قبيل زواجهما سردت لنا رضوى عاشور مشهدا يبرز -كما تخيلته- طابع المدينة في أزقتها النشطة.

 

تقول: "ما الهدية التي تليق بسليمة؟ سار سعد في باحة المسجد الأعظم المزدحمة دوما بالباعة والشارين، تطلع إلى قوالب الصابون وقوارير العطور والحصر والسلال والقناديل والمشكاوات والصناديق الخشبية، تأمّل صندوقا مُطعّما بالصدف والعاج في أسفله صفّان من الأدراج الصغيرة، وآخر أصغر منه حجما تزينه المسامير وتشكل رؤسها الحديدية المدوّرة خطوطا متوازية ومتقاطعة، حيّاه البائع ودعاه للشراء فردّ سعد التحية وشكره ومضى، مرّ على أطقم الخيول والألجمة والرُكب، وتطلع وهو عابر إلى القدور والأوراني الفخارية والمقصدرة والمزجّجة مختلفة الأشكال والألوان والأحجام، ثم توقف أمام حانوت صفّ صاحبه أوانيه وقدوره وقواريره على بساط صوفيّ تداخلت ألوانه بألوانها فأضفت على المكان صخبا بهيجا يشد العين ويستأثر.."[1].

 

رضوى عاشور


وهكذا تستمر رضوى في سرد مشاهد بديعة لمجتمع غرناطة كما رسمته في مخيالها الوضيء، هذا المخيال الذي تأثّر بلا شك بتاريخ المدينة العملاق، تاريخ لا يصف لنا مأساة الأندلس في عصرها الأخير، عصر بني الأحمر وقصرهم الحمراء ونهايتهم التي تكللت بألوان الدم القاني، وكأن الأحمر كان اسما ومسمى لهذا الطور الأخير من حياة تلك المدينة الساحرة، فكيف كانت غرناطة تاريخا ومجتمعا، وكيف كانت أزقتها وشوارعها، لا حياة الحجر فقط وإنما تاريخ الإنسان الذي امتزج بتلك الشوارع وهاتيك الأزقة؟!

 

لمحة عن أندلس متناحر!
كانت مملكة غرناطة تقع جنوبي شرقي بلاد الأندلس، وتنفتح حدودها الشرقية على البحر المتوسط حيث تشمل منطقة ألمرية وتمتد جنوبا حتى جبل الفتح أو جبل طارق، أما حدودها الغربية فتنتهي عند سفوح الجبل الأسمر (سييرّا مورينا) والوهاد التابعة لمنطقة نهر الوادي الكبير، ويمكن للمسافر أن يجتاز البلاد سيرا على الأقدام من الشمال إلى الجنوب في عشرة أيام ومن الشرق إلى الغرب في ثلاثة أيام[2].

 

فضّل العرب والبربر منطقة غرناطة حين نزولهم على غيرها لجمال طبيعتها، فقد سحروا بخضرة السهول وبياض الثلوج وغزارة المياه واعتدال المناخ، مما خلق عندهم ليونة في الطبع، وميلا إلى الاستقرار، واستيفاء اللذات المتنوعة، وقد أخذت المدينة بلب الجميع، حتى وُصفت بدمشق الأندلس، وكانت دمشق عاصمة الأمويين في الشام درة الشرق بهجة وجمالا، يقول المقّري في تاريخه: "ومن أشهر بلاد الأندلس غرناطة، وقيل: إن الصواب أغرناطة -بالهمز- ومعناه بلغتهم الرّمّانة، وكفاها شرفا ولادة لسان الدين بها. وقال الشقندي صاحب رسالة "تفضيل الأندلس": أما غرناطة فإنها دمشق بلاد الأندلس، ومسرح الأبصار، ومطمح الأنفس، ولم تخلُ من أشراف أماثل، وعلماء أكابر، وشعراء أفاضل. ولو لم يكن لها إلى ما خصّها الله تعالى به من المرج الطويل العريض ونهر شُنيل لكفاها. وتسمى كورة إلبيرة التي منها غرناطة دمشق، لأن جند دمشق نزلوها عند الفتح، وقيل: وإنما سميت بذلك لشبهها بدمشق في غزارة الأنهار، وكثرة الأشجار"[3].

 

مرت غرناطة بتاريخ سياسي متعاقب من ولاة خضعوا لحكم الأمويين في المشرق إلى عصر الأمويين في الأندلس الذي ابتدأ مع صقر قريش عبد الرحمن الداخل حيث استطاع إحلال الأمن وتوحيد الجزيرة تحت رايته، على أنه ما أن حل الثلث الأخير من القرن الرابع الهجري إلا ويدخل الأمويون تحت سيطرة المنصور بن أبي عامر، لكن سياسة المنصور العسكرية أدت إلى إدخال عدد كبير من سكان شمالي أفريقية من البربر إلى الأندلس، وكانوا آنذاك بمنزلة قوات عسكرية غير نظامية، أصبحوا بعد وفاته ووفاة خلفه بؤرة تموج بالاضطرابات ضد الأندلسيين أنفسهم حتى سقطت الخلافة الأموية والدولة العامرية وتفككت الأندلس إلى دويلات متصارعة[4].

 


انحدرت إسبانيا المسلمة منذئذ في النصف الأول من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) عقب انهيار دعائم الخلافة الأموية والدولة العامرية إلى معترك مروع من التمزق والفوضى، واستحالت الأندلس بعد أن كانت كتلة موحدة، تمتد من ضفاف دويرة شمالا إلى مضيق جبل طارق جنوبا، ومن شاطىء البحر المتوسط منذ طركونة شرقا حتى شاطئ المحيط الأطلنطي غربا، إلى أشلاء ممزقة، ورقاع متناثرة، وولايات ومدن متباعدة متخاصمة، يسيطر على كل منها حاكم سابق استطاع أن يحافظ على سلطته المحلية خلال الانهيار أو متغلب من الفتيان الصقالبة أو القادة ذوي السلطان السابق، أو زعيم أسرة محلي من ذوي الجاه والعصبية. وسيطر البربر من جانبهم على أراضي المثلث الإسباني الجنوبي، وما كان منه بيد الدولة الحمودية، وأنشأوا هنالك إمارات عدة، ما لبثت أن نزلت إلى ميدان الصراع العام، الذي شمل هذه المنطقة. وهكذا قامت على أنقاض الدولة الأندلسية الكبرى دول عديدة هي دول "الطوائف"[5].

 

غرناطة في عصر ملوك الطوائف
وذلك منذ أوائل الربع الأول من القرن الخامس، حتى الفتح المرابطي، زهاء سبعين عاما، قضتها جميعا في سلسلة لا نهاية لها من المنازعات الصغيرة، والخصومات والحروب الأهلية الانتحارية، وكادت بتنابذها وتفرقها ومنافساتها، تمهد لسقوط الأندلس النهائي. وقد كان من رحمة القدر أن إسبانيا النصرانية كانت في الوقت نفسه الذي انتثرت فيه وحدة الأندلس على هذا النحو الخطر، تعاني من انقسام الكلمة، وتعصف بها ريح الخلاف والتفرق، فلم تتح لها فرصة للوثوب بالأندلس الممزقة، إلى أن كان الوقت الذي بلغ فيه تنابذ الطوائف ذروته، واشتد ساعد إسبانيا النصرانية كرة أخرى، واستطاعت أن تضرب ضربتها القوية بانتزاع طليطلة، أول قاعدة إسلامية كبيرة (478هـ/1085م)؛ وعندئذ تطورت الحوادث بسرعة، واتجهت الأندلس الجريحة، في توجسها وانزعاجها، إلى إخوانها المسلمين فيما وراء البحر، بعدوة المغرب، تستدعيهم لنصرتها. وكان أن تدفقت الجيوش المرابطية من المغرب على شبه الجزيرة الإسبانية، وكان أن أنقذت دولة الإسلام في الأندلس[6].

 

وكانت مملكة غرناطة قد بلغت ذروة قوتها في عهد ملكها باديس بن حبوس الصِّنهاجي، وكان باديس قد رشح ولده بُلُقِّين للأمر من بعده ولقبه سيف الدولة، ولكنه توفي بالسم في حادث غامض. وفي خلال ذلك كان النضال مستمرا بين المعتضد بن عباد وبين البربر، وقوة باديس تضعف شيئا فشيئا. فلما توفي باديس في سنة 465هـ/1073م، خلفه في حكم غرناطة حفيده عبد الله بن بُلُقِّين، وفي حكم مالقة حفيده تميم، ولم يمض على وفاته سوى عام، حتى سار المعتمد بن عباد في قواته إلى جيان، أهم قواعد مملكة غرناطة الشمالية واستولى عليها (466هـ/1074م) ولم يبق من مملكة غرناطة سوى العاصمة ورباضها. وعندئذ فكر أمير غرناطة في الاستعانة بالنصارى، وتوصل بواسطة المأمون بن ذي النون إلى أن يعقد مع ألفونسو السادس ملك قشتالة معاهدة صداقة وتحالف، يتعهد فيها بدفع الجزية. وحدث في الوقت نفسه أن ظفر المأمون بن ذي النون بانتزاع قرطبة من ابن عباد (467هـ)، فكانت هزيمة المعتمد سببا في انقشاع الخطر نوعا عن غرناطة[7].

 

وخرج عبد الله بن بُلُقِّين بعد ذلك في قواته ومعه سرية من حلفائه النصارى، وأغار على أراضي ابن عباد، وعاث فيها، واستطاع أن يسترد حصن قبرة القريب من جيان. بيد أن المعتمد لم يقف مكتوفا إزاء هذه الحركة، فاتجه بدوره إلى النصارى، وأرسل وزيره الشهير أبا بكر بن عمار إلى ملك قشتالة ألفونسو السادس، فعقد معه حلفا دفع مقابل عقده خمسين ألف دينار. ويقضي هذا الحلف بأن يتعاون المعتمد وألفونسو السادس على افتتاح غرناطة، وأن تكون المدينة ذاتها للمعتمد، وأن تكون ذخائر القلعة الحمراء لألفونسو. وظهر أثر هذه المعاهدة على الفور، إذ عمد النصارى إلى تخريب بسائط غرناطة، ولا سيما أراضي مرجها الشهير "La Vega"[8].

 


فشل تحالف المعتمد بن عباد وألفونسو في انتزاع غرناطة، وبقيت المدينة في يد بني زيري حتى سقطت في يد المرابطين سنة 483هـ، ثم دخلت تحت لواء الموحدين وأخيرا انتزعها محمد الأول بن الأحمر، مؤسس الدولة النصرية في غرناطة آخر قلاع المسلمين في الأندلس، وكان استيلاؤه على المدينة في رمضان سنة 634هـ/مايو/أيار 1237م.

 

كانت فترة تصدع دولة بني هود، هذه الدولة السريعة في قيامها وسقوطها والتي تلت سقوط الموحدين في الأندلس، واستمرت نصف القرن، قد شهدت فيها الأندلس مآسي كبيرة وخطيرة منها سقوط قرطبة عاصمة الأندلس الكبرى، وإشبيلية وميورقة وبلنسية وشاطبة وغيرها من أهم المدن الأندلسية في يد الإسبان.

 

يقول ابن خلدون عن تلك الأحداث: "كانت هذه المدّة من سنة اثنتين وعشرين (وستمئة) إلى سنة سبعين (وستمئة)، فترة ضاعت فيها ثغور المسلمين واستبيح حماهم، والتهم العدوّ بلادهم وأموالهم نهبا في الحروب، ووضيعة ومداراة في السلم. واستولى طواغيت الكفر على أمصارها وقواعدها، فملك ابن أدفوش (ألفونسو) قرطبة سنة ست وثلاثين (وستمئة)، وجيان سنة أربع وأربعين، وإشبيليّة سنة ست وأربعين. وتملك قُمط برشلونة مدينة بلنسية سنة سبع وثلاثين (وستمئة) إلى ما بينهما من الحصون والمعاقل التي لا تعدّ ولا تحصى، وانقرض أمر الثوار بالشرق وتفرّد ابن الأحمر بغرب الأندلس"[9].

 


لذا بقيت دولة بني الأحمر آخر معقل يصارع للبقاء في وجه القوة الإسبانية الطاغية لمدة قرنين ونصف القرن شهدت فيها غرناطة عاصمة هذه الدولة كثيرا من الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية، باعتبارها المأوى الأخير لنازحي المدن الأندلسية الأخرى التي كانت تسقط واحدة خلف الأخرى حتى سقطت غرناطة هي الأخرى في نهاية المطاف سنة 897هـ/1492م.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار