اغلاق
آخر تحديث: 2018/8/4 الساعة 13:50 (مكة المكرمة) الموافق 1439/11/23 هـ

انضم إلينا
المزيد من الديون..هل يسير السيسي على خطى الخديو إسماعيل؟!

المزيد من الديون..هل يسير السيسي على خطى الخديو إسماعيل؟!

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

نحو مزيد من الاقتراض، ومزيد من الديون، يقف السيسي ومعه مصر نحو منحى اقتصادي متدهور، تكبل فيه السندات إمكانية الاستقلال المالي، إلا أن ما يجري في عصرنا، ليس بنشاز في التاريخ المصري، إذ يمكن تشبيهه في وجه من الأوجه، بحقبة الخديو إسماعيل. وعلى الرغم من أنه بالإمكان تفسير تبديد الموارد الذاتية والخارجية لمصر في عهد الخديو إلى كونه كان ميالا إلى البذخ سواء في إنفاقه على نفسه وحاشيته أو في ضيافته للأجانب، ومن رغبة لا تُقاوم في كسب رضا ومودة الأوروبيين، وفي تحويل مصر إلى "قطعة من أوروبا"، على أن الأقرب إلى الحقيقة هو أن الجزء الأكبر من ذلك الفارق بين ما أنفقه إسماعيل على مشروعات التنمية أو على حفلات البذخ وبين قيمة الزيادة في ديون مصر الخارجية في عهده لم يتسلّمه إسماعيل في الواقع أصلا!

حيث كانت القيمة الاسمية للقروض الخارجية طويلة الأجل التي عقدها إسماعيل هي 53 مليون جنيه لم يتسلم منها بالفعل إلا 32 مليونا أي ما يقل عن القيمة الاسمية بمقدار 21 مليون جنيه، وهو ما يكاد يعادل المبلغ المبدد من قروض إسماعيل الخارجية، كانت خطيئة إسماعيل وفقا لهذه الأرقام هي محض اللجوء إلى الاستدانة في ظل الشروط القاسية التي كانت تقدم بها القروض[1].

 

يمكن قياس ذلك على حجم ما دخل الخزانة المصرية في السنتين الأوليين من حكم السيسي والذي قدرته بعض المصادر بخمسين مليار دولار، لم تفد الاقتصاد الوطني في شيء، بل بُددت هذه الأموال على مشروع تفريعة قناة السويس الذي أدخل مصر منذ افتتاح هذه التفريعة في جملة من المشكلات الاقتصادية حيث فتحت الباب على مصراعيه للاقتراض من البنوك العالمية، وأخيرا قرض صندوق النقد الدولي الذي يُقدّر بـ 12 مليار دولار، والذي فرض على مصر مجموعة من الشروط وعلى رأسها إلغاء دعم الدولة للمنتجات أدت إلى غلاء فاحش في الأسعار قُدّر بأكثر من 50% في بعض المنتجات، وأكثر من 100% مع ثبات المرتبات في القطاعين العام والخاص مما أثر بدوره على سحق الطبقة المتوسطة والهُويّ بها إلى منطقة الفقر.

 

السيسي مع مديرة صندوق النقد الدولي الفرنسية كريستيان لاجارد (الأناضول)

   

في تقرير عن علاقة صندوق النقد الدولي بالأوضاع الاقتصادية في مصر، ذكر أن الأسرة كاملة التي يصل إنفاقها 4160 شهريا لا تزيد على7% فقط، ذلك المبلغ كافٍ بالكاد لتطفو أسرة فوق سطح الطبقة الوسطى، وهذا هو الاستثناء، أما باقي المصريين ففي الفقر أو على الحافة. وفي شريحة أفقر 10% من المصريين ينفق الفرد سنويا 3332 جنيها أي 277 جنيها شهريا، وارتفعت نسبة الفقراء إلى 27.8% عام 2015، مقابل 26.3% في 2013.

   

وهذا يعني أن محدودي الدخل سيزداد وضعهم سوءا وسيزداد حجم تلك الفئة، حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن 1.5 مليون أسرة سقطت تحت خط الفقر في 2015 فقط، كما أنه مع كبر حجم تلك الطبقة وارتفاع الأسعار بشكل جنوني يفوق عدة مرات مستوى الزيادة في الأجور، فإن تلك الطبقة تتجه بمرور الوقت من درجة الفقر إلى مستوى الفقر المدقع[2]. نُشر هذا التقرير الصادم في مارس/آذار من هذا العام قبل الارتفاع الأخير في شهر يونيو/حزيران في أسعار الوقود والكهرباء والماء والتي ستودي بالطبقة المتوسطة إلى حدود الفقر الفعلي!

    

يصف السياسي والمؤرخ البريطاني ألفريد بلنت حال المصريين في السنوات الأخيرة من حكم إسماعيل، وما جرته عليهم سياسته المالية ومديونياته التي تحمّلها المصريون من كدهم وتعبهم قائلا: "كان الفلاحون في ذلك الوقت في أشد حالات الضنك، وكان هذا هو العام الأول من الأعوام الثلاثة الأخيرة المروّعة في حكم إسماعيل، وكان المفتش إسماعيل صديق (وزير المالية وصديق الخديو إسماعيل) لا يزال في أوج عزّه وحملة القراطيس (السندات) الأجانب يجأرون مطالبين بدفع الأقساط، والمجاعة على أبواب الفلاحين، وكان من الأمور النادرة في تلك الأيام أن يرى الإنسان شخصا في الحقول وعلى رأسه عمامة أو على ظهره شيء أكثر من قميص، وحتى في ضواحي القاهرة وبالأكثر في الفيوم، وغصّت مدن الأرياف في أيام الأسواق بالنساء اللاتي أتين لبيع ملابسهن وحُليهن الفضية للمُرابين الأروام لأن جامعي الضرائب كانوا في قراهن والكرباج مُشهر في أيديهم، فابتعنا مصوغاتهن الزهيدة وأصغينا إلى قصصهن واشتركنا معهن في استنزال اللعنات على الحكومة التي جعلتهن عرايا"[3].

  

تبدو تلك الحالة من الفقر المدقع الذي أصاب المصريين في سنوات حكم إسماعيل مخيمة على عصر السيسي، ففي تقريره "التحديات أمام الاقتصاد المصري" يرى برندان ميجان أن واحدة من أخطر العقبات التي تواجه هذا الاقتصاد تتمثل في في التراكم السريع للديون، لا سيما الديون بالعملات الأجنبية؛ فوفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، سوف يبلغ مجموع معدل الديون إلى إجمالي الناتج المحلي في مصر، الذي يشمل الديون بالعملة المحلية والعملات الأجنبية على السواء، 101.2% بحلول أواخر العام 2017م[4].

   

(شكوى المصريين من ارتفاع الأسعار)

  

على أن زيادة أسعار الوقود الأخيرة والتي سيترتب عليها زيادة أسعار خدمات النقل والمواصلات والأدوية والأطعمة والأشربة، وستؤدي إلى نتائج أسوأ على المستوى الاقتصادي للمصريين ولقدرتهم الشرائية التي لن يتحملها ملايين منهم، ما يعني كساد النظام الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وهي الحالة التي تشبه ما ذكره البريطاني ألفريد بلنت عن المصريين في عصر الخديو إسماعيل الذي أغرق مصر في الديون وكان سببا رئيسا في احتلال بريطانيا مصر في عهد خلفه توفيق.

  

قناة السويس.. مفتاح البداية والنهاية!

في عام 1869م افتُتحت قناة السويس، هذا المشروع الذي طالما امتنع محمد علي وابنه إبراهيم وحفيده عباس الأول عن تنفيذه حتى رضح الخديو سعيد لرغبات الفرنسي فردينان دليسبس ووقع عقد امتياز قناة السويس، وكان عقدا أقل ما يوصف بغير المفيد للمصريين نتيجة لبنوده التعسفية ضد مصالح مصر وأمنها الداخلي، يقول روزستين المعاصر عن تلك المأساة:

  

"كان حفر تلك القناة من أشأم المشروعات التي سببت لمصر كثيرا من المتاعب المالية والاقتصادية وأشدها خطرا عليها، ففضلا عن أن حفرها كان عديم الفائدة بتاتا لمصر، نظرا لموقعها الجغرافي في ركن سحيق من أركان البلاد يفصله عن المنطقة الزراعية لسان صغير من الأرض، فقد أضرتها ضررا بليغا بطريق مباشر إذ حوّلت تجارتها (الترانزيت) عن مجراها القديم طريق إسكندرية إلى طريق السويس، وقد تظل الوسائل التي تمكن بها المسيو دي ليسيس من إقناع سعيد باشا بالموافقة على ذلك المشروع المشؤوم سرا غامضا إلى الأبد، ولكن أكثر غموضا من هذا هو كيف وافق سعيد باشا على تقديم 20 ألفا من عمال السُّخرة لإجراء عملية الحفر في مقابل هذا المبلغ الزهيد وهو 15% من صافي أرباح الشركة بعد دفع الحصص القانونية"[5].

 

تمثال الفرنسي فرديناند ديلسبس – المدخل الشمالي لقناة السويس (مواقع التواصل)

  

كان حفر القناة تعريضا لمكانة مصر وجغرافيتها لذئاب العالم الغربي الذين حفروا القناة بدماء وأموال المصريين ثم احتلوا أرضها بعدما أوقعوا حكامها في براثن الديون، ويتعجب المؤرخ الروسي آنفا من هذا الرضوخ من حكام مصر أمام بعض الساسة الغربيين مثل دي لسبس دون سبب واضح يجعله يستعبد أكثر من 20 ألف فلاح تركوا أراضيهم للبوار، وأسرهم بلا عائل في مغامرة جرت على البلاد بؤسا وبلاء!

 

حين اعتلى إسماعيل عرش مصر سنة 1863م بعد وفاة سعيد رضخ لكافة الاتفاقيات السابقة مع الفرنسيين، لكنه رأى أن الاستمرار في جلب الفلاحين المصريين لاستكمال أعمال الحفر يعرض الزراعة للخطر، ومالية الدولة التي كانت بمنزلة ماليته الشخصية للخسارة، لذا اضطر إلى تعويضهم بأربعة ملايين جنيه كغرامة فرضها صديقه إمبراطور فرنسا نابليون الثالث في عملية سرقة وابتزاز واضحة، وحين اقترب افتتاح حفل قناة السويس في عام 1869م لجأ إسماعيل كعادته إلى الاقتراض[6].

  

ففي سنة 1868م اقترض الخديو قرضا جديدا مقداره 11.890.000 جنيه من بنك أوبنهايم، بشروط قاسية وعمولات عالية لم يدخل فعليا منها الخزانة المصرية سوى 7.195.384 جنيها، أي إن سعر القرض كان 61%، فحلت بخزانة مصر خسارة فادحة من شروط هذا القرض، بل وخصص لسداد أقساطه السنوية إيرادات الجمارك وعوائد الكباري وإيراد الملح ومصايد الأسماك، وقُدّر دخل هذه الموارد بمليون جنيه في السنة، وكان من شروط هذا القرض أن يكف إسماعيل عن الاستدانة لخمس سنوات[7].

  

على أن الجزء الأكبر من هذا القرض أنفقه إسماعيل على نزواته الخاصة، حيث أتم بناء قصوره في عابدين والقبة والعباسية والجيزة وسراي مصطفى باشا في الإسكندرية وتأثيثها بأفخر الأثاث، وأنفق منه على حفل افتتاح قناة السويس التي تناولتها كبرى الصحف العالمية، وبلغ إنفاقه على ذلك الحفل مليونا ونصف مليون جنيه في وقت كان القرش الصاغ الواحد يكفي أسرة مصرية كاملة في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي (الجنيه = 100 قرش)[8]!!

  

 

يتفق عدد كبير من المؤرخين على أن حفل افتتاح قناة السويس أحدث فراغا كبيرا في الخزانة المصرية، وبدأت مظاهر الضيق والارتباك تبدو على وزارة المالية لقرب المواعيد المضروبة لأداء أقساط الديون، ولم يكن في خزائنها ما يفي بذلك، فاضطر الخديو تحت وطأة المشكلة، وبطريقة سرية، أن يستدين من أحد معارفه 300 ألف جنيه، وقبلت وزارة المالية أن تخصم البنوك سنداتها بفائدة 14% لمدة ثلاثة أشهر، وبديهي أن قبول هذه الشروط دليل على ما وصلت إليه الحالة من الضيق وشح الموارد.

  

ورغم ذلك كان الدين يزداد يوما بعد يوم، بسبب حاجة الحكومة إلى المال، حتى بلغ 12 مليون جنيه في أواخر سنة 1869م أي بعد انتهاء حفلات قناة السويس، وهو مبلغ فادح لم يكن لخزانة ومالية الدولة أن تتحمله، وهي الحفلات التي كان إسماعيل قد تعهّد بتحمل نفقاتها من جيبه الخاص، لكنه أخلف وعده، وحملها على الشعب والفلاحين، وأخذها منهم بكرباج وزير ماليته وأخيه من الرضاعة إسماعيل صديق المفتش[9].

  

بعد شهرين من ارتقائه الحكم أطلق عبد الفتاح السيسي في (أغسطس/آب) 2014م مشروعه لتنمية محور قناة السويس، وكانت الدعاية المصاحبة لذلك المشروع تروج أن إيرادات القناة ستحقق سنويا 13.7 مليار دولار بداية من سنة 2023م، وسحب عشرات الآلاف من المصريين مدخراتهم في البنوك التي بلغت 64 مليار جنيه وأودعوها في مشروع القناة مقابل عائد سنوي مقداره 15% ارتفع إلى 20%، بل سحبت التفريعة الجديدة التي بلغ طولها 37 كم قدرا كبيرا من احتياطي العملات الأجنبية في البنك المركزي قُدّر بـ 115 مليار جنيه، مما أثر سلبا على قيمة صرف الدولار مقابل الجنيه وأدى في نهاية المطاف إلى تحرير سعر الصرف حيث انخفضت قيمة الجنيه إلى أكثر من الضعف ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات كافة[10].

  

ففي تقرير أعدته جريدة الإندبنت البريطانية قُبيل افتتاح تفريعة قناة السويس في (أغسطس/آب) 2015م تساءلت حول ما إذا كانت هذه القناة الجديدة هي "هدية مصر للعالم" كما روج السيسي والإعلام المصري حينها، وأكدت روث مايكلسون مُعدّة التقرير أن المسؤولين في الحكومة المصرية عندما سُئلوا خلال جولة في المشروع قبيل الافتتاح لبعض الشخصيات الاقتصادية عن مصدر هذه التقديرات لعائدات المشروع لاذوا بالصمت ولم يقدموا إجابة، لكن الفريق مهاب مميش قال إنها تقديرات اقتصاديين عالميين فقط[11].

  

مهاب مميش (رويترز)

  

ويؤكد التقرير أن بيتر هينشكليف الأمين العام لغرفة التجارة العالمية كان ضمن الشخصيات الموجودة في هذه الجولة وأكد أن حركة الملاحة في قناة السويس مرتبطة بالتجارة العالمية، وهي الحركة التي اتسمت بالبطء منذ عام 2005م، ولذلك بدأت القناة تعاني من خسائر واضحة منذ عام 2017م بحسب الإحصائيات الرسمية التي أعلنتها هيئة قناة السويس نفسها وبحسب البيانات الرسمية أيضا، فإن إيرادات القناة تراجعت في عام 2016 بنسبة 3.3%، محققة 5.005 مليارات دولار، في مقابل 5.175 مليارا في عام 2015، بل تم تسجيل تراجع في إيراداتها خلال 2015، إلى 5.175 مليار دولار، مقابل 5.465 مليار دولار في 2014، بانخفاض 290 مليون دولار0

 

لاحقا اعترف الرئيس المصري بصورة ضمنية بعدم جدوى المشروع حين أعلن في مقابلة تلفزيونية في (يونيو/حزيران) 2016م أن المشروع كان "لرفع الروح المعنوية للشعب المصري.. المصريون كانوا بحاجة ليعلموا أنهم قادرون بالمعدلات والتكاليف والوقت، والمشروع كان محاولة لتقديم الذات المصرية على أنها قادرة على صنع المستحيل، والخروج من الكبوة"[13].

   

وفي (نوفمبر/ تشرين الثاني) من العام نفسه اضطرت مصر إلى الاستدانة من صندوق النقد الدولي الذي فرض حزمة من الشروط نظير تقديم القرض على دفعات تنتهي آخرها في عام 2019م، هذه الشروط التي تم تنفيذ أغلبها حتى الآن هي تعويم سعر الجنيه المصري، وإلغاء دعم الكهرباء والمحروقات، ورفع الدعم عن السلع والخدمات، وزيادة الحصيلة الضريبية للحد من الاقتراض الداخلي، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وخفض عدد العاملين بها[14].

 

الاستبداد السياسي سبب بلاء المصريين!

يعيش المواطن المصري اليوم ذات الأزمة التي عاشها سلفه في عصر الخديوي إسماعيل، فكل من السيسي وإسماعيل أوقعا مصر في مستنقع الديون الخارجية حيث اضطر كلاهما إلى رهن القرار السياسي لمجموعات سياسية غربية وإقليمية تتلاعب في اقتصاد مصر ومن ثم أمنها الاجتماعي، وكلاهما انخفضت شعبيتهما بسبب تلك الحالة الاقتصادية البائسة التي عاشها المصريون، وكانت العقبات التي وضعها إسماعيل أمام البريطانيين والفرنسيين الذين أرسلوا لجانا لمراقبة مالية الدولة سببا في سعيهم لاستصدار فرمان من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني فأصدره بالفعل في (يونيو/حزيران) 1879م، ليتولى نجله الخديو توفيق عرش مصر وهو في ظل تبعية مطلقة للإنجليز والفرنسيين.

   

الخديوي إسماعيل (مواقع التواصل)

 

ومن اللافت أن إسماعيل لم يترك مصر على حافة الكارثة الاقتصادية والاحتلال العسكري ويمضي هكذا دونما تشويه ممن أغرقوه في هذه الديون بعدما قضوا غرضهم منه، فكل أولئك الذين كانوا يمتدحون في الماضي حكمته ورجاحة عقله، وكل أولئك الذين كانوا يترامون على أعتابه طلبا للعقود وامتيازات المشروعات والعطايا، وكل أولئك الذين تنافسوا على منحه القروض وغيرهم من أولئك الذين استمتعوا بكرمه واستغلوا هذا الكرم أسوأ استغلال، كل هؤلاء أخذوا يتنافسون الآن في ترويج الروايات التي تسيء إلى سمعته، بل واختراع هذه الروايات، فقد أخذوا يرددون كيف دبر إسماعيل سنة 1859م مصرع أخيه الأكبر وولي العهد آنذاك أحمد عن طريق انقلاب عربة السكة الحديد التي يستقلها في النيل حيث لقي حتفه غرقا لعدم معرفته السباحة، وذلك لكي يخلو له الطريق إلى اعتلاء العرش[15]!

 

يؤكد روزستين في كتابه "خراب مصر" أن متاعب مصر -وهو الشاهد عليها في عصر إسماعيل- لم تنشأ إلا عن الشروط الفادحة التي أرغمها الماليون الأوروبيون عليها، وسرعة إسماعيل في قبول هذه الشروط دون تبصّر بعواقبها الوخيمة والقاسية، يقول: "إننا لشديدو العطف على الشعب المصري الذي لا يذكر اسم ذلك الخديو حتى الآن إلا مقرونا بالسباب واللعنات، ولكنّ ثمة فارقا عظيما أن يعتبره المصريون سبب بلواهم وبين أن يصمه الماليون وأعوانهم بتلك التهمة وهم يعلمون أنها إفك مبين، وإنهم يعرفون جيد المعرفة أنهم هم أنفسهم الذين وضعوا مصر على حافة الخراب، هم الأفاقون المحتالون، ولم يكن هؤلاء وحدهم الأفاقيين المحتالين الذين جعلوا حرفتهم الاتجار بضعف إسماعيل باشا، بل وجد إلى جانبهم المقاولون الذين باعوه سلعهم أو تعهّدوا بالقيام بمشروعات الإصلاح التي ابتكرها في مقابل أثمان باهظة كانت حَرِيّة بالقضاء على سمعتهم في أوروبا، فمثلا زادت نفقات بناء ميناء الإسكندية بمقدار 80% عن نفقتها الحقيقية، كما أن بناء السكة الحديدية بلغ أربعة أضعاف النفقات الأصلية، وقس على ذلك الذين بنوا مصانع تكرير السكر ووابورات المياه إلخ إلخ.."[16].

   

كان الفساد الإداري والسياسي، وخراب الديون الذي حل على مصر وشعبها يرجع إلى سبب بسيط ومباشر وهو غياب الرقابة المجتمعية والسياسية على هذا الخديو الذي انصاع للغرب بكل جوارحه، وألقى بثقله خلف حفنة من اللصوص والمارقين والمضاربين الغربيين الذين لم يكن همهم إلا جني الأرباح الخيالية والسريعة من خلف هذا الصيد السهل. ولعل ظهور كتاب العلامة عبد الرحمن الكواكبي في عصر حفيد الخديو إسماعيل عباس حلمي الثاني "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" كان تعبيرا عن تلك الحقبة الزمنية التي كانت تمر بها مصر والشرق الإسلامي عامة -وهو الذي استقر في مصر بعد هجرته من الشام وقُتل بها مسموما لمقالاته التي انتقد فيها الاستبداد العثماني في أواخر أيامه-، بل إن مدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم كانت ثورة فكرية ضد الاستبداد السياسي الذي أطاح بالبلاد العربية تحت أقدام الاحتلال.

   

 

يقول الكواكبي: "إنني في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة وألف هجرية (1899م) هجرت دياري سرحا في الشرق فزرتُ مصر، واتخذتها لي مركزا أرجع إليه... فوجدت أفكار سُراة القوم في مصر كما هي في سائر الشرق خائضة في عباب البحث في المسألة الكبرى، أعني المسألة الاجتماعية في الشرق عموما، وفي المسلمين خصوصا، إنما هم كسائر الباحثين، كل يذهب مذهبا في سبب الانحطاط وفي ما هو الدواء، وحيث إني قد تمحّص عندي أن أصل هذا الداء هو الاستبداد السياسي، ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية، فقد استقر فكري على ذلك كما أن لكل نبأ مستقرا، بعد بحث ثلاثين عاما"[17].

  

لم تكن الديون كارثة اقتصادية وسياسية واحتلالا عسكريا بريطانيا بغيضا جثم على صدر مصر لعقود فحسب، بل كانت أخطر من ذلك، إذ مثلت سببا في تغيير التركيبة الاجتماعية والثقافية لهذا البلد، وسببا في إضعاف الشرق الأوسط الذي تُعدّ مصر واسطة عقده وحصنه الأقوى، فاستمتع المحتل بدوام احتلاله لعقود، واليوم يكرر السيسي ذات المأساة بإغراق مصر في مستنقع الديون كأنما هو الخديو إسماعيل الثاني.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار