اغلاق
آخر تحديث: 2018/8/5 الساعة 17:13 (مكة المكرمة) الموافق 1439/11/24 هـ

انضم إلينا
جوابات "الأسطى حراجي" والتاريخ المنسي للسد العالي

جوابات "الأسطى حراجي" والتاريخ المنسي للسد العالي

زينب البقري

محررة رواق
  • ض
  • ض

لم يكن السد العالي مجرد إنجاز معماري، ولم يمثل في علوه الشاهق مشروعا فنيا، بل امتد أثره لمساحة التغير الذي طال الجغرافيا المصرية، كما شمل في انعكاساته تحولات اجتماعية وسياسية عديدة، ليغيّر التوازنات في خريطة العلاقات الدولية والعلاقات الإنسانية على حد السواء. إلا أن هنالك جوانب ظلت مهمشة حول قصة بناء السد العالي، وحكايات كثيرة نُسيت بين طيات صفحات التاريخ. لذا، سنحاول عبر القراءة التالية لتاريخ السد أن نطل عليه من نافذة أخرى، نافذة العامل لا الزعيم، والباني لا متخذ القرار، لنروي القصة المنسية بعدستهم، ولنشاهد كيف تُروى الحكاية من منظور من تصبب عرقه وواجه الموت دون أن يُحتفى به، ولنتعرف على الوقود الحقيقي لأسطورة بناء السد العالي.

    

ومن هنا، سنقترب من التاريخ الإنساني للسد عبر حكايات جُمعت لبعض المشاركين فيه من أبناء الصعيد، ومن خلال رسائل حراجي القط أحد العاملين في السد العالي لزوجته فاطمة أحمد عبد الغفار، الذي نجح الشاعر عبد الرحمن الأبنودي أن يشاركنا من خلالها تاريخ السد الحي، فبقدر ما تعد الرسائل نصا أدبيا رفيعا فإنها تمثل تاريخا ناطقا. فالتعامل مع ديوان "جوابات الأسطى حراجي القط" للأبنودي كمصدر للتاريخ الاجتماعي نستطيع تتبع مسار عملية التحول التي مر بها الفلاح إلى عامل من خلال رحلة حراجي القط العامل في السد العالي، ونستطيع استخلاص جوانب تاريخية واجتماعية ترسم ملامح المشهد في ذلك العصر.

  

الشاعر المصري عبدالرحمن الأبنودي (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

كم "حراجي" في بناء السد العالي؟

 

"وفي الراديو يا فاطنة يقولو بنينا السد

لكن ما حد قال السد بناه مين؟ ولا كيف

قاعدين.. ولا نايمين ولا قايمين"

   

لم يكن حراجي سوى انعكاس حي لكثير من عمال التراحيل الذين عملوا في السد، ورغم كثرة عددهم فإنه من النادر أن نجد من يتحدث عنهم في التاريخ، رغم أنهم الفئة الأكثر تحملا لتكلفة بناء السد، فقد كان السد حدثا فريدا في حياة من عاصروه ومن عملوا به، فقد بلغ عدد من عمل به 34 ألفا، لمدة عشر سنوات (1960-1970). وتعرض بعضهم للإصابات، وحمل السد بين طياته أشلاء بعضهم، ولم تقدر الإصابات والوفيات في السد بشكل فعلي، رغم ما ينقل عن توفر الرعاية الصحية في السد. وقد قدم عمال التراحيل من أنحاء مختلفة من الجمهورية من القرى والنجوع من الدلتا والصعيد، وكان لبعضهم سابقة قانونية، فصدر قرار جمهوري بألا يعتد بالسابقة الأولى لأن السد بحاجة إلى العمالة الكثيفة(1). فكيف كانت رحلة هؤلاء العمال إلى السد العالي؟

   

رحلة العمل في السد العالي

نشهد من خلال رسائل حراجي القط إلى زوجته رحلة العمال في بناء السد، وحالتهم الشعورية، وطبيعة عملهم، والتحولات التي مروا بها منذ غادروا قراهم الصغيرة راكبين القطار، متوجهين نحو أسوان، لتبدأ رحلة مشاركتهم في بناء السد، وهذا ما أورد فيه الحراجي قائلا:

   

"بقى أول ما دلقنا يا فاطنة بابور السد على محطة أسوان

أنا والجدعان

حسيت بالدوخة

مش أول مرة أسيب جبلاية الفار؟

رحنا المكتب

طلعنا البطاقات

ومضينا على الورقات

آه يا فطاني لو شفتي الرجالة هنه

قولي ميات..ألوفات

بحر من ولاد الناس

اللي من درجا واللي من البتانون

واللي من أصفون والتل

جدعان زي عيدان الزان سايبين الأهل

وتطلي في عين الواحد يا ولداه على الغربة

عارفة يا مرتي الراجل في الغربة يشبه ايه؟

عود دره وحداني في غيط كمون".2

   

كان هذا أول وصف كتبه حراجي القط عن رحلة عمله في السد العالي، حيث بدأت رحلته بالخوف والشعور بالغربة ومعاناة الشوق لأهله وقريته، إذ كانت تلك المرة الأولى التي يغادرها فيها ويُصدر له بطاقة شخصية،( 3) ثم وصفه لها فيما بعد بأن السد قد صُمم له خصيصا، فيقول:

  

"ده أنا ساعات بأحدت نفسي وأقول

يكونشي السد ده عاملينه عشاني؟

عشان يا حراجي تعرف قيمتك وتفتح على الكون والناس

رغم المر اللي بتشربه فيه؟" (4)

    

يشير حراجي القط هنا كذلك إلى مرارة وشقاء العمل في السد، سواء الحفر أو النحت أو حمل الصخور، أو تفجير الجبال بالديناميت، وهو ما عدّه أصعب المهام وأشقّها، حيث يروي أحد العمال المشاركين في بناء السد العالي طبيعة العمل الشاق فيه قائلا: "مين اللي راح في السد الناس اللي فوق ماسكة مناصب هي اللي ما ضربهاش اللغم، ولا لحق يقع عليها الجبل، أو انهار سقف النفق عليهم، ولا الغبارة كتمت نفسها، كنا نقوم من الفجر نركب القطر، ونرجع بعد الشمس ما تغيب، ويقولوا ناس وقعوا من القطر، اللي عايز يمسك في الزحمة وما يقدرش ويروح واقع، ناس ردمت بالرمل لأنها كانت نايمة من التعب".(5)

  

لم يكن لدى كثير من العمال دراية كافية بالعمل في السد. قلة الخبرة تلك، والتي صاحبها عدم تدريب كافٍ، كان يدفع بالبعض إلى الاختباء طلبا للحماية حينما يسمع صوت دوي انفجار، أو الاختباء داخل الكراكة التي ستسقط عليها الحجارة، ليرافق تلك الحالات عديد من الجمل المتداولة وقتئذ بين العمال مثل عبارة "المرحوم كان غلطان". فقد كان الموت في السد حدثا اعتياديا، للمستوى الذي جعل من تكرار جملة "ميته الجماعة عرس" أمرا يحمل سخرية في التعبير عن احتمالية الموت في أي لحظة. [6]

  

لذا يصف حراجي السد لزوجته في إحدى رسائله إليها بأن السد غول لا يشبع من عرق الرجال [7]، ولا يعرف كيف يرى في ضخامة بناء السد جهده المبذول وكدحه المتواصل، فيخبر فاطمة:

   

"إشكالي يا بنية خالي

إني مش عارف إيه اللي عملته بايدي

فين شغل حراجي القط

الشغال من سنتين في السد؟

يعني اللي ياجي يقوللي

فرجني على اللي عملته يا حراجي

كيف حانطق وارد؟

فين المِيت ِميِت خبطة فاس؟

فين الِميت مِيت زنبيل التيل التقلانة اللي ناقلهم على كتافي

مش باقي منهم غير العوجة اللي في كتفي

أشاور له على كتفي؟" [8]

  

يذكر حراجي أن السد قد حوله إلى شخص آخر حزين، ولكنه رغم ذلك يختتم رسائله بأنه لن يستطيع العودة مرة أخرى إلى جبلاية الفار:

  

"هو ترك السد يا فاطنة ده بالكيف؟

إنتي لسه فاكراني هنا في أسوان غريب على الحتة وضيف؟

قولي لهم حراجي بتاعكم راح

حراجي بتاع أسوان بلده

 في أسوان إتربى في الأنفاق

عرقي مبدور في الصخر مبدور في الدفا والشمس

 قولي يا فاطنة قاعد يراعيه

كيف ابني بيت وما سكنشي فيه؟"

    

   

لقد كان مجتمع العمال في السد العالي متنوعا، فبجانب عمال التراحيل الذي كان حراجي تجسيدا لهم، كان هناك المقاولون والمهندسون والخبراء الروس وطلبة الدبلومات الفنية. فقد دفعت الحاجة إلى العمالة في بناء السد إلى فرض نوع مختلف من التعليم، حيث صدر قرار لطلبة الدبلومات الفنية وخاصة دفعة 1965 للعمل في السد العالي واستكمال شهاداتهم من الموقع، وأوجد هذا النوع من التعليم العملي طبقة من الفنيين المهرة اقتربت من المهندسين.[9]

   

مثّل أهل النوبة وأسوان الفئة الأقل حضورا من بين العاملين به مقارنة بمحافظات الصعيد الأخرى، ويرجع بعض العمال ذلك إلى طباع الأسوانيين التي تميل إلى الراحة، فعلى حد وصفهم "الأسوانليه ما حبوش السد لأنهم لا يحبون المغامرة، اللي يعرفوه أحسن من اللي ما يعرفهوش". 10

   

مقاولين الأنفار في السد.. حسين العكروش نموذجا

لكثرة الحاجة للعمال لبناء السد العالي كان هناك عدد من المقاولين الذي يعملون على جلب الأنفار من القرى المختلفة، ويعملون من الباطن أي بشكل غير رسمي، فيقومون بجلب العمال في مقابل اقتطاع جزء من رواتبهم لأنفسهم. وذكر الأبنودي في رسائل حراجي القط حسين العكروش كنموذج لهؤلاء المقاولين. فقد عمد حسين العكروش إلى إقناع حراجي وعدد من الفلاحين لترك القرية والعمل بالفلاحة للمشاركة في السد دون أن يخبرهم صراحة بحقيقة عمله كمقاول يستفيد من وراءهم ماديًا.ويحكي حراجي لفاطمة ذلك قائلا:

  

"كنا واخدين أكبر مقلب في حسين العكروش

يا حج حسين يا حج حسين قطع الحسن وقطع الحاج حسين

قال كنا لما نقابله جاي من سفرية نجري عليه ونسلم ونقوم بالواجب

كبرناه

أتاري يا فاطنة ده شغل مقاولين

حد يسلمنا لحد

وكان حاج عكروش متفق ويانا أنه حيدينا سبعة وعشرين قرش

ده أتاري تمنا إحنا تلاتين في السد

وكل مقاول يجي بحزمة أنفار يقبض عنها فلوس

بقينا يا فاطنة بعشرين

حسين العكرش ده اعتبريه دكان

البياع بيتاجر في الإنسان

الحتة بسبعه وعشرين"   

     

   

أنواع الأفندية في السد العالي

واحتك العمال بشكل مباشر بالمهندسين المشرفين على العمل بالسد، والذين أطلق عليهم العمال الأفندية، ويعكس حراجي في خطاباته أنماط تعامل الأفندية المهندسين مع العمال في السد، وكيف كان من بينهم نماذج جيدة تساعد العمال وتفهمهم دور السد العالي والحرب في القناة، وتدفعهم إلى مزيد من العمل، (11) كالمهندس "طلعت" الذي وصفه حراجي بأنه "أول أفندي يطلب له كوبا من الشاي". ونماذج أخرى متعالية، ويخبر حراجي فاطمة بذلك قائلًا:

   

"وأفندية ودانهم مسدودة

يكلموا من المناخير

وندوس على قولنا وخبرتنا

إذا اتكلموا هم

حق إذا كان المتعلم غلطان

لازم اسكت أنا وهو يتكلم

وايش جاب الصح في قول الغلبان

الصح يا فاطنة بس في قول المتعلم

أما أنا صوتي مش مسموع إلا عند الأستاذ طلعت"(12)

   

الخبراء الروس دينهم الشغل

وبالإضافة إلى هؤلاء عمل أكثر من 1700 خبير روسي في السد العالي، وقد أوجدت العلاقة مع الروس طبقة من الفنيين استفادت منها الدولة في مشروعاتها فيما بعد. وكانت لغة الإشارة هي اللغة المتداولة بين العمال والروس. وقد رأى كثير من العمال أن الروس أقوى منهم في العمل، ويصف حراجي الروس وصفا معبرا:

  

"كمان فيه خواجات الروس

جايين في مراكب من آخر الدنيا

ناس حمر

يقول لك يا فاطني بلدهم في الشتوية

يغطيها التلج

لا في الصيف الواحد منهم يبقى شكل الجزرة

أحمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر

لكن دينهم شغل

الواحد منهم ما يقلش رأسه من الشغلانة مهما يكون

كنا نضحك منهم نتمقلت يعني

سد أبوك؟ راح تورث فيه وبتموت نفسك" 13

  

وبالإضافة إلى هذه الفئات العاملة في السد كان هناك بعض الصبية، فبحسب رواية أحد المشاركين في العمل بالسد أنه كان ضمن الصبية الذين جاءوا للعمل في الإجازات وهذا نص شهادته: "رحت اشتغل في السد لأني كان نفسي اشتري قميص، في الوقت ده القميص كان بربع جنيه ويوميتي ربع جنيه يأخد المقاول منها قرشين صاغ، وكنا بنقبض كل 15 يوم، في أول قبض اشتريت كل اللي نفسي فيه، وبقى معاي فلوس، وأبوي بقى يعاملني كراجل بعد ما كنت مهمل، في السد أخواتي عرفوا الألوان؛ يعني بعد ما كانت الواحدة تقضي السنة بجلابية سودة لأسود ستار... الألوان فضيحة". (14)

  

هذا عن المشاركين في بناء السد العالي سواء كانوا عمالا أو فنيين أو خبراء ومهندسين وعلاقتهم ببعضهم بعضا، ولكن ثمة بعد آخر ترتب على مشاركة الفلاحين "عمال التراحيل" خاصة في السد العالي، فمن خلال السد العالي أدمج هؤلاء الفلاحون في مشروع التحديث وتحولوا إلى عمال "أسطوات"، وأثر هذا التحول في علاقتهم بالمكان والريف وفي تعريفهم لذواتهم. فكيف ذلك؟

    

تحول الفلاح إلى المواطن الأسطى أو العامل في مشروع السد العالي

"مش مشتاق بعد ما رجلي دلوقتي سنة لبدت في حديد الوندوزر

إزاي أغرسها في طين الزرع؟"

  

لقد تحول كثير من العمال المشاركين في السد من عمال زراعيين إلى "أسطوات" من خلال التدريب التحويلي الذي تلقوه في مراكز التدريب لتعليم الميكانيكا والحرف والكهرباء، فلم يكتسب العمال من هذا التدريب المهارة فحسب، وإنما ساهم في دمج الفلاحين في المشروع الناصري بتحويلهم إلى مواطنين، وتعلم أبناء هذا الجيل وتعينوا في الدولة، وأصبح العامل الزراعي ابن المدينة واكتسب ملامح وصفات أهلها، فتغيرت علاقته بماضيه في الريف وتغير إحساسه بالمكان.

    

 فكما يذكر الفيلسوف الفرنسي إرنست رينان أن فكرة الأمة تتطلب أن يتعلم الناس نسيان بعض جوانب ماضيهم، ويتعين على الناس إعادة النظر في إحساسهم بالمكان [15]، وهذا ما حدث للفلاحين المشاركين في مشروع السد، ليصبحوا أكثر اتساقا مع رؤية المشروع الناصري للتحديث. ورغم أن الدولة رسمت التحديث في مخيلة وأذهان الطبقات الفقيرة والعمال المشاركين للسد كحلم للغنى والكرامة، فإننا نلمس في شهادات المشاركين في السد أن تحويل الفلاحين منهم إلى عمال لم يجر بسلاسة.

  

فثمة فارق بين نموذج المواطن الذي تحول إليه الفلاح المصري ونموذج مواطني إنجلترا أو فرنسا مثلا، فبينما كان المواطن المصري ابن الوطن "المتخيل" وفق للأيديولوجيا الناصرية، فإن المواطن الأوروبي هو ابن المدينة، فقد فرضت الدولة مفهوم المواطنة على الأفراد وفق تصوراتها ومن خلال آلياتها الإدارية وتفتيت الجماعات التقليدية القديمة، بينما في أوروبا كان المواطن في الأصل متمردا على السلطات الإقطاعية ناتجا عن تفتتها وهاربا منها إلى المدينة مؤسسا كيانها بنفسه، ومدافعا عن المؤسسات الحداثية التي أنشأها، بنت الدولة المصرية المدينة بهذه الطبقات الفنية التي أوجدتها، لذا فالمواطن عندنا هو ابن ذلك الوطن الذي خلقته الدولة ثم ادعت أنه هو الذي خلقها. (16)

   

كان هذا هو التغيير الذي أحدثه السد العالي في الإنسان، فماذا عن التحولات الاجتماعية الأخرى التي ترتبت على وجود السد العالي؟

  

التحولات الاجتماعية التي ترتبت على مشروع السد العالي

لقد تحولت مع مشروع السد العالي مصائر آلاف البشر، ويمكننا رصد بعض ملامح التغير الاجتماعي الذي أحدثه مشروع السد في حياة العمال مثل:

  

قبول تعليم النساء

فنلحظ في حالة عمال السد العالي أن الرغبة في التعليم كانت لها دوافع أخرى منها؛ القدرة على التواصل وكتابة الرسائل بين العامل وأسرته دونما أن يطلع رجل غريب كرجل البريد على أسرارهم، فنجد في إحدى رسائل فاطمة عبد الغفار إلى زوجها تخبره:

  

"مش أول مرة البسطاوي يخطي عتبة الدار؟

عمرنا يا حراجي ما جالنا جواب"

وفي رسالة أخرى تنقل رأي ابنها عيد قائلة:

"عيد يقول

قولي لأبويا كمان جوابين

وأكون اتعلمت أقرأ الورقة وأفك الخط

قاللي طول ما البسطاوي بيقرأ الجوابات

سرنا مكشوف

واللي جوانا يا مه يكون معروف" [17]

  

    

وفي إحدى الشهادات التي نُقلت عن أحد العاملين يرى فيها أن عبد الناصر سيدخل الجنة لأنه علم البنات، فبدلا من أن يأتي للمرأة رسالة من زوجها وتجلس مع غريب يقرأ لها فإنها تستطيع القراءة بمفردها، لأن هذه المساحة مدخل للشيطان. 18

ونرى كذلك تغير رؤية بعض النساء لعمل المرأة خاصة في النجوع والقرى، فنجد فاطمة تخبر زوجها برغبتها في العمل معه في مشروع السد، رغم أنها تدرك أن أهل قريتها جبلاية الفار لن يقبلوا هذه الفكرة، التي لم تكن لتطرأ على فاطمة دون انتقال زوجها للعمل في السد، فتقول:

  

"واحدة عافية زيي يخلوها للشيل والحط

مش ملي الجرة والكنس

هيه أصحاب الشغل مش ليها الشغل وبس

والواحدة ما دام في الشغل كأنها في البيت

مستورة ومحتشمة

وعينها مش طايرة

 تبقى خلاص راجل؟

النبي لو قلت ده للجبلاية

لترد في وشي بيبانها" [19]

  

ونجد حراجي يتقبل هذه الفكرة ويشجع زوجته فيما بعد على العمل في جبلاية الفار، رغم أنه في أول رحلة عمله في السد تعجب من رؤيته لفتاة تدعى نبيهة تعمل في السد أول مرة قائلا:

   

"نبيهة المنزوع في البر التاني من الدنيا

لبست بدلة يا فاطنة سامعاني؟ لبست بدله

ونزلت وسط المكن المتخبل تربط وتحل"

 

علاقة الإنسان بالآلة وشعور العامل بالسيطرة عليها والزهو بقدراته

في مشروع السد العالي كانت المرة الأولى التي يتعرف العمال على آلات كآلات التخريم، الكراكة، كانت هذه الآلات بالنسبة لهم اختراعا مدهشا، فنرى تفاعل العامل مع الآلة، وشعوره بالضآلة والجهل أمامها، ثم إحساسه بالتفوق عند قدرته على استخدامها، وكيف تفوق بها على الصخر والحجارة كأنه انتصر على الطبيعة. فنجد من بين شهادات العاملين في السد أن التوربين حينما جاء من روسيا من خلال فرع رشيد حتى أسوان كانت الناس تهلل بقدومه، ويحكي عن أحد العمال يدعى الحاج علي أنه ظل يقبل التوربينة بعد وصولها [20]، وآخر يحكي عن الكراكة التي أغلق مصنعها في روسيا وافتتح ليمد مصر بها، ويفتخر بابن عمه الذي كُتب اسمه في جريدة الأهرام باعتباره أول مصري يعمل سائقا للكراكة. [21]

    

   

تغير نظرة العامل للحياة قبل العمل في السد

تعكس رسائل حراجي القط وفاطمة تغير نظرتهم للحياة في جبلاية الفار في مناحٍ عدة، منها انتقاد حراجي لعدم تعلمه أي جديد في جبلاية الفار وانتقال العادات والتقاليد نفسها من الكبار إلى الصغار، وعدم الترحيب بالبوح بالألم أو نقد الكبير وإن أخطأ، وكثرة الحكي الفارغ بين الأنفار، فيقول:

   

"إحنا طلعنا نلاقي صغارنا تعيد الشورة على كبارنا[22]

لو نستعقل حد غريب ونبوح له بالمواجع

نبقي في عين كباراتنا يا فاطنة

زي اللي كسروا صندوق الجامع"

   

وحديث فاطمة عن أن السد أوجد بينها وبين زوجها علاقة مختلفة، فلأول مرة يكون لهم "موضوع":

  

"إن إحنا أول مرة في عمرنا يكون لنا موضوع

يبقى لنا موضوع؟

وأنت من الغيط للدار؟"

  

كان الترويج الإعلامي للسد العالي باعتباره مشروع العزة الكبرى والخير القادم يجعل للعاملين به وأسرهم مكانة وسط أقرانهم، فنجد الشاب يفتخر بأنه أصبح رجلا غير مهمل لأبيه لأنه يحكي له عما يشاهده في السد، وكذلك فاطمة التي كانت بمنزلة الجهاز الإعلامي في الجبلاية عن السد، وتفتخر بأنها بهذا تشمم أهل الجبلاية رائحة الورد المزروع في السد.

   

تهجير أهالي النوبة

لا يمكن الحديث عن السد العالي وتجاهل تأثيره على أهالي النوبة الذين نُقلت أراضيهم وترك ذلك بصماته على حياتهم حتى الآن، فيروي أحد أبناء النوبة مشاهدته لفترة التهجير قائلا: "جم بأكواز زهرة رقموا البيوت، فوجئت بناس قلعت الأبواب والشبابيك، وناس سافرت مع العفش بالبواخر، وكانت حالة بكاء مطلق، اختلط صوت المعيز بصوت الرجال بصوت البقر والجمال والناس، الكل يبكي وعينه مصوبة نحو المكان اللي سابوه"، ويذكر أن هناك أشخاصا مثّلوا لجانا لإقناع الأهالي بالتهجير وعدم مقاومة السلطات، وهم: ناظر المدرسة والعمدة ورجل البريد، واتُهموا بأنهم أغراب، وحتى الحين ما زال هناك كثيرون يكرهون السد العالي. [23]

  

نظرة عمال السد العالي للزعيم عبد الناصر

لقد ظل السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا أحب العمال عبد الناصر وقدسوه كزعيم ملهم رغم ما تعرضوا له من مخاطر وعانوه في العمل في السد من شقاء عمل أو تجاهل تاريخي، فقد بكوا لوفاته، وتظاهروا حينما مُنِعوا من لقائه يوم جاء السد للاحتفال بتحويل مجرى النيل حتى يشاهدوه.

  

يمكن تفسير ذلك من خلال آراء وأقوال العمال أنفسهم بأنه لا يقتصر على كاريزما عبد الناصر أو إرث الأبوية والسلطوية في المجتمع فقط، ولكن لأن عبد الناصر نجح في صياغة حلم التحديث في أذهانهم وصنع متخيلا كبيرا يربط بينهم مؤمنا بأنهم سيصلون إليه يوما ما، ولم يكن مجرد صياغة لحلم سيحققونه بقدر ما هو نفي لمعاناة عايشوها، فأصبح التحديث والقومية وسياسات التنمية التي تحملوا ثمنها هي نفي لتاريخ من الفقر والقهر عايشوه.

   

      

فثمة عبارات نقلها بعض العمال صاغوا بها الحلم المتخيل الذي سيحققه الزعيم "قريبهم" الذي ساوى بينهم وبين طبقات الأفندية، وهي: "الراجل (عبد الناصر) واخدين منه كلمة: الراجل الفقير ده لو طال في عمره لأخليه يركب عربية ما يمشيش، والغلبان اللي بيأكل فجل ومش هخليه يقعد رجل على رجل أحسن واحد".

     

لقد عبّر أحد العمال عن هذه العلاقة، ويُدعى عرابي أبو عبد الله، وكان قد عمل بالسخرة في حفر قناة السويس وعاصر العمل في السد العالي كذلك، فقد تحدث هذا الرجل عن جمال عبد الناصر قائلا إنهم حينما بدأوا العمل في السد كانوا يريدونه بالكرابيج أي بالسخرة، ولكن عبد الناصر رفض ذلك وأخبرهم أن يزيدوا من عدد العمال ويعطوهم مالا ولا يضربوهم، كانت هذه هي الصورة الأولى التي استقرت في ذهن الرجل حينما شاهد الكرابيج في المخازن، وبسؤال غيره من المشاركين أكدوا على أن هذه الكرابيج لم تكن لهذا الغرض، ولكنها للبغال، ولكن حياة الرجل في السخرة في القناة هي التي جعلت هذه التصور الأقرب لمخيلته وتصديقه. فحينما يمنع العمال من حق كالتأمينات رغم أعمالهم الشاقة، ويُنقل إليهم أن عبد الناصر قد منحهم هذا الحق، يرسخ في أذهانهم أنه حامي حمى الفقراء.

  

كثيرون يستطيعون من خلال أرشيف التاريخ الرسمي معرفة ملامح النزعة القومية المصرية ومسار التحديث، ولكن عملية بناء هذه الأفكار وسيرورة إنتاج الأمة (التي تعد عملية أكثر التباسا) [24] لا يتم إلا من خلال رؤية تفاعل الناس مع الأحداث بشكل معمق، كتفاعلهم مع مشروع السد. فنحن بحاجة إلى إعادة تفنيد السرديات الرسمية الأكثر انتشارا للأحداث التاريخية.

  

فكثير ما يُروج إلى أن بناء السد يعد قرارا مستقلا اتخذه عبد الناصر لتحقيق الرخاء الاقتصادي، والدخول في مصاف الدول الصناعية الكبرى، وله أبعاده السياسية لمواجهة الاستعمار وإعادة مصر لدورها الرائد عربيا. وبالفعل كانت قوة مشروع السد العالي قوة خطابية لعبد الناصر ومثل النصب التذكاري لبناء مصر الحديثة على يديه، وليس مجرد مشروع تنموي، لذا روجت الدولة له في المدارس والجامعات والأندية ورُسم على طوابع البريد والعملات المعدنية وإلخ، وخُرست كل الأصوات التي ظهرت في هذه الفترة التي تنتقد المشروع فنيا وتقنيا، لأنها ستثير الريبة حوله.

    

      

ولكن لم يتم إعادة تقييم السردية الرسمية لبناء السد العالي والتساؤل، هل يمثل قرار بناء السد قرارا مستقلا للإرادة الناصرية فعلا أم إعادة إنتاج لأطروحات الاستعمار بأشكال مختلفة من خلال المؤسسات المالية العالمية والخبراء الدوليين؟ وما موقعه في خريطة الاقتصاد السياسي الدولي حينئذ؟ وسياسات التنمية للدول ما بعد الكولونيالية؟ فمن المتخذ الفعلي لقرارات إنشاء السدود الضخمة؟ من المستفيد الحقيقي؟ ومن يمول؟ ولماذا؟

  

وهل مصر مستقلة حقا في قرار بنائها للسد الذي خاضت بسببه حرب 1956 أم أنه جزء من مسيرة الدول الحديثة العهد بالاستقلال التي انخرطت في مشروعات ضخمة أبرزها بناء السدود، كما فعل نهرو في الهند فيما بعد 1947؟ حيث يرى بعض الباحثين أن بناء السدود في فترة الخمسينيات والستينيات عرض من أعراض مرض العملقة الذي أصاب الدول حديثة العهد بالاستقلال وانعكاس لهوسها بالدخول في مشروعات عملاقة من أجل إثبات أننا هنا ولدينا القدرة على فعل الأشياء الكبرى.25

  

إننا بحاجة ماسة إلى إعادة قراءة التاريخ من رؤى مختلفة وخاصة وجهة نظر المهمشين لإبراز أصواتهم على صفحات التاريخ المنسيين فيها، وإعادة التأريخ للحقبة الناصرية ومشروعاتها التنموية والقومية يساعدنا على فهم كثير الأحداث في واقعنا الحالي، وفهم لما لجأ النظام في مصر بعد 2013 لمحاولة الترويج لمشروع كقناة السويس الجديدة، وكيف استخدم آليات مشابهة للحقبة الناصرية من سك صورة القناة على العملة على سبيل المثال، فينبغي -بحسب تيموثي ميتشل- فهم العالم الحديث بوصفه حصيلة ونتيجة التاريخ.

     

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار