اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/3 الساعة 18:04 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/13 هـ

انضم إلينا
هل النساء هن الأبرع في كتابة نصوص الجريمة؟

هل النساء هن الأبرع في كتابة نصوص الجريمة؟

الزهراء جمعة

صحفية ومترجمة
  • ض
  • ض
مقدمة المترجمة

 بعد آغاثا كريستي شهد الوجود النسائي في أدب الجريمة تناقصًا، لكن، مؤخرًا، بدأ المشهد بالتغير. فلماذا بدأ الحضور النسائي يتسع ضمن ميدان أدب الجريمة الحديث؟ وهل للأمر علاقة بالتركيبة الذهنية لدى المرأة؟

نص المقال

 كان ياما كان، في قديم الزمان في أرض خيال الجريمة التي تدعى "نيفرلاند"، الأرض كثيفة الدخان المليئة بالعنف، كانت هناك مخلوقات مغريات، ونساء طاغيات الجمال قويات استخدمن الغواية في جذب الرجال الحزانى إلى الهلاك.

والآن في حاضرنا هذا، بدأ الأمر مع غيليان فلين صاحبة كتاب "الزوجة المفقودة" 2012 (Gone Girl) الذي يحكي قصة مروعة عن الزواج والجريمة وبيعت منه أعدادا هائلة من النسخ، وما يصدمك في سر "فلين" البارد الماكر ، هو صبيانية الشخصيات الرئيسية، نِك وأيمي دان، والحقارة المحضة للألعاب القاتلة التي يلعبانها معا.

حيث تدور أحداث "الزوجة المفقودة" (Gone Girl) في عالم تقتل فيه الفتيات الناضجات ويقتل فيه الفتيان بلا سبب سوى الشعور بتقدير الذات، وهذا العالم ما كان ليقره كاتب الجريمة الشهير "ريموند تشاندلر"؛ ففي كتاباته كان الناس عاديون يسيرون في الشوارع، والدوافع واضحة بشكل كبير -إما المال أو الجنس- وكانت الوسائل أكثر مباشَرة.

 رواية ("Gone Girl " 2012) للكاتبة غيليان فلين (مواقع التواصل)


كان تشاندلر يقول لزملائه في النوع الكتابي: "عندما تواجهك لحظة شك أو حيره اكتب أن رجلا يأتي من الباب يحمل سلاحا في يده". أما اليوم عندما يقف كتاب الجريمة أمام لحظة حيرة يجعلون امرأة تدخل من الباب مسلحة بكلمة لاذعة تخرج من بين شفتيها.

ولأولئك الذين يختارون الترفيه عن أنفسهم، من وقت لآخر، بقصص عن القتل، والفوضى، والخداع، فإن هذا التطور في الواقع موضع ترحيب؛ لأن الرجال مع الأسلحة لا يقومون بعملهم كما ينبغي، وكما اعتادوا أن يفعلوا سابقا، فقد كبروا في السن، وتعبوا من الدخول من تلك الأبواب، والأبطال الذين اعتادوا أن يهددوهم ما عاد لهم وجود.

وكما جسّدت شخصية راعي البقر والمحقق الخاص الخيالات الذكورية للفردية الخشنة في السابق؛ فالآن أصبحت الفردية مفهوما أقل استدامة، و بدأ الخيال الشعبي ينقل تلك الشخصيات الأسطورية إلى أماكن أبعد وأبعد من العالم الحقيقي من الغرب القديم والمدينة الحديثة إلى -لنقل- عالم رسومات "مارفل". بلى نفتقد هؤلاء الرجال الخشنين بسجائرهم وقبعاتهم في عالم الجريمة، ولكن تعلمنا أن نحيا دونهم.

في البداية كانت هناك قصص شيرلوك هولمز والألغاز المعقدة من أغاثا كريستي وجون ديكسون ثم الروايات الأكثر دموية لداشيل هاميت وتشاندلر وروس ماكدونالد. وإذا انتقلنا أكثر فأكثر إلى نوع من الإثارة النفسية المظلمة والوحشية التي جلبها كتاب أفلام الغموض والإثارة مثل كورنيل وولريش وديفيد جوديس وخاصة باتريشيا هايزميث إلى العالم في الأربعينيات والخمسينيات، نجد حكايات عن الناس في ظروف مستحيلة يأخذون قرارات كارثية.

ما زلنا نعود من حين لآخر لتلك القصص عن غريبي الأطوار الذين يعبثون بالجثث في غرف مغلقة، أو الأوغاد القساة الذين يسيرون في شوارعهم القذرة المحفوفة بالجريمة، ولكننا نفعل ذلك فقط بدافع الحنين لتلك الأيام. وفي عصرنا هذا لا تأتي كل الأعمال المثيرة عن الجريمة والقتل من كُتاب مثل آرثر كونان دويل أو هاميت ولكن من كاتبة شابة تدعى " باتريشيا هايسميث".

فقبل عدة سنوات -قبل كتاب "الزوجة المفقودة" (Gone Girl)- بدأت سيطرة النساء على معظم خيال الجريمة الجديد. ودفعت جماعة من الفتيات الماكرات الرجال خارج الحلبة، أولئك الفتيات الكاتبات يأتين من كل مكان في العالم مثلا: من الولايات المتحدة الأميركية (ميغان أبوت، أليسون غيلين، لورا ليبمان)، ومن إنجلترا (أليكس ماروود، بولا هوكينز، صوفي هانا)، ومن اسكتلندا (فال ماكديرميد، دينيس مينا)، ومن أيرلندا (تانا الفرنسية)، ومن النرويج (كارين فوسم)، ومن اليابان (ناتسو كيرينو).


ولا يعني هذا أن الرجال قد اختفوا من مجال كتابة الجريمة أو أن هذا الأمر سيحدث عما قريب. وعلى الرغم من أن الكاتب "إلمور ليونارد" قد خرج من اللعبة الآن، فلم يختفي المجرمون الأغبياء الحثالة الذين شكلوا شخصيات قصصه تماما، فما زال الكاتب "جورج بيليكانوس" يعتني بهم جيدا في كتاباته.

وما زال محققو الشرطة العجزة يحتلون مكانهم الفخم في كتابات إيان رانكين وبيتر روبنسون ومايكل كونيلي وما زالوا يجدون طرقا لجعل تحقيقاتهم الجادة مثيرة للاهتمام.

إن الأمر أشبه بالصراع، فلا يبدو أن كتاب الجريمة الذكور قد تعافوا تمام من خسارة فكرة المحقق الخاص كبطل رواية قابل للتطبيق، ويبدو أن الرجال يحتاجون -لسبب ما- إلى بطل من نوع ما ليحتل صدارة قصصهم. فرجال الشرطة والمحامين والقتلة المأجورين (مثل جاك ريتشر التي كتبها "لي تشايلد") هم تقريبا كل ما تبقى لهم.

ومن ناحيتهن لا تؤمن الكاتبات الإناث كثيرا -لسبب ما (فلنقل الرجال؟)- بالأبطال، مما يجعل حكيهن لتلك القصص ربما أكثر ملاءمة لهذه الأوقات الساخرة. وتتحرر كتبهن من عبث الأسلحة وتفيض بالعنف العاطفي. القتل هو "كريمة" هذا النوع من الكتابة فالناس يموتون بأيدي الآخرين مثل عشاقهم، أو جيرانهم، أو مجرد غرباء مهووسين، ولكن يقل فيه عدد الضحايا.

تقول الكاتبة تانا فرينش: "أكتب عن القتل لأنه واحد من أكبر أسرار القلب البشري: كيف يمكن لشخص أن يتعمد أن ينهي حياة الآخر؟" في بعض الأحيان، في عمل فرينش وغيرها من الكاتبات تأتي الضربة القاتلة بهدوء تام بحيث يبدو كما لو كانت غير مقصودة تقريبا، مجرد شيء عادي يحدث في سياق الحياة اليومية فحسب.

والموت، في هذه الكتب النسائية، غالبا ما يكون عارضي وعادي للدرجة التي تقشعر لها الأبدان، وحميمي ببرود أعصاب كبير. وكما تعبر شخصية في رواية الكاتبة أليكس ماروود الرائعة الجديدة (The Darkest Secret): "هم لا يتسللون دوما بالسكاكين في الأزقة المظلمة، فمعظمهم يقتلونك من الداخل". إن الوعي بهذا النوع من العنف من الداخل يفرق بين النساء الكاتبات هذه الأيام وأفضل الكتاب الرجال.

رواية "ذا داركِست سيكريت" (The Darkest Secret) للكاتبة أليكس ماروود (مواقع التواصل)


فدائما ما كانت قصص الجريمة النسائية أكثر حدة من الناحية النفسية -على الأقل- من قصص الرجال. حتى في ما يسمى العصر الذهبي من قصص المحققين -العشرينات والثلاثينات- عندما كان التركيز الأكبر فيه على تفكيك الألغاز، وعادة ما كانت دوافع الجناة في كتابات "كريستي" و"دوروثي إل سايرز" أكثر عقلانية وأكثر شرا وخبثا مما كانت عليه في كتابات رجال مثل كار أو ريكس ستاوت أو إليري كوين.

لاحقا، بينما كان يلعب الذكور من كُتاب الخيال الخفيف بالأسلحة ويواجهون غواية النساء، كانت أديبات نساء مثل هايسميث ودوروثي بي هيوز ومارغريت ميلر، تغصن في بحور من غموض الهوية والضغوط القاتلة للحياة اليومية.

ويمكن العودة لمجلد مؤلفات الجريمة النساء (2015)، الذي يجمع ثماني روايات جريمة رهيبة من الأربعينيات والخمسينات، بما في ذلك الروايات التي ألهمت الأفلام الكلاسيكية للجريمة مثل:لورا ولحظة تهور ومكان موحش. فقد كانت النساء يكتبن كتبا كهذه منذ ذلك الحين، ولكن إلى أن ظهر (Gone Girl) كان الناشرون يميلون إلى غض النظر عن رواية الجريمة المستقلة، وبدلا من ذلك يشجعون كتابهم على تطوير شخصيات ضمن سلسلة، يسهل تسويقها كثيرا.

ولذا اتجهت الموجة التالية من النساء الكاتبات -بين منتصف الستينيات وأوائل التسعينيات- إلى إخراج قصص عن محققين وفاحصين جنائيين ومفتشي الشرطة. ولبعض الوقت، بدا أن وضع لمسة نسوية على هذا النوع ومسح خيالات التمكين الذكوري سببا كافيا بالنسبة لهن لكتابة قصص الجريمة.

وبعض هؤلاء الروائيات كتبن أعمالا قوية في تلك الأشكال التقليدية، والعديدات ما يزلن يفعلن ذلك. فعلى سبيل المثال تتخصص كارين سلوتر، في كتابات تحقيقات الشرطة الذكورية المحشوة بالحركة، وتضع الكاتبة ألفير بورك ألغازا محكمة بخبرة وتمكن، وقدمت فال ماكديرميد حصة هائلة من القتلة السيكوباتيين لفريقها من الخبراء النفسيين من الشرطة. وقاربت كل من توني هيل وكارول جوردان على الوصول لهذا النوع، وقدمت أخريات مثل دونا ليون وكارين فوسوم مساهمات كبيرة لسلاسل المفتشين واستطاعت كل من أليسون جايلين ولورا ليبمان صناعة كتابات معاصرة معقولة عن المحققين السريين.

ولكنهن جميعا عانين من التقييد، وكلهن قد أنتجن كتبا خارج السلسلة الرئيسية لهم. فقد أخذت كاتبة الجريمة الشهيرة روث ريندل على مدى نصف قرن، وقفات متكررة من كتابة ألغاز "المحقق ويكسفورد" المتواضعة لكتابة روايات جريمة الحافلة بالحبكات النفسية جيدة الصنع التي يجمع فيها القدر بين المضطربين للغاية والسذج الذين لا يملكون أي فكرة حيث الجيوش تتلاحم في القتال ليلا، دون تحقيق انتصار.

وكانت النتائج رهيبة بشكل هزلي سريالي؛ ففي أقوى أعمالها "أ جدجمنت إن ستون" (1977) (A Judgement in Stone)، أو وصيفه الشرف (1989) -لا يرحم القدر أحد، مثل قطار سريع لا يقوده أحد. لا يمكن للقارئ أن يفعل سوى أن يركبه ويشاهد الظلمة تسرع عبر زجاج النوافذ.

رواية (A Judgment in Stone) للكاتبة الشهيرة روث ريندل (مواقع التواصل)


وفي حقبة (Gone Girl) يحظى هذا النوع من الكتابة بالرواج، وما زالت الروايات التقليدية موجودة ولكن تلك المثيرة المظلمة المتشابكة الألغاز هي ما يبدو أنه يرغب فيه القراء الآن، وعشرات من النساء على استعداد وراغبات وقادرات على تقديم ذلك.

في العام الماضي، وجدت صناعة النشر في رواية بولا هوكينز "الفتاة على القطار"، الهدف المنشود باعتبارها خليفة (Gone Girl) وهي كابوس برجوازي آخر حول العلاقات الرهيبة يرويه أكثر من راو واحد.

وعلى النقيض من الكاتبتين "هايثميث" و"ريندل"، اللتان فضلتا وضع حرفيتهما الشريرة في طرف خارجي جاف يروي الأحداث جامد الوجه. ومالت الكاتبات من مدرسة الكتابة الحالية إلى تفضيل خليط متقلب من نبرة المتكلم، ويمكن أن تكون قراءة روايات الجريمة هذه في القرن الحادي والعشرين مثل قراءة تعليقات ساخنة على موقع بشبكة الإنترنت أوك أن يأخذك على حين غرة هجوم على تويتر.

وبالمقارنة مع نظرائهن من الذكور، يبدو أن كاتبات الجريمة النساء أكثر دراية (أو أقل حذرا) بالتدفق الدائم للأنا والهوية في وسائل التواصل الاجتماعي، المستنقع الذي لا يملكه أحد والذي يعج بالملايين من العلامات التجارية الشخصية المصنوعة ذاتيا والمتلاحمة في معركة من أجل التفوق. إنها منطقة خطرة، وتظهر الصحفية نانسي جو سيلز -في كتابها الجديد المروّع " الفتيات الأميركيات"- وسائل الإعلام الاجتماعية والحياة السرية للمراهقات. تتحدث فيه "سيلز" مع العشرات من الفتيات في سن المراهقة -اللاتي تؤكد سيلز أنهن "المستخدم الأول لمواقع التواصل الاجتماعي"- عن الأعراف الغريبة لعالمهن على الانترنت. فهؤلاء الأطفال محبطون ينظرون إلى هواتفهم النقالة من الفصول الدراسية لمراكز التسوق للمنازل ينحنون مطلعين على عاصفة من الكلمات والصور في محاولة بلوغهم شيء يشبه النضوج.

تقول امرأة شابة في العشرينات من عمرها: "الفتاة التي كنتِ في الخامسة عشر أو السادسة عشر تلك الغاضبة والسيئة الجائعة للحب، لا تذهب أبدا فهي بداخلك طوال الوقت، إن هذه الفتاة موجودة إلى الأبد"


وفي كثير من الأحيان تكون الكلمات سيئة والصور وقحة وفجة وليست كل الأمور حقيقية؛ إنه عالم العجائب، وقاعة مرايا تشبه تلك التي في فيلم الجريمة الرائع الذي كتبه أورسون ويليس "السيدة من شانغهاي".

ويبدو أن الكاتبات النساء يعرفن هذا المكان حتى لو لم يكبرن فيه، فالكثيرات منهن في الأربعينيات والأكثر أكبر سنا من ذلك.

والكاتبة "جيسيكا نول"، التي في أوائل الثلاثينيات من العمر، هي الوحيدة التي من الممكن أن تكون عاشت هناك، وما تقوله كاتبة الرواية المذهلة (Luckiest Girl Alive"2015)، لنفسها في سن المراهقة: "كنا جميعا صغارا وقساة".

بالنسبة للكاتبات الأكبر سنا فالأمر مسألة ذاكرة، ومعرفة طريقهم في الأزقة غير المنظورة لمواقع التواصل الاجتماعي وجغرافيا متاهة أنفسهن في سن المراهقة التي لم ينسينها بعد.

إن العقل المراهق مكان غريب موحش، وهؤلاء النساء يعرفن مسرح الجريمة عندما يرينه فورا. في كتاب ميجان آبوت الجديد الرائع "ستعرفُني" (You Will Know Me)، تقول امرأة شابة في العشرينيات من عمرها: "الفتاة التي كنتِ في الخامسة عشر أو السادسة عشر تلك الغاضبة والسيئة الجائعة للحب، لا تذهب أبدا فهي بداخلك طوال الوقت، إن هذه الفتاة موجودة إلى الأبد".

كتاب ميغان آبوت الجديد (You Will Know Me) (مواقع التواصل)


يقول أحد المحققين الذكور في كتاب فرينش "المكان السري (2014)، بعد أن أمضى بضع ساعات في استجواب التلميذة البالغة من العمر 16 عاما في مدرسة خارج دبلن عن جريمة قتل: "إذا كنت قد تعلمتُ أمرا واحدا اليوم هو أن المراهقات يجعلن أعتى المجرمين يبدون كفتاة ضعيفة وسط غابة". ويعترف الشرطي الغاضب في وقت لاحق أنه لا يستطيع يعرف تماما كيف تفكر تلك الفتيات. ويقول عن إحداهن: "لقد كتبت بشفرة ما، لم أستطع قراءتها".

لكن في كتابها المدهش والمؤسف، تمكنت الكاتبة فرينش من كسر الشفرة لأنها نفسها كانت فتاة يوما ما، ومثل المديرة العامة للمدرسة، تتذكر المفتاح: "الفتيات يحببن الكشف عن أسرارهن، ويفضلن أن يكن كتومات". ولذا يفوت الرجال الذين لا يقرأون هذه الكتب بعض المعلومات المهمة.

إن المكان السري في رواية فرينش هو لوحة ملاحظات معلقة والتي تعد بديلا صريحا لوسائل التواصل الاجتماعي لطالبات مدرسة سانت كيلدا؛ حيث لا يسمح للتلميذات بالوصول غير الخاضع للرقابة إلى الإنترنت، لأن المديرة تعتقد أن "الفتيات الصغيرات ينزلقن بين العوالم بسهولة بالغة"، وهي تخشى أن تفقدن "تمسكهن بالواقع".

وهكذا فإن الفتيات، بشكل مجهول وغير افتراضي، يفعلن على أي حال ما كن يفعلنه على فيسبوك أو تويتر أو سناب شات. إنهن ينشرن الصور والمقتطفات والرسومات، والاعترافات الصغيرة والاعتداءات الصغيرة، و اختلطت كل هذه الآثار النفسية السرية وتراكمت ليراها الجميع.

لا يعد هذا "الموقع المادي"، وبالطبع، أكثر "واقعية" من وسائل الإعلام الاجتماعية التي كان من المفترض أن يحل محلها، ولكن محدوديته تجعلها أكثر قابلية للتعلق به واستعماله.

رواية فرينش "المكان السري (2014) (مواقع التواصل)


إنه وهم: الفتيات في عالم بيني على أي حال، لأن هذا هو المكان الذي يعيش فيه المراهقون. وفي رواية "المكان السري"، كما هو الحال في الحياة الحقيقية، يمكن أن تكون هذه الحالة محفوفة بالمخاطر.

أناس يكشفون أسرارهم ويكونون كتومين (في كثير من الأحيان في وقت واحد) هو تعريف منصف لثقافة وسائل التواصل الاجتماعي، ولروايات الجريمة ما بعد رواية (Gone Girl) أيضا. 

في كتاب بعد الآخر تتشارك الشخصيات -قسرا ولكن بشكل انتقائي- حتى لا يمكن التمييز بين الإفصاح والإخفاء تقريبا.

إن الرواة غير الموثوق بهم -عند جيليان فلين، وبولا هوكينز في كتاب الفتاة على القطار، وصوفي هانا في كتاب امراة تحمل سرا (2015)، وغيرهن الكثير -يحفزون نوعا من الدوار في عقول القراء، وهو تأثير يسعى إليه كتاب الجريمة الجيدون.

ففي العصر الذهبي، كانوا يحققون ذلك من خلال ملء مشاهد القتل بالكثير من المشتبه بهم والكثير من الأدلة المادية -الأقارب المتشابكة، والخدم المشبوهة، ورماد السيجار، كبريت المطعم، والساعات المتوقفة.

أما الآن يدار التأثير باللغة وحدها. في الأداء اللفظي المذهل لكتابة الجريمة الجديد، يمكن أن تكون كل جملة فكرة أو دليلا مضللا. (قد يكون من الجدير بالذكر أن أغاثا كريستي، التي كانت تعرف كيف تضاعف من عدد القتلة المحتملين والدلالات الموحية، كذلك خلقت واحدا من أفظع الرواة غير الموثوقين في الخيال الإنجليزي).

وكما قال ت. س. إليوت، الذي كان من محبي الغموض والجريمة، فإن هذه الموجة الجديدة من النساء الكاتبات يقدمن الشرطة والقتلة والضحايا والمارة الأبرياء في أصوات مختلفة. وبذلك يكاد الخط الفاصل بين كتابة الجريمة في عصر الحداثة والقرن الحادي والعشرين يختفي.

رواية "امرأة تحمل سرا" للكاتبة صوفي هانا (مواقع التواصل )


ليس خيال الجريمة أسوأ طريقة للتعامل مع عبء الزمن الحالي من المعلومات الزائدة والأصوات الكثيرة كذلك. فهو على الأقل يحمل إمكانية الحل، لشيء تقريبي للحقيقة. وهو مكتوب في اتفاق ضمني بين هذا الشكل الروائي وجمهوره.

وبشكل عام، لدى قراء الغموض والإثارة، التسامح، مثيرة للإعجاب مع التعقيدات والمضاعفات. فنحن نتمتع بالشعور بالغرق بين كتلة من البيانات المتناقضة، لأن الحل الموعود، وضوء النهار عندما ينقشع الضباب، ممتع للغاية.

إنه مثل لحظة الوضوح الحلو الذي يختبره الشاعر عندما يرى في النهاية الكلمة الصحيحة التي لابد منها التي تمنح معنى لكل شيء. لا عجب أن تي اس إليوت وأودين أحبا قصص المحققين.

في لحظتنا المحيرة في التاريخ، الضباب السميك لشبكة الإنترنت لا يمكن اختراقه، ضباب كثيف والمكون الرئيسي له هو "الكلام"، الكثير منه لزج مع دافع خفي. كل صوت في روايات الجريمة الجديدة للكاتبات النساء يثير الشكوك على الفور.

ولا يمكننا أبدا أن نتأكد من هدف أي متكلم. ما الذي لا يقال، ولماذا؟ يمكن أن تكون الألاعيب اللفظية ممتعة، وخاصة عندما تمارسها امرأة فطنة مثل صوفي هانا، التي تتخصص في الدفاع عن نساء الطبقة الوسطى ذوات الحالات المستعصية من التوتر.

الراوية الرئيسية لها في روونيكي متورطة بشكل واضح، بطريقة أو بأخرى؛ إلا أن الطبيعة الدقيقة لاتصالها تستغرق بعض الوقت حتى تظهر، اية "امرأة تحمل سرا" هي نيكي كليمنتس، على ما يبدو زوجة ووالدة عادية تعيش في إحدى الضواحي، وهي واحدة من أغرب الكاذبين المرضيين في الخيال الحديث. وعلى الرغم من أنها تبدو سعيدة إلى حد معقول، فهي تعيش حياة سرية على الإنترنت والتي -بسبب ذعرها- تبدأ في النزيف في حياتها اليومية. تحدث جريمة قتل مروعة وسلسلة من المنشورات الغامضة على موقع مغازلة يسمى الروابط الحميمة.

كاتبات الجريمة ينشرن الخداع والمراوغة بأدائهن المتغير بابتهاج أقل وبتعمد أكثر. وحيرة موثوقية الرواة في كتاباتهن هي لإضافة الغموض والارتباك وحسب

لأنها في مونولوغاتها المذعورة تتفوه بالحقيقة على مضض كما لو كانت متآمرة في قضية ووترجيت.

وتلتزم بهذا النهج في كل تفاعلاتها على الإنترنت وخارجها. وهذا بالطبع له تأثير في جعل الجميع -الأسرة والشرطة والقراء- يتساءلون عما إذا كانت محتالة أم لا.

هانا الكاتبة (التي هي أيضا شاعرة) من الواضح أن لديها ذوقا خاصا في لغة التهرب والخداع. فهي تحب الكاذبين، وخاصة أولئك الذين -مثل نيكي- لا يجيدون الكذب. مشاهدتهم يتصارعون في الشبكات المعقدة التي قد نسجوها بأنفسهم هي رياضة ممتعة لها.

وعلى نحو ما، تعد رواية "امرأة تحمل سرا" صورة لشخص عالق في نوع من المراهقة الدائمة، يكذب لمجرد الكذب، وللدراما التي يضيفها على حياته غير الرائعة بما يكفي. في معظم الأحيان، إنها عن متعة الكاتب في الهذر اللغوي.

وعلى كل فإن كاتبات الجريمة ينشرن الخداع والمراوغة بأدائهن المتغير بابتهاج أقل وبتعمد أكثر. وحيرة موثوقية الرواة في كتاباتهن هي لإضافة الغموض والارتباك وحسب، وهو مبرر سليم تماما في الألغاز على كل حال، لكن المشكلة الوحيدة هي أن هذه التقنية -بالفعل- بعد مرور أربع سنوات فقط من رواية (Gone Girl) بدأت تبدو كما لو كان متفقا عليها.

الوقت يمضي، وقد لا يمر الكثير من الوقت حتى تصبح رواية الشخص الواحد المتكلم والتفافه عن الأحداث لا تخدع أحدا سوى القراء الأكثر سذاجة.

وقد تأقلم جمهور قصص الجريمة مع المفاجأة المنتظرة والانقلابات غير المتوقعة في الأحداث. إذا كانت الألعاب النارية اللفظية التي استخدمتها تلك الكاتبات النساء على نحو فعال تصبح معتادة ويمكن التنبؤ بها، وإذا أصبح الرواة موثوقا أنه لا يمكن الوثوق بهم، والقدرة على التخفي تبدد مثل الدخان الخارج من سلاح.

فلحسن الحظ إن أفضل النساء اللواتي يكتبن الآن في هذا النوع لديهن المزيد في أذهانهن أكثر من خداع القراء السذج. وبفضل التركيز الثقافي الحالي على الشباب -وعلى وجه الخصوص الفتيات- وجه الكثير منهم انتباههن إلى غموض وألغاز مراحل النضوج. وكثيرا ما تكون كتبهن متعلقة بالجرائم القديمة، التي تفهم بشكل غير كامل، مؤرخة لمرحلة الطفولة أو المراهقة، كما هو الحال بالنسبة للأحداث الجديدة.

في روايات لاورا ليبمان مثل "ما يعرفه الموتى"(2007) و"بحيرة وايلد" الجديدة، تحب التنقل بين الحاضر والماضي. فتحل الأسرار بكل أناقة، ولكن المزاج المهيمن هو الرئاء.

 رواية لاورا ليبمان "ما يعرفه الموتى"(2007) (مواقع التواصل)


بيرنا سبيكتور، البطلة التحررية الخاصة في كتابات أليسون غايلين، لديها حالة نادرة تتركها غير قادرة على نسيان أي شيء رأت أو قرأت أو سمعت أو شمت رائحته أو لمسته منذ اختفاء شقيقتها الأكبر سنا، عندما كانت برينا تبلغ 11 عاما.

برينا هي استعارة حية لاستمرار الذاكرة. ذكريات عشوائية تومض من خلال دماغها بينما تحاول العثور على المفقودين في الوقت الحاضر وتتبع شقيقها المختفي في الممرات المظلمة للزمن.

كاساندرا نيرى المحترقة "هي أمر مختلف يقع تحت الموضوع ذاته فباعتبارها مصورة تمثل هي أيضا نوعا من الاستعارة لاستعادة الذكريات. تكمن طريقتها في فهم العالم من خلال التقاط الصور والنظر إليها بقدر ما تستطيع من قرب، للعثور على ما لم تتمكن من رؤيته بوضوح كاف عندما التقطتها. وهي تحتاج إلى نوع من المعاونة، لأن تجربتها الحالية وذكرياتها الطبيعية تميل إلى أن تتداخل مع الشراب أو المخدرات.

وعلى الرغم من اختلالاتها المختلفة، قد تكون هي الراوي الوحيد الموثوق به تماما في الخيال الجنائي للمرأة اليوم. فهي مثل الكاميرا، لا تكذب (ليس على القارئ على أي حال). وهي أيضا، في فترة شبابها الذي بلا جذور، حكاية تحذيرية حول حماقة التعلق بالشباب وقتا طويلا: إنها ما تزال هاربة، فتاة ضاعت للأبد.

يبدو كل من هؤلاء النساء تعرفن هذا الشعور. في الكثير من القصص الجريمة التي كن يكتبنها، يغلب عليها الشعور بالخسارة، الناس يموتون أو يفقدون بطبيعة الحال لأن هذا ما يتطلبه هذا النوع الروائي، غير أن الأمر أكثر من مجرد ذلك. فالجرائم في روايات فرينش وأبوت وماروود تبدو أنها تمثل غيابا أعظم، ثقب في تماسك العالم.

في "صانسيت سيتي"، رواية أولى مذهلة لميليسا جينسبورغ يدخل مقتل صديق المدرسة الثانوية البطلة الشابة في دورة تدمير ذاتي، وفي سقوط حر عاطفي تقول لنفسها: "لم يكن هناك حدود في أي مكان" وهو ما يمكن أن يكون شعار جميع الفتيات الضائعات في خيال الجريمة اليوم.

"ما تبقى مني" هو عنوان كتاب غايلين الأخير، وشخصيته الرئيسة، التي أدينت بالقتل في سن السابعة عشر وقضت في السجن الخمس وعشرين سنة التالية ، تعرف أن هذا لا يكفي.

رواية "ما تبقى مني" للكاتبة أليسون غايلين (مواقع التواصل)


وديفون، لاعبة الجمباز المراهقة التي تعد براعتها هي محور مجتمع الضواحي بأكمله في رواية "سوف تعرفني"، هي نفسها فارغة. هناك جريمة قتل في الرواية، لكنها هي الغموض الحقيقي.

والشقيقتان في "ذا داركيست سيكرت"، واحدة في سن المراهقة والأخرى في عشريناتها تشتبهان في أن هناك أمورا مهمة لا تقال لهما ويتضح أنهما على حق: إنهما تغرقان في أكاذيب الآخرين.

إنها كتب حزينة للغاية حيث حيرة الشباب والفراغ المؤرق، وما يمكّن هؤلاء الروائيات من معالجة هذه المواضيع بهذه الإثارة، هو نوع أدب الجريمة بحد ذاته فهو الشكل الذي يمكن أن تتحول فيه مشاعر السخط وعدم الاكتمال إلى أجساد، وإلى أفعال سيئة للتحري عنها. بالنسبة لهؤلاء الكاتبات تبدو الطفولة كما لو كانت قضية محفوظة لم تحل بعد.

وعلى الرغم من أن نمط المرأة الفاتنة في كتابات رايموند تشاندلر، قد مضى على ما يبدو. فربما يجري تقمصها على يد جيل من كاتبات الجريمة اللواتي يستخدمن حيلهن لغرض مختلف نوعا ما من الإغراء الأدبي.

نوع يقع في غرامه هواة هذا النوع -الفضوليات من النساء والحزانى من الرجال- في كل مرة. بالطبع هناك خطة وهي للعجب مثل خطة الكاتب تشاندلر، على الأقل كما عرفها أودن في مقالته الاستفزازية في أواخر 1940s "بيت الكاهن الآثم": "أعتقد أن السيد تشاندلر مهتم بالكتابة، ولكن ليس بقصص المحققين، بل بدراسات جادة في بيئة إجرامية، ويجب أن يقرأ كتابه "المكان الخطأ" وكتبه القوية الباعثة على الاكتئاب للغاية ويحكم عليها، ولكن ليس باعتبارها أدب هروب، بل باعتبارها أعمالا فنية".

في أدب الجريمة، قد يكون "المكان الخطأ" مكانا مألوفا في الحي وأحيانا في وسائل التواصل الاجتماعي وأحيانا المدرسة الثانوية، وأحيانا فراش الزوجية، ففي كل مكان هناك شعور بأن شيئا ما مفقود في الحياة المعاصرة.

وأفضل هذه الروايات هي روايات القتل السوداوية الخالصة، المخملية الخالية من مشاعر الرحمة، ويبدو أن كاتبات مثل فرينش وأبوت قد نظرتا في تاريخ الخيال الجريمة بنفس الطريقة التي نظرت بها غلوريا غراهام إلى همفري بوجارت في فيلم "في مكان موحش" عام 1950، نظرة منجذبة لكن حذرة.

يرون الظلام هناك، وفي أنفسهن، لقد قطعن شوطا طويلا من العصر الذهبي، عصر كريستي وسايرز، من نوع غموض الفاعل الأقل شبهة والذي فيه كما يقول المثل "فعلها الخادم"، لكنهن يعلمن أفضل من أي شخص، أن الفتاة هي من فعلتها وكان لها أسبابها.

========================

مترجمٌ عن:(ذا أتلانتيك)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار