اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/9 الساعة 16:13 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/19 هـ

انضم إلينا
المفكر الترجمان.. رحلة محمد يوسف عدس الملهمة

المفكر الترجمان.. رحلة محمد يوسف عدس الملهمة

  • ض
  • ض

"ترجع علاقتي به إلى أربعين عاما خلت، عندما كنا طلابا بالمرحلة الثانوية، وخلال تلك السنوات كان نموذجا طيبا للمثقف الذي يحمل بين جنبيه حبا لوطنه والتزاما بمسؤولياته وخدمته لقضايا أمته"

[عادل حسن غنيم][1].

 

في كلية الآداب جامعة القاهرة، وتحديدا في قسم الدراسات الفلسفية وعلم النفس، كان الشاب العشريني "محمد يوسف عدس" يشقّ مشواره، الذي لم يكن يدري أنّه سيكون حافلا إلى هذا الحد، في رحلة ثمانينية جابت به أنحاء الأرض، بدأت عقودها من عام 1934م على أرض قرية "بهوت" الخضراء بمحافظة الدقهلية، حيث خطّ الصبي الصغير أولى سطوره في كُتّاب القرية الذي أثراه بأجزاء من القرآن الكريم، ليكمل بعدها سرديّته بثلاث سنوات في المدرسة الأولية، قبل أن يبدأ الطواف الطويل بمحطته الأولى بمدينة الزقازيق، ليحصل في عام 1948م على أولى شهادته بالمرحلة الابتدائية[2].

 

ومن الزقازيق إلى المنصورة، يستكمل الفتى "محمد يوسف" رحلته في مدرسة الملك الكامل الثانوية ليخرج منها بشهادتي "الثقافة العامة"، والثانوية العامة في العامين 1952م، و1953م على التوالي[3]. وفي رفقة لم تتجاوز خمسة وعشرين زميلا، كان الشاب العشريني يشق رحلته، في المساحة التي سمح بها عددهم القليل، متعلما بين أساتذته أمثال زكي نجيب محمود، وحسن الساعاتي، وعبد الهادي أبو ريدة، وعثمان أمين، وزكريا إبراهيم، إلى آخِر القائمة[4]، وهو ما ساعده كثيرا حين تقدّم لمسابقة "أمناء المكتبات المدرسية النموذجية" بمصر عام 1958م، ليفوز بعد تخرجه بعام واحد بإدارة مكتبة مدرسة "طوخ" الثانوية بمحافظة القليوبية، ويساهم في تطويرها عن طريق مركز ثقافي للنشاط الطلابي كان قد ألحقه بها قبل أن يبدأ فصلا جديدا من الرحلة.

 

بين الكتب والبلاد



مع عمل تصحبه دراسة الماجستير في الفلسفة، ومن ثم دراسة الدبلوم العام للمكتبات والمعلومات فور إنشائه بجامعة القاهرة، ليصبح بعدها مديرا للمركز الثقافي المصري بالفلبين عام 1964م، وهو الأمر الذي لم يدم غير عام أُغلِقت بعده المراكز الثقافية على إثر أزمة اقتصادية طافت بالبلاد[5].

 

وفي أعقاب نكسة (يونيو/حزيران) 1967م، كما ورد في سيرته الذاتية[5]، يرى الرحالة الشاب أن الرحلة ستبدأ من هنا خارج حدود الوطن، وبعد مصادمات متفرقة مع وزير التربية والتعليم لقبول استقالته ينطلق إلى أستراليا، ليعلم أن كل شيء سيبدأ من جديد. وفي (أبريل/نيسان) 1971م يتمكّن الشاب المُهاجر من منصب مُفهرِس بمكتبة جامعة "بنديجو" التي لم يلبث فيها سوى عامين وبضع شهور، لينتقل بعدها إلى جامعة "كانبرا" في الوظيفة نفسها، وهو ما ساعده على الالتحاق بالدراسات العليا بالجامعة، فدرس لثلاثة أعوام علوم المكتبات ونظم استرجاع المعلومات وإدارة المؤسسات، الأمر الذي أهّله للحصول على زمالة الجامعة، وانتداب اليونسكو له كخبير ومشرف على إنشاء وتجهيز مكتبة جامعة قطر الجديدة التي تولّى إدارة مكتباتها فيما بعد.[5]

 

وفي حقبة ما قبل الإنترنت، أنشأ بالمكتبة نظاما إلكترونيا للاتصال بقواعد المعلومات العالمية بجامعة كاليفورنيا لخدمة الباحثين، وفي عشرة أعوام استقر بها في قطر[5] كانت له العديد من الإسهامات في المجال الثقافي، قبل أن يساعده اليونسكو على التنقل من جديد بين عدد من الدول العربية، كموطنه مصر، وعمان، واليمن، والأردن على الترتيب في أمور تختص جميعها بالمكتبات ونظم المعلومات في هذا التوقيت.

 

الفكر والنقل والإنسان

"لا تقاس قيمة كتاب بسعة انتشاره ولا بحفاوة القراء به فحسب، وإنما تقاس -إلى جانب ذلك- بنوعية القراء الذين احتفوا به وتناولوه بالقراءة والاستيعاب، ثم تقاس بعمق الأثر الذي خلفته هذه القراءة في عقولهم وقلوبهم".

[محمد يوسف عدس][6].

  

محمد يوسف عدس كرس جزءا كبيرا من مساره للتعريف بمشكلات الأقليات المسلمة في العالم (مواقع التواصل)

 
بفلسفة الطائر، الساكن إلى العُشّ بعد الترحال، يختار السيد "محمد يوسف عدس" التخلّي عن المسار الوظيفي في (يوليو/تموز) 1990م قبل أربعة أعوام من الإشعار الرسمي للتقاعد، ليتفرغ -كليا- للكتابة والفكر والترجمة بشكل تام. وقد تمحورت دراساته في تلك الفترة حول مشكلات الأقليات المسلمة في العالم وإبراز مدى المعاناة التي تلقاها، ابتداء من الفلبين، ثم البوسنة والهرسك وكوسوفا الشيشان[7].

 

وفي هذا يقول صديقه، د. إبراهيم أبو محمد، أنه -أي محمد عدس-: "لم يمتهن التخمين والحدس فيما يقوله أو يشير به إلي المستقبل، وإنما كان ذا بصيرة بالمآلات واحتمالاتها وردود أفعال الغير تجاه الأحداث، كان مُصِرًّا على أن يكون بين الكُتّاب ورافضا بشدة أن يكون بين الكَتَبَة، وبرغم ارتفاع التكلفة بين القمة والسفح، فقد اختار أن يكون في القمة"[8].

 

وهو المنهج الأخلاقي الذي أشار إليه "زغلول عبد الحليم" في وصفه لمنهج "محمد عدس" القائم على التصور الحقيقي للعلاقة بين (الله - الكون - الإنسان)، "وهي العلاقة التي يحاول البعض كسرها وتقديم البديل الغربي لوضع الإنسان في مواجهة القدر الذي هو الله"[9]، وهو التصور الذي رفضه الرجل ولم تكن له علاقة به، على حد وصف زغلول.

 

ويدافع "يوسف عدس" نفسه عن مطلق الإنسان فيقول إن: "التحكم في سكان الأرض كان دائما حلم الطغاة من أمثال هتلر وموسوليني ولينين وستالين، وهذه النخبة الخفية بالتأكيد تتمتع بعقلية الطغاة، فهم لا يقفون على حد في سعيهم الرهيب للتحكم في حياة البشر وتشكيلها وفق قوالب يساعدهم في صنعها مجموعة أخرى من الخبراء -أو أنصاف آلهة- لأنهم يستطيعون في معاملهم تطوير وسائل وتكنولوجيات للتحكم في الجينات واستنساخ الحيوانات والبشر والتأثير على صحة الإنسان سلبا أو إيجابا، ويعتقدون مثل فرعون أنهم يهبون الحياة أو يسلبونها وفق مشيئتهم وأهوائهم، هذه النخبة أو العصابة الشريرة تعتنق أيدولوجية لا إنسانية ولا أخلاقية"[10].

 

 
وفي سبيله لذم الطغاة وأدواتهم في قولبة الإنسان وإخضاعه، يتلاقى -بالتزامن- مع نموذجه في الحاكم الأخلاقي، المُحترِم للإنسان، كالرئيس البوسني "علي عزت بيغوفيتش" الذي كان لمحمد عدس أكبر الأثر في نقل تراثه الفلسفي إلى العربية، كأحد أثقل الأعمال الفكرية أثرا داخل المكتبة الإسلامية والعربية في القرن العشرين.

 

فهو يتطرق في تقديمه لكتاب الرئيس البوسني "الإسلام بين الشرق والغرب" إلى شخصية الكاتب كحاكم بصورة لا تنفصل عن طبيعته ككاتب أو فيلسوف، فيقول في مقدمة ترجمته لكتابه: "إنه طراز فريد من الشخصيات، فهو بسلوكه وقيمه وأخلاقه يضرب أمثلة في القيادة والحكم"، مسترشدا في ذلك بروايات ابنته "سابرينا" عن زهده في ملذات الحكم وبساطته في إدارة حياته وحياة أسرته، وهو ما انعكس على حكمه لشعبه -بالتبعية- ليقدم صيغة إنسانية للحاكم، قد امتدحها "يوسف عدس" في مقدمته في أكثر من موضع.

 

الفيلسوف والتُرجمان.. ثنائية التأليف وابتعاث النص

يقول الدكتور "محمد عناني" في كتابه "فن الترجمة" إن الترجمة فن تطبيقي، أي هي "الحرفة التي لا تتأتّى إلا بالدربة والمران والممارسة، استنادا إلى موهبة"[11]. وهو الحال الذي وجده "المسيري" مع ترجمة "يوسف عدس" لكتاب الرئيس البوسني "الإسلام بين الشرق والغرب" فأسقطه عليه إذ يقول: "وقد قام الأستاذ محمد يوسف عدس بترجمة أهم كتبه "الإسلام بين الشرق والغرب" إلى العربية بلغة فصيحة وخطاب فلسفي مُركّب، فجاءت ترجمته عملا فلسفيا راقيا يتسم بالدقة والجمال"[12].

 

كذلك ساهمت البنية الفكرية المتشابهة بين المفكر وترجمانه، الذي أعاد تخليق النص وليس فقط ترجمته، في إثراء النقل والانتقال من كتاب للآخر في رحلة العبور بالفكرة بين اللغات، فيقول "عبد الحليم زغلول" إن: "تفاصيل الحياة اليومية للشخص تدل على كثير من خصائصه النفسية ويمكن تفسير سلوكه العام من خلالها، فلماذا يكتب يوسف عدس عن بيغوفيتش ويترجم له؟ إنها قرابة الفكر وليس أي فكر، إنه الفكر القائم على العقيدة الصحيحة كما قدمها القرآن الكريم والسنة النبوية"[13].

 

ويقول "عدس" نفسه عن بيغوفيتش وكتابه إن الذي يقرأ للأخير سيجد أنه أمام مفكر فريد يدعو للدهشة، خاصة وقد وُجد بهذا الفكر في قلب أوروبا، وهو ما حفّزه كثيرا لترجمة كتابه بتلقائية بحتة لا تهدف إلى شيء سوى نقل هذا النص الفريد، فيقول: "وجدت نفسي منهمكا في ترجمة الكتاب دون أن أفكر في أمر نشره حينذاك، فقد أرجأت التفكير في تفاصيل ذلك لحين الانتهاء من الترجمة"[14].

 

 

وعن الكتاب وترجمته يقول: "إن كتاب الإسلام بين الشرق والغرب ليس كتابا سهلا كما ذكرت، فهو يثير كثيرا من التحديات للمترجم، فالمعاني في بعض المواضع ليست ميسرة للفهم كما قد يبدو لأول وهلة، كما أن الكتاب حافل بالأفكار الجديدة والمصطلحات الجديدة غير المألوفة، ويحتاج منهج المؤلف في تحليل الأفكار إلى وعي وصبر لمتابعته"[15]، وهي المعاناة التي قال إنها تكون أحيانا مدخلا ضروريا لعمق الفهم.

 

وقد شكل "عدس" مع "بيغوفيتش" ثنائية من نوع فريد حول اختلاق النص وابتعاثه من جديد، فالكتاب الذي كُتِب بالبوسنية في ستينيات القرن الماضي، ونُقِل بعدها إلى الإنجليزية، خرج منه "عدس" بنص عربي قد لا يفطن القارئ المحايد إلى كونه مترجما عن لغة غير التي قرأه بها. الأمر الذي يتناسب بأريحية مع مستوى الأفكار التي اشتمل عليها كتاب "بيغوفيتش" حيث يقول المُترجم عن المفكر: "ولقد أدركت منذ البداية أن كتابا بهذا المستوى يحتاج إلى ترجمة تتناسب مع قدره، دون التضحية بأي عنصر من عناصره، فالأمر في الترجمة المتميزة أنها عملية إبداع شأنها في ذلك شأن التأليف سواء بسواء"[16].

 

القضية والمرجعية

كرحّال أدرك الركب، يصنف عبد الحليم زغلول "محمد عدس" على أنه أحد المقاومين المتأخرين ضد مدرسة البعث[17]، ممن يربطون ثقافة الأمة في سياق متصل لا ينفصل فيه الأصل الماضي عن الواقع الحاضر والمستقبل المنشود، فهو لم يكن يسرد واقع المعاناة الإسلامية في العصر الحديث من منطلق تأريخي، كما فعل -حسب زغلول- البعثيون كالعقاد وطه حسين، بقدر ما كان يربط ذاك بالعقيدة كقضية لا تنفصل عنها، وهو الأمر الذي يتبدّى في بعض كتبه مثل "البوسنة في قلب إعصار" و"كوسوفا، بين الحقائق التاريخية والأساطير الصربية" و"الحرب الشيشانية بين التأليف والتزييف".

 

 
وهي القضية نفسها التي تكفّل بالتصريح عنها في كتابه "سقوط الأكاذيب" بلا مواربة، حيث قال معبرا عن منهجه في التأريخ للإسلام وتناول قضاياه في مقابلة الآخر: "إن الجدل العلماني العقيم ضد النظام الإسلامي هو نوع من الجنون، يرتكبه العلمانيون المتطرفون الذين قطعوا جذور الاتصال بثقافتهم الإسلامية.. حتى أصبح الواحد منهم عاجزا عن فهم صفحة واحدة في أصول الفقه، عاجزا عن الاتصال باجتهادات أئمة الفقه وعلمائه القدامى والمحدثين، عاجزا عن قراءة آية واحدة من القرآن الكريم قراءة صحيحة، ثم يخرج علينا بعد ذلك متبجحا بفتاوى ونصائح فيما ينبغي وما لا ينبغي في أمور السياسة والدين والحياة، فهل يمكن أن يؤتمن أمثال هؤلاء، الجُهّال بثقافة الأمة، على مستقبل هذه الأمة ومصيرها؟"[18].

 

وقد أخرج الرجل قرابة العشرين كتابا ما بين المؤلَّف والمُترجم، وتجاوز بمقالاته المئات من الأطروحات المنشورة في عدد من الصحف الورقية كجريدة الشعب، والمختار الإسلامي، والهلال والمنار الجديد، وكذا الصحف الإلكترونية كموقع "المصريون"، والعرب نيوز، بالإضافة إلى موقعه الشخصي[19].

 

وفي رحلته نحو التسعين أُعلِنت نهاية المسير بعد ثلاث خطوات، ليرحل عن العصر أحد أبرز الكُتّاب والمُترجمين/المفكرين داخل المكتبة الإسلامية والعربية المعاصرة، عن عمر قد ناهز الثالثة والثمانين، مترحّلا -مستقرا- في آخر محطاته بأستراليا.

 

حيث يقول عنه حفيده: "كان جدي طول عمره طائرا مُهاجرا، لم أره في حياتي غير ثلاث مرات، فبين سفر إلى إنجلترا وأستراليا، ووفاة ابنه في أستراليا ثم وفاة زوجته في إنجلترا، كان مبتلى صابرا، عفيف النفس، مؤدب، منخفض الصوت، يُحسن الاستماع، ويجيب المضطر، كريما يساعد المحتاج"[20].

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار