اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/21 الساعة 16:05 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/3 هـ

انضم إلينا
الأدب البوليسي.. نظرة على أعمال "بول أوستر" الخيالية

الأدب البوليسي.. نظرة على أعمال "بول أوستر" الخيالية

  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
إن كان وهج بول أوستر قد أنار فجأة في التسعينيات في أميركا فمن الواضح أنه في العالم العربي قد بدأ بالانتشار مؤخرا. لكن المراجعات التي تقدم لأعماله قلّما تأخذ بعين الاعتبار تتبعا لمسيرة الكاتب ومستوى كتابته، فهل يعقل أن بول أوستر في طريقه للنسيان قبل أن يُذكر؟

 

نص التقرير
ماذا لو طُلب منك تفسير سبب وجود الكتب التي على رفوفك الخاصة بنفس الطريقة التي تُسأل فيها الأرواح عن أسباب خطاياها؟ إنني لا أتحدث عن بعض الإشارات الاجتماعية الوهمية التي تُستدعى عندما تجلب رفيقتك إلى المنزل أو أمام الناس على مأدبة عشاء. كيف تتعامل مع ذاتك الأصغر والساذجة، مع الشخص الذي كنته قبل أن تتذوق النضج؟ كنت أفضل مظهرا في ذلك الوقت، لكن تلك الكتب التي كنت تقرأها قد أدارت ظهرها للنور، ومن الأفضل إخمادها. بالنسبة لي فقد بعتها كلها في 2010، كل ما لا يحمل قيمة حسية بالنسبة لي بحيث لا أستطيع تعويضه، هذه هي الطريقة التي قلت بها وداعا لأول مرة لبول أوستر.

 

لا بد أنها كانت السنة الأولى لي في الكلية، في خريف عام 1995، حينما استنشقت نسائم "ثلاثية نيويورك". كانت "الثلاثية" إحدى تلك الكتب التي تجمع بين القتامة والإثارة والوجودية، وهي بالفعل رائعة للقراء الأميركيين الذكور أبناء 18 عاما المحبين للاطلاع، لأولئك الذين يرون أنفسهم قساة وعميقين.

   

 

    

الأدب الميتا بوليسي، الذي قلب سيرة داشييل هاميت رأسا على عقب ودفع كاتب أدب الغموض لكي يصبح محققا سريا، يكون مختمرا بقوة عندما لا تكون قد شاهدت بعد فيلما لبوجارت أو قرأت رواية لهاميت. لقد كتبت رواية أوستر "بلاد آخر الأشياء" بأسلوب رواية فترة ما بعد الحرب من الفئة الأولى، وفي حين لم تستطع الرواية أن تواجه عمالقة المنهج مثل فلاديمير نابوكوف وصمويل بيكيت، في الغرض ذاته -وهو تجسيد الخيال المُصور للمجتمع الفاسد بشكل واضح نقي-، لكنها كانت مؤشرا على أن هذا الأدب ما زال يُكتب. وكما لو أنني أعيش تحت تأثير لعنة أوستر، ذهبت إلى حي بارك سلوب عام 2000 وقرأت رواية أوستر التي كتبها في 1992 وهي "الليفياثان" جزئيا بسبب نكهتها المحلية. تستمر رواياته مُعتدلة البنية في الظهور كل عام أو اثنين، لكن الوحيدة التي لمستني كانت "ليلة التنبؤ".

 

عدة روايات انحدرت من نبع محاورات داشييل هاميت في "الصقر المالطي"، الذي يحكي عن رجل يُدعى فيلت كرافت والذي نجا من كائن سقط في أحد الشوارع، وقرر تغيير مسار حياته، وقد كان، كما أذكر، ممتعا بقدر أفلام العرض المتتالي التي شاهدتها في منتدى الأفلام، ضمن برنامج أفلام نوار (أفلام جريمة سوداء)، وقد استغرقت وقتا مماثلا في قراءة الرواية التي اقتبس عنها الفيلم.

 

كتب جون هومانز لمجلة نيويورك مُقيّما الفيلم: "لو أن بروكلين، بكل كوادرها الفكرية البرجوازية، حلت محل الجانب الغربي العلوي، فإن بول أوستر يشبه وودي ألن بشكل ما". على عكس ألن، أوستر ليس مرحا أبدا، لكنّ كليهما ذائعُ الصيت في فرنسا. ليست فرنسا فحسب، فعلى الرغم من أنهم لم يكونوا مراهقين مثلي، فإن هناك قائمة "كلاسيكيات" مشهورة عانى منها المراهقون جيلا بعد جيل، لكن شعلة أوستر أضاءت فجأة في هذه الحقبة، في التسعينيات تحديدا. لقد جاءت "ثلاثية نيويورك" في وقت اندثر فيه عالم الأدب البوليسي الخيالي، أما فيليب مارلو وشخصية بوغارت فقد أُوقظا في مراجعات ما بعد الحداثة كما في فيلم المخرج روبرت ألتمان "الوداع الطويل" المقتبس عن رواية هاميت التي تحمل نفس الاسم عام 1973.

         

استمرت روايات أوستر في النمو أكثر وأكثر، وعوملت على أنها من الروايات المطلوبة بشكل كبير، وسرعان ما أصبح الخيال النوعي الذي صار رائده مثار سخرية بسبب الثقافة الكوميدية الخاصة بالجيل الجديد

رويترز
       

بعد ذلك بعقد من الزمان، اقترب أوستر من مواد مرجعيته بشكل أكثر استقامة ودرجة أعلى من الرهبة الوجودية، لكن الرهانات على أبطاله لن تكون كما كانت على النسخة الأصلية من "سام سبايد" (إحدى أشهر الشخصيات في الصقر المالطي)، بكل بساطة خفض أوستر الوجودية إلى لفتة جمالية، واختزل القتامة في المِزاج الدموي. لم يكن ذلك واضحا تماما حتى غادرنا تلك الحقبة التي لم نكن نفهم فيها أن الأمر على المحك ذاته.

 

ومثل أفلام ألن استمرت روايات أوستر في النمو أكثر وأكثر، وعوملت على أنها من الروايات المطلوبة بشكل كبير، تعبيراته المجازية -التي رسمها الكتاب في المؤامرات الجنائية، ولمّ شمل الأقارب المبعدين عن بعضهم، اللقاءات المصيرية- أصبحت نوعا من القواعد اللغوية، صار استخدامها إعادة ترتيب أكثر من كونها إعادة ابتكار، وسرعان ما أصبح الخيال النوعي الذي صار أوستر رائده مثار سخرية بسبب الثقافة الكوميدية الخاصة بالجيل الجديد.

 

وإن كان هناك أي شك بأننا عبرنا ذروة أوستر فقد أطلق عليها الناقد جيمس وود رصاصة الرحمة في مراجعة هازئة لرواية "لا مرئي" (Invisible) في 2009. كانت القطعة مليئة بالقفشات "بالنظر إلى كونها رواية أوستر، فقد مرت الحوادث بالسردية كسيارات هبطت من السماء" وأيضا "هناك أشياء تثير الإعجاب في أدب أوستر، والنثر ليس إحداها"، ولعل أكثرها إدانة ما قاله الأنيق "جون إيرفينج" الروائي الأميركي: "لقد كان الهدف الرئيس للناقد وود هو النقاد، الذين لم يسمّ أيا منهم، والذين اعتبروا أوستر رائد فترة ما بعد الحداثة، وأنه كاتب طليعي".

     

    

لكن من الذي استمر في القراءة له؟ بالطبع، ومن هذه النقطة فإنه جمهور أوستر الذي يتألف من المثقفين المُعتدلين الذين اختاروه للتسلية لكن أقل ما يقال عنهم إنهم أشباه صوفية، كما القراء الصغار الذي يمثل بالنسبة لهم بوابة مخدرة لأشياء أقوى، مثل صمويل بيكيت ودون ديلليو، زوجة أوستر السابقة وناهيك عن الروائي جون ماكسويل كويتزي، روائي آخر يشتغل بقصص الخيال عن المجتمعات الفاسدة وألاعيب الأنا الأخرى، لكنه بعكس أوستر لديه التزامات سياسية معقدة.

 

في 2013، نشر أوستر وكويتزي مجموعة من مراسلاتهم، "هنا والآن" (2008-2011)، كتب أوستر لكويتزي: "شكرا على كلماتك الطيبة التي أرسلتها إلى سيري هاستفدت (كاتبة) حول هجوم وودي على عملي وحياتي وأيا ما كان يبدو أنني أمثله بالنسبة له، لقد توقفت عن قراءة كل التقييمات التي تُكتب عن أعمالي جيدة كانت أم سيئة، لكنني سمعت من الآخرين ما يكفي عما كتبه لأشعر أنني كما لو كنت تعرضت للضرب من قِبل شخص غريب".

 

يا للعجب! اتُهم أوستر بأن روايته الجديدة (4321) هي إعادة لإحدى رواياته القديمة، تقريبا 900 صفحة، وهو ما يعادل ضعف ما كتبه أوستر في أي وقت مضى، قواعده الإنشائية ما زالت سليمة، لكنه ابتكر أسلوب نثر جديد، لا مكان للجمل القصيرة، على نفس خط هاميت، وعوضا عنها حلت الجُمل الملتوية الطويلة التي تراكم عبارة فوق أخرى وفي مفاصلها الكثير من "منذ ذلك الحين/ لأن/ بينما/ حينما/ الذين/ ذلك أن" هذا وقد كان لديه طموح لنيل جائزتي بروست وجائزة نوبل.

    

    

ولد أوستر في 1947، لكن حالته كطفل من جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن أبدا في طليعة هويته الكتابية كما قالت الروائية آن بيتي. بما أنه عادة ما يخرج أعماله بنسخ مجردة لا تاريخية من مدينة نيويورك، لم يكن أوستر كاتبا مؤرخا أبدا. (رواية الليفياثان، التي يسجن فيها كاتب لرفضه الإنساني الحرب على فيتنام، هي استثناء). لكنه أشبع مشاعر الحنين في رواية "4321"، فهي رواية تشكيلية رباعية تدور حول أربع نسخ للشخص ذاته، هو آركي فيرغسون، المولود بتاريخ 3 (مارس/آذار) 1947(بعد شهر على ميلاد أوستر). للرواية عدة أقسام وكل واحد منها مُقسم إلى أربعة أجزاء، للنسخ الأربعة من فيرغسون، على الرغم من أنه مات حينما كان متشبثا بحبل، وسقط من شجرة ضربها البرق، فإن الفصول التي تتلو هذه الحادثة ذات صفحات أحادية بيضاء. (كانت هذه النهاية متعلقة بسيرته الذاتية حيث شاهد أوستر في صغره في أحد المخيمات الصيفية طفلا سقط من شجرة حينما ضربها البرق).

 

صحيح أن المفهوم والهيكل الناتج عنه مثيران للاهتمام، لكن أوستر جنى على نفسه. إن ثمة سببا لاحتواء الروايات الطويلة الموسوعية على تشكيلات متعددة من الشخصيات التي ربما تعرف أو ربما لا تعرف بعضها، وأمكنة متعددة وأطر زمانية متباينة، يساعد التباين على جذب انتباه القارئ، وكلما كان أكثر جذرية كان أفضل.

 

التعددية في "4321" هي بالتأكيد مفتاح ثانوي للرواية، حيث يدور الجزء الأول حول فكرة فيلم "تعويض مزدوج" (Double Indemnity)، كالمؤامرات المُحيطة بمعرض أثاث والد فيرغسون: سُرق المعرض من قِبل اللصوص الذين أرسلهم عمه/ يخسر الأب لأنه لم يستطع اتهام أخيه فلم يستطع تفعيل وثيقة التأمين/ الذين أحرقوا المعرض مجهولون/ تأتي أموال وثيقة التأمين/ يتم إحراق المعرض على يد عصابات لتهديد عم فيرغسون بسبب ديون القمار/ يموت والد فيرغسون في الحريق/ المعرض لم يحترق والعائلة تزدهر. تقلبات أفلام الدرجة الثانية هذه مسلية بصورة أكبر من الاهتمام المُسرف المدفوع لصور طفولة فيرغسون المُتعددة. (لم يقدم الكتاب هربا سريعا إلى مرحلة البلوغ).

       

ما يهزم أوستر حقا في رواية "4321" هو كتابته ضد نقاط قوته، الكتاب مليء بالحشو، لكن الأمر الوحيد الذي يبدو معروفا في الرواية هو قوة الإيجاز

غيتي
     

إنه يحب البيسبول وكرة السلة، أنشأ جريدته الأولى في المدرسة المتوسطة، وهو يدرس التاريخ الأوروبي ويقرأ في الأدب الكلاسيكي، هناك فهرس للكتب التي قرأها والأفلام التي شاهدها، باستثناء ترنيمة لوريل وهاردي المُطولة، إنها محض قوائم، هناك فقرات عديدة تشبه الاسترسالات المأخوذة من التعليق الصوتي من مسلسل "ذا ووندر ييرز" (The Wonder Years)، ثم قرر أوستر أن يستخدم شخصياته في استدعاء عناوين تاريخية، فأثناء فترة رئاسة كينيدي -كان أوستر يقدس كينيدي- بدأ فيرغسون في تقبيل الفتيات، وذات مرة فقد عذريته بعد ظهر أحد الأيام التي تلت اغتيال كينيدي.

 

استطردت الرواية تاريخيا، حتى أصبح فيرغسون صحفيا مقيما في كولومبيا قبل احتجاجات ربيع 1968، كانت الاستطرادات سطحية ولا تخدم الغرض مثلما تخدم الوقت، الوقت هو عدو الرواية الأول، لقد جعلها الوقت لا تمر. إن ليبرالية أوستر المُعاصرة، التي تتطابق مع اتجاهات فيرغسون السياسية، لم تعط الرواية أي ميزة، كما أنها تقع في ضواحي نيو-آرك ومانهاتن (ضواحٍ للأثرياء)، وقد قُورنت بأعمال فيليب روث التاريخية، لكن مستوى مشاركته كان مقتصرا على الطفولة، فذات مرة وُبخ فيرغسون من مدير المدرسة بسبب تعاطفه مع الشيوعية في صحيفته التي أنشأها.

 

لكن ما يهزم أوستر حقا في رواية "4321" هو كتابته ضد نقاط قوته، حبكات أفلام الدرجة الثانية وألعاب الخفة في السرد يعيشان على الإدغام (ثمة الكثير من الحذف في التعابير لدمجها بتعابير أخرى)، الكتاب مليء بالحشو، لكن الأمر الوحيد الذي يبدو معروفا في الرواية هو قوة الإيجاز.

 _______________________________________________

   

مترجم عن: ذا فلتشر

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار