اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/29 الساعة 14:25 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/11 هـ

انضم إلينا
اقرأ الروايات وأنت منعزل.. إليك الأسباب

اقرأ الروايات وأنت منعزل.. إليك الأسباب

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
تعود محاولات تحديد مهمة الأدب إلى زمن عتيق، حتى إن أرسطو له رأي في ذلك لا يزال حاضرا إلى اليوم. لكنه ليس الرأي السائد اليوم، فهناك نظرية شائعة لاقت مؤخرا دعما غير متوقع من أحد أقسام العلوم. تناقش هذه المقالة النظرية الرئيسة، وتلقي الضوء على توجه مختلف حاز انتشارا واسعا بين شباب الروائيين والقراء مؤخرا، عبر تحليل أعمال أهم رموزه. نحن نقرأ وحدنا، ونواصل استقبال القصة من أجل استحضار كنه الآخرين وتلطيف عزلتنا. لكن ماذا لو لم نكن منعزلين؟ ماذا إن كنا الآن مرتبطين بلا هوادة، وحظت كل هوية مهمشة باعتراف جمعي، وتم استيعابها أكثر من أي وقت مضى؟

   

نص التقرير
في (سبتمبر/أيلول) 2015 أجرى الرئيس أوباما محادثة فريدة مع الروائية مارلين روبنسون. تضمّن تفريغ المحادثة -المنشور في نيويورك ريفيو أوف بوكس- مواضيع فكرية رفيعة، منها العلاقة المضطربة بين المسيحية والديمقراطية، وصمود قيم المدينة الصغيرة، وأهمية المؤسسات العامة وهشاشتها. نحا النقاش منحى تجريديا، فلم ينزلق مطلقا إلى أي تفاصيل قد تشعل خلافا كبيرا. مع ذلك، يعرض الحوار صورة مثيرة للإعجاب لعقلين شديدي الاختلاف -القائد صاحب التفاؤل الحذر، بتحفظه المعتاد على المزاعم اليقينية، والكاتب الصريح، المجاهر بالمخاوف الأكثر سوداوية- وهما يحاولان التفكير للتوصل إلى الشعور الذي تثيره الهوية الأميركية في حاملها اليوم.

   

ربما تتساءل: لماذا وقع الاختيار على روائية تحديدا؟ كان الحدث محملا بلمسة أصالة مؤثرة: تَذَكّر ميناء هيانيس عام 1960، حين سلب النائب والمرشح الرئاسي جون كينيدي لب نورمان ميلر، كي يثير الكاتب حماسة قرّائه من النخبة الليبرالية المتخاذلة. أو مانهاتن 1963، حين طلب روبرت كينيدي من جيمس بالدوين الدعوة إلى جلسة خاصة لمناقشة قضايا العرق انتهت إلى تراشق محموم لا حوارا سياسيا هادئا. لم يجر أوباما اللقاء بهدف إغواء روبنسون بسحره أو إقناعها بتمثيل دائرة انتخابية، هذا غير ممكن، فما عاد الروائيون يملكون هذا النوع من السلطة الميدانية، وإنما يعكس اختياره للروائية اعتبارات أخرى متنوعة. لم يخاطب أوباما روبنسون متوهما قدرتها على توجيه الرأي العام، بل لما تملكه من قدرات تتعلق بحرفتها، ولتبوّئها مكانة لا يبلغها إلا كتاب الأدب الخيالي. لقد خاض أوباما النقاش مع روبنسون باعتبارها متخصصة في التعاطف.

   

استمع إليه وهو يدير دفة الحديث باتجاه حرفتها

الروائية الأميركية مارلين روبنسون

مواقع التواصل
    
هل أنت ممن يثير توقف الناس عن قراءة الروايات قلقهم؟ وهل لذلك -في رأيك- تأثير على الثقافة؟ حينما أفكر في تصوري لدوري باعتباري مواطنا، ناهيك عن كوني رئيسا، أجد أن أهم المفاهيم التي أربطها بهذا الدور.. أن أهم ما تعلمته.. هي كلها أمور تعلمتها من الروايات. لا بد أن لذلك علاقة بالتعاطف، لا بد أن لذلك علاقة بالتصالح مع فكرة العالم المعقد المليء بالدرجات الرمادية الذي يحوي رغم ذلك حقيقة ما، حقيقة يمكن بلوغها، وأن عليك الاستبسال لتحقيق ذلك، والعمل من أجله. وكذلك التصالح مع فكرة إمكانية التواصل مع أشخاص آخرين رغم اختلافهم الشديد عنك.

   

لا بد أن سعي أحد زعماء العالم إلى التواصل مع روبنسون قد أثار حماستها، فلمحة إجلال مثل هذه كفيلة ببث الحياة في مناطق من الذهن أصابها تراجع المركزية الثقافية للرواية بالخدر، حتى في حالة جمهور واسع مثل هؤلاء الذين يواصلون قراءة الأدب الخيالي وتقديره. فكم مرة عبرت السلطة عن إجلالها للخيال؟ وفي تحديد أوباما لمهمة الرواية بإثارة التعاطف الذي نحن في أمس الحاجة إليه تصديق رئاسي على أكثر نظريات الخيال شعبية في عالمنا اليوم.

   

تعود جذور النظرية التي أجازها الرئيس -عن دور نقص التعاطف في عرقلة الثقافة الديمقراطية، وحفظ الروايات لتضافرنا وتماسكنا في أوقات قد ننجرف فيها بعيدا نحو اليقين الذاتي النرجسي الحاد- إلى فكر الثمانينيات البراغماتي، وتعتمد تحديدا على محاجة الفيلسوف ريتشارد رورتي القائلة بفقد اللاهوت والفلسفة داخل الثقافة التعددية، لتأثيرهما كحجج مقنعة على وجود طبيعة بشرية عالمية ومشتركة قادرة على دعم أسس الوصايا الأخلاقية في مواجهة الوحشية.

من ثم، يجب البحث عن المحفزات المشتركة في مكان آخر، في الخيال لا العقائد الجامدة. يعرض رورتي رأيه قائلا: "على الروايات ودراسات التراث العرقي -التي تشرك الفرد في آلام من لا يتحدثون لغته- لعب الدور الذي كان يفترض بالبراهين الدالة على وجود طبيعة بشرية مشتركة التكفل به". ويعد هذا الدواء الذي تبنته الفيلسوفة مارثا نوسباوم مؤخرا، ودقق فيه العديد من دارسي الأدب، عودة إلى وصفة شعبية ذات نكهة فيكتورية: عندما يشجعنا الأدب الخيالي على التلبس بوجهة نظر شخص آخر -لا سيما آخر أجنبي تماما- فإنه يدفعنا إلى رسم مزيد من الشبكات الأكبر حجما حول ذوات كانت لولاه لتزداد عزلة. تحطم قراءة الروايات هذا الجدار الفاصل بين "أنا" و"ليس أنا".

   

حظت دعوى رورتي مؤخرا بتأييد من مجال غير متوقع: العلم المعرفي. فوفقا لدراسات واسعة الانتشار تُحسّن قراءة الأدب الخيالي "نظرية العقل" الخاصة بنا، وهي القدرات التي تمكننا من استيعاب حالة الآخرين النفسية، (خلصت إحدى الدراسات إلى ما للخيال الأدبي -نوع يميل إلى تصوير الحالة النفسية للشخصيات بدقة- من فعالية استثنائية في مقابل الخيال المصنف الموجه إلى عموم القراء). الدليل: يحفز الاستغراق في الروايات والقصص نشاط "شبكة الوضع الافتراضي" في الدماغ، وتستخدم العلوم العصبية ذلك المصطلح للإشارة إلى مجموعة المناطق المرتبطة بالوعي المنساق المتحرر من الغايات، والمرتبطة أيضا بالانعكاس الاستبطاني (introspective reflection) عن النفس والآخرين، وعن التجارب المتذكرة والمفترضة. باختصار، إنها المناطق المرتبطة بما سُمّيَ مرة بالخيال الأخلاقي. ينقل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي رسالة رورتي بصيغة مختلفة: تدربنا قراءة الروايات على التعاطف. لقد أعلنها إي. إم. فورستر من قبل: "فقط أقيموا صلة بينكم!". ومن الواضح أن في قراءتنا للروايات قدرا من الإسهام في ذلك.

     

الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما مع الروائية مارلين روبنسون (رويترز)

   

لكن ضع هذا الإجلال لـ "مشاركة الآخرين مشاعرهم عبر قراءة الأدب الخيالي" أسفل الضوء، وسيثير داخلك من القلق قدر ما منحك من المتعة: قلق من تناقص التعاطف ذاته مع "توقف الناس عن قراءة الروايات" حسب تعبير أوباما. ومن يدري بما قد يصيب الأدب الخيالي حينها! إن زعم اعتمادنا على قراءة الرواية لإقامة الصلة بيننا، فيما نحن مستغرقين فيها، يدفعنا إلى التساؤل بوجل: هل نحن بذلك نطالب هذه الممارسة العتيقة المستهلكة للوقت بأكثر مما تحتمل؟ وكتابة تاريخ بطولي لفعل قراءة الرواية ذاته هو أحد طرق تجاوز هذه المخاوف، ولقد سلكه ويليام إغينتون -أستاذ الأدب بجامعة جونز هوبكنز- في كتابه "الرجل الذي اخترع الأدب الخيالي: كيف مهد ثربانتس الطريق للعالم الحديث". إنها سيرة أدبية لميغيل دي ثيربانتس ومعها أطروحة: لقد أمدتنا رواية دون كيخوته، البالغ عمرها 400 عاما اليوم، بمخطط أولي لقالب أدبي يعلم القراء -قبل كل شيء- العادات المعرفية الخاصة بالتفكير المتعاطف.

   

ثربانتس في نظر إغينتون رسام بورتريهات نفسية، فرشاته الرئيسة هي تأثير التخاطل (توهم انزياح جسم ما عند النظر اليه من زاوية مختلفة). فعندما نعلق بين سوء فهم أحد الشخصيات لموقف ما، والمعايشة شديدة الاختلاف للموقف ذاته من قبل شخصية أخرى، تكتسب وجهة نظرنا نحن القراء طبيعة ثلاثية الأبعاد، ويزداد العالم الخيالي الذي ولجنا إليه عمقا. يكشف لنا ذلك مدى الاختلاف الذي قد يصيب نظرتنا إلى الأشياء وإحساسنا بها، مع اختلاف الموضع الذي نرصد منه الحدث، أو اختلاف المنظور الذي نتبناه ذاته. فمع أخطاء كيخوته المتعلقة بالطواحين والأغنام والفتيات القرويات، التي تفجر ضحكاتنا، نتدرب على التعاطف، هذه الرؤية المجسمة الفريدة التي تسمح لنا بمعايشة العالم من وجهات نظر أخرى، دون التخلي عن ترسخنا في ذواتنا.

   

إنها نسخة شديدة المعاصرة من ثربانتس، تصوره ريادي يطرح احتمال قدرة الأدب على لعب دور الترياق المضاد للامعيارية المماهاة التحزبية الخانقة والضارية والصلات الاجتماعية الواهية والصاخبة في آن واحد. لم يقدم لنا إغينتون ثربانتس المتهكم، ولا جعل حسه الفكاهي إلا ملمحا ثانويا. ليس في ضحكة الإدراك التي تثيرها نسخة ثربانتس المعاصرة أي قسوة، بل هي ضحكة استشفائية، لأن الأدب الذي يبتكره ثربانتس، حسب تعبير إغينتون، هو "أسلوب كتابة متخصص في تحطيم الحواجز، بل لعله يخفف الآلام التي يمكن لهذه الحواجز التسبب فيها أيضا".

       


           

بالنظر إلى كلمة "لعله" في عبارة إغينتون يمكنك ملاحظة شعور خفي بالأسى والريبة، يمكنك تلمس إدراكه لضخامة الحمل الذي يوضع على كاهل الأدب الخيالي. إن المسؤولية المروعة التي يتحملها الروائي متضمنة في قصة إغينتون، ففيها يتحرر ثربانتس من وهم إسبانيا الإمبريالية، عالم متحزب مرير من الحرب الأبدية وتجاوز القدرات المالية، عالم يعي انهياره المستمر، لكنه عاجز عن تصور ما قد يعقب الانهيار. رسم إغينتون -بخفة يد- عالما يماثل عالمنا، لكنه عالم متلبس بنسخته الأثيرة من القصة التأسيسية للأدب الخيالي. جاء صدور "الرجل الذي اخترع الأدب الخيالي" مزامنا للذكرى المئوية الرابعة لوفاة ثربانتيس عام 1616، وهو كتاب لم يستطع التحرر من هاجس التراجع المستمر لأهمية هذا النوع الأدبي. فإذا قرأت ما بين السطور ستجد أن تأريخ إغينتون للأدب الخيالي هو في الوقت نفسه نوع من الدفاع المهموم عنه. إنه دعوة إلى عدم القنوط من قدرة الأدب الخيالي على إذابة كل الفوارق بيننا.

 

ثربانتيس سلف ملهم، لكن لا يزال حديث مثل هذا عن صعود الرواية -حديث يشدد على أهمية صقل تقنيات الكتابة لإتاحة مجال أكبر أمام الخيال الأخلاقي- يدفعنا إلى التساؤل: ألا يزال هذا النوع الأدبي ملتزما بتلك المهمة في المقام الأول؟ رغم كل شيء ظهرت بين الحين والآخر تصورات مختلفة عن طبيعة الرواية تتنافس فيما بينها على احتلال الصدارة: فكرة الأدب الخيالي باعتباره نوعا من اللعب، حالة من التظاهر تحرر طاقتنا الإبداعية، تقدير دور الأدب الخيالي في إطلاق سراح الآلام غير المعلنة، مما يسهل علينا معرفة الذات، الوعي بالتشويق الذي يتيحه الأدب الخيالي بالعيش في مكان تتعرض فيه القيم المسلم بها للمساءلة. فالأدب الخيالي باعتباره لعبة، وباعتباره متنفسا، وباعتباره تهكما، جميعها رؤى قوية لما تستطيع الروايات فعله، لم تنبذ أي منها باسم الإيمان بالتعاطف، بالضبط، لكنها تعرضت إلى الانتقاص، واعتبرت -بشكل غير صريح- أقل أهمية. هل يمكن أن يكون الأدب الخيالي، الذي أصابتنا علامات انهياره بالاضطرب، يشهد في حقيقة الأمر تغيرا، أنتج علامات حياة جديدة، غير مألوفة، أربكتنا وأفقدتنا التحكم في أعصابنا؟

 

إذا اتخذنا بعض أكثر روايات الأعوام الأخيرة كسبا للحفاوة النقدية معيارا للحكم، سنجد أن مجموعة متنوعة من الروائيين الأصغر سنا لا تهتم كثيرا باكتساب مهارة خاصة في إثارة التعاطف. إنهم يتناولون مواضيع متنوعة في أدبهم الخيالي، لكنهم يتشاركون صوت راوٍ شخصي، اجتراري، مسخر للتعبير عن النفس أكثر منه لتوصيف الآخر. ورغم أن كثيرا من هذه الروايات تدور حول فنانين شباب يسكنون الحضر فإنه من العسير تصنيف الأصوات تحت "منظور" محدد، لأن لها نبرة وإيقاع لا يتبدلان، كما أنها تبلغ من النقاء درجة تكاد تبدو معها ساذجة. إنها بالكاد تملك قصة تحكى، لها طبيعة يومياتية، تسكعية، انطباعية. وتتركز هذه الانطباعات حول المخاطر المحتملة للتعاطف: كيف أنها دعوة إلى استسلام الذات، كيف يمكن لها خلق غيمة من الرضا عن النفس تحجب خلفها حقائق واضحة، كيف أنها تدفعنا نحو تلاحم اجتماعي رغم تعرضنا لخطر فقد الوعي بهوياتنا كأشخاص متغيرة ومتمايزة.

 

خذ الجملة الافتتاحية لإحدى الكتابات الأولى المميزة في العام الماضي، رواية "أنت أيضا يمكنك الحصول على جسد مثل جسدي"، للكاتبة أليكساندرا كليمان: أهناك حقا قدر من التطابق بين دواخلنا؟ لا أعني تطابقا نفسيا، أنا أتحدث عن الأعضاء الحيوية، المعدة، القلب، الرئة، الكبد، أتحدث عن مكانها ووظيفتها، كيف أن الجراح الممسك بالمبضع لا يفكر في جسدي على وجه التخصيص، بل في مقطع عرضي لجسد عام على إحدى صفحات مرجع طبي جامعي. يمكن إخراج القلب من جسدي ووضعه في جسدك، وسيستمر هذا الجزء الذي حملته داخلي في الحياة، يضخ دماء غريبة في شرايين غريبة عبر قنوات غريبة. لكن إن وضع في الوعاء الصحيح فلن يشعر بأي اختلاف أبدا.

   

 

   

تتلاعب كليمان بفكرة التعاطف إلى درجة كبيرة، حتى إنها تتهاوى: ماذا لو لم يكن هناك أي اختلاف جوهري بين البشر يستحق الربط بينهم؟ قد يؤدي ذلك إلى تحرق لا ينقطع إلى شيء يذكرنا بتفردنا.

 

تبدأ أحداث "10:04" -ثاني روايات بن ليرنر، الكاتب الفائز مؤخرا بمنحة ماك أرثر- في مطعم أنيق بوسط مانهاتن، يقدم المطعم طبق "أخطبوطات رضع دلّكها الطاهي حرفيا حتى الموت"، وعقب ابتلاع الراوي للوجبة بأكملها يشعر بخضوعه التام لوعي إحدى الرأسقدميات:

 

جلسنا وشاهدنا حركة المرور، وأنا لا أمزح حين أقول إني اكتسبت حدس كائن غريب، لقد تعرضت إلى سلسلة متتابعة من الصور والأحاسيس والذكريات والعواطف التي -أقولها صادقا- لا تخصني: القدرة على تمييز الضوء المستقطب، خليط من الذائقة واللمس، مع دعك ماصات الأذرع بالملح، فزع متمركز عند الأطراف لا يخضع لسيطرة العقل مطلقا.

 

من البداية يفصلنا ليرنر كلية عن أي شعور اعتيادي بالبصيرة التي من شأنها كشف بواطن الآخرين أمامنا. يستهدف ليرنر -مثلما فعلت كليمان- جذب الانتباه إلى إمكانية ابتلاع التعاطف لنا بالسرعة التي يبتلع بها الراوي وجبته، إلى إمكانية خلو هذا التعاطف من أي منطق، أو وعي، أو فائدة.

 

هذه أمثلة صغيرة على افتتاحيات تخبرنا بأننا على وشك قراءة نص يستهدف تفجير كل تصور مألوف عن "المنظور" أو "التعاطف". والتبرع بالأعضاء والالتهام النهم من طرق الارتباط بشخص أو شيء مختلف، لكنه ارتباط يكلفنا الأرضية الهوياتية التي نقف عليها. انتبه كذلك إلى الطبيعة المتعجلة غير الرسمية لهذه الأصوات التي تخاطبنا دون تقديم أو تذرع، وهو ما يكشف عن نزعة تسلطية عجيبة، وإن كانت غير قابلة للتحديد. لا يملك راوي ليرنر اسما، رغم اشتراكه الواضح مع المؤلف في بعض الخصال: هو الآخر مدرس وكاتب، يحاول إتمام رواية ثانية جديرة بمقدمتها التي جاءت ضخمة بصورة غير متوقعة. وفي رواية كليمان يشار إلى الراوية بـ A.، وهو أول حروف اسم المؤلفة، أما رفيقها في السكن فهو B.، وحبيبها C..

         

   

هؤلاء الرواة ليسوا شخصيات ضمنت في الأدب الخيالي، إنها أصوات تستفز القارئ كي يماهي بين الراوي والمؤلف، وتدفعه في الوقت نفسه إلى التشكك في هذا التماهي، إنها أصوات منفصلة -في الأغلب- عن النسيج الحكائي للتاريخ العائلي، والولاءات الإقليمية، والخصال الجديرة بالثقة. الإطار أيضا مبسط إلى أقصى درجة، فلا تكلف كليمان نفسها عناء تسمية المكان الذي تجري فيه أحداث الرواية. يشبه ذلك نيويورك في حالة ليرنر، فهي نسخة أخرى من فضاء ما بعد الصناعة الغربي الآخذ في الاستطباق والتفسخ في الوقت ذاته، الذي يلعب دور الخلفية في أعمال مجموعة متنامية من الكتاب الذين يُقرن بينهم رغم افتقارهم إلى أي انتساب واضح يجمعهم: جوشوا كوهين، تيجو كول، راشيل كوسك، شيلا هيتي، فاليريا لويزيلي، جيني أوفيل، نيل زينك.

 

خلال الأعوام الأخيرة ازدهر هذا النزوع إلى ما يمكن تسميته بالمونولوج غير الدرامي تحت اسم "التخييل الذاتي" (autofiction)، لفظة فرنسية ترجع إلى السبعينيات، تشير إلى نوع أدبي يرفض التفرقة بين المتخيل والمعاش، أو قل الخيال والواقع، عبر المزج بين قالبي السيرة الذاتية والرواية. كانت الفكرة الأصلية هي تجاوز أكثر من قرن من الجدال حول كون الواقعية مجرد مجموعة أخرى من المواضعات الأدبية التي تذوب تدريجيا.

 

لكن الاهتمام اليوم موجه بمزيد من الوضوح نحو رفض اتخاذ إثارة التعاطف هدفا، وارتبطت هذه المهمة بكاتبين لامعين أنتجا أعمالا هي بمنزلة نماذج أو صيغ تكميلية للحركة. أولهما الأميركية كريس كراوس، صاحبة رواية السيرة الذاتية "أنا أحب ديك"، الصادرة عام 1997، التي لا تخلو منها مكتبة أي روائي شاب طموح. الآخر هو النرويجي كارل أوفه كنوسغرد، الذي صدرت الترجمة الإنجليزية لروايته "كفاحي" متعددة الأجزاء. ترك كل منهما استكشاف المناظير المتعددة الممكنة وراء ظهره. ومن فوق منصة مشابهة، وإن كانت محكومة بتجارب وخبرات مختلفة -منصة مثقف أو فنان بداية الألفية، جيد التعليم رغم تعثره المالي- ينطلقان من النقاط الأكثر خصوصية (والمنحرفة عن قصد أحيانا) لتجسيد برودة ووعورة الفضاء الفاصل بين الذات والآخر.

 

بينما تحترف كراوس القفزات المفاجئة والفن التلصيقي يسهب كنوسغرد ويتأنى، لكنّ كليهما زاهد في الحبكة المعقدة والتباهي المعلوماتي المميزين لأدب ما بعد الحرب وما بعد الحداثة الخيالي، مثل مؤامرات توماس بينشون الجنونية واهتمام ويليام غاديس بفيزياء هايزنبيرغ والحيل المالية. بدلا من ذلك تهيمن على المشهد مجموعة من الهموم الشخصية ما بين النفسية والأخلاقية: كيفية معالجة المتطلبات المتزاحمة للطموح، والرفقة، والرغبة الجنسية، والعمل المقبول فكريا وسياسيا. تتصف المقاربة السردية بوعي وتعريض ذاتي لا هوادة فيهما. يتكون جزء كبير من رواية "أنا أحب ديك" من مجموعة خطابات كتبتها كراوس وزوجها الأسن، سيلفير لوترينغر، إلى الناقد الثقافي الوارد اسمه في عنوان الرواية الذي أحبته كراوس. في الوقت نفسه تتحدث كراوس إلى جمهورها نيابة عن هويات مهمشة -كونها أنثى وذات توجه جنسي غير اعتيادي تحديدا- "تفتقر إلى 'أنا' فعالة وعلنية"، حسب التعبير الذي تستخدمه كراوس للإشارة إلى الصوت الشخصي الصريح غير الاعتذاري، المحتكر عادة من قبل السلطة الذكورية.

    

   

في النثر الخالي من مساحيق التجميل، وعبر توالي مواضع البسط والقبض التي غدت بصمة روائية لعصرنا، تطلعنا كراوس على تفاصيل الذاتية غير القابلة للكبت لدى الراوية، من شهوات، وبغض، وانحراف ذهني، ووحشية (لم ينج منها أحد، خاصة ديك)، كما تحتفظ لنفسها بالحق في التعميم. وتتضاعف مساحة الإفصاح عن الذات في صورة تصريحات حكيمة غير شخصية، مع استكشاف كراوس للثيمة التي بلغت حد نقد أحد قطبي حركة التخييل الذاتي: الذات (أنثى في الأغلب) المعزولة عن المطالب والأدوار الاجتماعية، الراصدة الحساسة للرغبة الجنسية، والمعرضة -رغم ذلك- إلى هواجس، وإلى نوع أدائي من الرؤى، لعل من الأفضل وصفه بالشهادة لا الاعتراف. في لحظة نموذجية من رواية "كيف يجب على المرء أن يكون؟" تلتقط شيلا هيتي إحدى لحظات الوقاحة الجريئة التي هي من ميراث كراوس أيضا: "يعيش أغلب الناس حياتهم بأكملها مرتدين ملابسهم، وحتى إن أرادوا خلعها فلن يستطيعوا ذلك. ثم هناك آخرون لا يستطيعون ارتداء ملابسهم، إنهم الذين يعيشون حياتهم لا كأشخاص فحسب، بل كأشخاص يُقتدى بهم، قدرهم هو تعرية كل جزء منهم كي يعلم الباقون معنى كونهم بشرا"، وفق ما كتبته الراوية.

 

يمكن لصراحة مثل هذه إثارة ضحك المرء وضيقه معا، أو تهكمه باعتبار دلالتها على حب الذات، أو إعجابه ببلادتها. أهذا صوت ينضح بمراقبة الذات؟ أم أنه أداء صادق؟ هل بلغنا عصر "العالمي الجديد" -استخدمته كراوس عنوانا لإحدى مقالاتها- الذي يتولى فيه الإفصاح الراديكالي عن الذات استبدال نزعة توحيد الذات مع الآخر بفكرة الأنفس المنفصلة المتعددة التي ابتكرها ثيربانتس؟ إن كانت الـ"أنا" العلنية المتوجة على عرش مدرسة التخييل الذاتي المتأثرة بكراوس تتجنب هذه الأسئلة فكنوسغرد يرحب بها. إن ملحمته المكونة من آلاف الصفحات، التي تتناول حياة كاتب نرويجي في منتصف عقده الخامس، تكشف عن ارتياب عميق ومختلف في التعاطف، فكارل أوفه، الراوي، هو النوع الذي أهملته معادلة هيتي: إنه يريد خلع ملابسه، ويفعل ذلك حقا، لكنه يكتشف أن الشيء الوحيد الذي قد يحوي أي عبرة في التعري هو ما يثيره من خزي، فكل كشف يجري في كتاب كنوسغرد يأتي غارقا في الخزي الذكوري، إنها رغبة مذلة في الاعتراف، لا بالوضع الهامشي، بل بأزمة الكيان العادي.

 

يطارد كنوسغرد عددا قليلا من النزعات الفلسفية التي تحظى بشعبية في التخييل الذاتي، رغم أن أجزاء عمله الضخم منظمة وفق الاهتمامات الموضوعاتية، والجزء الأخير مخصص لفعل الكتابة ذاته. يبدأ "كفاحي" بالقرن بين الوفاة والميلاد: الرحيل البطيء لوالد كارل أوفه، مدمن الخمر الباغي، وحياة كارل أوفه المرهقة باعتباره أبا وكاتبا ملزما كرها بواجبات تربية الأطفال اليومية اللزجة. وبينما يعود الجزء الثالث ليستكشف فترة طفولته خلال السبعينيات، يغطي الجزء الرابع مرحلة المراهقة والاضطرابات التي تسببها شهواتها غير المكتملة. هنا يقدم كنوسغرد قصة واحدة لنشأة كاتب التخييل الذاتي مع بلوغ كارل أوفه أولى مراحل البلوغ في مدينة برغن خلال نهاية الثمانينيات والتسعينيات.

 

وعلى طول الطريق تأتي مآزق الراوي وكشوفه المبتذلة مفتقرة إلى أدنى درجات الجاذبية، إنها لا تثير في النفس الشعور باكتشاف شكل جديد من أشكال الحياة، هذا الشعور الذي لا يزال يقود القراء والكتاب الطامحين إلى كراوس بعد نحو 20 عاما من صدور كتابها. لا يكلف كنوسغرد نفسه عناء التعميم، بل ينثر قليلا من الحكم الشعبية، ويكاد ألا يقدم أي مسلمات مؤكدة عن الذات ووضعها. بدلا من ذلك يعرض أمامنا حياة ذكر من الطبقة الوسطى، يعيش في حزن معهود وفياض نسبيا، عبر نثره المميز المتراخي الذي يهتم بما لا يجذب الانتباه عادة من تفاصيل الحياة المملة.

           

      

لا يتعلق الأمر بإثارة التعاطف، أو حس الاكتشاف الذي يرافقه، بل إن يقظة كنوسغرد الطاغية غير التمييزية هي ما يخضع القارئ: كم يبلغ سعر الكتاب ورقي الغلاف في أواخر الثمانينيات، ظلمة برغن ذات الألق العجيب، احترازات ما قبل الاستمناء في دورة مياه مشتركة، شعور المرء حين يستوعب وفاة والده. إنه نثر زاخر بالتفاصيل، لكنها تفاصيل غير متمايزة عما سيقدمه أي عمل درامي كبير مفترض، بصورة مربكة، حيث تبدو كل لحظة، حتى المفترض كونها مملة، كأن لها حدة فورة الأدرينالين، أو الوضوح المرعب للحظات الخزي المتذكر. يعترف كارل أوفه العشريني والثلاثيني في الجزء الخامس، ضمن مجموعة أكبر من الاعترافات، باعتياده خيانة حبيباته خلال سكره، وشيء من السرقة الأدبية الحذرة، والاستياء عند نجاح الأصدقاء، والميل إلى الانعزال. ولا تزيده الطبيعة الاعتيادية الشديدة لزلاته إلا بؤسا، فالوجود العادي، حين يسرد بهذه الدقة المثيرة للهلوسة، لا يستحضر منظورا فريدا، بل ينتج هذا النوع من الانعزال الفردي.

 

إن حكي هيتي للهواجس الجنسية الغريبة، وحديث كليمان عن الطقوس الماجنة للمجاعة، ومعزوفة ليرنر حول معضلة التبرع بالحيوانات المنوية، وتصوير زينك لمسيرة امرأة شابة إلى الإرهاب البيئي، جميعها أمثلة على نزعة التخييل الذاتي المتأثرة بكراوس التي تتناقض بوضوح مع رتابة شقاء كارل أوفه كما عرضها كنوسغرد. لكن العجيب أنهما يلتقيان، فإن كان انعدام القابلية للخزي، إذا ما تقبل كلية وبصدق، يقود إلى انعتاق انعزالي ودرامي، فكذلك يفعل الخزي. لكن الأمر اللافت للنظر في هذين المسلكين هو العزلة المثيرة والمفزعة التي تسيطر على هذه الأصوات وهي تؤدي دورها في المسرحية. فمن ناحية تطالب ذات مهمشة بالتحرر من الخفاء، ومن الناحية الأخرى هناك ذات مذكرة تعاني مما سببه لها الظهور الجلي من جراح. كل من المنظورين مكتمل ومنغمس بدرجة تخرج تعاطف القارئ من المعادلة، وبدلا من بناء جسور تقرب اختلافاتنا يجلس الكتاب إلى جانب القراء يشاهدون عرض العزلة.

 

يتبين أن ذلك يوافق فهم كنوسغرد لطريقة وسبب احترافه الكتابة الذي يعزوه إلى رغبة مستمرة وغامضة في الكشف دون معرفة المراد كشفه تحديدا. يلتقط كنوسغرد إحدى تمظهرات هذه الرغبة في موقف مترسخ في طفولة كارل أوفه، ولا يلعب التعاطف أي دور في القصة. كالعادة، يأتي السرد مبتذلا ومحددا في آن واحد. خلال أول ليلة له في منزل طفولة حبيبته، وبينما هو محاط بضوضاء عائلتها الغريبة، يتذكر كارل أوفه -الذي انضم إلى صفوف البالغين قبل فترة قصيرة- حادثة كسر ترقوته في صغره.

اقترح طبيبه قضاء الليلة في المستشفى، لكن كارل أوفه طلب العودة إلى المنزل ليقي أمه خيبة الأمل. في الواقع، كانت مغامرة قضاء ليلة في المستشفى بمفرده هي رغبته الحقيقية. ومن رحم الكذبة، كما يذكر، ولد الشعور بالذات: حتى حينها شعرت أني مزيف، شخص حمل أفكارا لم يحملها شخص سواه، أفكار يجب ألا يعرفها أحد أبدا. ومن ذلك خرجت نفسي، كان ذلك ما كنته. أو بعبارة أخرى، تلك التي عرفت بداخلي ما لم يعرفه الآخرون، تلك التي لا أستطيع تشاركها مع أي شخص آخر. والوحدة التي ما زلت أشعر بها كانت شيئا تعلقت به منذ ذلك الحين، فقد كانت كل ما أملك.

         

إن الرواية هدف متحرك، وستظل هكذا.. ما إن تضرب نظرية عن طبيعتها الداخلية أو وظيفتها الاجتماعية بجذورها في الأرض كن على ثقة بأن بعض كتّاب الرواية -على الأقل- سيقاومونها

أن سبلاش
   
نوعان من العزلة -قضاء ليلة وحيدا في غرفة غريب، ولحظة ماضية خسر فيها فرصة قضاء ليلة في غرفة غريب بسبب كذبة- أنتجا نداء باطنيا: مشاركة ما لا يمكن مشاركته. هذا هو أدب كنوسغرد بالضبط، اتصال من صوت يرتاب في إمكانية التواصل، أو ينكرها من الأساس، عرض لمنظور تتوقف صحته على كونه غير معلوم لأي شخص آخر.

 

في هذه المواقف تبدو الرغبة في الكتابة متطفلة مثلما تبدو ملحة. يقول راوي كنوسغرد: "كان أمرا يتعدى الفحص، يتعدى الشرح، يتعدى التبرير. لم يكن يحوي أدنى قدر من المعقولية، لكنه كان بديهيا وكلي الغموض: لم يكن لأي شيء عدا الكتابة معنى بالنسبة إلي، لن يكون أي شيء آخر كافيا، لن يطفئ أي شيء سواها ظمأي. لكن ظمأ إلى ماذا؟" هكذا الأمر مع قراءة التخييل الذاتي. لماذا تستمع إلى صوت لا يطلب تعاطفك، صوت لا يملك قصة خطية ليحكيها؟ يتعلق جزء من الإجابة بما تثيره التجربة من رضا مرير نتيجة لرفض متعة الانغماس في عوالم متكلفة. لكن إلى جانب ذلك هناك تذكير التجربة لنا بما يبدو عليه العالم دون وعي مستمر بمناظير الآخرين، وهو الأهم. بقراءة كهذه تجعل استرداد العزلة أمرا ممكنا.

 

إن الرواية هدف متحرك، وستظل هكذا. ما أن تضرب نظرية عن طبيعتها الداخلية أو وظيفتها الاجتماعية بجذورها في الأرض، كن على ثقة بأن بعض كتّاب الرواية -على الأقل- سيقاومونها. وتفضيل المونولوج على منظور الشخصية، أو تفضيل عرض الذات على الاتصال المتعاطف، هي من صور هذه المقاومة. إنه تخيل لمهمة مختلفة عما افترضته نظرية رورتي عن الرواية، حيث تصورتها منتجة للغراء الذي يحفظ تماسك المجتمع، ومعززة للتقبل المطمئن للآخر. وبدلا من ذلك تخيلها هؤلاء الروائيون في صورة معلم يرشدنا إلى سبل الاستقلال. نحن نقرأ وحدنا، ونواصل استقبال القصة من أجل استحضار كنه الآخرين وتلطيف عزلتنا. لكن ماذا لو لم نكن منعزلين؟ ماذا إن كنا الآن مرتبطين بلا هوادة، وحظت كل هوية مهمشة باعتراف جمعي، وتم استيعابها أكثر من أي وقت مضى؟ إن كان الأمر هكذا فمرحبا بالصوت الانعزالي العنيد، ليخبرنا أن ما يعنيه كوننا بشرا، وما قد يبقينا هكذا، هو الشعور بالوحدة في حجرة غريبة، مع عزلتنا التي تميزنا، وتستطيع إنقاذنا.

_________________________________________________
   
مترجم عن: (ذا أتلانتيك)
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار