اغلاق
آخر تحديث: 2017/4/12 الساعة 15:54 (مكة المكرمة) الموافق 1438/7/16 هـ

انضم إلينا
آنا كارنينا.. حين يقود الحب المرأة إلى التمرد

آنا كارنينا.. حين يقود الحب المرأة إلى التمرد

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
بينما يجلس ليو تولستوي مستغرقاً في التفكير باستهلال مناسب يبدأ به عمله الروائي الذي عزم أمره على كتابته؛ إذ تقع عيناه على رواية ملقاة على الأرض، يأخذ تولستوي الرواية ويشرع في قراءة المقدمة التي جاء فيها "وصل الضيوف إلى البيت الريفي"، هنا أخذ تولستوي يتمتم قائلاً "هكذا تكون البداية. بوشكين ينقل قراءه رأساً إلى لبّ الحدث، أما الآخرون فيصفون الضيوف والغرف، بيد أن بوشكين يبدأ مباشرة بالعمل"[1].

 

يعود تولستوي إلى مقعده وقد لمعت في ذهنه بارقة الاستهلال الذي وُصف بأنه واحد من أجمل البدايات التي عرفتها الرواية بصورة مطلقة كما ذهب إلى ذلك العديد من النقاد؛ حيث يستهل تولستوي روايته "آنا كارنينا" بهذا المدخل البديع "كل العائلات السعيدة تبدو متشابهة، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة" وبهذا المدخل يزج بنا تولستوي في أجواء الرواية دون أي مقدمات أو شروحات لا طائل منها.
 

تعد رواية "آنا كارنينا" واحدة من أشهر الروايات التي تندرج ضمن الأدب الواقعي، وقد صور تولستوي من خلال العائلات الثلاث التي تدور حولها أحداث الرواية، صوّر تحولات القيم داخل مؤسسة الأسرة الروسية، مستحضراً من خلالها شبكة العلاقات الاجتماعية، كما صوّر في رائعته (هذه) الصراع الذي يجري في أعماق الإنسان بين العقل والعاطفة والروح والغريزة.
 

الروائي الروسي ليو تولستوي مؤلف رواية "آنا كارنينا"

غيتي
 

وإذا كان تولستوي قد اختار "الخيانة الزوجية" موضوعاً لأحداث روايته؛ إلا أن غرضه تجاوز هذا الموضوع وقصة الحب التي جمعت بين آنا كارنينا وفرونسكي نحو "تصوير الصدام بين عالم قديم متدين وتقليدي وملتزم بالأدوار الجندرية التقليدية والتقسيم الطبقي الصارم، وعالم جديد حيث الطلاق فيه مشروع، ومعارك النساء من أجل الوصاية وضد التمييز مباحة"[2].

 

روسيا في مهب التحولات: الصراع بين عالمين: 


"القديم ينهار، والجديد لم يولد بعد، وفي هذه الأثناء تكثر الوحوش الضارية"

(المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي)
 

في الوقت الذي كتب فيه تولستوي روايته هذه، كانت روسيا تعبر واحدة من أكثر مراحلها حساسية وخطورة؛ حيث كانت البلاد "في طور التحول من دولة زراعية متأخرة اقتصادياً، إلى قوة صناعية عالمية كبرى"[3]. وخلال هذه الفترة؛ شهدت الساحة الثقافية الروسية جدلاً حاداً حول أي القيم ينبغي على روسيا أن تتبناها، فانقسم الرأي العام الثقافي الروسي إلى فريقين: الفريق الأول هم السولافيون /القوميون الذين يدعون إلى التمسك بالهوية القومية الروسية ورفض القيم الدخيلة عليهم؛ بينما يتبنى الفريق الآخر اعتناق القيم الغربية الليبرالية في الفكر والسلوك والنظام السياسي[3].
 

في رواية آنا كارنينا؛ يصور تولستوي هذا الصراع حول روسيا ومستقبلها من خلال شخصيات الرواية؛ حيث يمثل كل واحد من تلك الشخصيات الرئيسة منظومة  قيمية في الفكر والسلوك مختلفة عن الآخر، ويجري فيما بينهم العديد من النقاشات والجدالات التي تعد امتدادا للجدال الثقافي آنذاك. فمثلا نجد أن شخصية ليفين رمز الأصالة كان يفضل المحراث على الآلات الزراعية الحديثة في إشارة ترمز إلى عمق الانتماء للأرض والثقافة المحلية وعميق الصلة بها[3]..
 

رواية آنا كارنينا (مواقع التواصل)


يسهب تولستوي في سرد هذا الصراع بين هاتين المنظومتين القيميتين منذ بداية الرواية وحتى نهايتها، فتارة يسرده من مدخل النقاشات السياسية والصراع بين منظومة الحكم القيصرية الأرستقراطية وبين دعاوي الديمقراطية والتمثيل النيابي، وتارة يسرده من مدخل الحريات الفردية والصراع بين الالتزام بالتقاليد الاجتماعية التي نقبلها عادة بدواعي الواجب وحسب؛ حتى وإن أصبحت تلك التقاليد شكلية وفارغة من أي مضمون قيمي وأخلاقي كما هو الحال في المجتمع الأرستقراطي الذي تجري أحداث الرواية فيه، وبين الرغبة في التمرد على تلك العادات البالية ومواكبة العصر الحديث وتطوراته وقيمه الفردانية!
 

من الواضح أن تولستوي لم يكن منحازاً إلى أي من المعسكرين المتصارعين؛ إذ بينما يأسف التقليديون المحافظون على زمن القنانة ومنظومة الحكم البطرياركية، فإن الجيل الجديد (جيل المثقفين الليبراليين) لا يفهم حاجات الشعب الحقيقية، "ويضيع في المناورات الانتخابية. وأعظم ممثل لهذه النزعة التحررية هو الأستاذ كوزيتشيف؛ فهو، بالرغم من ذكائه، وفكره، وسعة معرفته، يعيش بعيداً عن الحياة الواقعية، ويجهل كل شيء عن حياة المقاطعة وحياة الفلاحين. والمؤلف الضخم الذي كرّس له ست سنوات من حياته والذي عنوانه "بحث في المبادئ والأشكال الحكومية، في أوروبا وروسيا"، والذي يمدح فيه محاسن النظام الدستوري، قد استقبله الناس بلا مبالاة؛ فجُرح المؤلف بسبب ذلك، وأحس أنه هو نفسه عديم الفائدة"[4].
 

الاعترافات: رحلة تولستوي من الشك إلى الإيمان:

"من أنا؟ وما هو هدف حياتي؟ والأهم: أين الله؟ من هو الله؟ وكيف أحيا بوجود الله؟ ما هو الوجود؟ ولماذا أنا موجود؟كانت هذه الأسئلة التي عصفت بشخصية قسطنيطين ليفين وألقت به في نار الشك والقلق قبل أن يهتدي إلى الإيمان بعد رحلة بحث طويلة، هذه الشخصية التي قال عنها ليو تولستوي في كتابه "الاعترافات" الذي صدر عام 1879؛ أي بعد سنتين فقط من صدرو رواية "آنا كارنينا"، قال إنها لم تكن سوى مرآة لشخصيته هو!
 

لقد جسد تولستوي إذن رحلته من الشك إلى الإيمان عبر شخصية ليفين -وليفين تصغير للاسم الأول لتولستوي "ليو"- وقد جاء اعترافه هذا بأنه أراد لليفين أن يكون المجسد لآرائه  الشخصية وقناعاته الفكرية؛ ليزيل الكثير من اللغط الذي أثاره النقاد حول علاقة ليفين بشخص كاتب الرواية.
 

لقد جسد تولستوي إذن رحلته من الشك إلى الإيمان عبر شخصية قسطنطين ليفين (مواقع التواصل)

في اعترافاته؛ يذكر تولستوي أن معظم شخصيات رواية "آنا كارنينا" إنما تمثل مرحلة من مراحل تطور شخصية تولستوي وتقلباته الروحية والفكرية، فخلال مشواره في البحث عن إجابة سؤال المعنى من الحياة، وكيف ينبغي علينا أن نحياها، وما الذي يتوجب علينا فعله لمواجهة الموت الذي يتربص بنا "كالوحش الكاسر"، يقول تولستوي إنه وجد أن ثمة أربعة إجابات محتملة لهذه الأسئلة، وقد اختبر تولستوي معظمها قبل أن يهتدي إلى الإيمان بعد طول بحث وعناء.
 

مهما تعددت أنواع الأجوبة التي يقدمها الإيمان للإنسان؛ فإن كل واحد منها يجعل لحياة الإنسان المحدودة معنى غير محدود، معنى لا يزول ولا يفنى مهما اجتمع لمحاربته من جيوش الآلام والوحدة والموت

وبحسب تولستوي فإن للناس طرائقهم المختلفة للإجابة عن هذه الأسئلة الوجودية، وهي تتراوح ما بين: الجهل أولاً: وهذا هو ما عليه أكثر الناس؛ حيث تبتلعهم الحياة اليومية وتشغلهم عن هذه الأسئلة إلى حين، وهو ما نجد عليه كارنين زوج آنا الموظف البيروقراطي الذي لا يبدو أن ثمة ما يقلقه أو يشغل باله، أما الثاني فهو "الشهوانية وعبادة الأهواء الجامحة" وهذا حال أبناء الطبقات المرفهة وبخاصة الأرستقراطية، وهو ما نجد عليه فرونسكي عشيق آنا، وشقيقها أوبلونسكي[5].
 

أما الطريقة الثالثة لمواجهة الحياة فهي بالقوة والعزم حين ينتهي الباحث إلى التيقن من أنه لا خير يرجى من هذه الحياة فيأخذ القرار بإنهائها بملء إرادته  "حبل حول العنق أو ماء يغرقون فيه، أو قطار يقفون في طريقه فيذهب بهم ويريحهم من شقائهم" وهذا ما اختارته آنا كارنينا لنفسها ولم يستطع تولستوي فعله كما أفاد في اعترافاته، أما الوسيلة الأخيرة فهي بالاستسلام أمام الحياة برغم مأساويتها وفداحتها، والتحلي بالإيمان في مواجهة تقلباتها وصروفها، والقبول بالعيش ضمن التفاصيل الصغيرة التي تحيط بالإنسان كالأسرة والمزرعة والأصدقاء، وهو ما انتهى  إليه تولستوي، وما سينتهي له ليفين بعد رحلة بحث طويلة[5].
 

وبعد طول مسيرة وترحال، ينتهي تولستوي إلى القول إنه "مهما تعددت أنواع الأجوبة التي يقدمها الإيمان للإنسان؛ فإن كل واحد منها يجعل لحياة الإنسان المحدودة معنى غير محدود، معنى لا يزول ولا يفنى مهما اجتمع لمحاربته من جيوش الآلام والوحدة والموت. فبالإيمان -إذن- نستطيع أن نجد الحياة، وبه نفهم معانيها السامية. فما هو هذا الإيمان؟ ليس الإيمان كما فهمته بإعلان غير المنظورات فقط، ولا هو بالوحي الذي ينزل على قلوبنا فقط؛ لأن مثل هذا  التحديد يظهر لنا شكلاً واحداً من أشكال الإيمان المتعددة، كلا ولا هو علاقة الإنسان بالله فقط، ولا هو الإذعان لما أخبر به الإنسان فقط، كما يعتقد الكثير من الناس، وإنما الإيمان الحقيقي الكامل هو معرفة معاني الحياة الإنسانية معرفة حقاً تحمل الإنسان على محبة الحياة والمحافظة عليها. الإيمان هو وحده قوة الحياة[5]".
 

شخصيات الرواية: النماذج المختلفة لمواجهة الحياة:

بالنسبة لآنا كارنينا، فإنها ستختار أن تعيش وفقا ًلما يمليه عليها قلبها وعواطفها، إن الشغف وحده هو المحرك لشخصية آنا والمحدد لسلوكها وتصرفاتها (مواقع التواصل)


وبالعودة إلى شخصيات الرواية التي مثلت -كما قلنا- مراحل في تطور شخصية تولستوي وتقلباته الروحية والنفسية، نجد أن من بين عشرات الشخصيات التي جاء ذكرها في الرواية، فإن تولستوي قد أولى اهتماماً خاصاً بثلاث شخصيات رئيسة وهم: آنا كارنينا، وقسطنطين ليفين، وأخيراً ستيفا أوبلونسكي؛ حيث سيجسد كل من هذه الشخصيات نمط عيش مختلف عن الآخر.
 

بالنسبة لآنا كارنينا، فإنها ستختار أن تعيش وفقا ًلما يمليه عليها قلبها وعواطفها، إن الشغف وحده هو المحرك لشخصية آنا والمحدد لسلوكها وتصرفاتها، فالقوانين التي تحكمها هي قوانين من صنعها الخاص، نابعة بالدرجة الأولى من عواطفها الصادقة وإرادتها المحبة للحياة، وهو ما سيضعها بطبيعة الحال في مواجهة المجتمع الأرستقراطي المكبل بعدد لا متناهٍ من العادات والتقاليد الشكلية المتهافتة[6].
 

تنقاد آنا خلف سيل العواطف التي تجتاحها حين تلتقي بعشيقها فرونسكي أول مرة؛ حتى إنها ترفض رفضاً قاطعاً عرض زوجها كارنين -بعد معرفته بعلاقتها بفرونسكي- أن تبقى معه لمجرد الحفاظ على مظهر أسرته أمام المجتمع الأرستقراطي، وحين ينتابها الشك لاحقاً بأن عشيقها فرونسكي لم يعد يبقى معها سوى لدافع الواجب، وأن حبه لها قد خفت، تدخل آنا في دوامة من الاضطراب واللايقين الذي سينتهي بها  إلى الانتحار تحت عجلات القطار الذي التقت به فرونسكي لأول مرة!
 

إن حب آنا لفرونسكي يمثل قصة حب أسمى من أن تكون مجرد علاقة استهلاكية هدفها إشباع الرغبات الجنسية كما نجدها عند شقيقها ستيفا رمز الحداثة، ولكم حرص تولستوي أن يُظهر لنا كيف أن حب آنا كان حباً منزهاً بحق عن جميع الرذائل والنزوات الجنسية، ورغم ذلك فقد كان تولستوي متذبذباً بين إبداء التعاطف مع آنا وإدانتها، لقد كان "ممزقا بين العاطفة والوازع الأخلاقي، بين العطش وإنكار الذات[2]  وكبح جماحها".
 

هل كانت آنا مذنبة؟ وهل تستحق الإدانة لدخولها بعلاقة حب رغم زواجها؟
مواقع التواصل
 

هل كانت آنا مذنبة؟ وهل تستحق الإدانة لدخولها بعلاقة حب رغم زواجها؟ لقد ناقش الأديب الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي هذا الموضوع في مقالة له حملت عنوان "آنا كارنينا كحقيقة ذات أهمية خاصة"؛ حيث يرى أن ثمة طريقتين مختلفتين للإجابة عن هذا السؤال، الأولى هي أن نعتبر أن هناك منظومة قيمية معيارية ناجزة تحدد الخير من الشر، وكل ما علينا فعله هو إسقاطها على حالة آنا كارنينا، وهذه الطريقة يراها دوستويفسكي عقيمة وساذجة؛ لأنها تفصل بين المنظومات القيمية والواقع الإنساني، فتفترض تصوراً مثالياً عن الأخلاق بمعزل عن الجماعة الحاملة لها.

بينما تتمثل الطريقة الأخرى كما يقول دوستويفسكي بالنظر في المجتمع والحكم على أفراده من خلال طبيعة العلاقات فيه، "وبما أن المجتمع اليوم متشكّل بطريقة غير صحيحة فليس لك الحق أن تسأل أفراد هذا المجتمع عن نتائج أفعالهم؛ أي أن المجرم غير مسئول، والجريمة بالتالي غير موجودة، ولكي ننتهي من الجرائم والأخطاء الإنسانية يجب أن ننتهي من تشوه المجتمع وتركيبته الخاطئة"[7] وهكذا يرى دوستويفسكي أن الحكم على آنا وحدها وتجريمها دون الأخذ باعتبارات الواقع المختل للمجتمع الذي كانت تعيش فيه تعد مثالية ساذجة لا تعمل إلا على تكريس الواقع المختل.    
 

كتب تولستوي في العام 1876 قائلاً "بعد سنتين من هذه الحياة مع الشعب، حدث فيَّ تحول. إن حياة أمثالي من الأغنياء والمتعلمين لم تَبْعث فيَّ سوى الاشمئزاز؛ وبدت لي أيضاً فارغة من المعنى.."

أما الشخصية الثانية من حيث الأهمية؛ فهي شخصية قسطنطين ليفين، وعلى الرغم من أن ليفين يظهر في بداية الرواية بصورة كثيفة ثم يختفي منها إلى أن يعود مجدداً في نهايتها؛ إلا أنه ذو أهمية كبرى في الرواية، خاصة أنه يحاكي بصورة مقنّعة حياة تولستوي، وهو ما يظهر في تطابق تفاصيل كثيرة من حياة ليفين مع حياة تولستوي[4].
 

من غير الممكن أن نضع ليفين ضمن أي من التصنيفات الجاهزة، إنه ليس بالشخص الليبرالي الحداثي كما كان ستيفا، ولا هو بالتقليدي الرجعي الرافض لكل ما هو وافد في نفس الوقت، لا يثق ليفين في الأفكار الليبرالية ولا في الشخصيات التي تريد تغريب روسيا؛ لكنه مع ذلك يعترف بأهمية العلوم والصناعات الحديثة، وباختصار فإن ليفين لا يشبه أحداً سواه[6].
 

هذه الأصالة الذاتيه لليفين ستقوده في رحلة للبحث عن أجوبة شخصية للأسئلة الكبرى التي تؤرقه، وستدفعه كذلك إلى الانعزال عن الناس عوضا عن التأقلم مع الأوضاع الاجتماعية التي يرفضها، وهو بهذا يشبه آنا كارنينا، إلا أنه سينتهي إلى طريق مختلف عن طريق آنا، فبينما اختارت آنا الانصياع لشغف الحب والعاطفة، اختار ليفين "أن يحيا من أجل روحه.. ولا ينسى الله"، مفضلا نمط الحياة البسيطة في الريف في ظل الأسرة وبجوار الفلاحين.
 

لقد انتهى تولستوي في حياته إلى ما انتهى إليه ليفين؛ حيث ترك المجتمع الأرستقراطي الذي ينحدر منه، وعاش حياة بسيطة وسعيدة في الريف، وما أنقذ تولستوي من الانتحار آنذاك سوى احتكاكه بالنفوس البسيطة من أبناء الطبقات العمالية، وقد كتب تولستوي في العام 1876 قائلاً "بعد سنتين من هذه الحياة مع الشعب، حدث فيَّ تحول. إن حياة أمثالي من الأغنياء والمتعلمين لم تَبْعث فيَّ سوى الاشمئزاز؛ وبدت لي أيضاً فارغة من المعنى. وظهرت لي جميع أفعالنا، ومشاغلنا الفكرية، وفنوننا، وعلومنا، بمظهر جديد. وأدركتُ أنني هنا بإزاء ألعاب المترفين التي لا يُجدي البحث عن أي معنى لها. فأخذتُ أستفظع نفسي وأقف على الحقيقة؛ حينذاك استطعت أن أرى الأشياء جميعاً بوضوح"[4].

 

يمثل ستيفا الإنسان الحديث الذي ينظر إلى الحياة على أنها ليست سوى مسرح لتحقيق الرغبات هنا والآن، بينما تأتي المسئوليات والواجبات لاحقاً (مواقع التواصل)


أما الشخصية الأخيرة فهي شخصية ستيفا أبلونسكي، إن ستيفا شخص لطيف ومرح، يملك ابتسامة تشع ألقاً، وهو محب لزوجته وأسرته بصدق؛ لكنه مع ذلك شخص نزق وصاحب مغامرات جنسية عديدة، وهو لا يرى في ذلك أي تناقض أو منقصة، ففلسفته في الحياة تتلخص في أننا يجب أن نعيشها بكامل إمكاناتها ومتعها، لا أن نقمع أنفسنا بداعي الواجب والمسئولية[6]!
 

يمثل ستيفا الإنسان الحديث الذي ينظر إلى الحياة على أنها ليست سوى مسرح لتحقيق الرغبات هنا والآن، بينما تأتي المسئوليات والواجبات لاحقاً، وهذا يتجلى في سائر سلوكياته وتفاصيل حياته، فبرغم الديون المتراكمة عليه، يواصل ستيفا حياة البذخ واللهو ولعب القمار وحضور الحفلات الصاخبة، حتى إنه يشرب ست نكهات نبيذ في الحفلة الواحدة، دون أن يأبه لما عليه من المسئوليات والديون[2]!
 

حين استهل تولستوي الرواية بقوله "كل العائلات السعيدة تبدو متشابهة؛ لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة" فإنه كان يتحدث عن عائلة أوبلونسكي، لكن إذا ما أمعنا النظر في الرواية فبالإمكان تعميم هذه المقولة على كافة الأسر الأرستقراطية

تحدث الكثير من الجدالات بين ستيفا وليفين، بعضها يكون وديًا والآخر عنيفاً، لم يكن باستطاعة ليفين -الشخص المسئول والملتزم- تمرير خطايا ستيفا دون تعليق أو توجيه لبعض اللوم إليه؛ لكن ستيفا كان يمتلك دائماً ردوده الخاصة على هذه الملاحظات الأخلاقية التي يوجهها إليه ليفين، إنه يعيش وفقاً لرؤيته الخاصة للحياة تماماً كما يفعل ليفين[2].
 

إذا ما عقدنا مقارنة بين مغامرات ستيفا الجنسية وقصة حب آنا؛ فإننا سنجد الفارق الكبير بين الشخصيتين، فبينما كانت علاقات ستيفا تافهة وسطحية وتفتقد إلى العمق والحرارة العاطفية، كانت آنا تعيش قصة الحب بكامل عواطفها ومشاعرها وإخلاصها، لقد كان الحب بالنسبة لها مسألة حياة أو موت، ورغم ذلك فقد أدان المجتمع الأرستقراطي آنا وحدها، وغض الطرف عن علاقات ستيفا لا لشيء إلا لأن آنا لا تطيق الرياء وتكره النفاق والكذب، وتفضل على ذلك مواجهة الجميع، بينما كان ستيفا يراعي التقاليد الأرستقراطية ولا يجد مانعاً في العيش ضمن هذه التناقضات.
 

حين استهل تولستوي الرواية بقوله "كل العائلات السعيدة تبدو متشابهة؛ لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة" فإنه كان يتحدث عن  عائلة ستيفا أوبلونسكي، لكن إذا ما أمعنا النظر في أحداث الرواية فبالإمكان تعميم هذه المقولة على  كافة الأسر الأرستقراطية التي كانت تمر بتحولات عنيفة من جراء تنامي النزعات الليبرالية الفردانية داخل أفراد هذه الأسر بينما كانت تحاول عبثاً قمعها وتحجيمها، وحتى العائلة الوحيدة التي نجت من هذه التعاسة وهي عائلة قسطنطين ليفين، فإنها تنجو منها فقط حين تختار التخلي عن أرستقراطيتها وتقبل بالحياة البسيطة بجوار الفلاحين في الريف.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك