اغلاق
آخر تحديث: 2017/4/20 الساعة 16:01 (مكة المكرمة) الموافق 1438/7/24 هـ

انضم إلينا
أشياء تتداعى.. الأدب كفعل مقاومة

أشياء تتداعى.. الأدب كفعل مقاومة

مها فجال

محررة موسيقى
  • ض
  • ض
"حتى تجد الأسود مؤرخيها، سيظل تاريخ الصيد يمجد دائماً الصياد"

(مثل أفريقي)

 

"في أحد أيام خريف 1974، كنت أسير من مبنى قسم اللغة الإنجليزية بجامعة ماساتشوستس إلى موقف السيارات. نشر جمال ذلك الصباح الخريفيّ مشاعر الود والصداقة بين المارة. سار الشباب النشيط من حولي في كل الاتجاهات، بدا الكثير منهم في عامه الأول مندفعاً بفورة الحماس.

 

توقف رجل أكبر سناً ليبدي ملاحظة عن صغر سن أولئك الشباب، وافقته. سألني إذا ما كنت أنا أيضاً طالبا، أجبته بأني لست طالباً بل مدرسا. سألني "ماذا أدُرّس؟"، أجبته "الأدب الأفريقي". وجد هذا مضحكاً، فقد كان يعرف شخصاً يُدرّس نفس الشيء، أو ربما التاريخ الأفريقي في جامعة قريبة من هنا. طالما فاجأه هذا، وأردف أنه لم يتصور يوماً أن لأفريقيا تاريخا أو أدبا".(1)

 

كانت تلك الفقرة هي مقتطف من إحدى المحاضرات المنشورة لـ"تشينوا أتشيبي" الكاتب النيجيري الذي ألّف "أشياء تتداعى"، والذي يَعُده البعض الأب الروحي للرواية الأفريقية.

 

بعد هذا الموقف مع الرجل الذي قابله عند باحة السيارات، تسارعت خطى أتشيبي الذي لابد أنه شعر بالضيق والغضب، ومضت به بعيداً. لكن، حتى وإن نجح أتشيبي في الابتعاد عن جهل شخص واحد يختزل حضارة بأكملها إلى لا شيء، فلم يكن هناك سبيل للهرب من مناخ يكرّس لهذا الجهل ويشجع عليه، مناخ هو الأنسب للعنصرية حتى تضرب بجذورها بعيداً في عقول الكثيرين.

تشينوا أتشيبي (1930-2013) (رويترز)


العنصرية في الفلسفة والأدب
لم يتكون المناخ العنصري في أوروبا من فراغ، بل مهدّ له وشجع عليه كثير من أدباء ومفكري القرن التاسع عشر. لعل من أبرز أولئك الفيلسوف الألماني هيغل(2).

 

وفقاً للباحثة باتريشيا بيرتسشيرت، والتي تناولت فلسفة هيغل المتمثلة في كتابيه الأبرز "ظهور العقل" و"فلسفة التاريخ" حركة التطور التي تشمل الذات والتاريخ. فمن اللاوعي ينبثق الوعي، ومن نضج الوعي يتشكل الوعي المطلق. على نفس النمط، يتحرك التاريخ الإنساني في المكان والزمان على خط أفقي من ممالك الشرق القديمة إلى أمم الغرب الحديثة. وعلى تخوم الوعي والتاريخ، تقف أفريقيا هيغل(3).

 

يري هيغل أن وعي الإنسان وحركة التاريخ مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالموقع الجغرافي. أو لنقل بطريقة أخرى، فهنالك أمم وشعوب معينة فقط تمتلك وعياً ذاتياً ومكاناً في التاريخ نظراً لموقعها الجغرافي الذي نتجت عنه ظروف بيئية معينة ساعدت في ذلك. يعزو هيغل ذلك بالتحديد للظروف المناخية، فحيث يوجد برد قارس أو حر شديد -كأفريقيا- فلا مكان للوعي أو التاريخ. وحدها المناطق المعتدلة تمتلك فرصة لنشوء وازدهار الحضارة(4). 

 

وهكذا، يولد الوعي عند هيغل في اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أنه جزء من الطبيعة لكنه متمايز عنها. حينها، وحينها فقط، يتم ترسيم الحدود بين الذات الإنسانية والمحيط الطبيعي. لكن، ليحدث هذا، لا بد من أن ترخي الطبيعة قبضتها على الإنسان وتتركه حرا لينبثق بكيانه الوعي. أما عندما تستحوذ الطبيعة بجليدها أو حرارتها الحارقة على كيان الإنسان وتجعل كل طاقاته مركزة في النجاة من قسوتها، فلا مكان بمثل هذا الإنسان لميلاد الوعي(5).
 

يقول هيغل "ما تمثله أفريقيا لنا هو الروح اللاتاريخية الغير متطورة، التي تشكل الظروف الطبيعية كل حياتها والتي كان علينا تمثيلها هنا فقط كعتبة لتاريخ العالم"

بكساباي


مثلت أفريقيا إذاً في فلسفة هيغل ذلك المكان السابق على الوعي والواقع خارج التاريخ، فسبب وجودها الرئيسي في فلسفته هو ترسيم الحدود بين التاريخي -أوروبا- وغير التاريخي -أفريقيا-. ويبدأ التاريخ عنده لحظة مغادرة الإنسان أفريقيا (6). أو كما يقول هيغل نفسه:


"ما تمثله أفريقيا لنا هو الروح اللاتاريخية الغير متطورة، التي تشكل الظروف الطبيعية كل حياتها والتي كان علينا تمثيلها هنا فقط كعتبة لتاريخ العالم. الآن، وبعد أن أقصينا عنا هذا العنصر التمهيدي، نجد أنفسنا وللمرة الأولى على المسرح الحقيقي للتاريخ."

 

لا يقترب من إقصاء هيغل لأفريقيا في الفلسفة، سوى التحقير الذي ساقه عليها الروائي جوزيف كونراد في روايته "قلب الظلام". تقع أحداث "قلب الظلام" في بداية العصر الكولونيالي، عندما يتجه أبطال الرواية من بلدهم الأم في أوروبا إلى الكونغو بأفريقيا. صفحة بعد الأخرى، يكتب كونراد -البارع في الوصف- تفاصيل زيارة الراوي لأفريقيا. وفقرة بعد الفقرة، لا يتوانى كونراد على ترسيخ صورة لا إنسانية عن الأفارقة في ذهن قارئيه.

 

طوال الرواية، باستثناء حدث واحد أو حدثين، لا ينطق أي منهم بكلمة كونهم -كما يصورهم- بلا لغة. ومعظم الوقت هم منشغلون بدب أقدامهم على الأرض وتصفيق أيديهم أثناء تمايل أجسادهم، تلك التي ركز عليها الكاتب كثيراً، إذ قام بنزع شخصية وإنسانية الأفارقة، وأخذ بدل من هذا، يصف أجسادهم السوداء وكأنهم جمادات. "لم يكونوا سوى ظلال سوداء للموت والجوع"، يصفهم في إحدى الفقرات. ولا يتوقف كونراد عند هذا، فهو تارة يطلق عليهم لقب "زنوج"، وتارة "همج" وأحياناً أخرى فهم "أكلة لحوم بشر".

 

في مناخ ثقافي يسوده مثل تلك الكتابات وغيرها، لم يكن من المستغرب أبداً أن تتشكل لدى الكثير من الأوروبيين صورة لأفريقيا كأرض بلا تاريخ أو ثقافة.
 

الفيلسوف الألماني هيغل (1770-1831) (مواقع التواصل)

 

الأسود تؤرخ لنفسها

لم يتوقف تأثير المناخ العنصري الذي بثته أوروبا عند حدودها، بل تجاوزها إلى أفريقيا نفسها، مصيباً أبناءها بأزمة هوية. في حالة من الحيرة بين صورته الذاتية التي تحمل في طياتها إنسانية متكاملة، وبين صورة أقرب شيء للحيوانية دأب المستعمر على رسمها له، نشأ جيل ما بعد الاستعمار في أفريقيا. وقد كان في ذاك الجيل المضطرب أن أتى تشينوا أتشيبي للحياة.

 

"كبرت، وبدأت القراءة عن المغامرات. ولم أكن أعرف حينها أنني من المفترض أن أكون في جانب أولئك الهمج الذين واجههم الرجل الأبيض الطيب. انحزت إلى البيض بشكل غريزي. فقد كانوا رائعين! كانوا متميزين، كانوا أذكياء، أما الآخرين فلم يكونوا.. بل كانوا أغبياء، قبيحين. حينها، عرفت خطر عدم امتلاك قصصك الخاصة. هنالك مثل أفريقي يقول "حتى تجد الأسود مؤرخيها، سيظل تاريخ الصيد يمجد دائماً الصياد". لم يخطر لي ذاك المثل على بال سوى بعدها بكثير. عندما أدركت مغزاه، كان على أن أكون كاتباً، أن أكون أنا ذلك المؤرخ."(7)

 

جاءت الفقرة السابقة من حوار أجراه أتشيبي كإجابة عن سؤال لماذا توجه للكتابة، وتعكس التوتر الناشئ في صدور الأفريقيين وأزمة الهوية التي سببها لهم الاستعمار. فقد رسم الرجل الأبيض في فنه وثقافته تصور للأفريقيين كهمج غير متحضرين، ثم قام بنشر دينه ولغته بجانب هذا الفن وتلك الثقافة، ليأتي جيل أتشيبي -المولود عام 1930 أي بعد مجيء الاستعمار بأربعين عاماً- ليجد نفسه مبلبلاً بين آباء تحول معظمهم للمسيحية -أبو أتشيبي نفسه كان مبشر- وأجداد لا زالوا محتفظين بدينهم وإرثهم الثقافي القديم.

 

اضطرم هنا في كيان ذاك الجيل الصراع بين صورة رسمها المستعمر لهم وسيطرت عليهم، وبين ثقافتهم الأصلية التي لا أثر بها لذاك الهمجي الذي يصورونه. كحل لذلك الصراع، استخدم أتشيبي لغة المستعمر وفنه ذاته في الرد عليه. ومن هنا ولدت "أشياء تتداعى".
 

غلاف الطبعة الأولى من "أشياء تتداعى" (مواقع التواصل)


تقع أحداث "أشياء تتداعى" في قرية "أوموفيا" الخيالية، بين شعب الإيغبو الحقيقي الذي أتي منه الكاتب. بطلها "أكونكو"، واحد من سادات القرية الذي صنع نفسه بنفسه وحقق ذاته كمحارب عظيم يحترمه -ويخشاه- الجميع.

 

تبدأ أول فصول الرواية قُبيل الاستعمار، تأخذنا عبر بيت أكونكو، وزوجاته الثلاث، وأبنائه. نتابع حياته اليومية كمزارع نشيط استطاع تحقيق الثراء ونيل الاحترام. كما تصور لنا أيضا صراعاته الداخلية، فأكونكو يسيطر عليه خوف من أن يكون مثل أبيه، ذاك الكسول الجبان الذي لم يحقق شيئاً يذكر طوال حياته. فهو لا يراه كرجل، فالرجولة تترادف عنده مع القوة وتحقيق المجد والإنجاز. حتى ينأى بنفسه عن هذا الهاجس، يسير أكونكو على النقيض من أبيه، يحاول إبراز نفسه كرجل قوي حتى لو أدى ذلك لكونه قاسٍ وفي بعض الأحيان عنيف. يؤدي ذلك في وقوعه بما لا يحمد عقباه عند إتيان الاستعمار.

 

على خلفية حياة أكونكو، يرسم لنا الكاتب مجتمع الإيغبو . كقطع الفسيفساء، ينشر عبر صفحات روايته حياة ذلك الشعب، وعبر تجمعيها مع آخر الفصول، يكون قد اجتمعت لدى القارئ صورة مكتملة تضج بالحياة. يطلعنا الكاتب على عاداتهم وتقاليدهم، يجعلنا جزءاً من مراسم الأعياد والاحتفالات، ويطعم سرد الرواية أيضاً بحكم وأمثال الإيغبو وبعض المصطلحات من لغتهم -في استخدام فريد للغة الإنجليزية- الأمر الذي حدا بالبعض للنظر إلى "أشياء تتداعى" كوثيقة أنثروبولوجية. 

 

بجانب العنف، اختار المستعمر الدين كسلاح ثقافي يغزو به الإيغبو ، وقد نجح بالفعل في تحقيق الانقسام بين أبنائه. فللإيغبو دينهم وتقاليدهم الخاصة التي تبتعد كل الابتعاد عن دين المستعمر وتقاليدهم. لكن، ولكون مجتمعهم لا يخلو من الطبقية ويقيم المرء حسب إنجازاته، فقد وجد بعض من أولئك المنبوذون اجتماعيا ضالتهم في الدين المسيحي الذي يؤسس لقيمة المساواة. ولأن دين الإيغبو التقليدي يمثل الدعامة التي يرتكز فوقها المجتمع، فبانفكاك عراه تداعي كل عالمهم. عن هذا يقول أوبيريكا صديق أكونكو:

 

"الرجل الأبيض غاية في الذكاء. جاء بدينه في هدوء وسلام. تعجبنا من حماقته وسمحنا له بالبقاء، حتى تمكن من استمالة إخوتنا إلى جانبه وما عادت في قدرة عشيرتنا الاتحاد".
 

تعتبر "أشياء تتداعى" إذاً هي المرة الأولى التي يرى فيها الأفريقي نفسه، عبر أدبه الخاص. فعلى العكس من هيغل وكونراد، جعل أتشيبي الأفريقي بطلاً للرواية

رويترز


يتسم سرد أتشيبي بالحيادية الكاملة، فلم يتغاضى عن ذكر أي من تفاصيل مجتمعه الجيدة والسيئة على السواء، إذ لم يكن الهدف من "أشياء تتداعى" يوماً هو إظهار الأفريقي في صورة الملاك، بل التركيز على إنسانيته التي لم يتوقف الآخر الأوروبي لحظة عن التشكيك بها. وفي المقابل، يجعل أتشيبي الأوروبي يري نفسه عبر أعين أفريقية، حيث تظُهر الرواية التضاد الواضح بين خطاب المستعمر الناعم والصورة التي حاول رسمها لنفسه من جهة، وبين أفعاله الوحشية من جهة أخرى، بطريقة لا يملك معها القارئ سوى التساؤل: من يا ترى هو الهمجي؟

 

تعتبر "أشياء تتداعى" إذاً هي المرة الأولى التي يرى فيها الأفريقي نفسه، عبر أدبه الخاص. فعلى العكس من هيغل، نقل أتشيبي مسرح الأحداث إلى أفريقيا، وعلى العكس من كونراد، جعل الأفريقي بطلاً للرواية.

 

عملت "أشياء تتداعى" كمرآة، ينظر فيها الأفريقي فيرى نفسه، ويتأكد أنه ليس ذلك الهمجي الذي وصفه المستعمر، وكنافذة، ينظر عبرها العالم، ويرى أفريقيا غنية بالتراث والثقافات واللغات، فيعرف أنها ليست أرضا بلا ماضٍ أو ثقافة أو هوية كما واظب الفكر الكولونيالي على رسمها. أتت "أشياء تتداعى" كفعل مقاومة مكتمل، صارعت ضد المستعمر ورغبته في طمس ثقافة وتراث البلد الأصلي، وضد النسيان الجمعي الذي كثيراً ما تغرق به ذاكرة العالم.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك