اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/20 الساعة 13:36 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/24 هـ

انضم إلينا
رحلة الشك.. نجيب محفوظ من الفلسفة إلى الأدب

رحلة الشك.. نجيب محفوظ من الفلسفة إلى الأدب

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

استيقظ  في تمام الخامسة، ثم خرج من المنزل في السادسة أو السادسة والنصف، ومشى إلى القهوة؛ متأملا ملامح القاهرة القديمة وكيف تتبدل، وبعد أن وصل للمقهى جلس يتصفح الجرائد، يتناول القهوة، وما إن تبلغ الساعة العاشرة، أو قبل ذلك بقليل؛ حتى يعود للمنزل، ويكتب إلى وقت الظهر. أما إذا لم يكتب؛ فإنه يبدأ في القراءة .

ورغم تبدل ملامح القاهرة منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى بداية القرن الحادي والعشرين، كان الأديب الأبرز في العالم العربي "نجيب محفوظ" يحافظ على ملامح ثابتة لحياته قدر الإمكان؛ حتى إنه كان يُخضع الكتابة لقواعد حياته الصارمة.

فبعد الظهر عادة هو وقت مخصص للقراءة في جدول محفوظ اليومي؛ حتى موعد مشاهدة التليفزيون في التاسعة مساء. وذلك في كل الأيام ما عدا يومي الخميس والجمعة، فيخصّصهما للأصدقاء والشؤون الخاصة. (1)

 

نجيب محفوظ متوسطا الأديب توفيق الحكيم والفنانة أم كلثوم


في كتاب "ملامح القاهرة في ألف سنة " يقول  الروائي جمال الغيطاني: "إنه كان يلتقي بنجيب محفوظ بمقاهي عدة مثل مقهى الأوبرا الذي شهد أول لقاء جمعه معه. فقد اعتاد أن يقيم فيه ندوة أسبوعية كل يوم جمعة في العاشرة صباحا حتى الواحدة ظهرا. إلى أن توقفت عام 1962؛ لينتقل إلى مقهى سفنكس أمام سينما راديو، ثم انتقل بعدها إلى مقهى ريش، ثم اعتاد كازينو قصر النيل؛ حيث كان يذهب إلى أحب الأماكن إلى قلبه، إلى النيل". (2)
 

لاعجب، وقد تحول الروائي والكاتب "نجيب محفوظ" أثناء رحلته الأدبية الطويلة في رصد الحياة عامة، ملامح الحياة داخل القاهرة خاصة؛ ليتحول هو نفسه إلى ملمح ثابت في تاريخ الرواية العربية وتاريخ مصر الحديث؛ ولينتقل محفوظ خلال تلك الرحلة الطويلة من القصص والروايات ذات الطابع الفرعوني، والتاريخي، ورصد الأقدار، ومفارقات الحياة وعبثها  وغموضها المبهم بطريقة أقرب للتساؤلات الفلسفية والتأملية في قالب قصصي؛ كما في: مصر القديمة (1932) همس الجنون (1938) عبث الأقدار رادوبيس (1943) كفاح طيبة (1944).
 

إذا نظرت إلى القمر وتنهدت فأنت.. عاشق، وإذا نظرت إليه وتصعبت فأنت.. فيلسوف، وإذا نظرت إليه وتثاءبت فأنت... أنــا! " 

 * نجيب محفوظ

سينتقل بعدها للتأريخ الروائي، وصبغ رواياته الطويلة بالواقعية الجديدة، وهي مرحلة من أجمل مراحل محفوظ؛ حيث سيبدع في رسم شخصياته داخل أنساق اجتماعية مركبة وواقعية سحرية، تضيء شعلة الأمل لشخصياتها وقرائها، ثم تنطفئ في وجه رياح الواقع الشديدة ومأساويته، كالبرق ينير ويختفي؛ فتزيغ الأبصار وتحتار العقول.

وقد بدأ محفوظ تلك المرحلة برائعته القاهرة الجديدة (1945) التي رصد فيها الحياة السياسية والاجتماعية في القاهرة في منتصف أربعينيات القرن المنصرم؛ لتتحول بعدها إلى فيلم بعنوان القاهرة 30 .


ثم رائعته الأخرى خان الخليلي (1946)؛ وهي من أجمل الروايات التي تصور العلاقة بين الجديد والقديم في ذاكرة الإنسان وارتباطات المكان ومشاعر الحب وعلاقة الإنسان بالعالم، ثم زقاق المدق (1947) السراب (1948) بداية ونهاية (1949) ثلاثية القاهرةبين القصرين (1956) و قصر الشوق (1957) و السكرية (1957).
 

وكل رواية من تلك الروايات تحتاج لموضوع منفرد لإيضاح جمالها وتركيبات سردها.



 

وفي نقلة أخرى، وتطور نوعي في سرد محفوظ وأدبه ستبدأ مرحلة جديدة في رحلة أدب نجيب محفوظ؛ حيث ستنتقل رواية محفوظ إلى مرحلة "الرواية والتمثيل الرمزي والباطني للواقع". "فقد أجمع  نقاد الأدب على أن رواية «اللص والكلاب» كانت نقطة تحول كبرى في مسيرة نجيب محفوظ الروائية. فقد كانت رواياته الأولى تجنح نحو التاريخية والواقعية، ورصد طبيعة الحياة في المجتمع والتعبير المباشر عن قضاياه، وكانت تعنى بالوصف الخارجي التفصيلي للشخصيات والأحداث والأماكن. ثم جاءت مرحلة جديدة من الكتابة بدأت بنشر هذه الرواية «اللص والكلاب»، والتي غلب عليها طابع البعد عن التصوير المباشر للمجتمع، والرصد الحرفي الفوتوغرافي للواقع، وتحول النص إلى معادل رمزي لهذا الواقع."(3)
 

وستستمر هذه المرحلة وتتطور في أدب نجيب محفوظ؛ حيث سينتقل من تسمية رواياته بأسماء الأماكن التي بدأت بالقاهرة الجديدة وحتى السكرية؛ إلى تسمية رواياته بأسماء رمزية، سيفتتحها بـ"اللص والكلاب" وتبلغ ذروتها عنده في "أولاد حارتنا" "الشحاذ" و"الحرافيش" . وتنتهي بنهاية رحلة محفوظ، فيقول معلقا "أما حين بدأت الأفكار والإحساس بما يشغلني لم تعد البيئة هنا، ولا الأشخاص، ولا الأحداث مطلوبة لذاتها. الشخصية صارت أشبه بالديكور الحديث، والأحداث يعتمد في اختيارها على بلورة الأفكار الرئيسة". (4)
 

هذا الشاب الذي بدأ حياته متسائلا، مفضلا الفلسفة على الطب والهندسة (5) سيدس تساؤلاته وشكوكه في كل رواياته من بداية رحلة أدبه إلى نهايتها؛ حتى إذا جاءت المرحلة الكبرى من أدبه سيفتح محفوظ الباب أمام كبرى الأسئلة والشكوك وسينقل رواياته من الحارة إلى القصة الكونية، وسيعبر عن حيرة البشرية وصراع العلم والدين؛ بل سيكون أول روائي يطرح المسائل الميتافيزيقية مثل الأقدار والغيب والإله في الرواية العربية الحديثة؛ ليدخل إلى صميم مسألة "الله" وليعيد كتابة قصة البشرية بأسلوب روائي رصين.
 

أديب أم فيلسوف.. التساؤل حتى الموت

لم يكن الفتى الذي يجلس على المقهى صامتا متأملا، وأحيانا حائرا متسائلا؛ يتخيل أنه سيصبح أكبر روائي عربي في عصره على الأقل، ففي إحدى اللقاءات كان يقول "أما الأدب فقد اعتبرته هواية جانبية، كان الاحترام للفكر للمقالات، للنقد والعرض وليس للقصة، وهذا ما كان يثير تساؤلاتي الفلسفية، كان العقاد يثير تساؤلات حول أصل الوجود، علم الجمال، من هنا جاء توجهي إلى الفلسفة، كان الجانب المحترم في الحياة الأدبية هو المقال، أما القصة فغير محترمة؛ ولهذا كنت لا أفكر في التفرغ للأدب.. للقصة، كما أنني كنت متفوقا في الرياضيات والعلوم". (6)

لكن هذا الفتى الذي كان يتوقع والده أن يلتحق بدراسة الهندسة أو الطب؛ اتجه للفلسفة، بالضبط كما سيفعل كمال في ثلاثية محفوظ، ومثلما كان يوجه السيد أحمد لابنه كمال، اللوم والتقريع على مقالاته الفلسفية؛ انزعج والد محفوظ انزعاجا شديدا لتوجه محفوظ للفلسفة، كما انزعج أساتذته؛ لأنه كان ضعيفا في المواد الأدبية (7).

إلا أنه كانت لمحفوظ تساؤلات حقيقية بشأن الوجود قد أثارتها فيه مقالات العقاد وإسماعيل مظهر وغيرهما، فظن أنه بدراسة الفلسفة يمكن أن يحصل على الأجوبة الصحيحة؛ لكنه لم يكن يعلم أن التساؤلات بحر بلا شاطئ ولا قرار، سيغوص فيه محفوظ بحثا عن قارب؛ فهل سيجد قارب النجاة ؟!
 

هنا سيبدأ محفوظ حياته كاتبا للمقال الفلسفي، ومنشغلا بالقضايا الوجودية الكبرى، وأسئلة الإنسان الأساسية في الحياة، فسيكتب عن الدين وعن الله والموت والحرية والقدر والجنس.. وستحتل الفلسفة وأساليبها ومذاهبها ورموزها مكانا بارزا في أدب محفوظ فيما بعد.
 

"الأدب ثورة على الواقع لا تصوير له" نجيب محفوظ



تخرج نجيب محفوظ في كلية الآداب قسم الفلسفة (عام 1924) وبدأ حياته كاتبا للدراسات الفكرية شارحا للمدارس والقضايا الفلسفية المختلفة، منشغلا بعدد من القضايا الكبيرة التي أرقته منذ شبابه وما زالت تلح عليه في كل أعماله، فكانت أبرز تلك الكتابات التي كتبها -وهو لم يتجاوز العشرين- في مجلة "المجلة الجديدة لسلامة موسى" "بدراسة جريئة عن الله، وأخذ يتناول فيها فكرة الله كفكرة مجردة عرفها العقل البشري منذ ميلاده، وحاول الفلاسفة كل منهم بوسيلته وفهمه الخاص أن يتعرفوا عليها.. ويعرض لنا آراء كثير من الفلاسفة؛ بدءا من أفلاطون، مرورا بأرسطو وأفلوطين والرواقيين الأبيقوريين، ثم المحدثين أمثال ديكارت وسبينوزا وليبنتز.."(8)
 

بيد أنه سيكتشف أن "طريق البرهان الفلسفي على تلك القضية لا يشفي غليل المتعطش إلى حقيقة صلبه، ولا ينقذ الشكاك من وهاد الضلال وسط خضم هذه التصورات المختلفة التي تقول بالحلول تارة و بالجوهر المستقل تارة.. فلا يدرى أهو بإزاء قوة مفارقة لهذا العالم أم محايثة له مندفعة فيه" (9).

سيكتشف محفوظ في السنة الأخيرة من دراسته ميله الحاد للأدب (10)؛ إذ سيعيد سرد وتوضيح المذاهب الفلسفية ورموزها وتوجهاتها في روايته؛ بل سيدس نهايات جديدة مركبة داخل أنساق اجتماعية درامية لآرائه الفلسفية، وسيدمج محفوظ  بمهارة شديدة بين الأدب والفلسفة والتأريخ الروائي، فسيحتل من هنا صدارة الأدب العربي الحديث، وسيجرب في بداية رحلته الأدبية تقديم تساؤلاته وحيرته عن طريق التاريخ الفرعوني، والدراما الفلسفية، والمفارقات الغريبة العبثية، ثم سينتقل للواقع والسياسة.

 

لكنه بعد ذلك وعندما سيصل لروايته المثيرة للجدل "أولاد حارتنا " سيبني لروايته ثلاث مستويات: المستوى الأول مستوى روائي درامي، والثاني مستوى سياسي فوتوغرافي يلتصق بالواقع بشكل فج، أما الثالث فسيستبطن فيه محفوظ قصة الحياة وقصة البشرية ورموزا فلسفية كبرى داخل قصص اجتماعية ذات أنساق مركبة ومأساوية عذبة.
 

هنا سيجد ضالته في "الحارة -الخلاء- الطريق- الضريح - المقام - التكية -الخمارة - الفندق"  كعناصر واقعية /أسطورية وحقيقية /رمزية محدودة /لا محدودة زمانيا ومكانيا يبني بها عالمه وروايته الخاصة لقصة البشرية، وسيملأ هذه الحارة بـ: فتوات، عاهرات، حشاشون، قتلة، باعة خضار، رعاة، نجارين، أسطوات، حكواتية، خدم، بساتنة، باعة فول وفلافل، أصحاب مقاهي، مؤجرين ومستأجرين، أفندية وبشوات وبوابين وشحاذين ومستجدين لعطف سيف الفتوات. فكيف رسم محفوظ الرمز تحت تفاصيل وشخصيات رواياته شديدة الدقة؟!
 

أولاد حارتنا.. أزمة موت الإله 
 


انقطع نجيب عن الكتابة لمدة خمس سنوات متصلة بعد انقلاب يوليو، قرر في هذه الفترة احتراف السيناريو كوسيلة أخرى للكتابة بعد ما ظن أنه انتهى كأديب، وقدم كل ما عنده (11) ثم جاءت "أولاد حارتنا" لا لتعيد محفوظ لساحة الأدب؛ بل لتجعله فوق بركان ساخن من المديح والسب والمشاحنات والمناظرات. فقد أثارت رواية أولاد حارتنا عقب  بداية صدورها مسلسلة في جريدة الأهرام عاصفة من الجدل والمناظرات والغضب؛ بل قام أدباء يطلبون بوقف نشر الرواية وتقديمه للمحاكمة، وتم تكفير محفوظ بسبب تلك الرواية، ثم تطور الأمر إلى أن تم طعنه من قبل شابين عام 1995 رغم أن الرواية توقف نشرها في مصر.
 

بيد أن محفوظ قد دافع عن نفسه وعن روايته مرارا؛ حيث قال "قصدت أن تتحدث الرواية عن العدالة، المطالبة بالحق، وقد يتم تأويل الرواية بشكل مغاير لما قصده الكاتب؛ مثلما حدث في رواية ثرثرة فوق النيل، وقد أستلهم أشخاصي من شخصيات حقيقية وأعيد تسكينها داخل رواياتي، مثلما فعلت في رواية خان الخليلي؛ حيث كانت شخصية أحمد عاكف شخصية حقيقية في إدارة جامعة القاهرة، وقد أختلقها خلقا ويظن الناس أن الشخصية تقصد شخصا معينا، كما حدث في رواية السراب؛ حيث ظن أحد أفراد الشلة -وكان يعاني من ضعف جنسي- أن الرواية تقصده، وقد هددني بالقتل". (12) 


لكن يذهب جورج طرابيشي إلى أن المحاولة التي أخذها نجيب محفوظ على عاتقه في أولاد حارتنا هي محاولة إعادة كتابة تاريخ البشرية منذ أن وجد في الكون الإنسان الأول "فقصة البشرية هي ما يريد نجيب محفوظ أن يرويه، قصتها من الإنسان الأول حتى الإنسان الأخير، ومن خلال اللحن الأساسي الذي يتكرر فيها جيلا بعد جيل: الصراع بين الخير والشر، بين آدم وإبليس، بين أدهم وإدريس، بين الطيبين الوديعين المسالمين من أولاد حارة الجبلاوي وبين الأشرار المشاكسين القتلة من فتوات حارة الجبلاوي". (13)
 

فهل سيستطيع هذا الإنسان أن ينقذ نفسه؟ هل سيتمكن أولاد حارة الجبلاوي من التحرر من سيطرة الفتوات ومن سطوتهم على الوقف الكبير؟



بعيدا عن النقد الفني الذي وجهه النقاد لرواية محفوظ الأولى بعد انقطاعه عن الكتابة، والتي ظهر فيها محفوظ كمؤرخ تتجاوزه المادة التاريخية وتتمرد على قلمه فلا يستطيع أن يخضعها خلف قضبان الحروف؛ إلا أن محفوظ نجح كفيلسوف في تتبع هذا الإنسان من البداية للنهاية، وقد مزج محفوظ روايته بصبغة وجودية خالصة (14)؛ حيث سيتفجر القلق في حارة أولاد الجبلاوي مثلما يتفجر في نفس الإنسان عند الفلاسفة الوجوديين، وسيتكرر لحن الصراع كأنه عود أبدي، وسيتقافز الزمن داخل الرواية؛ ليقترب من فكرة الزمان الوجودي المتمرد على مقاييس جرينتش، أما الإله فسيطعنه "عرفة" شخصية محفوظ الأخيرة في حارة الجبلاوي طعنة حزن يموت على إثرها، عندما أصر عرفة على أن يطلع على أسرار وصية الجبلاوي وسره في البيت الكبير خلف الأسوار التي اعتزل الجبلاوي بها مختفيا عن الأنظار لحقبة طويلة من الزمن.
 

"فهل صحيح أن "عرفة" الذي أراد محفوظ أن يرمز به إلى العلم هو المسئول عن قتل الجبلاوي أو فكرة الله". (15)
 

يجادل طرابيشي هنا أن محفوظ، استلهم تلك الفكرة الفلسفية فعلا، وقرنها بفكرة قتل الإله عند نيتشه، وجعل القاتل هو "العلم" فإيمان محفوظ بالعلم في ذلك الوقت كان كبيرا؛ حيث كان يقول "الإيمان الوحيد الحاضر في قلبي هو إيماني بالعلم والمنهج العلمي." لكنه لم يرد قتل الأديان والإله كما ظن أغلب القراء؛ بل أعاد ترسيم العلاقة بين الدين والعلم والعالم والإله بشكل فلسفي شديد الذكاء والحكمة؛ حيث سيظن عرفة أنه قتل جده الجبلاوي؛ فيئن تحت وطأة المأساة والإحساس بالذنب؛ إلا أنه سيحلم أن خادمة الجبلاوي أتته تنفيذا لوصية الجبلاوي نفسه، ثم يخبرنا محفوظ أن خادمة الجبلاوي ذهبت لعرفة لتقول له إن جده الجبلاوي قد مات وهو راض عنه! فكيف ذلك.؟
 

تعود خادمة الجبلاوي لتؤكد أن الجبلاوي لم يقتله أحد "وما كان في وسع أحد أن يقتله" (16) ففي نظر محفوظ عرفة /العلم هو من سلالة أبناء الجبلاوي، وهو الابن الطيب للجبلاوي الذي مات الجبلاوي راض عنه؛ فالعلم والدين غير متضادين عند محفوظ كما يظن البعض؛ بل هما فكرتان متصالحتان ورسالتهما غير مختلفة؛ حتى إن عرفة أعاد اسم الجبلاوي وذكره في الحارة؛ حيث يكون هنا العلم مجدد فكرة الإيمان .

جدارية في أحد شوارع القاهرة للأديب نجيب محفوظ  (رويترز)


بيد أن عرفة نفسه سيموت؛ ولكنه "قد استطاع أن ينقذ قبيل مقتله الكراسة التي سجل فيها خلاصة عمله، وهذه الكراسة قد أصبحت ملكا لأولاد حارة الجبلاوي، ومن صفحاتها سيتعلمون صناعة السلاح الذي سيهزمون به الناظر المستبد وكل نظار الوقف المستبدين، ولن يثنيهم عن عزمهم هذا إرهاب الفتوات مهما اشتد وبغى" (17) .
 

يبدو هنا محفوظ شديد التفاؤل بالعلم وبالثورة على الاستبداد، ولا عجب فقد كان متفائلا بانقلاب يونيو (18)؛ لكن لحسن الحظ سيعود محفوظ إلى تصوير معاناة الحياة مرة أخرى؛ فقد أنقذ الاستبداد أدب محفوظ من السخف! وتنتهي قصة أولاد حارتنا أو قصة البشرية في نظر محفوظ  بأن العلم هو استمرار للنبوة ومجدد للإيمان، وباتحادهما ستدرك الإنسانية غايتها.
 

ما بعد موت الإله.. وخوف محفوظ 

حسب طرابيشي، فما فعله محفوظ في أولاد حارتنا ليس تمردا أو نفيا للإيمان بفكرة الإله؛ بل هو مناقشة للفكرة وتفكيكها وإعادة تركيبها مرة أخرى، وعقد تصالح بين العلم والإيمان لرسم مستقبل جديد بشرت به الأجواء السياسية حينئذ؛ لكن الردود العنيفة التي قوبلت بها الرواية ستجعل محفوظ حذرا أكثر؛ خاصة أنه كان يتجنب الصدام مع السلطة أو أي جهة أخرى؛ حيث سيعيد فتح كل شكوكه وأسئلته وحيرته في سلسلة طويلة من الروايات الرمزية المركبة .
 

وما انتهى له محفوظ في أولاد حارتنا من أن الطريق إلى الجبلاوي ليس أن نهجر العالم ونتخلى عنه؛ بل أن ننتمي له ونشارك في صياغة الحياة به، سيجعله يعيد طرح مسألة البحث عن إله والبحث عن معنى، ومناقشة الحكمة من تعاقب الأجيال، ويجعله بالرغم من نقده للحكمة الصوفية في أغلب رواياته، يدخل في حالة من التصوف العقلاني وتجربة الحب الأدبي حين يمنح الأديب اهتمامه الأقصى لتجريب إمكانات ذاته وأسئلته داخل شخصيات رواياته، وطرح ذاته عارية بأسئلتها وشكوكها ومخاوفها على الورق، وسيظهر ذلك جليا في روايات مثل الشحاذ والطريق وفي دنيا الله، وحكايات بلا بداية ولا نهاية؛ حيث قال:
 

"كتبت الكثير من أعمالي تحت تأثير حالة حب، ليس من الضروري وأنا أعيش التجربة؛ لكن بعد مرورها، وأعتقد أن الأديب يبدع أفضل ما عنده وهو يحب، ولما كان حب المرأة غير متاح دائما؛ فقد كان حب أي شيء محل حب المرأة. إن التعبير عن تجربة حب بعد الانتهاء منها يظهر كل أبعادها ويبرئها من التحيز، ويساعد على خلق أمل جديد".

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك