اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/30 الساعة 16:45 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/7 هـ

انضم إلينا
هوس الكتابة.. لذة ضائعة أم  "أنا" خالدة؟

هوس الكتابة.. لذة ضائعة أم "أنا" خالدة؟

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

منذ زمن ليس بالبعيد، عَبَر الأديب التشيكي "ميلان كونديرا" باريس على متن سيارة أجرة كان سائقها ثرثارًا، ولم يكن يستطع النوم ليلا؛ لأنه يعاني من سهاد مزمن أصيب به أيام الحرب.. كان بحَّارًا، غرقت سفينته، فسبح ثلاثة أيام وثلاث ليال إلى أن انتُشِل.. ثم قضى شهورًا عديدة بين الحياة والموت شُفيَ بعدها، لكنه أصيب بالسهاد.

 

قال السائق لكونديرا باسِمًا: خلّفتُ ورائي الثلث من حياتي، وهو الذي أكبرك به.

سأله: وماذا عساك تفعل بهذا الثلث الزائد؟

أجابه: أكتب.

 

فَوَدَّ كونديرا أن يعرف عن ماذا يكتب؟ أجابه السائق: أكتبُ حياتي.. حكاية رجل سبح لمدة ثلاثة أيام في البحر، وصارع الموت، وفقد النوم، لكنه حافظ على رغبته في الحياة.

- أتكتب ذلك لأولادك؟ يوميات للعائلة؟ ابتسم له بمرارة وقال: لأولادي؟ هذا لا يهمهم.. هو مجرد كتاب أكتبه هكذا.. أعتقد أنه قد يساعد كثير من الناس. (1)

ويعلِّق كونديرا: "هذه المحادثة مع سائق سيارة الأجرة جعلتني أكتشف فجأة جوهر النشاط الذي يمارسه الكاتب.. نحن نؤلف الكتب لأن أبناءنا لا يهتمون بنا.. نخاطب عالمًا مجهولا لأن زوجاتنا يغلقن آذانهن عندما نكلمهن".

  

الجميع يكتب والجميع يتكلم، وقد ساعد على ذلك انتشار منصات التواصل الاجتماعي والتي أتاحت الفرصة للجميع للثرثرة والكتابة

رويترز
  

أمام إحدى بوابات مطار المنارة بمدينة مراكش، يقف رجل أمن بزي رسمي ووجه صارم، يبحلق في المارة تارة متشككا وتارة مطمئنا، ولكن إذا أمعن أحدهم في وجه رجل الأمن سيجده هو نفسه الكاتب المغربي حسن بكور الذي دوى اسمه قويا في مسابقتين عربيتين للإبداع.. فبعد فوز مجموعته القصصية رجل الكراسي بجائزة الشارقة للإبداع العربي سنة 2007، عاد سنة 2009 متوجا بجائزة دبي للإبداع، هذه المرة عن روايته "شريط متعرج من الضوء".

 

ويعلق "بكور": "إن تتويج بعض كتاباتي بجوائز أدبية عربية يعني لي حقا الشيء الكثير، خاصة وأنها أمدتني بالكثير من التحفيز المعنوي الذي كنت في أمس الحاجة إليه، لكي أستمر في الكتابة، مع أنها غدت بالنسبة لي استجابة لرغبة داخلية ملحة، بل وأصبحت هويتي، وبدونها يكف وجودي عن أن يكون له أي معنى".(2)

 

تكشف القصتان عن فعل غامض يسمى الكتابة، حاجة ملحة تجتاح الإنسان وتدفعه ليدون كلمات، قصص، شعر، مذكرات، ملاحظات وتأملات عن الحياة سواء كانت عميقة أو ركيكة، ولكنها تخزن شعور كاتبها وتمنحه لذة ما. لكن الأمر ليس مجرد ظاهرة عادية، فمؤخرا -وخاصة في عالمنا العربي- ظهر جيوش من الكتاب، الشعراء، المدونين، المحللين، والمعلقين الشارحين.. الجميع يكتب والجميع يتكلم، وقد ساعد على ذلك انتشار منصات التواصل الاجتماعي والتي أتاحت الفرصة للجميع للثرثرة والكتابة، حين يختلط على تلك المنصات القصص والحكايات الشخصية بالقصص الوعظية بالتعليقات السياسية بالتحريض الثوري بكل شيء، فقد حولت تلك المنصات الحياة والتفاعل الإنساني إلى حروف وصور رقمية.

 

والأمر لا يقتصر على العالم الافتراضي فقط، ففي هذا العام وحده صدر حوالي 168 رواية عربية (3) ويتكرر هذا الرقم كل عام تقريبا منذ مطلع الألفينات من هذا القرن. وتتحول أي ظاهرة جديدة في العالم العربي إلى سيل من الحروف والتحليلات، فقد أصبحت الكتابة عبارة عن هوس (4) وحاجة ملحة للتفريغ الدائم، متى شعر الإنسان بالامتلاء، وكثيرا ما يشعر الإنسان بالامتلاء في عصر استهلاكي يقوم على إشباع اللذة اللحظية المؤقتة.

 

هوس الكتابة.. هل هو ظاهرة؟

     
"إنَّ تنامي هوس الكتابة بين الساسة وسائقي سيارات الأجرة والنادلات والعاشقات و القتلة والسارقين والعاهرات والحكام والأطباء والمرضى يثبت لي أن كل إنسان، وبدون استثناء يحمل في قرارة نفسه قدرة كامنة على الكتابة، بحيث يمكن أن ينزل كل بني آدم إلى الشارع ويهتف: كلنا كتاب!"

 

"كل ما يستطيع المرء القيام به هو تقديم تقرير عن ذاته، وما عدا ذلك ليس إلا إفراطا في السلطة، كل ما تبقى كذب"

(ميلان كونديرا)

 

في عالم يتسم بدرجة عالية من تفتت الحياة الاجتماعية، ومن ثمة درجة عالية من عزلة الأفراد، تصبح الكتابة هي الطريقة الوحيدة ليعبر الإنسان عن نفسه وعن شواغله ويتحرر من قيوده، ويشيد عالمه الخصب، جنته المتخيلة وينال لذته المقموعة. فالكتابة تعبر عن ذات مهملة لا يلتفت إليها أحد، ولا يريد أحد الاستماع إلى آلامها.. حيث يصرح حسن بكور رجل الأمن الأديب: " فأنا أكتب تحررا من الصور والمشاهد والأحاسيس والأفكار التي تتراكم بداخلي باستمرار، وأنا أعيش حياتي اليومية؛ تترسب في أعماقي وتختمر إلى أن تغدو هواجس ملحة لا يمكن التخلص منها والتحرر من ضغطها إلا بتحويلها إلى نصوص. أكتب تحررا من الطابع العادي لليومي ومن «رداءته وبذاءته» أحيانا. أكتب لأتحرر من ثقل وعبء الرسائل والأسئلة الكثيرة التي يوجهها إلى العالم من حولي، ولا أكف عن التقاطها؛ أكتب لأتخلص منها وأفسح المجال لاستقبال المزيد من تلك الأسئلة والرسائل" (5)

 

بيد أن السؤال يظل قائما ما الفرق بين هوس الكتابة وبين الموهبة الأدبية؟ ويحاول كونديرا الإجابة حيث يفرق بين الكتابة كموهبة ومهنة، وبين هوس الكتابة كتعويض للإنسان عن مشاعر يفتقدها وحرمان يعاني منه، فيقول: "المرأة التي تكتب لعشيقها أربع رسائل في اليوم ليست مولعة بالكتابة، إنها بالأحرى ولهانة، أما صديقي الذي ينسخ رسائله الأنيقة بغرض نشرها ذات يوم، فمهووس بالكتابة، ذلك أن هوس الكتابة (Graphomanie) ليس هو الرغبة في كتابة الرسائل أو اليوميات أو مذكرات الأسرة (أي الكتابة للنفس والأقربين)، بل هو تأليف الكتب (أي الكتابة لجمهور مجهول).. بهذا المعنى يكون ولع سائق الأجرة هو نفسه ولع غوته.. وما يميّز أحدهما عن الآخر ليس اختلاف الولع، بل النتيجة المختلفة لهذا الولع."(6)

  

 

ويتساءل كونديرا "الرواية ثمرة وهم إنساني.. وهم القدرة على فهم الآخر، لكن ماذا نعرف عن بعضنا بعضا؟! "، حيث يُرجع كونديرا الحاجة المُلِحَّة للكتابة عند الإنسان إلى "غياب مضمون حيوي، أي الفراغ" حيث أن العُزلة العامة تولد هوس الكتابة وتولد الأسئلة والضجر بالحياة، وذلك بدوره يقوّي عُزلة الإنسان ويفاقمها ويعزله عن محيطه.

 

عزلة الإنسان وجدار الحروف
إنني أكتب بطريقة مختلفة عما أتكلم، وأتكلم بطريقة مختلفة عما أفكر، وأفكر بطريقة مختلفة عما يجب أن أفكر، وهذا كله يقود إلى قلب الظلمات يوميا"

(كافكا)

 

كان كوخ الفيلسوف الوجودي هايدجر يقع على ارتفاع 1150 متر، في مساحة 42 متر، وكان هايدجر يضطر للخروج من كوخه والذهاب لإلقاء المحاضرات والدروس ولكنه حين يصعد إلى أعلى، إلى كوخه في الغابة ومنذ الساعات الأولى لوصوله إلى البيت، "يداهمه عالم الأسئلة، أسئلته ومشاعره الأعمق.. في هذا المكان يرتدّ الإنسان إلى نفسه بعد أن كان قد ابتعد عنها في الوجود مع الآخرين.. مع الآخرين، نتشارك بجزء منّا ونفتح المكان لأجزاء أخرى.. لآخرين ولكن في أماكننا الخاصة نعود إلى ذواتنا بالكامل ونحققها من خلال التفكر والعمل في الأشياء". (7)

 

ويقول هايدجر "المدنيّون يندهشون لعزلتي الطويلة والرتيبة في الجبال وبين المزارعين.. غير أن ما أعيشه ليس العزلة وإنما الوحدة.. في المدن الكبيرة، بإمكان الإنسان أن يكون منعزلا أكثر من أي مكان آخر، وبسهولة متناهية.. غير أنه لا يستطيع أن يكون وحيدا البتّة.. ذلك أن الوحدة لها نفوذ متميّز تماما في ألّا تعزلنا، ولكن بالعكس، في أن تلقي بحياتنا كلها بجوار جوهر كل الأشياء". (8)

 

حين اخترعت البشرية الآلة الطابعة، تمكن الناس قديما من أن يفهم بعضهم بعضا، أما في عصرنا الحالي، عصر "هوس الكتابة الكوني"(9) فقد اكتسب تأليف الكتب معنى آخر "كل واحد يحيط نفسه بكلماته الخاصة كما لو كان يحتمي بجدار من المرايا لا ينفذ منه أي صوت من الخارج "(10) فالأديب والكاتب لا ينفك يطرح أناه  خارجه، لكنه لا يطرحها متخلصا منها، بل يطرحها معززا لها، فتصبح كلماته مرايا لذاته، وتعوضه الكلمات عن احتياجه للبشر، ولعلاقات الصداقة التي يخزن الإنسان فيها صورته وذاكرته، فتمنحه الكتابة ذلك الجمهور المجهول الذي يهتم بما يكتب ويهتم بذات الكاتب لكنه لا يستحوذ عليه ولا يُنشأ علاقة بينه وبين الكاتب، فتبقى أنا الكاتب معزولة ومحمية تغلفها طبقة من الحروف والكلمات.

   

كل منا يخشى فكرة الزوال من عالم لا يبالي بوجوده، الزوال دون أن يراه أو يسمعه أحد، ولهذا يسعى كل واحد إلى أن يتحول إلى عالم من الكلمات خاص به قبل فوات الأوان

بيكساباي
  

أما الشرطي الأديب حسن البكور فيقول "إن الكتابة ليست سهلة! أتذكر لحظات العزلة الكثيرة التي كابدتها متبتلا في محراب الحرف، لحظات فيها ما يشبه الألم العذب والغضب الجميل أحيانا، وها هي الكتابة تكافئني، وتغدق على المكافأة، إذ تهبني ما ليس ثمة أبهى منه ولا أحلى: القراء الجدد". (11)

 

الكتابة كخلاص وباب للخلود
"الكتابة شكلٌ من أشكال الصلاة"

"حتى لو لم يأت الخلاص، فأنني أريد مع ذلك أن أكون جديرا به في كل لحظة"

(فرانز كافكا)

 

إذا كانت الكتابة هي تعبير عن شعور بالامتلاء، ورغبة بتقمص حيوات أخرى من موقع حياة رتيبة تخلو من معنى أو مغامرة، فهي تعبير عن شعور دفين بالحزن عند الإنسان، تعبير عن عجز ما، رغبة لأن تتحول حياتنا وآلامنا لجزء من موسيقى كونية حزينة تملأ السماء، أن ينتفخ منطاد آلامنا فيرتفع بنا نحو السماء، يرفعنا فوق البشر جميعهم، فيطرحنا على مسرح الحياة، شهداء أبطال يُشار لهم بالبنان. إنَّ رغبة السقوط على خشبة المسرح أمام مئات المشاهدين لا تقاوم" فكافكا كنموذج لم يكن ينسحب من العالم إلا رغبة في الكتابة، وهو إذ يكتب فليس إلا رغبة في الموت بسلام.. من ثمّ يُضحي الموت، الموت بفرح، جزاء الفنّ؛ إنه القصد وكذا ما يبرّر كلّ فعل للكتابة" (12)

 

والموت هنا ليس مجرد فناء، بل هو رغبة في الاتحاد بالكون، لولوج باب الخلود، أن تفنى أجسادنا لكن تهيم كلماتنا في الفضاء الحر، وتبقى ذواتنا داخل الذاكرة الإنسانية "فكل منا يخشى فكرة الزوال من عالم لا يبالي بوجوده، الزوال دون أن يراه أو يسمعه أحد، ولهذا يسعى كل واحد إلى أن يتحول إلى عالم من الكلمات خاص به قبل فوات الأوان" (13)

 

ويذهب "أندري جيد" (14) أن الكتاب يؤثّر في الكاتب الذي يكتبه أثناء عملية كتابته له ذاتها. لأن الكتاب يُخرج منّا، بقدر ما يغيّرنا. ويعلّق موريس بلانشو على هذا التصوّر قائلا بأننا "لا نكتب بحسب ما نكونه بل نكون بحسب ما نكتبه". (15) لكن من أين تأتي رغبتنا الملحة بأن نتقمص حيوات أخرى؟ نصدر كلمات؟ أم هل الكلمات هي من تتقمصنا كي تتحرر وتهيم  في الفضاء؟ أم أن الكتابة -كما يذكر كونديرا- هي كشف عن إمكانات أخرى غامضة في ذواتنا؟

  

تُشعر الكتابة صاحبها بتفاهته وعجزه وقلة حيلته، حين أصبحت الكتابة مهنة قديمة يستحي المرء من الحديث عنها، وفي نفس الوقت وحتى لو كانت مجرد هواية، فهو لا يستطيع الاستغناء والتوقف عنها

بيكساباي
   

لقد طرح الأديب كافكا تلك الأسئلة، وذهب إلى أن الكتابة هي الموت بفرح (16) ويدلنا كافكا هنا على جوهر الكتابة. حيث أن الموت يقدم للذات الحد الأقصى للخلاص، فيقتل الإنسان ذاته ليقدم ذات جديدة تعبر عن رغبة في مقاومة الموت، فالكتابة هنا ليست فقط عمل فني لكنها  تمنحنا علاقة سيادة مع الموت، تمكننا من مقاومته وتزيد من سلطتنا على الوجود حتى لو كانت سلطة متخيلة، في عالم يفقد فيه الإنسان سيطرته على كل شيء ويصاب بعجز شامل. يعلّق كافكا على مثل هذا الاختيار في مذكراته قائلا: "ثمة قوة جاذبية للعبارات، القوة التي لا يمكن للمرء أن يتملص منها. أظفر بالسكينة عبر الكتابة أكثر مما أظفر بالكتابة عبر السكينة."

 

ويعبر كونديرا عن ملمح آخر من فكرة علاقة الإنسان وكينونته بالموت ومقاومته، حين يحكي "كان جدي يحتضر طيلة أيام كان يصدر صوتا لا شبيه له، لم يكن أنينا فهو لم يكن يتألم، بل لم يكن يجد حتى من يتحدث إليه، لقد كان وحيدا مع الصوت الذي يصدره، صوت واحد عبارة عن آآآآآآ لا تنقطع.. خيل إلي أنني فهمت أنه الوجود بما هو في مواجهة الزمن بما هو، وأدركت أن هذه المواجهة اسمها الملل، لأنه بدون هذه الـ آآآآآ سيسحقه الزمن"(17).

 

حيث تصبح الكتابة تارة هربا نحو الذات والاحتماء بها، وتارة مقاومة للزمن، وصراع مع الموت ومع فوهة الوقت التي تبتلع كل شيء، وقد اتضح هنا جليا مفارقة الكتابة، حيث تمسى الكتابة هربا من هزلية الواقع ومقاومة لتفاهة العالم، لكن في نفس الوقت تُشعر الكتابة صاحبها بتفاهته وعجزه وقلة حيلته، حين أصبحت الكتابة مهنة قديمة يستحي المرء من الحديث عنها، وفي نفس الوقت وحتى لو كانت مجرد هواية، فهو لا يستطيع الاستغناء والتوقف عنها!

 

الكتابة من اللوغوس إلى الايروس
إذا كانت كينونة الأشياء قد صدرت عن لذة، وكان مجيء الإنسان صادرًا عن حب كما يقـول ابن عربي (18)، فربما تصلح اللذة "الايروس" أن تكون مدخلا لفهم هوس الإنسان بالكتابة، حيث تصبح الكلمات فيضاً إنسانياً متدفقاً داخل فضاء من اللذة، وتصبح الأشعار ماء يصب خارج غرفة تشتعل جدرانها بالمجون، ففي حديث صحفي مع بائعة هوى فرنسية تكتب الشعر، تقول جولي: "كنت في السابعة عشرة عندما قرأت "أزهار الشر" لبودلير فشعرت برعشة غريبة في جسدي.. وأثناء هذه الممارسات كنت أكتب قصائد صغيرة تدور حول متعة الحياة " (19)
  

إن انتشار الأعمال الأدبية والروايات التي تطفح بالتوصيفات الجنسية، والرغبات المكبوتة، يسلط الضوء من زاوية مختلفة على ظاهرة هوس الكتابة وتزايد كتابة الروايات المليئة بتلك القصص والعلاقات الجنسية

رويترز
  

حيث يصبح النص هنا محورا للإثارة مما يدفع الكاتب لتفريغ رغباته داخل قوالب لغوية، لاهثا نحو لذة غامضة، لذة يرغب فيها العقل مثلما يرغب فيها الجسد، لذة إبداع كلمات أو تحرير نص، فيطلق الكاتب العنان لرغباته فيتحرر منها ويحررها عنه، لينشأ منها جنين في صورة نص يستقل عن الكاتب.. حيث تقول بائعة الهوى "بمجرد أن تطبع مشاعرك قصيدة على ورق معروض للبيع، أعرف أنك تبيع مشاعرك مثلما تبيع المرأة جسدها لقاء مكافأة.. فقط الشاعر الذي يكتب في دفاتر خاصة به ولا يريها إلى أحد، يكون الشعر بالنسبة إليه ليس مهنة. (20)


وتكمن حيوية اللذة المتولدة بالكتابة في تلك النشوة التي تتحقق من خلال اكتشاف الخفي والغامض، ومن خلال تلك الرغبة الملحة في إدراك أسرار المجهول وذوق ما تلتئم عليه عناصره من سحر وشبق، فتقول جولي"أحيانا تجيء فكرة قصيدة في رأسي وأنا أنظر إلى الزبون وهو يروح ويجيء.. أشعر أحيانا بعطف عليه فتأتي القصيدة رومانسية بكائية، وأحيانا أشعر بأنه مختلف، فتأتي القصيدة إيروسية مغرية.. لكن تمر أحيانا عدة أسابيع ولا أكتب فيها قصيدة واحدة، وهذا يعني اني بعت جسدي لرجال لا قيمة لهم". (21)

 

بيد أن انتشار الأعمال الأدبية والروايات التي تطفح بالتوصيفات الجنسية، والرغبات المكبوتة، يسلط الضوء من زاوية مختلفة على ظاهرة هوس الكتابة وتزايد كتابة الروايات المليئة بتلك القصص والعلاقات الجنسية. إذا كنت تقصد أن كتابة الشعر تكون كتعويض جنسي، فأقول لك نعم.. خصوصا في مجتمعات لا توجد فيه الحرية التي نتمتع نحن بها في أوروبا.

  

أنا أستطيع بسهولة أن أحقق رغبتي الجنسية وفي الوقت ذاته أقبض عليها مكافأة.. إذن، عندما أكتب الشعر فإنه لا يعد تعويضا بقدر ما هو بحث عن عالم مجهول، لذة غير معهودة، تأمل مع النفس: الشعر ولوج في الأعماق، والولوج عملية لا يمكن لشخص يعاني حرمانا القيام بها.. وإنما الشخص المشبع والمكتفي ويريد المزيد، يريد سبر تجارب أعمق.. لكن بالنسبة لمجتمعاتكم يعتبر بصورة ما تعبيرا عن رغبات مكبوتة".

    

_______________________________

(*) اللوغوس: الكلمة

(**) الإيروس: اللذة 

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك