اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/12 الساعة 12:47 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/20 هـ

انضم إلينا
الكتابة لأجل الخلود.. ماذا تعرف عن الروائية "فيرجينيا وولف"؟

الكتابة لأجل الخلود.. ماذا تعرف عن الروائية "فيرجينيا وولف"؟

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
"فرجينيا وولف" هي إحدى أكثر الأدباء تأثيرا في القرن العشرين، ودائما ما تضم قوائم "أعظم الروايات في التاريخ" عملا أو عملين لها، مع ظهور دائم لرواية "إلى الفنار". لكن لا يمكننا حصر حياة وإنتاج وولف في هذا الشق وحده، فهي كاتبة مقالات مجتهدة من الدرجة الأولى. نتناول في هذا التقرير بعض الجوانب الأقل شهرة في حياتها، مثل رحلتها التعليمية، ومسيرتها النقدية، وموقفها من كل منهما.
   
  
نص التقرير
لعل فرجينيا وولف، ابنة أرفع شرائح الطبقة الأرستقراطية الإنجليزية المثقفة -التي ضمت فئتها بعض أكثر عائلات المملكة المتحدة نبوغا، والعديد من كتابها ورساميها الأكثر مهارة، وشاعرها الأعظم، والاقتصادي الألمع- امرأة طبقية مروعة، لكنها عاشت وفق رؤية شديدة الديمقراطية فيما يتعلق بالأدب وحياة القراءة، كما ناصرتها، وهو ما تنبأ به قائمة الأقران السابق ذكرهم. إنه "سعي"، أقرت -بشيء من الأسى- أنه "يلتهم جزءا هائلا من الوقت، وهو -رغم ذلك- قد لا يخلف وراءه شيئا يعتد به".
 

كانت وولف، قبل بداية مسيرتها الروائية، وخلالها، صحفية أدبية لا تكل، وهو ما اعتبرته هيرميون لي، أفضل من أرخ لحياتها، "أهم أدوارها الحياتية". هذا أكيد، فهو حق اكتسبته بالولادة أيضا. لقد ذَكَّرَها هنري جيمس، صديق العائلة القديم، بأنها "تحمل إرث قرن من ريش الكتابة، وأوعية الحبر"، في إشارة إلى مراجعاتها الأدبية المبكرة. كان والدها، ليزلي ستيفن، محرر مجلة كورنهل وقاموس السير الوطنية، والناقد، وكاتب المقالات والسِيَر، والمؤرخ، من أدباء نهاية العصر الفكتوري النموذجيين. وعلى خُطا والدها، لم تكن وولف تكتب مقالاتها -جميعها تقريبا مراجعات- من أجل الحقل الأكاديمي، بل للقارئ العامي المتعلم، ولقد تملكها فخر مهني شديد بقدرتها المطورة بعناية على تكثيف كتابتها وبث الحياة فيها، من أجل جمهورها.

  

الأديبة البريطانية فرجينيا وولف

مواقع التواصل
  

جاءت النتيجة في صورة مجموعة من القطع غير المباشرة، المتباسطة، الفصيحة، الشبيهة بالجواهر، التي شكلت قائمة مذهلة من المواضيع التاريخية والأدبية -تورغينيف، والإغريق، ورنغ لاردنر- لكنها كانت ترجع دوما إلى الكلاسيكيات الإنجليزية، مرة تلو أخرى. كانت تنجذب إلى أدبيات التنوير الإنجليزي، المصقولة، الرائعة، على وجه الخصوص، وإن كانت تجد -إلى جانب ذلك- متعة كبيرة في نثر العصر الإليزابيثي، الحماسي، الاستطرادي.

 

تقول ريبيكا ويست، إن مقالات وولف، بفضل خليطها المتميز من الحيوية والتألق والإحكام، قد دونت بطريقة "بدا معها استيعاب التحفة النقدية الصادقة، يسيرا على الذهن، مثل سماع أغنية". كتبت وولف معظم مقالاتها لملحق التايمز الأدبي (حيث نُشرت دون ذكرٍ للكاتب)، لكنها جمعت أفضلها في سلسلة "القارئ العادي". كانت تخاطب هذا النوع من القراء، كما كانت تعد نفسها واحدة منهم. وعنه كتبت وولف: 

 

"يختلف القارئ العادي عن الناقد والمثقف. فهو أسوأ تعليما منهما، كما أن الطبيعة لم تكن سخية وهي تقدر له حظه من الموهبة. إنه يقرأ من أجل المتعة الشخصية، لا لتحصيل معارف أو تصحيح آراء الغير. يقوده -قبل كل شيء- نزوع غريزي لخلق نوع من الكل (whole)، من مختلف الأشياء التي يقابلها. فيخلق لوحة لشخصية، أو مخطط لحقبة، أو نظرية في فن الكتابة".

 

كانت وولف شديدة الوعي بتعليمها الذاتي. صحيح أن والدها -أحد أرفع رجال إنجلترا تعليما- تولى توجيه هذا التعليم، وصحيح أنها قد تدربت بصرامة على اليونانية، وقرأت في الكلاسيكيات الإنجليزية والأمريكية، وفي التاريخ، على نحو واسع ومتعمق، لكنها حرمت، لكونها امرأة، من التعليم العام النظامي، والتدريب الثقافي في أوكسفورد وكامبردج، الذي كان استحقاقا لأبناء عائلتها وطبقتها من الذكور. كما كانت مدركة تماما لمنزلتها، باعتبارها هاوية تلقت تعليما غير أكاديمي، مع ما في ذلك من مميزات وعيوب.

 

لعل مقالات وولف في عمومها، هي أكثر ما يمكن قراءته من الأنشودات المدونة بالإنجليزية تكثيفا، والقراءة هنا نشاط لا يباشر سعيا وراء هدف، بل بدافع من الحب. كان تقدير وولف لـ"الرجل المحب للقراءة" (في مواجهة "الرجل المحب للتعلم") يناسبها، بوصفها كاتبة مقالات، مثلما يناسب جمهورها: "على القارئ أن يتحقق من رغبته في التعلم أولا؛ إن التصقت به المعرفة، فبها ونعمت، لكن سعيه وراءها، واتباعه نظاما للقراءة، وتحوله إلى متخصص أو شخص ذي سلطة، فغالبا ما يقتل ذلك ... الشغف الأكثر إنسانية بقراءة نقية، خالصة من كل غرض. القارئ الحق هو رجل شديد الفضول، رجل أفكار، منفتح، محب للتواصل، للقراءة عنده طبيعة أقرب إلى تمرين رياضي سريع في الهواء الطلق، منها إلى مدارسة مكتبية".

  

لم تكن فرجينيا وولف تهدف إلى مجرد إثارة اهتمام الآلاف بالأدب، بل الملايين، والمقالات الكامنة هنا، من بقايا عصر الطباعة المزدرى اليوم، كُتب لها الخلود

مواقع التواصل 
  

هذه فقرة من مقالة لها بعنوان "ساعات في مكتبة"، وهو عنوان اقتبسته من مجموعة متعددة المجلدات لمقالات والدها، وفيها استحضار لشغف ستيفن بالقراءة والمشي وتسلق الجبال. أعادت وولف استحضار والدها في مقالة "البرج المائل"، وهو اختزال وتنقيح لمحاضرة ألقتها على جمعية تعليم العمال، خلال الحرب، عام 1940. دمجت وولف في هذا المقال بين مفهومها الرحب للهواية، وتصورها الديمقراطي المتفائل لحياة القراءة:

 

دعونا نأخذ بعين الاعتبار، هذه النصيحة التي أسداها للمشاة فيكتوري بارز، ومشاء بارز أيضا: "متى رأيتم سياجا يحمل تحذير 'أي تجاوز للحدود سيخضع صاحبه للمحاكمة'، فلتتجاوزوه فورا". هيا نتجاوزه فورا. ليس الأدب أرضا يمكن لشخص حيازتها، بل الأدب أرض مشاع.. لذا سيخرج الأدب الإنجليزي من هذه الحرب حيا.. لو جعل أمثالنا من العامة والدخلاء هذا البلد وطنا لنا، لو علمنا أنفسنا كيف نقرأ وكيف نكتب، كيف نصون وكيف نخلق.

 

وكان من الملائم أن تأتي مقاربة وولف للنقد مفتوحة الدلالة بصورة تبث الحياة وتثير النشاط. لقد لمست هذا الجانب في مقالات وليم هازلت، لكن لعلها قصدت وصف مقالاتها كذلك: إذا كان مثل هذا النقد نقيض للحسم، إذا كان استهلاليا وملهما لا نهائي ولا مكتمل، فمرحى للناقد الذي يرسل القارئ في رحلة، ويمنحه دفعة البداية بعبارة ما، لينطلق في مغامرة تخصه وحده.

  

نفدت طبعات مجموعة "مقالات فرجينيا وولف" متعددة المجلدات، منذ عقود، وقضى القراء نحو 25 عاما في انتظار خاتمة هذه الطبعة العلمية -المحررة بإتقان والمحشاة بسخاء- للمجموعة الكاملة لمقالات وولف. وأخيرا، اكتمل المشروع بهذا، المجلد السادس، الذي نشر قبل عام، ليتزامن مع الذكرى السبعين لوفاة وولف. وتقوم هذه الخرزة الأخيرة في العقد، التي تضم كتاباتها ما بين عام 1933 وانتحارها عام 1941، بتسليط الضوء بقوة على الجهود والمثل العليا التي صكت كتاباتها النقدية. غدت وولف روائية آمنة ماليا في عام 1928، مع نشر رواية أورلاندو، إلا أنها واصلت الاجتهاد في كتابة المراجعات غير المجدية ماليا نسبيا.

 

 

 

على سبيل المثال، يكشف ستوارت ن. كلارك، محرر هذا المجلد، عبر الإحالات المرجعية لخطاباتها ومذكراتها، عن شروع وولف في العمل على مقالها النفيس، المتبصر نفسيا، الرقيق، عن إدوارد جيبون، في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1936. تطلَّب هذا المشروع منها قراءة جميع دفاتره، ومسودات سيرته الذاتية الست، وإعادة قراءة مجلدات "تاريخ ضعف وسقوط الإمبراطورية الرومانية" الستة، والأخير هو العمل الذي شغل -بطبيعة الحال- مكانة مركزية في مقالها. عملت وولف على هذه المراجعة خلال شتاء وربيع 1937 ("لقد قضيت النهار، كل نهار، في الكتابة، وكل مساء في القراءة. لقد نفذت إلى حقيقة جيبون")، حتى نشرها في مايو/أيار. وفي مقابل هذا الكم المذهل من العمل، تقاضت وولف 28 جنيها، وهو ما يعادل 2500 دولارا اليوم. مبلغ جيد في مجمله، لكنه مقابل ضئيل بالنظر إلى عدد ساعات العمل.

 

هناك جهد ستيكانوفايتي -نسبة إلى أليكسي ستيكانوف، عامل منجم سوفيتي حقق معدل إنتاج مذهل- مماثل، خلف مقالتها عن أوليفر غولدسميث، وهي مقالة تمزج بين رسم دقيق للشخصية، وتحليل أدبي محكم لـ"شعر يضرب كعبيه معا، مع نهاية كل سطر، كخطوات رقصة في بلاط ملكي"، وتاريخ واضح رغم تعقيده للدعم المجتمعي للأدب. قضت وولف نحو عام من العمل المتقطع على المقالة: بدأت مجهوداتها في وقت مبكر من أبريل/نيسان 1993 بقراءة "أربع مجلدات عظيمة من أعمال غولدسميث"، وفي يوليو/تموز قالت بوجل "آه لو أستطيع الانتهاء من عملي على غولدسميث وإرساله. علي فعل ذلك". مع ذلك، مرت خمسة أشهر أخرى، وهي تواصل نضالها مع "غولدسميث، طوال الصباح". وأخيرا، في شهر مارس/آذار عام 1934، أرسلت وولف مقالتها، وكوفئت بسبعة وعشرين جنيها.

  

كان لوولف هدف رئيسي من كل هذا الكفاح المضني، كفاح كلف مسيرتها الروائية -بطبيعة الحال- قدرا من الوقت والتركيز، لم تكن وولف تهدف إلى مجرد إثارة اهتمام الآلاف بالأدب، بل الملايين. فقدت وولف الأمل في تحقيق ذلك. لكن المقالات الكامنة هنا، من بقايا عصر الطباعة المزدرى اليوم، هي مقالات كتب لها الخلود، وبمرور العقود، وبفضل هذه المجلدات، قد يكتب لحلم وولف التحقق.

  
______________________________
التقرير مترجم عن: الرابط التالي
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار