اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/25 الساعة 13:44 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/3 هـ

انضم إلينا
"لا تُصالح".. أمل دنقل وقصائد الرفض والثورة

"لا تُصالح".. أمل دنقل وقصائد الرفض والثورة

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

على منصة المسرح بمهرجان الإبداع الذي أقامته وزارة الثقافة، وقبل زيارة السادات الشهيرة للقدس وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد بفترة، كان البردوني آخر الشعراء التراثيين الفحول، قد ألقى قصيدته. لينهض بعدها أمل مُتشحا بعباءة سوداء، أبى أن يسنده أحد، ومشى متحاملا حتى وصل إلى الميكروفون. بَدا داخل عباءته الفضفاضة، ضعيف البدن، أكثر هزالا، مصفر الوجه، شديد الشحوب(1).

 

"ظل أمل واقفا ثابتا مُتصالبا، وكأنه يستمد من شعره قوة الروح التي تشد الجَسد، وراح يُلقي قصيدته للمرة الألف في المدينة التي جاء سابقا لتحريرها -القاهرة- فكانت صرخته:

 

لا تُصالحْ

ولو منحوك الذهبْ..

أترى حين أفقَأ عينيكَ،

ثم أثبتُ جوهرتين مكانهما..

هل ترى؟

هي أشياء لا تُشترى..."(2)

 

كان صوته رغم نبرته الحادة ضعيفا، أما قصيدته النارية والتي فجَّرت الماضي في الحاضر والحاضر في الماضي، حيث تناولت مقتل الزعيم القبلي العربي في الجاهلية كُليب عام 494 ميلاديا، واستحضر فيها الواقعة التي أشعلت فتيل حرب البسوس التي استمرت 40 عاما. فقد ألهبت حماس الحاضرين وأَثقلتهم بمشاهد الحزن، وشعروا لوصيته بالعجز، فانفجر الحضور بالتصفيق.

 

فكانت ولا تزال قصيدة الشاعر أمل دنقل تُعتبر من أقوى القصائد التي كُتبت ضد جهود السلام(3). خفت شعر أمل دنقل تدريجيا، ثم اختفى، بعد رحيله ولم يتجاوز الثلاثة وأربعين ربيعًا عام 1983 بمعهد الأورام بالقاهرة، بعد صراعه مع مرض السرطان، وحرصه على تجنب الأضواء وتمثيل دور الشهيد والبطل أو المريض الذي ينتظر الشفقة، فقد كان كبرياء دنقل، كبرياء العربي الصعيدي يرفض ذلك بشدة(4).

 

 

لكن خلال الفترة القصيرة الماضية خاصة بعد اندلاع موجة الربيع العربي، سُيعاد اكتشاف شعر أمل دنقل، وستتحول أبيات قصائده الخالدة إلى رسوم غرافيتي في شوارع القاهرة والإسكندرية، خلال الحكم العسكري في مصر 2012 ثم بعد أحداث الانقلاب العسكري في 2013، وسَتستخدم كلمات دنقل بكثرة، وسَتكتسب جملا مثل "لا تصالح" و"خلف كل قيصر يموت.. قيصر جديد" شهرة طاغية(5).

 

وسيعيد الناس التحدث بكلمات دنقل، وينكب الأكاديميين والنقاد على دراسة شعره وقصائده المستفزة للمشاعر والعقول كما كانت مستفزة للسلطات قديما، العصية على الحفظ لتَعقيد تركيبها برغم بساطة أَلفاظها وعذوبة نغمها. فلماذا عادت قصائد أمل دنقل المأساوية ولماذا اشتهرت ومن هو أمل دنقل، الذي نظر له نقاد العالم نظرة إجلال؟(5)

 

قصيدة ثورية مركبة وعميقة.. الجنوبي يعيد كتابة تاريخ العالم

لفترة طويلة، كان يعرف أعمال دنقل ويقدرها قلة من اليساريين والمثقفين(5). كانت قصائده طَليعية وثَورية ترفض الواقع بشكل جذري ومن الصعب حفظها وإلقائها مقارنة بنفس سهولة استهلاك أشكال الشعر المقبولة أكثر على المستوى الشعبي.

 

"فهي معارضة وثورية بقوة في محتواها، وهي أيضًا شوكة في حلق السلطة المصرية. لم تكن قصائده محظورة، لكن نادرًا ما يُكتب عنها أو تُذكر في الإعلام الحكومي إلا على نطاق ضيق مثلما كان أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية"(5).

 

"فجأة تغير المشهد مع اندلاع "ثورة ٢٥ يناير" التي ارتبطت بإحياء الشعر اليساري السياسي من الستينيات والسبعينيات. قصائد وأغاني أحمد فؤاد نجم (١٩٢٩ - ٢٠١٣) العامية اللاذعة اكتسبت شعبية هائلة، ولكن دخلت أيضًا أجزاء من قصائد أمل دنقل في متن المقتبسات الثورية"(5).

 

لكن في حين أن شعر أحمد فؤاد نجم المرتبط لزامًا بالعامية، إذ كان أكثر ملائمة للأغَاني والشعارات، فقد كان شعر أمل دنقل هو الأنسب لأن يجد طريقه إلى الغرافيتي ودوائر النقاش والاقتباس على وسائط التواصل الاجتماعي.

 

 

في خريف 2010، قام فنان غرافيتي برشّ مقطع من "كلمات سبارتكوس الأخيرة" على كورنيش الإسكندرية احتجاجًا على محاولة مبارك توريث الحكم لابنه جمال:

 

لا تحلُموا بعالم سعيد

فخلف كل قيصر يموتُ: قيصر جديد!

 

مع انتشار المقاطع المقتبسة من شعر دنقل، اكتسبت أيضًا استقلاليتها عن سياقها السياسي الأصلي(5). وفي عامي ٢٠١١ و٢٠١٢ اكتسب مقطع "لا تصالح" -المكتوب أصلا قبل اتفاقية السلام مع إسرائيل- شعبية كبيرة في التعبير عن النضال في فترة الحكم العسكري الأولى، الممثلة في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وقد تم رش هذا المقطع على جدران كثيرة اعتراضا على الوضع القائم ورفضا للحلول الوسط.. فلماذا عاد شعر أمل دنقل بقوة؟

 

قد يكون السبب الأول والمُباشر هو ثورية أشعار أمل دنقل، والتي كانت مناسبة جدا للسياق الثوري والنضالي في تلك الفترة؛ حيث يقول دنقل عن علاقة شعره بالثورة: "الذي يطرح الثورة ليس الشعراء وإنما الثورة يطرحها الواقع، وما دام الواقع موجودا فستظل الثورة مستمرة وستنجب شعرائها وكتابها ومقاتليها"(6).

 

كما أن رؤية أمل دنقل الثورية والتي ترفض الواقع بشكل جذري وتطلب إعادة بنائه من جديد على أسس مثالية، ويظهر ذلك بوضوح في قصائده فيضيف إليها الشفافية والصدقَ والعمق، كانت متقاربة مع رؤية ثوار الربيع العربي إلى حد كبير؛ حيث يقول "إن الشعر في جوهره هو إعادة اكتشاف العالم المحيط بك ثم إعادة بنائه كما يجب أن يكون"(6) ويضيف "الشاعر هو ثورة في حد ذاته، يحلم الشاعر بواقع لا يتحقق وعندما يتحقق هذا الواقع يحلم بواقع أجمل.. الشعر ثورة دائمة ومتابعة الناس للشعر تخلق داخلهم ثورة"(7). 

 

لكن يذهب الناقد الأدبي بول شاؤول إلى أن السبب وراء خلود شعر دنقل هو قصيدته المركبة(8)، حيث قدم دنقل أبيات شعرية مسكونة بروحه القلقة، "كأنما كتب في أعماله عن هزائم تجرعها، لكنه كأنما كتب أيضا عن هزائم سَنتجرعها"، فقد قدم دنقل مأساته الشخصية، ومآسينا الحالية والمستقبلية، قدم مأساة الحياة في شعره.

 

يظهر في عدة مقاطع شعرية العمق التاريخي والتراثي مع الحالة الوجدانية والتحريضية الثورية من خلال الاستعانة بالشخصية التاريخية وإعادة تَسكينها داخل واقعنا بقلب معنى الأسطورة ثم رسم الرمز التاريخي

مواقع التواصل

 

مما دَفع شاؤول لأن يقول "خلال قراءتي لشعر أمل دنقل شعرت أولا بحنان ومشاعر عميقة عند هذا الشاعر "الصادق والمسلوخ حيا"، وأظن أنني لم أتألم لدى قراءة أي شاعر مثلما تألمت وأنا أقرأ رحلة العذاب الطويلة في شعره، وثانيا شعرت بدهشة كبيرة بأن هذا الشاعر الملتهب والصارخ كتب قصيدة لا تنتمي إطلاقا لا إلى البساطة المعهودة ولا إلى السهولة ولا إلى المناسباتية؛ بل صاغ من المادة السياسية والإنسانية المتأججة قصيدة مركبة سواء في عمق المقاربة الواقعية أو في عمق الإحساس الحَدسي أو في هذه القدرة على كتابة قصيدة كونية سخر لها ثقافة متسعة: من التاريخ إلى التراث إلى الحكاية إلى الأسطورة إلى الدين إلى المسرح إلى السينما فإلى مخزون إيقاعي ولغوي خصب وتركيبي معقد وثقافة شعرية واسعة ومرجعيات شِعرية عربية قديمة وحديثة وأجنبية وشرقية وغربية مما جعلت قصيدته كأنها اختزال لثقافة الحداثة الشعرية بأكملها"(8).

 

ويظهر ذلك في عدة مقاطع شعرية تظهر فيها العمق التاريخي والتراثي مع الحالة الوجدانية والتحريضية الثورية من خلال الاستعانة بالشخصية التاريخية وإعادة تَسكينها داخل واقعنا بقلب معنى الأسطورة ثم رسم الرمز التاريخي، وإعادة ضخ الدماء في عوالم شعرية كاملة من زرقاء اليمامة إلى المتنبي وكافور إلى أوديب وسبارتاكوس والمغول وقيصر وسيزيف وهنيبعل والبرامكة وحسن الأعصم والأَنصار وقريش وسالومي والثقفي، فينتقل دنقل بسلاسة شعرية عذبة بين عوالم خيالية قائمة ويدمج ويفصل بينها في تركيب سلس ومعقد في نفس الوقت:

 

أمثل ساعة الضحى بين يدي كافور 
ليطمئن قلبه، فلا يزال طيره المأسور 
لا يترك السجن ولا يطير 
أبصر تلك الشفة المثقوبة 
ووَجهه المسود والرجولة المسلوبة 
أبكى على العروبة

(من قصيدة مذكرات المتنبي)

 

جاريتى من حلب تسألنى متى نعود؟
قلت: الجنود يملأون نقط الحدود 
ما بيننا وبين سيف الدولة
قالت: سئمت من مصر، ومن رخاوة الركود 
فقلت: قد سئمت، مثلك، القيام 
(بين يدى أميرها الأبله) 
لعنت كَافورا 
ونمت مقهورا

(من قصيدة مذكرات المتنبي)

  

أيتها العرافة المقدَّسةْ..

جئتُ إليك.. مثخنا بالطعنات والدماءْ

أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة

منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.

أسأل يا زرقاءْ..

عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء

 (من قصيدة البكاء بين يدي زرقاء اليمامة)

 

لكن كيف استطاع شاعر من الجنوب "منطقة صعيد مصر" أن ينظم قصائد بتلك العمق والتركيب، وبتلك الخلفية الثقافية الشاسعة، والشَاعرية العذبة؟

 

ما خلف الشاعر.. الجنوبي يغزو العاصمة

ثلاثة من الأصحاب قَدِموا إلى القاهرة من ديار أحمس التي سكنها الرومان من بعد الفراعنة ثم حلت مَكانهم القبائل العربية التي أتت مع الفتح الإسلامي لمصر، خرجوا فرادى وتباعا صوب الشمال، وقد تواعدوا على اللقاء بالقاهرة لغزوها من الداخل(9)، هم يحيى الطاهر عبد الله وعبدالرحمن الأبنودي، وقد سبقهما إليها "فتى أسمر صعيدي جاف العود، له عينان واسعتان تبدوان في وجهه الضامر، المصفوط الخدين، كَجوهرتين على شكل عينين تحب أن تراهما، وتغض الطرف عنهما سريعا".

 

هو الشاعر محمد أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل، وُلد عام 1940م بقرية القلعه مركز قفط على مسافة قريبة من مدينة قنا في صعيد مصر، وقد كان والده عالما من علماء الأزهر الشريف مما أثر في شخصية أمل دنقل وقصائده بشكل واضح(10). حيث يقول "كان والدي رجل دين وكان متزمتا، ومن هنا اكتسبت نشأتي الأولى بعض الصلابة وربما بعض الخشونة والجفاف. لم يكن يسمح لي بأي تهاون في أداء واجباتي أو في المطالبة بحقوقي في الوقت نفسه، لقد كان والدي رجلا مثاليا في حياته العامة والخاصة".

 

لكن كيف استطاع ذلك الشاب الصعيدي النَاحل أمل دنقل كتابة تلك القصيدة المركبة والتي ستظل أبياتها محفورة في الأذهان إلى يومنا هذا، تعبر عن الثورة والرفض والتمرد؟ وقبل ذلك كيف سيسرد دنقل قصائد تحمل صورا وحشية عنيفة مليئة بـ الثأر والدم، في قوالب شعرية سلسة وعذبة مثل:

 

عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكا بالراية المنكَّسة

عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء

عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء..

فيَثقب الرصاصُ رأسَه.. في لحظة الملامسة!

عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء!

أسأل يا زرقاء..

(من قصيدة البكاء بين يدي زرقاء اليمامة)

  

أنظري..

لا تفزعي من جرعة الخزى،

أنظري..

حتى تقيأ ما بأحشائك..

من دفء الأمومة.

(من قصيدة في انتظار السيف)

 

 سَقطَ الموتُ؛ وانفرطَ القلبُ كالمسبحَهْ.

والدمُ انسابَ فوقَ الوِشاحْ!

المنَازلُ أضرحَةٌ،

والزِنازن أضرحَةٌ،

والمدَى.. أضرحَةْ

فارفَعوا الأسلِحهْ

واتبَعُوني!

أنا نَدَمُ الغَدِ والبارحهْ

رايتي: عظمتان.. وجُمْجُمهْ،

وشِعاري: الصَّباحْ!

(من قصيدة سفر الخروج: الكعكة الحجرية)

 

قبل أن يكتب أمل تلك القصائد الشعرية، وفي عام 1950، في قرية صغيرة بصعيد مصر: يدخل الطفل أمل حجرة أبيه الشيخ الأزهري، ويهم بالاقتراب من جسده المسجى على فراش الموت، فيفتح عينيه المغلقتين بالموت ثم يُقفلهما ويخرج من غرفة البيت بلا دموع تسح على الخدين ليقول للواقفين خارج البيت "لقد مات أبي"(10).

 

لم تكن تلك هي أول مقابلة بين الجنوبي والموت، فقبلها رأى أمل موت شقيقته الصغرى، ذات الربيعين. كان حادثا أليما لم تستوعبه وتدرك كُهنه مخيلة الطفل الأسمر الناحل، غير أنه سيبقى منقوشا في ذاكرته حتى رقدته الأخيرة في المستشفى قبل وفاته(10). وقد ألقى أمل الضوء على تلك المنطقة المظلمة من ذاكرة طفولته في قصيدته الجنوبي فقال:

 

أختي الصغيرة ذات الربيعين

لا أتذكر حتى الطريق إلى قبرها

المُنطمس

 

كان موت شقيقة أمل أول تجربة له مع الموت ولأول مرة يعرف الإحساس العميق بالفقد الذي عمقه فيما بعد موت أبيه، وطبع حياته بالمأساة والألم المتصل بالوقوف متحديا أمام الموت حد الامتزاج فيه وإعلانه حياة:

 

هل أنا كنت طفلا

أم أن الذي كان طفلا سواي

هذه الصورة العائلية

كان أبي جالسا، وأنا واقفُ.. تتدلى يداي

رفسة من فرس

تركت في جبيني شجا، وعلَّمت القلب أن يحترس

أتذكر

سال دمي

أتذكر

مات أبي نازفا

أتذكر

 

كان موت الأب نقطة تحول في حياة الطفل أمل(10)، فبعد أن كان صبيا متمردا جامحا(10)، تعلّم قلبه الاحتراس، وبدأ أمل في المواظبة على حضور المدرسة والمسجد كأنه ينفذ ما كان يتمناه أبوه، يستذكر دروسه ويحفظ القرآن، وتدريجيا اعتلى الطفل أمل مكان أبيه في البيت، فتورط في المسؤولية مع أمه، وشَب وقد نحتت صحراء الصعيد في وجهه عزة وكبرياء(10)، حتى أنهى دراسته الثانوية وقد كان له محاولات شعرية في تلك الفترة.

 

يحكي دنقل قائلا "أول مرة عرضت فيها أشعاري الأولى على أستاذي وكان شاعرا. أجابني فيما معناه أنه من الخير لي أن أترك الشعر لأنني لن أكون شاعرا أبدا، أحسست بالتحدي وأن كرامتي أُهينت.. سألتُ بعض أصدقائي من المهتمين باللغة والشعر، فأخبروني بأن العرب يقولون إن من حفظ ألف بيت صار شاعرا. قررت أن أحفظ ألف بيت من الشعر. وبالفعل أخذت أستعير الدواوين. وما تزال دواوين المتنبي والبحتري وأبي نواس وامرئ القيس وأَشعار شوقي وحافظ إبراهيم مطران وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل منسوخة بخط يدي. وفي العام التالي تقدمتُ بأحد القصائد الجديدة للأستاذ نفسه فأبدى دهشته الشديدة لتقدمي وأحسست أنني حققتُ انتصارا"(11).

 

وكذلك كان الشعر في حياة أمل دائما هو الإصرار والنية المبيتة، في وجه الكوارث والمحن والهموم الشخصية شديدة الكثافة، هنا تعرف دنقل على المأساة ليست بتتابع الكوارث وضيق العيش والاستسلام للمحن، بل بمقاومة الإنسان لذلك العالم ومصائبه.

 

كان تمرد أمل على مجتمعه الصعيدي عميقا، فقد بدأ في كتابة شعر يهجو به عالمه الصعيدي كله، وتفجرت لديه حدة وعنفوان اكتسَبه من البيئة الصحراوية ومن أصوله العربية الصَعيدية، حيث يقول "قبل حضوري للقاهرة كنت أكتب شعرا في "البلد" ضد خطباء المساجد والسبب أنني كنت مُنضما للطريقة البرهامية الصوفية طريقة إبراهيم الدسوقي.. وجاء يوما خطيب جديد كتب خطبة طويلة عن تحريم لبس الحرير والتَزين بخواتم الذهب والتنديد بسير النساء كاسيات عاريات، فكتبت قصيدة في نقد ما اسميته يومها بانفصام الوعظ الديني عن حياة الناس الحقيقة.. ثم استهواني هذا الاتجاه فكتبت قصائد عن المولد والمزار وعَادات الختان، وعندما حضرت إلى القاهرة تابعت هذه السلسلة بقصائد تهاجم بوليس الآداب والسينما والزحام في شارع فؤاد لكنني لم أنشر شيئا من هذه القصائد".

 

 

وبعد أن أنهى دنقل الثانوية، أقنعه رفقائه بدراسة الأدب والشعر، فقدم في كلية الآداب جامعة القاهرة قسم اللغة العربية وتم قبوله فيها. لكن ذلك الشاب الصعيدي الأسمر بدلا من أن يغزو العاصمة كما اتفق مع رفيقه، قد غرق فيها، فابتلعه زحام شوارعها، وأسكَرته السجالات الشعرية التي كانت مشتعلة حينئذ بين الجديد والقديم(12)، وانهمك في عالم الثقافة والشعر، فَرسب في عامين متتاليين بالجامعة وخرج منها، ثم قدم في كلية العلوم ولم يبق فيها إلا يوما واحدا(12)، ووجد نفسه هو ورفيقه الأبنودي موظفين في محكمة قنا، الأبنودي كاتب المحكمة، أما دنقل فعمل كمُحضر للمحكمة يسافر لُيتابع تنفيذ قرارات المحكمة!

 

لكن من واقع شهادات ما كتبه أصدقاء أمل عن طفولته وصباه فإن أسرة دنقل أسرة ميسورة الحال(12)، لقد كان والده مدرسا له دخل ثابت،  بخلاف ما تمتلكه الأسرة من ثروات.. فمن أين جاء إحساسه بالظلم الاجتماعي، ومتى بدأ ينحاز للطبقات والفئات الفقيرة في المجتمع كما يظهر ذلك في شعره؟ ولماذا تشكل وعيه السياسي والطبقي على هذا النحو؟

 

مولد الشاعر.. الجنوبي مغتربا ومحاربا

عمل دنقل الجديد كمُحضر للمحكمة، جعله يسافر فيرى قرارات المحكمة بالحجز على بيوت الفقراء والفلاحين لصالح مال الدولة(13)، وكان ينصرف دنقل ذلك الصعيدي عزيز النفس تلاحقه دعوات الناس باللعن وانتقام الله، فكانت تلك المشاهد تؤثر في نفسه حتى هجر عمله بالمحكمة.

 

والتحق بهيئة الجمارك بالسويس وهناك التقى بجموع من معارفه من الصعيد، فشعر أنه لم يخرج من مجتمعه الصعيدي الذي تمرد عليه من قبل، كما لم يستطع تحمل "التناقضات التي تحياها المدينة الصناعية كواقع فرضته الصناعة على أناس ينحدرون جميعا من أصل ريفي". فسافر إلى الاسكندرية، وبها تفجرت لدى دنقل ينابيع العاطفة، فكتب بها أولى قصائده الرومانسية "مقتل القمر" وفي مقدمتها "إهداء إلى الإسكندرية.. سنوات الصبا":

 

 ملاكي: أنا في شمال الشمال

أعيش.. ككأسٍ بلا مدمن

غريب الحظايا، بقايا الحكايا

من اللّيل لليلِ تستلنّي

هي إسكندريّة بعد المساء

شتائيّة القلب والمحضنِ

شوارعها خاويات المدى

سوى: حارس بي لا يعتني

(من قصيدة رسالة من الشمال)

 

ﻳﻨﺰﻝ ﺍﻟﻤﻄﺮ

ﻭﻳﺮﺣﻞ ﺍﻟﻤﻄﺮ

ﻭﻳﻨﺰﻝ ﺍﻟﻤﻄﺮ

ﻭﻳﺮﺣﻞ ﺍﻟﻤﻄﺮ

ﻭﺍﻟﻘﻠﺐ ﻳﺎ ﺣﺒﻴﺒﻲ ﻣﺎ ﺯﺍﻝ.. ﻳﻨﺘﻈﺮ

(من قصيدة المطر)

 

بعد تلك التَغريبة التي حملت الجنوبي من دفئ الصعيد إلى صقيع الإسكندرية، ومن راحة بيت العائلة لِمقاهي القاهرة التي تضج بالنقاشات المحتدمة وصوت المذياع، ومن ليل الصحراء إلى ليل الإسكندرية الذي يترك في الروح ندبة الغربة والوحدة والألم، فليل القاهرة والتسكع في شوارعها.

 

انقطع أمل عن الكتابة في الأعوام 63-64-65، كان خلالها يريد أن يُلم بالتيارات الفكرية والسياسية والأدبية التي كانت تؤجج الحياة الثقافية في مصر والوطن العربي، فيقول دنقل عن أسباب انقطاعه عن الكتابة "وجدت نفسي محاصرا بالأسئلة، لقد اكتشفت أنه لا يكفي للإنسان أن يكون شاعرا وقادرا على كتابة الشعر، فكانت هناك أسئلة تحاصرني، وهكذا انقطعت عن قول الشعر منذ سنة 1962 حتى سنة 1966 وكرست تلك الفترة للقراءة فقط"(13).

 

الأعمال الكاملة لأمل دنقل (طبعة دار الصفوة) (مواقع التواصل)

 

عاد دنقل إلى القاهرة، ثم قرر السكن بها بشكل نهائي عام، 1966 فوجد نفسه مرة أخرى داخل الدوامات الثقافية والسياسية للعاصمة، فيقول "عندما عدت إلى كتابة الشعر كان أغلب المثقفين اليساريين المصريين في المعتقلات، ومن هنا اعتبرت قصائدي في ذلك الوقت صرخة جريئة في المنتديات والمحافل الأدبية"(14).

 

في ذلك الوقت تسنى لأَمل فرصة الاحتكاك اليومي والمباشر بشعراء وأدباء جيله وشعراء الجيل الذي سبقه، وتعرف عن قرب إلى مجتمعه ولَمس جراحاته وبدأ يخرج من دائرة الذات إلى دائرة المجتمع الكبيرة، ومن الخاص إلى العام(15).

 

وعندما وقعت الهزيمة كان أمل أول من تنبأ بها من خلال رؤيته العميقة لمكامن الخلل في مجتمعه "قصيدة الأرض والجرح الذي لا ينفتح - (مايو/أيار) 1966"، ثم تفجر العام وأخذ كل مداه في قصيدة "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" التي كتبها عشية هزيمة الخامس من (يونيو/حزيران)، فكانت أول قصيدة عربية معاصرة تعكس أبعاد المأساة بهذا المستوى من النضج الفني(15).

 

 الأرض تطوى في بساط "النفط"،

تحملها السفائن نحو "قيصر" كي تكون إذا تفتّحت

اللّفائف:

رقصة.. وهديّة للنار في أرض الخُطاه.

دينارها القصدير مصهور على وجناتها.

زنّارها المحلول يسأل عن زناة الترك،

والسيّاف يجلدها! وماذا؟ بعد أن فقدت بكارتها..

وصارت حَاملا في عامها الألفيّ من ألفين من عشّاقها!

لا النيل يغسل عَارها القاسي.. ولا ماء الفرات!

(من قصيدة الأرض والجرح الذي لا ينفتح)

 

 أيتها النبية المقدسة..

لا تسكتي.. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً..

لكي أنال فضلة الأمانْ

قيل ليَ: اخرسْ..

فخرستُ.. وعميت.. وائتممتُ بالخصيان!

ظللتُ في عبيد (عبسٍ) أحرس القطعان

وها أنا في ساعة الطعانْ

ساعةَ أن تخاذل الكماةُ.. والرماةُ.. والفرسانْ

دُعيت للميدان!

أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان،

أدعى إلى الموت.. ولم أدع إلى المجالسة!

(من قصيدة البكاء بين يدي زرقاء اليمامة)

 

وفي عام 1971، يُصدر دنقل مجموعته الثانية "تعليق على ما حدث" منذ 1967، يسرد انتهاء عصر عبد الناصر وبداية عصر جديد، وسجل شعرا كيف رأى هذه الأحداث المتلاحقة وهي تفور في الأعماق، أحداث أيلول وما جرى في مخيم الوحدات الفلسطيني(15)، كان أمل هنا وقد كسرته هزيمة (يونيو/حزيران) وفجَّرت داخله سيلًا من الغضب والحزن والصراخ الشعري العذب المركب ذو الألفاظ التحريضية والثورية يعبر عن الجيل المتعب والكرامة المشروخة، والإنسان العربي المأسور من العراق إلى المغرب العربي، "وازدَادت حِدة سخريته من الواقع، من تناقضاته المسننة كرؤُوس الحراب تتضاد وينكأ بعضها بعضا"(15).

 

وتستمر المظاهرات الطلابية في عهد السادات مطالبة بحرب التحرير، وتغلي القاهرة وتمتد المظاهرات لتشمل العمال والنقابات. في تلك الأثناء يقرر دنقل بدافع الفضول(16) الذهاب إلى ميدان التحرير الذي احتله الطلاب حينذاك، فيقول "ما هزني في ذلك اليوم هو أن الطلاب ظلوا طيلة الليل يرتجفون من البرد، ومع ذلك بقوا في الميدان حتى حضرت قوات الأمن وفرقتهم، كان منظرا يمثل خروج الجيل الذي تربى ونشأ في ظل ثورة 52 من أجل مصر"(16).

 

يكتب دنقل بعدها قصيدة "الكعكة الحجرية" كأنها تفيض منه فيضا، دون رسم لِلحروف، القصيدة التي ستَتسبب في غلق مجلة "السنابل" التي كان يشرف على إصدارها الشاعر محمد عفيفي مطر(17)، ويُمنع دنقل من أي ظهور أو تعامل له أو لِقصائده مع الإذاعة أو التلفزيون أو أي مؤسسة إعلامية رسمية لمدة عشر سنوات، وتم عزله وحرمانه من عضوية الاتحاد الاشتراكي، فيعلق دنقل "اعتبر قرار حرماني من عضوية الاتحاد الاشتراكي تكريما لشعري، فإذا كانت قصيدة واحدة تحرمني من حقوقي السياسية، فأظن أن شعري بلغ من النضج والقوة والتأثير بحيث أنه شكل إزعاجا بشكل ما لأعدائي"(18):

 

دقت الساعة الخامسة

ظهر الجند دائرة من دروع وخوذات حرب

ها هم الآن يقتربون رويدا.. رويدا..

يجيئون من كل صوب

والمغنون -في الكعكة الحجرية- يَنقبضون

وينفرجون

كنبضة قلب!

يشعلون الخناجر،

يستدفئون من البرد والظلمة القارسة

يرفعون الأناشيد في أوجه الحرسِ المقتربْ

يشبكون أيديهم الغَضَّة البائسة

لتصير سياجا يصد الرصاص!

الرصاص..

الرصاص..

وآه...

يغنون "نحن فداؤك يا مِصْرُ"

"نحن فِداؤ..."

وتسقط حنجرة مخرسة

معها يسقط اسمُكِ يا مصرُ في الأرضِ

لا يتبقى سوى الجسد المتهشم والصرخات

على الساحة الدامسة

دقت الساعة الخامسة

دقت الخامسة

دقت الخامسة

وتفرَّقَ ماؤكَ -يا نهرُ- حين بلغت المصب!

(من قصيدة الكعكة الحجرية)

 

الغرفة رقم 8.. رحيل الجنوبي

لقد كانت القصيدة هي حياة أمل دنقل وعالمه الخاص، وخارج ذلك العالم كان إنسانا أَبيا عزيز الكرامة

مواقع التواصل

 

بعد كتابة أمل لقصيدة "لا تصالح" ضمن ديوان "أقوال جديدة في حرب البسوس" وابتداءً من (سبتمبر/أيلول) 1979 سيكون قدر الشاعر مختلفا، وإن لم يفت المرض من كبريائه وعِناده وصلابته، فقد بَقى وَفيا لِتمرده، يقول دكتور جابر عصفور "ومن الغريب أن شعره في السنوات الأربع التي استغرقها المرض لم ينطو على أية صورة من صور التضرع وإنما صور متعددة وعجيبة لِلتحدي والقوة غير العادية، وتحويل الموت الذي كان يعيشه فعلا إلى موضوع للتأمل"(19). فكتب دنقل قصائد بها كثير من التأمل ونوع جديد من العمق مثل "الزهور- الطيور- الخيول" وكتب قصائد أخرى فيها أجواء التحدي "مقابلة خاصة مع ابن نوح وخطابِ غير تاريخي على قبر صلاح الدين" وأخرى تنطوي على التساؤل "ضِدَّ مَنْ وديسمبر وامرأةٌ في المدينة" ومجموعة ثالثة تنطوي على قدر من الرثاء للنفس ولِمحمود حسن إسماعيل الشاعر الذي أعجب به أمل طوال حياته، والإِحساس بالنهاية "لعبة النهاية وبكائية لصقر قريش، إلى محمود إسماعيل في ذكراه".

 

وتحكي زوجة الشاعر، عبلة الرويني: إن القصيدة دائما هي لحظات مستمرة من التوتر، بل هي كما كان يحلو أن يردد: البديل عن الانتحار، رحلته كل صباح ونزوله إلى الشارع واختلاطه بالناس كانت أشبه برحلة صيد وجدانية، إنها رحلة صيد لقصيدة، موضوعها، رموزها، لغتها، مناخها العام(19).

 

ويقول دنقل "حين أقنن شعري أسجن فيه وحين أطلقه بلا ماسك أضيع فيه والقصيدة عندي أزمة حقيقية تتوتر فيها الأعصاب والمرئيات ومن ثم الكلمات أحس أن كمية الهواء الداخلة إلى رئتي غير كافية، اختنق وربما أبدو عدائيا وحين تجيء القصيدة أعود إلى سابق حالتي"(20).

 

لقد كانت القصيدة هي حياة أمل دنقل وعالمه الخاص، وخارج ذلك العالم كان إنسانا أَبيا عزيز الكرامة، حتى إنه رفض من فوق فراشه بغرفة رقم 8 بمعهد الأورام بالقاهرة عروضا كثيرة لسفره وعلاجه في أميركا أو على نفقة أصدقاء عرب وفلسطينيين وكُويتيين وعراقيين، لأنه كان حساسا جدا وخجولا في مسألة الماديات(21).

 

 بين لونين: أستقبِلُ الأَصدِقاء..

الذينَ يرون سريريَ قبرا

وحياتيَ.. دهرا

وأرى في العيونِ العَميقةِ

لونَ الحقيقةِ

لونَ تُرابِ الوطنْ!

(من قصيدة ضد من)

 

يرحل الشاعر أمل دنقل بعد صراعه مع مرض السرطان، فوق فراشه بحجرة رقم 8 بمعهد الأورام بالقاهرة في 21 (مايو/أيار) 1983، ودُفن بمسقط رأسه في "قفط" في مقابر أسرته وأقيمت له جنازة بسيطة بحسب وصيته التي كانت أقصر وأشهر وصية في التاريخ الأدبي المعاصر:

"لا حزن ولا بكاء فقد حزنت وبكيت في حياتي ما يكفي.. أوصيكم بأن تَكتبوا على قبري هذا قبر فلان بن فلان بن فلان وكل من عليها فان".

 

وبين يوم ميلاده ويوم وفاته مسافة من الألم الحاد ملأها الجسد الناحل بالضوء، أمدته بالبركان وأصابها بالشعر شأنه شأن من عمَّروا طويلا وقصرت حياتهم بالسنوات، فصخبوا وشاكسوا واستنزفوا أعمارهم القصيرة حتى آخر نقطة ضوء في أجسادهم، لكن ما يزال شعرهم خالدا يروي حكاية الشعر والثورة والرفض والتمرد، وهذا تحديدا ما يجعل شعر أمل دنقل حاضرا في قلب الثورة وفي ضمير العالم العربي.

المصادر

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك