اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/22 الساعة 15:10 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/2 هـ

انضم إلينا
الكلاسيكيات المجيدة.. الأدب الروسي من دوستويفسكي إلى أوليتسكايا

الكلاسيكيات المجيدة.. الأدب الروسي من دوستويفسكي إلى أوليتسكايا

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
ما إن تسمع عبارة "الأدب الروسي" حتى يتبادر إلى ذهنك الكلاسيكيات المجيدة، أعمال تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف ورفاقهم. فاليوم، لا يحظى بالاهتمام النقدي العالمي من الأدباء الروس المعاصرين إلا قلة. لعل لودميلا أوليتسكايا من أبرزهم، رغم مسيرتها الأدبية القصيرة نسبيا. تطل هذه المقالة على عالم الأديبة الروسية من نافذة روايتها الأخيرة، لننصت إلى صوتها الأدبي المميز، وأبطال أعمالها الفريدة، وموقفها من الأدب الروسي التقليدي.
    
نص التقرير
تدور أحداث رواية "الخيمة الخضراء الكبيرة" حول الكتب المحظورة، وهو موضوع أثير عند لودميلا أوليتسكايا، إحدى أهم الأدباء الروس المحتفى بهم، ذات الاثنين والسبعين عاما، والمعارضة الصريحة لنظام بوتين. كانت أوليتسكايا في سبعينيات القرن الفائت عالمة أحياء شابة تم فصلها من معهد علوم الوراثة العامة التابع لأكاديمية الاتحاد السوفييتي للعلوم، وذلك لتوزيعها أحد كتب "الساميزدات"، وهي الأعمال التي حظر الاتحاد السوفييتي تداولها. لتستهل فيما بعد تجربة أدبية شابها التردد وغياب الطموح. وكان ذلك متوقعا من فتاة سمت نفسها عاشقة للكتب وصاحبة شغف حر للقراءة. "إنني أعتبر أن معلمي ومرشدي الأبرز هو مكتبتي"، كتبت أوليتسكايا في "بقايا متروكة"، وهي سلسلة مقالات مطولة صدرت في 2012، بعد مرور عقد من نشر الأدب، من قصص وروايات قصيرة وأخرى طويلة ومسرحيات. 

   

الروائية الروسية لودميلا أوليتسكايا

غيتي
 

في روايتها الأخيرة، نرى كتبا نادرا ما تستقر على أرفف المكتبات، صورا ضوئية غائمة، ونسخا كربونية بالكاد يمكن قراءتها، وطبعات غربية مثنية الحواف تنتقل بين الأصدقاء الموثوقين، نراها وهي تلهم، وتحطم، وتسحق، وتكابد، وتقتل. كما تؤدي مهاما أخرى غير متوقعة. ففي إحدى الوقائع المرحة، تمزق مراهقة عفوية نسخة من رواية أرخبيل غولاغ للروسي ألكسندر سولجينيتسن، لتحشو بها حذائها الجديد، طويل الرقبة، المستورد، شديد الضيق، على أمل توسعته شيئا ما. بهذا تنقذ الفتاة حياة مالك الكتاب، حين تأتي الاستخبارات السوفيتية لتفتيش منزله. تدور الأحداث في إطار نموذجي، يوافق تصوير أوليتسكايا المعتاد لنخبة موسكو المثقفة، بين 1953، عام وفاة ستالين، و1996، بعد نصف عقد من انهيار الاتحاد السوفيتي. تجنبت أوليتسكايا استخدام ريشة الخطب البطولية الرنانة، وهي ترسم لوحة لحياة أشخاص وظفوا القوة التدميرية للكتب لتحقيق نفع فاق كل التوقعات. "الخيمة الخضراء الكبيرة" أشبه بثرثرة لاذعة تدور في المطابخ المكتظة، تبث فيها الحياة خطوط درامية تكتنفها الخطورة، ولا يقربها الملل على الإطلاق.

 

لا تعد أوليتسكايا من المبتكرين العظام. ففي اثنتين من أكثر رواياتها ثراء -الأولى "قضية كوكوتسكي"، تتناول معاناة طبيب نسائي بارز في مجتمع يحظر الإجهاض ويضطهد علماء الوراثة، والأخرى "دانيال شتاين، مترجما"، تدور حول حياة يهودي بولندي نجا من الهولوكوست وصار قسيسا كاثوليكيا- تعتمد أوليتسكايا على الحقائق، وتؤثر الواقعية البسيطة على علم النفس الحاذق. وهكذا تفعل في "الخيمة الخضراء الكبيرة"، إذ تقتبس موادا من حياتها وقصص أصدقائها المقربين، الذين كسبت العشرات منهم على مدار العقود. كانت الشبكة الاجتماعية المتينة أساسية لمواصلة الحياة داخل نظام عدواني. كتبت أوليتسكايا في مقالة تحت عنوان "دائرة المقربين"، تقول: "لقد خدمنا بعضنا، وساعدنا بعضنا على مواصلة الحياة، ورعاية الأطفال، ودفن الآباء. مرت الحياة بأكملها في فقر تحوطه السعادة، كانت حفلا متحررا من كل قيد بدا كأن لا نهاية له".

 

كانت نخبة موسكو المثقفة، مثلما تصفها أوليتسكايا بأمانة، صغيرة إلى درجة يستطيع معها العضو مصافحة أي زميل بمجرد مد ذراعه. ولعلها تبدو جماعة عشائرية متعجرفة في نظر من هم خارج الشبكة، سواء بالاختيار، أو بفضل نشأة عمالية أو ريفية، أو خوفا من العواقب، أو افتقارا إلى الفضول الفكري. ولا تحاول الكاتبة الاستعلاء على دائرتها. بل يأتي تضامنها -ينقله صوت سردي أنثوي واضح- مصحوبا ببصيرة إنسانية غير معتادة. حتى عندما يُوقِّع الزوجان -اللذان يشغلان الحبكة الفرعية الأكثر رومانسية- اتفاقية تعاون مع الاستخبارات السوفيتية، كل على حدة، ولا يخبر أحدهما الآخر بالأمر أبدا، تحوطهما الكاتبة بتفهم عطوف. لا مكان في صفحات أوليتسكايا للمعارضة المثالية العصية على أي مساومة.

  

 

الثلاث شخصيات المركزية في الرواية تجسدات لصور مناهضة النظام السوفيتية الكلاسيكية، التي كانت لتتعثر بها لا محالة في طرقات هذه الحقبة. الأول إيليا، تاجر عنيد يتكسب من إعادة بيع الكتب في السوق السوداء. الثاني ميخا، مثالي لا يملك إلا التضحية بحريته في سبيل الخير، بمساعدة تتار القرم على استعادة وطنهم. الأخير سانيا، متخصص في نظريات الموسيقى، ومثقف رفيع الطراز، وهارب من العدالة. تُتلى أجزاء كبيرة من قصصهم من منظور النساء التي تشغل مساحات من حياتهم. إنهم رجال جديرون بالحب، قادرون على إظهار شجاعة غير متوقعة، إلى جانب حس الدعابة الساخر، والتعاطف، والجرأة الفكرية. لكن ليس فيهم من له أدنى صلة بالكمال، بأي حال. بل هم أقرب إلى الضعف، والاستهتار، وارتكاب الخطايا. ينتحر أحدهم، ويهاجر الآخران في نهاية الأمر. وحده الهارب يحسن البلاء نسبيا، إذ ينتهي به الأمر معلما في مدرسة موسيقى، ذات شهرة عالمية، في نيويورك. أوليتسكايا قاسية، على طريقتها الخاصة. فلا تحوي "الخيمة الخضراء الكبيرة" أي نصر للمنشقين، حتى إذا تخيلوا في منتصف التسعينات -حيث يتوقف تأريخها- أنهم قد انتصروا.

 

إن منظور أوليتسكايا أبعد ما يكون عن النسوية التقليدية؛ ففي روايتها "الخيمة الخضراء الكبيرة"، تُقْدِمُ النساء طوعا على لعب دور مساعد للرجل، وتكرس حياتها لخدمته

أوليتسكايا نفسها لم تعش وهما مثل هذا قط. بالعكس، فبحكم واقعيتها، كان أقصى آمالها التطهير (اقتلاع صارم للموظفين السوفيتين القدامى، أشبه باستئصال النازية بعد الحرب العالمية الثانية) مثلما استرجعت في خطابها إلى عضو حكومة الأقلية ميخائيل خودوركوفسكي، عام 2008، بعد قضائه خمسة أعوام في السجن. و"الخيمة الخضراء الكبيرة" -الصادرة في روسيا عام 2010، قبل ضم القرم وما صاحبه من ترهيب سوفيتي الطراز- قد أثبتت مدى ملائمتها للحاضر، باستحضارها واقعا قمعيا. انضمت أوليتسكايا منذ ذلك الحين إلى الاحتجاجات، رغم تصريحها بتبني موقف غير سياسي (وتواصل إغاظة النقاد، بترحيبها -مثلا- بوزير ثقافة بوتين المتشدد، في حفل عيد ميلادها السبعين). في العام الماضي، كتبت أوليتسكايا بنفاذ صبر: "أوصف بأني عضوة بالطابور الخامس، وأتهم بكراهية وطني. أرى أن محاولة تبرئة نفسي عمل غبي وعقيم. أنا لا أكن أي كراهية، وإنما العار والعجز فقط. إن سياسات روسيا اليوم -الانتحارية والخطيرة- هي بالأساس تهديد لروسيا، لكنها قد تشعل حربا عالمية ثالثة".

  

حتى مع توضيح أوليتسكايا لانحيازاتها، فإنها تنبذ التفكير الأيديولوجي الاختزالي، في أدبها وحياتها على حد سواء. إنها أخصائية في تقلبات القدر، لا الحبكات الميكانيكية. إن المنظور السردي المميز لأوليتسكايا -عين وأذن أنثوية يقظة، واعية بالذات- تستوعب الاحتمالات التوفيقية، والصدف العادية، والكيمياء البشرية غير المتوقعة. في "الخيمة الخضراء الكبيرة"، يوشك أن يزج بإيليا -تاجر كتب السوق السوداء- في السجن، بعد زواج صديقة لزوجته بعميل استخبارات سوفيتية مكلف بمراقبته. هذه الزيجة هي الالتواء الخصب الذي تحيا أوليتسكايا من أجله:

  

إن تتبع مسار حياة الأشخاص المقدر لهم اللقاء أمر ساحر. أحيانا يقع هذا اللقاء دون أن يبذل القدر أي جهد خاص، دون تعرجات مدروسة في الحبكة، بل يأتي مع المسار الطبيعي للأحداث. فلنفترض أشخاصا يسكنون بنايات متجاورة، أو يرتادون المدرسة ذاتها، لكنهم يلتقون في الجامعة أو مكان العمل. في حالات أخرى، يستعان بأمر غير معتاد: اضطراب في مواعيد القطار، أو سوء حظ هامشي تتعاظم تبعاته، مثل حريق صغير أو أنبوب مثقوب في الطابق العلوي، أو تذكرة لآخر عروض الفيلم يبيعها شخص آخر. أو اللقاء مصادفة، مثل متسكع يقف في بقعة ما، يراقب الطريق، بحثا عن هدف يتتبعه، وفجأة تظهر فتاة من العدم، مرة، وأخرى، وأخيرة. تعلو الوجه ابتسامة خفيفة، وحينها، فجأة، مثل بزوغ الفجر: إنها زوجتك العزيزة. ولعل أوليتسكايا حين تحرص على تبرئة العميل من ورطة إيليا، فهي تفعلها إكراما للمعجزات الصغيرة.

  

إن التجربة التي تستحضرها أوليتسكايا اليوم لم يكن لتأتي في توقيت أكثر ملائمة من ذلك، بالنسبة إلى القراء المقيمين بعيدا عن موسكو

مواقع التواصل
  

إن الحساسية الأنثوية المتصدرة جزء من مشروع أضخم. أبدت أوليتسكايا حزنها لغياب الشخصيات الأنثوية المقنعة في كلاسيكيات الأدب الروسي. حتى ناتاشا روستوفا صنيعة تولستوي، في نظرها، شخصية متخيلة غير واقعية. يسري الأمر نفسه على النساء المعروضة في الأعمال الروسية التجارية الرديئة، وما يزال الخيال الأدبي الروسي يواصل المسيرة التقليدية المتمركزة حول الذكر. لعل أوليتسكايا هي الروائية الروسية الجادة الوحيدة التي تحارب من أجل الموازنة. (انضمت إليها ليودميلا بتروشيفسكايا على جبهة الأدب الخيالي الأقصر). إنها مصرة على منح قوة المقاومة السلبية للمرأة السوفيتية ما تستحقه من اهتمام.

 

منظور أوليتسكايا أبعد ما يكون عن النسوية التقليدية. ففي "الخيمة الخضراء الكبيرة"، تُقْدِمُ النساء طوعا على لعب دور مساعد للرجل، وتكرس حياتها لخدمته. تقدم تامارا -عالمة الأحياء الانطوائية- ثلاث لوحات قيمة، حائزة على جوائز، رشوة لموظف يملك مساعدة حبيبها المتزوج، الناشط الصهيوني الذي هاجر إلى إسرائيل مع أسرته. أما صوفيا، سكرتيرة القائد العسكري وخليلته، فتغيب في جحيم مخيم اعتقال بعد ثبوت عزوفه عن مساعدتها. وفور عودتها، تبدأ في مقابلته ثانية. وتصاب أولغا، زوجة إيليا، بالسرطان بعد هجره إياها في سبيل مغادرة الاتحاد السوفيتي. إلا أنها تشفى فجأة عقب تسلم خطاب منه يمنحها أملا في الاجتماع به ثانية. لكن إذا قورنت نساء أوليتسكايا برجالها الذين أخصتهم -مجازا- الوحشية الباردة للآلة السوفيتية عديمة الرحمة، فسنجدهن أكثر قوة وقدرة على التكيف، وكذلك ساحرات أحيانا.

 

لقد عشت في موسكو التي تعرضها أوليتسكايا، وغادرتها. لذا يمكنني التصديق على استحضارها الذكي لمزيج الحب والكراهية الذي يكنه سكان المدينة لها، ولتصويرها للدائرة الخاصة المقيمة فيها، التي عصفت بكل نظام روسي منذ عهد القياصرة الروس. لكنك لا تحتاج إلى الجنسية لتقدير صدق أوليتسكايا، وسخريتها المباشرة، أو قدرتها الخارقة على ضفر استطرادات لا نهائية وزلات متعمدة في قصة آسرة. تمنح روايتها الروس والأجانب على حد سواء، ما لعلهم تمنوا لو أنهم لم يحتاجوا إليه. قد لا تبدو "الخيمة الخضراء الكبيرة" مألوفة في نظر أحفاد جيل أوليتسكايا، بدرجة تقترب مما سيشعر به قارئ أميركي. لقد نشأوا على حرية السفر، والدراسة بالخارج، والانخراط في قطاع الأعمال، وشراء الأشياء الجميلة. لكن التجربة التي تستحضرها أوليتسكايا هي اليوم أكثر صلة بحاضرهم ومستقبلهم الآني مما كانوا ليتخيلوا يوما. كما أن بعثها لهذا العالم لم يكن ليأتي في توقيت أكثر ملائمة من ذلك، بالنسبة إلى القراء المقيمين بعيدا عن موسكو أيضا.

_____________________________________________

مترجم عن: (ذا أتلانتيك)

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار