انضم إلينا
اغلاق
رواية "لاعب الشطرنج".. فهمك لقوانين اللعبة لا يعني ذكاءك بالضرورة

رواية "لاعب الشطرنج".. فهمك لقوانين اللعبة لا يعني ذكاءك بالضرورة

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
استمع للتقرير
   

في عام 1972، وبينما يترقب العالم أهم مباراة في عالم الشطرنج حينذاك بين اللاعب الأميركي بوبي فيشر والروسي موريس سناسكي التي جرت في مدينة لايكافيك بآيسلندا، والتي ظهرت كأنها وجه آخر للحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية، ركبت صحيفة "الموند" الفرنسية موجة الاهتمام بتلك المباراة الدولية، فخرجت عن تقاليدها الراسخة ونشرت قصة مسلسلة في أواخر صيف سنة 1972، فيما بعد ستصبح هذه القصة الصغيرة نسبيا أهم رواية قصيرة عن لعبة الشطرنج، وآخر رواية يكتبها الروائي اليهودي النمساوي ستيفان زفايج قبل انتحاره هو وزوجته عام 1942، رفضا للعالم وما يحدث فيه من مذابح وحروب، والتي قد تنبأ بها زفايج في بداية الحرب العالمية الثانية. (1)

   

     

قبل انتحاره بخمسة أسابيع كتب ستيفان زفايج لصديقه هرمان كيستن، رسالة يتحدث فيها عن روايته الأخيرة "royal game/chess story" والتي ترجمها يحيى حقي إلى "لاعب الشطرنج" فقال: "ليس هناك شيء مهم أقوله عن نفسي، كتبت قصة قصيرة حسب أنموذجي المفضّل البائس، وهي أطول من أن تُنشر في صحيفة أو مجلة، وأقصر من أن يضمّها كتاب، وأشد غموضا من أن يفهمها جمهور القراء العريض، وأشد غرابة من موضوعها في حد ذاته". (2)

   

    

لكن الروائي المنتحر قد أخفق في ظنونه، فقد صُنفت روايته التي لم يبلغ عدد صفحاتها ثمانين صفحة تحت ما يسمى بأدب الحرب، ولأن روايته حملت استمراريتها في جوفها، ليس فقط بسبب بساطتها ولا وفق ما تحمله من رمزيات واضحة ربطت بين حروب من بيادق وقلاع وفرسان خشبية بالحروب الحقيقية التي تزلزل العالم منذ قرن بقنابلها الحارقة وصواريخها المدمرة، بل أيضا بسبب ما حملته من رمزيات شديدة العمق، ينزلق القارئ فوق أرض معانيها المنحدرة إلى أشد مشاعر الإنسان خصوصية وغرابة. (2)

     

وما زالت رواية لعبة الشطرنج تُعتبر من أنضج الروايات في الأدب الأوروبي، والتي وضعت الإنسان الحديث مباشرة ودون أي تلكؤ أو سخرية متعالية أمام حقيقته، فجعلته يواجه نفسه وحيدا في غرفة مظلمة، ثم سحبته من جحيم الوحدة إلى قسوة العقل الانساني الحديث، لترسم الرواية أشد المواجهات النفسية والوجودية قسوة في عالمنا المعاصر: مواجهة بين الحياة والعقل، بين الوجود والمنطق، وصدام حاد بين الشعور ومخ الإنسان.

     

ستيفان زفايج.. اليهودي المُعذب بين الحرب والشطرنج

وُلد زفايج عام 1881، وهو أديب نمساوي من أصل يهودي حصل على الدكتوراة في الفلسفة عام 1904، و يُعد من أبرز كتّاب أوروبا في بدايات القرن الماضي، وقد حصل على الجنسية البريطانية بعد أن استولى الحزب النازي بقيادة هتلر على حكم ألمانيا، وعاش متنقلا في أميركا الجنوبية منذ عام 1940، وقد اشتهر بدراساته الحيادية التي تناولت حياة مشاهير الأدباء ليغوص في مجاهيلها وحقائقها من أمثال: تولستوي، ودوستويفسكي، وبلزاك، ورومان رولان. (3)

      

ومن أهم مؤلفاته: رواية "24 ساعة في حياة امرأة"، ورواية "حذار من الشفقة"، ورواية "بناة العالم"، وكتاب "عالم الأمس" الذي تناول فيه سيرته الذاتية وقد صدر بعد رحيله، بجانب عدد من المسرحيات والروايات والمقالات. ومع مشاهدته لانهيار السلم العالمي وبداية عصر الحرب العالمية الثانية (3)، أصيب الأديب النمساوي، الذي تدل رواياته على رهافة حسه ورؤيته الشفافة للحياة وللنفس البشرية، بالإحباط حتى قرر الانتحار تاركا قطعته الفنية الأخيرة "لاعب الشطرنج" ليشرح فيها حجم صدمته من العالم ومن قسوة الإنسان.

       

      

وقد ترجم الأديب يحيى حقي رواية "زفايج" وقدمها لقرائه قائلا: "لا أحسب ناشئا في الأدب يصادق ستيفان زفايج إلا أحس لتوه أنه وقع أسيرا في قبضته، لا مفر من أن يتأثر به، سعيه بعد ذلك أن يتحرر منه ليهتدي إلى سليقته، لا بد له أن يقرأ كل حرف كتبه ثم يقول هل من مزيد، إنني أتكلم عن تجربة، هكذا كان حالي، لا أخجل من الاعتراف بأنني كتبت قصة "البوسطجي" في شبابي وقت أن وقعت أسيرا في قبضة زفايج حين صادفته في طريقي". (4)

  

كان همّ زفايج الأساسي في مشروعه الأدبي هو خلق جسور التواصل بين الثقافات واكتشاف الأفكار، فوجد ضالَّته في السفر (5)، وهو ما يبدأ زفايج به روايته حيث تبدأ حين يترك زفايج ذاته الأخرى الدفينة كأنها شخص خفي، ليحكي عن لحظة انطلاق سفينة سياحية تبحر من نيويورك إلى بوينس آيرس في منتصف الليل، فيعلم الراوي من صديق له يخبره أن بطل العالم للشطرنج حينذاك يسافر على متن السفينة نفسها، ويقرر أن يتعرف عليه ويكشف سره، فقد عرف أن ذلك البطل مجرد شاب أحمق، جلف ريفي، لا يحسن كتابة جملة صحيحة، ولا يملك أخلاق أصحاب اللعبة، فهو من أصل وضيع ولا يستحي أن يُلاعب أيًّا من يقابله من الهواة مقابل المال. (6)

     

      

يحكي لنا زفايج في بداية روايته قصة ذلك البطل (سيركو زينتوفيك)، وهو صبي غبي خامل صموت، عاش في قرية مجهولة بيوغسلافيا، ووُلد لأب بائس من سلالة الصقالبة، وقد فشل في تعلم أي حرفة وفشل في كل عمل وُكل إليه إلا الأعمال الجسدية المرهقة والتي يطلبها منه غيره مثل التنظيف، وكان عاجزا عن أن يكتب جملة واحدة، فوصفه زفايج في روايته بجملة "جمع الجهل كله"، وعندما تُوفي أبوه احتضنه قسيس القرية وبذل معه غاية الجهد ليعيد عليه دروسه التي تعلمها في المدرسة لكن دون جدوى. (6)

     

      

ذات ليلة باردة، وبينما يلعب القسيس الشطرنج مع أحد الضباط المتقاعدين في الدير ويراقبهم الفتى (الغبي)، يدخل رجل طالبا من القسيس أن يؤدي الصلاة على أمه العجوزالمُتوفاة، فيلبي القسيس طلبه على الفور، ويخرج تاركا الضابط مع الفتى، وعندما عرض الضابط على الفتى أن يُكمل معه مباراة الشطرنج حتى يعود القسيس، يُفاجأ الضابط بالهزيمة، فيعيد المباراة غير مصدق أن صبيا بذلك الغباء والجلافة يستطيع أن ينتصر في لعبة "ليس فيها مجال للمصادفة، بل معتمدة كل الاعتماد على العقل وحده"، فيغلبه "زينتوفيك" مرة أخرى، ثم يهزم القسيس حين عودته. (6)

  

وبعد مضي سنة يبلغ "زينتوفيك" مرتبة أشهر أبطال لعبة الشطرنج وسط استغراب كل من عرفه في قريته، ويسافر ليلعب مباريات الشطرنج الدولية. يعود الراوي لظهر السفينة، ليبدي اهتمامه بكشف سر ذلك الفتى الجاهل، الذي أصبح أشهر لاعب عالمي للشطرنج، تلك اللعبة التي تعتمد على ذكاء المخ وحده، فيحاول التقرب منه، لكن ذلك الفتى كان قد اكتشف سابقا أنه كلما تكلم، فَضح جهله وغباءه، لذلك أصبح حذرا يفضل الصمت ويبتعد عن الاختلاط بالناس، فيفشل الراوي في استدراجه لأي حديث.

  

طعنة زفايج الأولى.. النقد المبكر للعقل الأداتي

حين وجد الراوي، الذي كان يحاول استدراج البطل الأبله كما وصفه زفايج للحديث، جلافة غير مسبوقة من "زينتوفيك"، قرر إغراءه بالشيء الوحيد الذي يتقنه في هذا العالم، وداخل حجرة التدخين على متن السفينة، جلس الراوي يلعب الشطرنج مع أحد المسافرين، فرآهم "زينتوفيك" ونظر إليهم شزرا وانصرف، فيئس الراوي من محاولاته وبث همه للرجل الذي يلاعبه، وكان رجل أعمال ثريا يسمى "ماك كونور"، والذي غمرته الحماسة حتى احمرّ وجهه وانتفخت أوداجه واهتزت أكتافه عندما علم أن بطل العالم للشطرنج على متن السفينة نفسها، وأقسم على تحديه في مباراة للشطرنج. (6)

   

يرفض "زينتوفيك" بغرور اللعب مع "ماك كونور" إلا بمقابل مادي، وبعد أن يتلقى عرضا مُغريا من شخصية ثرية، يوافق بطل العالم على أن يلعب مع "لاعبين من الدرجة الثالثة" مقابل مبلغ مالي لا يستهان به، وبرغم أن "زينتوفيك" وافق أن يُلاعب نحو ستة أفراد مجتمعين ويترك لهم فترة لا تتجاوز عشر دقائق، يترك فيها طاولة اللعب ليسمح للاعبين أن يتشاوروا فيما بينهم، فإنه هزمهم هزيمة ساحقة دون أي جهد يُذكر. فاستشاط "ماك كونور" غضبا، إذ كيف يكون هناك من هو أفضل منه، وطلب مباراة أخرى، فوافق "زينتوفيك"، وقبل أن تنتهي الجولة الثانية بهزيمة أخرى نكراء، تحدث المفاجأة، حيث تنقلب كفة اللعب بتدخل السيد "ب" وتتحول وجهة الرواية من رقعة الشطرنج إلى الحرب العالمية الثانية مباشرة. (7)

 

يبدو هذا التحول للوهلة الأولى ملائما على مستوى السرد وحده، فمن الطبيعي أن يذكر المؤلف قصة البطل الثاني في الرواية بعد "زينتوفيك" والذي سيلحق به هزيمة سيتعجب هو نفسه منها، لكن زفايج قد أعد لهذا الحدث من حيث الرمزية والفلسفة التي سبقت هذا التحول في السرد، فقد رسم المؤلف شخصية "زيتوفينك" على حال الإمكان الأقصى لنموذج الإنسان الذي شكّلته الحضارة الغربية الحديثة في أوروبا. (7)

     

     

فهو نموذج الإنسان "الموظف/البيوقراطي" أو الأبله المتفوق في تخصصه دون أي قدر من الخيال أو الذكاء، وقد سماه هربرت ماركوز الإنسان "ذا البعد الواحد" الذي يمتلك عقلا أداتيا، يستخدم عقله في عمليات إجرائية في منتهى العقلانية، لكن دون أي غاية أو على الأقل دون غاية عقلانية. يطرح زفايج ذلك الأمر بشكل واضح في روايته، فـ "زينتوفيك" بطل العام يتميز بعقل أداتي في شكله النموذجي، عقل لا يجيد خلق أي إبداع أو التفكير في أي قيمة إلا القيمة المادية، وفي الوقت نفسه هو عقل متفوق في فهم الإجراءات وتسلسلها، وهو ما جعله متفوقا في لعبة الشطرنج. (8) وهو ذاك العقل الذي شرح الفيلسوف زيجمونت باومان في كتابه "الحداثة والهولوكوست" أنه العنصر الأساسي في المحرقة، حين كان الموظف ذو العقل الأداتي يقوم بعمله في وضع الوقود أو غلق الباب أو إشعال الجحيم دون أن يشعر بأي ذنب.

  

وقد علّق يحيى حقي على ذلك الأمر قائلا: "ومن هنا نحس أن أسلوبه لا يلتهم السرد فحسب بل ينهشه نهش الغول، هكذا يصل إلى قرار النفوس فيكتشف سرائرها، وكشف سرائر النفوس هو أول شيء يشوقه، لا هم له غيره، إنه لا يعيش إلا له، بهذه المتابعة الظمأى للمعرفة قام ستيفان زفايغ في "لاعب الشطرنج" بتشريحين، في الأول كسر جمجمة هذا الفتى الجلف الغبي الخام المعتم الذي لا عمل لجسده إلا أن يحجب الضوء دون أن ينبعث منه شعاع واحد يصافح به الكون والناس فيدل على يقظة إنسانيته، كيف ولماذا ومن أين تأتي له أن تتلألأ في مخه الصدئ موهبة واحدة فحسب هي موهبة لعب الشطرنج، فيصبح على رقعته بطل العالم المنتصر في كل موقعة، إذن ما سر مخ الإنسان؟ وكيف يعمل؟ وهل تترابط أو لا تترابط قنواته؟ ما سر الذكاء؟ أفمن الجائز أن ينحصر ويتخصص في بؤرة صغيرة في هذا المخ ومن حولها خلاء تام، عن طريق جمجمة لاعب الشطرنج؟ يريد زفايج أن يطل ونحن معه على مخ الإنسان عامة، أن سره يحيّره ويشوقه ويتحداه..". (8)

  

المواجهة الأخيرة.. هزيمة الحرية

بينما كان اللاعبون الستة على وشك الانهزام من "زينتوفيك" وعندما حمل "ماك كونور" القطعة الخشبية ليلعب لعبته الأخيرة واثقا من هزيمته، فإذا بشخص مجهول، نحيف، ذي وجه برزت عظامه، كأنه رجل سبح ليالٍ طويلة في بحر من المخاطرات المميتة، إذا به يترجاه أن يتوقف عن لعبته، ويقترح عليه حركة أخرى بدلا منها، ولأول مرة يضطر "زينتوفيك" للجلوس على المنضدة والتفكير، حتى انتهت المباراة بالتعادل، واتفقوا على مباراة أخرى يتحدى فيها السيد "ب" بطل العالم "زينتوفيك"، فمن هذا السيد المجهول؟ (8)

 

الدكتور "ب"، أو السيد "ب"، هو شخصية زفايج المحورية الثانية في الرواية، وهو نمساوي ينتمي إلى أفراد عائلة كانت مقربة من القصر الإمبراطوري في فيينا، وهم كاتمو أسرار الأمراء والنبلاء والوجهاء ومديرو أموالهم وأملاكهم، فكانت واجهاتهم المالية ناصعة البياض، لكن هذه العلاقات المتشابكة كانت وبالا على الدكتور "ب" الذي تم اعتقاله على يد جهاز الأمن الألماني "الجستابو"عقب احتلال النمسا ومطاردة كل رموز العهد المنتهي. (9)

    

   

بيد أنه بدلا من السجن أو المعسكر تم اعتقاله في فندق راقٍ، حيث وجد ذاته في مواجهة حادة مع الفراغ القاتل ودورات التحقيق التي لا تنتهي، محبوسا في غرفة نظيفة من سرير ومرحاض ونافذة مغلقة بقضبان حديدية، فريسة للوحدة القاهرة، لا يعرف شيئا عن الخارج، ولا يعرف شيئا عن الوقت، وغير مسموح له بالحديث مع أي شخص، لأنه لا يوجد أصلا شخص يكلمه سوى المحققين، أما الحارس، فممنوع عليه أن يحدثه، ولو تكلم إليه لا يرد الحارس بكلمة ولا ينطق بحرف، حتى شعر أنه مُلقى في بئر مظلم، وهو لا محالة في عداد الموتى. (9)

   

حاول السيد "ب" داخل محبسه أن يتذكر كل ما يحفظه من الشعر والأدب والأغاني، لكن عقله أبى إلا أن يفكر في حديث المحققين، حتى شعر السيد "ب" أنه على حافة العدم، يكاد أن يفقد عقله، إلا أنه في إحدى مرات ذهابه إلى جلسات التحقيق، ينجح في العثور على "كتاب" ويخفيه تحت ملابسه، وعندما عاد لغرفته، جلس يتحسسه، فرحا لا يصدق أنه أخيرا قد حصل على كتاب، شخص يكلمه، شيء يستمد منه أفكارا جديدة، لكن ما إن فتح غلافه حتى أصيب بخيبة أمل كبيرة، فقد وجده كتابا يتكلم عن الشطرنج.

  

وبينما كان السيد ليطيح بهذا الكتاب السخيف في وقت آخر، أصبح هذا الكتاب ملاذه ومنقذه من ظلام العدم، فكان السيد "ب" يقرأه طوال الوقت، حتى حفظ ما فيه من فنون لعبة الشطرنج فضلا عن مئة وخمسين شوطا من أشهر المباريات العالمية في هذا المضمار، ثم بدأ السيد بتخيل رقعة الشطرنج في عقله، وإقامة المباريات في عقله، يلعب ضد نفسه، فكان يلعب يوميا نحو ست مباريات، وهو غائب عن الوجود كله، ينحصر تركيزه داخل عقله، وحكى السيد "ب" أن الحارس كان يراه منفعلا يصيح ويسب شخصا آخر غير موجود، حتى أُصيب بانهيار عصبي حاد نُقل على أثره إلى المشفى، ثم بعد استرداده لعافيته ساعده طبيبه في استخراج الأوراق اللازمة لمغادرة البلاد، فوجد نفسه على متن تلك السفينة. (9)

   

   

كانت قصة السيد "ب" هي التفسير الخفي وراء تفوقه على الفتى "زينتوفيك" بطل العالم للشطرنج، فقد أمضى السيد أكثر من 6 أشهر وهو يلاعب نفسه، وقد حفظ في عقله كل خطط وحركات قطع الشطرنج، لكن التفسير الأكثر رمزية، والذي يورده زفايج في ثنايا روايته، هو الانفراد والعزلة القاسية التي عاشها السيد "ب"، ففي مقابل حريته مُني السيد بشعور فردي عالٍ اقترب على أثره من الموت، فيضع زفايج هنا الصورة النموذجية للعقل الأداتي في مقابل الصورة النموذجية للفردية والشوق للحرية، وهو ما أسقطه زفايج على نفسه، فجعل الموت مرتبطا بالإحساس العالي للفردية ومن ثم السعي للحرية حتى لو بالانتحار.

  

الحرية أو الموت.. رسالة زفايج الأخيرة

يذهب عبدالرحمن بدوي في كتابه "الزمان الوجودي" إلى أن الموت يعتبر مشكلة لدى الإنسان عند من هم على درجة عالية من الإحساس بفرديتهم فيقول: "نجد أن التفكير في الموت يقترن به دائما ميلاد حضارة جديدة، فإن ما يصدق على روح الأفراد يصدق كذلك على روح الحضارات. وهذه الفكرة قد فصّل فيها شبنجلر وأوضحها تمام التوضيح" (10)، لذلك ينتقد بدوي إفناء شخصية الإنسان في الروح الكلية، لأن ذلك لا يلغي الإنسان فحسب، بل يشوه حقيقته الوجودية وبالتالي يشوه موته.

  

"وتقتضي فكرة الشخصية عند بدوي بالضرورة فكرة الحرية، فلا وجود لإحداهما من دون الأخرى، وذلك لسببين: الأول أن لا مسؤولية من دون شخصية ومن دون حرية، والثاني أن الحرية هي الاختيار ولا اختيار إلا بالنسبة إلى شخصية بعينها.. حيث إن طبيعة كل من الحرية والموت تقوم على فكرة الإمكانية، إذ إن قدرة الإنسان على الموت هي أقصى درجات الحرية عند بدوي. هنا لا بدّ أن نشير إلى أن بدوي قام في كتابه "الزّمان الوجودي" الصادر عام 1945 بالربط بين فكرتي العدم والحرية، إذ اعتبر أن العدم داخلٌ في تركيب الوجود، وهو الهوّات الموجودة بين الذوات، وبذلك يصبح أصل الفردية، وبما أنه لا يمكن فصل الحرية عن الفردية فإن بدوي يعتبر أن "العدم هو أصل الحرية"". (10)

  

الأمر نفسه الذي يطرحه زفايج في روايته، حيث إن حالة الصراع مع العدم التي مر بها السيد "ب" أورثته إحساسا عاليا بالفردية ومن ثم عمقت شعوره بالحرية، حتى إنه قرر عدم لعب الشطرنج مرة أخرى، ليتحرر بشكل كامل من تجربته السابقة، وفي ذات الوقت يخبرنا زفايغ عن نفسه، التي قررت الانتحار وفضلت الموت بحرية على شعور العجز في عالم تحكمه روح الحداثة المرتبطة بالإبادة والتدمير وديكتاتورية الجماهير المنساقة وراء جنرالات الحرب. (11)

   

   

يكمل يحيى حقي تعليقه: "والتشريح الثاني هو للنفس لا للمخ، نفس رجل متمدن مثقف متصل بالعالم أوثق اتصال، فعال ومنفعل، مؤثر ومتأثر، يريد زفايج أن يعرف التحولات البشعة التي تحدث لهذه النفس حين يُحكم على صاحبها بالحبس الانفرادي في زنزانة ضيقة، ليس بها إلا طاقة صغيرة عالية ينفذ منها نور أقرع بلا مرئيات فهو والظلام سواء… تحولات مرعبة، ليس نفسية فحسب بل بيولوجية، فقد أقنعنا زفايج أن أقسى تعذيب للإنسان هو الحبس الانفرادي". (11)

   

وهكذا، في عمل أدبي فذ، وضع زفايج رسالته الأخيرة في صورة تحدٍّ فوق رقعة يتخالط عليها الأبيض والأسود، تحدٍّ بين عقلين ونموذجين يمثلان قطبي الحضارة الغربية، تحدٍّ بين الوجود والمنطق، بين العقل الحداثي والحرية.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار