انضم إلينا
اغلاق
رضوى عاشور وأدباء غرب أفريقيا.. القصة التي يجهلها الكثيرون

رضوى عاشور وأدباء غرب أفريقيا.. القصة التي يجهلها الكثيرون

زينب البقري

محررة رواق
  • ض
  • ض

في عام 1980، على فراش النقاهة بعد أزمة صحية ممتدة أمسكت القلم وكتبت: "عندما غادرت طفولتي، فتحت المنديل المعقود الذي تركته أمي وعمتي، وجدت بداخله هزيمتهما، بكيت، ولكني بعد بكاء وتفكير أيضا ألقيت بالمنديل وسرت، كنت غاضبة. عدت للكتابة عندما اصطدمت بالسؤال: ماذا لو أن الموت داهمني؟ ساعتها قررت أنني سأكتب لكي أترك شيئا في منديلي المعقود" 1

تجربتي في الكتابة، رضوى عاشور

 

لم تترك رضوى في منديلها رواياتها وحكاياتها فحسب، إنما فتحت مناديل معقودة لروائيين لم نعرفهم كما يستحقون، فكان حديثها عنهم بمنزلة نداء أن ثمة مناديل أخرى تنتظر من يفتحها، لأنها تبوح بصدق الحياة وشقاء التجربة لبلاد تجاورنا الخريطة وتشاركنا المكان وتقاسمنا المعاناة، بلاد ترزح تحت وطأة الاستعمار، تابعة تحاول النهوض.

    

   

سنواصل الطواف مع رضوى في عوالم الرواية في غرب أفريقيا في الكاميرون وغينيا ونيجيريا، لنرى كيف حضر سؤال الهوية؟ وكيف تم التعامل مع فاجعة الاستعمار؟ وكيف أعادت النخبة الحاكمة إنتاج سلطة الاستعمار وفساده؟

 

العجوز والوسام: رجل عجوز قد أنهكته التجربة

"يقف ميكا تحت وهج الشمس الحارة تؤلمه قدماه بسبب حذاء جلدي لم يلبس في حياته مثيلا له، وتلح عليه الرغبة في التبول، بدأ ميكا يدرك الوضع الغريب الذي وجد نفسه فيه، فلا أباه ولا أي فرد من أفراد أسرته الكبيرة وضع مثله داخل دائرة طباشيرية بين عالمين، عالمه هو وعالم هؤلاء الآخرين الذين سموا بالأشباح حينما وصلوا لهذه الأرض أول مرة، لم يكن مع أهله ولم يكن مع الآخرين"

  

هكذا وصف الروائي الكاميروني فرديناند أويونو ميكا العجوز الذي قررت السلطات الفرنسية تكريمه؛ لتبرعه بأرضه لكنيسة الإرسالية التبشيرية، فيجد نفسه في طقوس الاحتفال محاطا بدائرة طباشيرية، ويدرك في هذه اللحظة وضعه المأساوي، فعدم ارتياح ميكا وهو في الدائرة الطباشيرية معزولا مفصولا كان نقطة البداية الحقيقية لوعيه بالأزمة، ورفضه لحالة الاستسلام والرضا التي بدا عليها في أول الرواية.

 

يخبر أحدهم زوجة ميكا أنه فقد أرضه، فكان يستلزم أن يحصل على عدة أوسمة وليس مجرد وسام واحد. يستغرق ميكا الألم بعد إنهاء الاحتفال، فيضل طريقه ويقترب من المنطقة السكنية الأوروبية، ويلقى القبض عليه ويهان.

   

   

يربط أيونو بين استعباد الأفارقة وقبولهم للمسيحية وتخليهم عن ثقافة أجدادهم، فما يلبث أن يقارن ميكا بينه وبين جده الذي ينتمي إلى سلالة تسمى "الأسود"، السلالة التي لا تهتز لها العاصفة، والنهر الذي لا يخاف الغابة. ويتذكر كيف قطع جده جمجمة رسول الرجل الأبيض، بينما هو يعتنق المسيحية التي تعد أحد أهم الهياكل الثقافية التي حلت محل الهياكل الأفريقية، وساعدت على خلخلة جذورهم. تنتهي رواية العجوز والوسام بعبارة ميكا "لست الآن سوى رجل عجوز قد أنهكته التجربة" (2)

 

خادمان مراهقان في صحبة القساوسة: كيف يتم إعادة تشكيل الذات؟

من أبرز الكُتّاب الأفارقة الذين تحدثوا عن تجارب دمج الأفارقة ثقافيا ونفسيا في منظومة الاستعمار فرديناند أيونو ومونجو بيتي (اسمه الحقيقي ألكسندر بييدي). ثمة تشابه كبير بين الكاتبين؛ فكلاهما نشأ في ظل الحكم الاستعماري للكاميرون، والتحقا بالإرسالية الدينية في قريتهما فترة صباهما ثم سافرا إلى فرنسا لاستكمال تعليمهما الجامعي.

 

وقد نقلا عملية الاندماج الأفريقي في ذات المستعمِر الفرنسي من خلال تجربة خادم صبي أفريقي في معايشة أب قسيس فرنسي، وقد صدرت رواية "حياة خادم" لأيونو و"مسيح بومبا المسكين" لبيتي في العام نفسه.

 

الشخصية الرئيسية في كلتا الروايتين خادم في سن المراهقة، فيعمل "توندي" في رواية أيونو في خدمة الأب "جلبرت" ثم ينتقل لخدمة الحاكم العسكري الفرنسي للمنطقة، وفي رواية بيتي يعمل "دينيس" خادما شخصيا للأب "درومون" مسؤول الإرسالية الكاثوليكية. والروايتان كتبتا في شكل مذكرات يسجلها أبطالها، نقترب من خلالهما إلى التكوين النفسي والثقافي لأبطال الروايتين، وننفذ إلى دواخل وأعماق شخصية الأب أو القسيس المسيحي في أفريقيا. (3)

   

   

يذكر" توندي" في مذكراته:

"كنت أدين للأب جلبرت بكل ما هو أنا، إنه صاحب الفضل علي وأنا أحبه جدا، إنه مرح ولطيف، وعندما كنت صغيرا كان يعاملني كحيوان أليف، كان يحب أن يشد أذني، وطيلة الوقت الذي كنت أتعلم فيه كان يروق له أن يراقب دهشتي المستمرة من كل شيء. يقدمني إلى البيض الذين يزورون الإرسالية كأفضل إنجازاته. لقد عرفت الأب جلبرت منذ كنت عاريا تماما، وهو الذي علمني أن أقرأ وأكتب، ولا شيء يمكن أن يكون أثمن من هذا، حتى لو كان علي أن أرتدي ملابس سيئة" (4)

 

فهذا الخادم الصغير "توندي" يُعرض كبهلوان أو ممثل يثير دهشة الأسياد، يساعدهم في العمل اليومي في مقابل الحصول على قوت يومه وارتداء الملابس حتى لو رديئة، ويرى نفسه نتاجا خالصا للأب جلبرت. يتبنى توندي موقف سيده، ويردد حديثه كالببغاء، ويصف ذلك قائلا: "وضبطت نفسي متلبسا بالتفكير في أنني كأحد الببغاوات البرية التي كنا نجذبها إلى القرية بحبات الذرة".

 

وفي رواية "مسيح بوميا المسكين" يتبع دينيس خادم الإرسالية الأب تبعية مطلقة، ويبدو ذلك من خلال تكرار الفقرات نفسها والجمل التي يرددها القس نفسه، ليبدو كرجع صدى لصوت الأب وظلالا لصورته، وينظر الصبي إلى الأفارقة الآخرين بالنظرة المتعالية نفسها التي يراهم بها الأب؛ فهم مستحقون لغضب الله لكفرهم، وبلادهم مملكة للشيطان.

 

ترى رضوى عاشور أن كلا من فرديناند أيونو ومونجو بيتي يقدمان صورة مماثلة للصورة التي قدمها فانون في كتابه "بشرة سوداء وأقنعة بيضاء" حينما أشار إلى كيفية تحطيم المستعمِر التكامل العقلي والنفسي للمستعمَر منذ طفولته، ودلل فانون على كلامه بأمثلة من جزر الأنتيل حيث تصور مجلات الأطفال والأفلام السينمائية الزنوج والهنود الحمر كنموذج للشر والتوحش.

  

فرانز فانون (مواقع التواصل)

   

كما يؤكد فانون على أن الغزو العسكري في أفريقيا توازى معه تدمير الأنظمة الاجتماعية، ففرض الاستعمار مجموعة جديدة من القيم فرضا قسريا على السكان الأصليين، وحينما شاهد أهل البلاد أن بلادهم تُدمر ثقافتها، اعتقد أكثرهم أن الله لا يقف بجانبهم، وتلبسهم الشعور بالذنب والدونية، فلجأوا إلى الهرب بالانتماء الكامل وغير المشروط إلى النماذج الثقافية الجديدة، وإدانة أنماطهم الثقافية الأصلية. (5)

 

هذا ما ينطبق على الخادم توندي الفخور بخدمته للأب جلبرت، واستشعاره بالوجد حينما يلمس يده: "لقد أمسكت بيد مليكتي، شعرت أنني حر فعلا من الآن فصاعدا، ستصبح يدي مقدسة".

 

تنتهي رواية "حياة خادم" لحظة كشف نفسي، تعكسها كلمات "توندي" الأخيرة وهو على فراش الموت، فحينما هرب من الكاميرون، ولجأ إلى بلد مجاور، والتقى بشخص من أبناء وطنه قال له وهو يحتضر: "فرنسي فرنسي، أنت من الكاميرون؟"، وحين أجابه الرجل بأنه كذلك، قال توندي له: "يا أخي يا أخي ماذا نكون؟ ماذا نكون، نحن السود الذين نَسمى فرنسيين؟". (6) تحمل هذه العبارات مأساة جماعة بأكملها، نرى فيها كيف أن عمليات الدمج ما هي إلا نوع من الاستبعاد والقضاء على الهوية وشعور دائم بالاغتراب والتيه.

   

    

ولي سوينكا وموسم الفوضى

منذ منتصف الستينيات ظهرت الروايات التي تنتقد مرحلة ما بعد الاستقلال تعبر عن انكسار الأمل في التغيير، وتتبنى موقفا نقديا من السلطة ودور النخبة الأفريقية الحاكمة. وتُعد رواية "الصوت" للكاتب النيجيري جابرييل أوكارا 1964 من أسبق هذه الأعمال التي عكست فساد الطبقة الحاكمة ودكتاتورية الحاكم، والتقييد والسطوة التي تمارسها ضد المثقفين الثوريين، وغسيل المخ والخداع الذي تمارسه على الجماهير.

 

ورواية "الصوت" حكاية رمزية بسيطة للبطل أوكولو الذي يبحث طيلة الرواية عن شيء غير محدد أو واضح قد نسميه الحرية أو الحقيقة، يطرح بحثه وأسئلته على الكبار والحاكم المطلق، فيعملون على إسكاته ويُضطهد ويُتهم بالجنون، ولا تسانده سوى امرأة أمية بسيطة، فتُتهم بالشعوذة والسحر لما تتمتع به من ذكاء وبصيرة.

 

ويقف ضد أوكولو المثقف الذي تعلم في الجامعات الأوروبية ونال أعلى الشهادات من الجامعات الأوروبية، فالجميع يزعجهم صوته ولا يتحملونه حتى المثقفين، فيقودونه والمرأة التي تسانده ويلقونهما في البحر حتى يموتا غرقا.

 

يظهر جليا في الرواية تأثر ولي سوينكا بالأساطير الشعبية التي تربط بين الموت غرقا والبعث من جديد، أي إن البطل لن يموت. يحمل البطل أوكولو أصداء واضحة من عدد من الشخصيات في التراث الأدبي والإنساني مثل سقراط، أفلاطون، هاملت شكسبير.

  

ويل سونيكا (مواقع التواصل)

 

ونتعرف على الوجه الساخر والحس الفكاهي لـــ ولي سوينكا في رواية "الحلوين لم يولدوا بعد" التي يعكس سوينكا فيها نموذج الموظف المرتشي الذي يشبه موظفين كثيرين في بلادنا الذي ينام في المواصلات حتى يسيل لعابه بلا وعي منه بصورة متكررة، فالناس في حالة من النوم وغياب الوعي المستمر، ويضرب اليأس حصاره حولهم محولا حياتهم اليومية إلى جحيم. ويبدو أن الجميع يتصبب عرقا ولكن ليس مما يبذلونه من جهد، ولكن نتيجة الصراع الذي يدور في داخلهم بشكل مستمر. (7)

 

أما في روايته "المفسرون" نرى شخصية شاجو المثقف الذي يخترع الفلسفة الإخراجية، يستهزئ ولي سوينكا فيها من وضع المثقفين وانعزالهم عن المجتمع في موقف كوميدي. فنجد أحد المثقفين يصر على شرح فلسفته الإخراجية لساعي مكتبه، فيقرأ جزءا من الرسالة على الساعي بمصطلحات أكاديمية غامضة ومعقدة لا يفهم الساعي منها شيئا، فالرسالة لا تزيد على كونها شرحا لمزايا التبرز. ومفاد فلسفته أن التبرز هو أرقى نشاط إنساني على المستوى الروحي والجسدي. ويعكس شونيكا في هذا الموقف حذلقة المثقف والهوة التي تفصله عن العامة. يعمل هذا المثقف في مكان قذر تحيطه القاذورات والماء الآسن الذي تسبح فيه كتل من الروث، وحينما سأل الساعي كيف تعمل وسط هذا العفن، فأجابه: "آه يا سيدي، إن كل من يأتون يقولون هذا في البداية، ولكن صحتهم تتحسن بعد ذلك ويسمنون على الرائحة". (8)

  

تشبه رضوى عاشور عقل سوينكا بالطاحونة التي تتفرد بطحن كل ما هو متاح من التراث الأدبي الغربي والتراث الأفريقي (تراث اليوروبا بالأساس) ليصنع مزيجه التجريبي الخاص. ولقد فاز سوينكا بجائزة نوبل للآداب 1986، وله تاريخ حافل من النضال السياسي والعمل الإبداعي الأدبي والأكاديمي في عدة جامعات أميركية وأوروبية. (9)

 

كامارا لايس: طريق الزنوجة المسدود

تطرقت رضوى عاشور في سياق دراستها للأدب في غرب أفريقيا إلى النتاج الأدبي لهؤلاء الكُتّاب الذين يمثلون الزنوجة، والزنوجة في بدايتها كانت حركة سياسية ثم تحولت إلى ثورة ثقافية وفنية، تقوم بتمجيد "الروح السوداء" كرد فعل للعنصرية التي يواجهونها في الغرب، فهي صرخة لإثبات الوجود والاعتزاز بالعرق الأسود. فنجد إحدى الشاعرات الزنجيات تتباهي بلون بشرتها قائلة:

 

"أنا سوداء غير أني جميلة حسناء

فلا ينصرف اهتمامكم إلى لون بشرتي الزنجية"

    

  

تعرضت الأشعار والأعمال الأدبية التي تمثل الزنوجة للإطراء والمديح من قبل بعض الكُتاب الغربيين وعلى رأسهم الفيلسوف الفرنسي سارتر الذي احتفى احتفاء كبيرا بالشعر الزنجي وخاصة أعمال سنجور، بينما تعرضت أعمال أدباء تيار الزنوجة للنقد اللاذع من بعض الكتاب الأفارقة أنفسهم. فنُظر إليها باعتبارها مذهبا منفصلا عن واقع أفريقيا الفعلي.

 

فهم يرون أن المثقف الذي يجعل مهمته استعراض كنوز بلاده الثقافية أمام عيون المستعمر لإقناعه بتاريخه وحضارته لا يختلف في رؤيته عن المشاهد الأوروبي الذي ينبهر باستعراض الكنور الأفريقية. فكُتّاب الزنوجة يعملون بنفس منطق المُستعمِر، وأُخذ عليهم إصرارهم في فصل القارة الأفريقية إلى حضارة إسلامية في الشمال وحضارة سوداء في جنوبي الصحراء، وانتقدوا فيهم الإغراق في الماضي دون الالتفات للمستقبل، فالانشغال بالماضي لا يفسح مجالا لتغيير الواقع اليومي ولا ينشغل بهموم الناس. (10)

 

من أهم هؤلاء الكُتّاب الذين تمثل أعمالهم الزنوجة كامارا لايس أحد رواد الرواية في غرب أفريقيا، ينتمي كامارا لايس إلى أسرة غينية، أمضى طفولة سعيدة ببلدة كزرزسا، ينحدر والده من عائلة من الحدادين وصياغ الذهب، أما والدته فهي من عائلة من المزارعين مسلمة، ولكنها ما زالت تحتفظ بالطقوس التقليدية المتوارثة من عهود ما قبل دخول الإسلام بلادها، حفظ القرآن في الكُتّاب ثم التحق بالمدرسة الصناعية وحصل على منحة للدراسة في فرنسا. كتب عددا من القصص القصيرة وثلاث روايات هي "الطفل الأسود 1953"، و"نظرة الملك 1954"، ثم "دراموس 1966"، وتعتمد الروايتان الأولى والثالثة على سيرة الكاتب الذاتية.

 

كامارا لايس ورواية "الطفل الأسود".. "آه كم كنا سعداء في تلك الأيام"

"الطفل الأسود" عبارة عن سرد لذكريات الكاتب الدافئة في كنف والديه، الأب الذي يعمل صائغا للذهب يحميه الثعبان طوطم عائلته، والأم الجميلة النشطة قوية الشخصية التي يحميها التمساح طوطم عائلتها. تحكي الرواية الحياة الأفريقية بعيون شاب بعيد في أرض الغربة، فيجعل منها فردوسا أرضيا، فالحنين إلى الماضي هو الخيط الناظم الذي ينظم عقد المشاهد الجمالية للحياة في القبائل الغينية، فنعيش معه في أجواء الاحتفالات الأفريقية بالختان والحصاد والرقص والغناء.

   

   

يقدم كامارا بلدته في صورة عالم لا استعمار فيه رغم أنها كتبت في أوج دعوات الاستقلال، ويعكس عالم أفريقيا الساحر المدهش بعين السائح، مما أثار ردود فعل متناقضة حول رواية "الطفل الأسود"؛ فبينما حظيت بإعجاب الأوساط الثقافية الغربية، وهللت لها الصحافة الفرنسية، وحصلت على جائزة فييون 1954 بعد عام واحد من نشرها، نالت قسطا وافرا من الهجوم من النقاد والكُتّاب الأفارقة، للأسباب نفسها لأنها صورت أفريقيا بلدا خاليا من المشكلات، وأضفى عليها هالة سحرية من واقع حنين لا يرى الواقع الفعلي، مما أثار شكوكا حول موقف كامارا لايي نفسه من الاستعمار، وهل تحول إلى مدافع عن وجوده في أرض بلاده؟

 

ترى رضوى عاشور أن كامارا لايي أراد أن تكون رواياته هجوما على نظام الحكم في غينيا، ولكنه وقع في مصيدة تفضيل الاستعمار الفرنسي على نظام الحكم الوطني، وذلك لارتباطه بأفريقيا القديمة التقليدية ورفضه ونقمه على كل مظاهر التغيير.

  

كتب لايي "الطفل الأسود" و"نظرة الملك" وهو طالب غريب فقير في فرنسا إلى بلاده لم يتجاوز سنه 26 عاما، فالكتابة كانت سبيله لتبديد وحشة الغربة بقلب الرومانسي العاشق للماضي. وكتب الجزء الثاني من سيرته الذاتية في روايته الثالثة "دراموس"، صور فيها عودة الفتى الغيني بعد أن عاش غريبا في باريس إلى أهله وعشيرته، استرجع فيها أيام معاناته في باريس، ومشاكله المادية وعمله في مصانع السيارات في الوقت الذي يدرس فيه الفصول المسائية لأحد المعاهد، ليكتشف هذا الفتى بعد عودته ويصطدم بالتغييرات الكثيرة في بلاده، فيشعر بخيبة الأمل. (11)

 

تؤكد رضوى عاشور على أن كامارا لايي لم يكن مبارزا أو كاتبا سياسيا ولكن له تميزه الفني، فتراه الفتى الغيني المغترب والفنان الموهوب. تخلص رضوى عاشور في دراستها للأدب الأفريقي بأنه وإن لم يحظ بالشهرة الكافية، ولم يبلغ كاتب أفريقي حظ تولستوي أو شكسبير من الانتشار العالمي، ولكن ثمة أعمال إبداعية حقيقية جسدت الواقع التاريخي وهموم الأفارقة، واستلهمت ثراء التراث الشعبي الأفريقي وأساطيره وإرث حكاياته الشفهية الخصبة المتجددة، فأسست أدبا قوميا رائدا يعكس خصوصية وذاتية شعوبها، وواجهت صورا مشوهة رسخها الاستعمار عن أفريقيا. تطرقت رضوى عاشور كذلك إلى جدلية اللغة في الأدب الأفريقي، ولكنها رأت أنه وعلى الرغم من أن اللغة الأوروبية سواء الفرنسية أو الإنجليزية أو غيرهما التي قدم بها أدباء أفريقيا أعمالهم الأدبية فإنها لم تنف عنها لونها الأفريقي الخاص، وساهمت في نقل التجربة شديدة الحيوية والتركيب وساهمت في إيصال معانٍ أكثر عمقا، تعكس قدرة الكاتب الأفريقي على فرض حضوره الشخصي وتطويعه لغة المستعمر، بإتقان الحكي وتملك ناصية الحكاية، وحمله همومه شعبه وبحثه الدؤوب عن معالجة حاضره بالنظر في ماضيه. (12)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار