انضم إلينا
اغلاق
سيد قطب.. مفكر أيديولوجي أم أديب ناقد؟

سيد قطب.. مفكر أيديولوجي أم أديب ناقد؟

زينب البقري

محررة رواق
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

 "أنت من طيف القلق ** صاغك الله والجموع

أنت ترنو إلى المحال ** عاشقا بعده السحيق

فإذا شارف المنال ** خله من لقى الطريق"

(عاشق المحال، سيد قطب 1942) (1)

 

سيد قطب، شخصية أثارت كثيرا من الجدل حولها، وما زالت تدور نزاعات بين الفِرق كلها حول أيهم الأقرب لفكر قطب. ولكن، وفي زاوية أخرى من زوايا سيد قطب، ظل وجه منه منزويا عن دائرة الاستقطاب، والذي لم يلق القدر نفسه من الاهتمام الذي وجده قطب المفكر والكاتب الإسلامي، هذا الوجه الذي جسّده قطب باعتباره أديبا وناقدا، ويعود ذلك لأسباب تتمثل في أن "قطب" منشطر لمرحلتين بدا وكأنهما متنافرتان متناقضتان وهما: مرحلة قطب الأديب، مريد عباس العقاد والشاعر الباحث عن المثال، والناقد الساخط على عدم تقدير الشيوخ لأعماله وأبناء جيله، ومرحلة سيد قطب المفكر الإسلامي الذي تتنازع كتاباته بين الفِرق الإسلامية كلٌّ ينهل منها ما يفسر غايته ويعيد قراءتها بما يخدم فكرته، لقد مات قطب ولم يمت، فقد ظل رمزا حاضرا ضد الاستبداد، وبطلا مقاوما في ذهن البعض، ومتطرفا في مخيلة البعض الآخر، كان سيد قطب يرنو للمُحال، فصار من المُحال أن يتوقف نزيف تأويل كتاباته.

 

سنُلقي الضوء في هذا التقرير على الجانب الإبداعي من سيد قطب الأديب، نعيش معه شاعرا وناقدا وقاصًّا وروائيا، فسيد قطب لم يتمرد على الأدب كما يرى الباحث د. علي شلش، أحد أهم من كتبوا عن سيد قطب واقتربوا من عالمه الأدبي دون حجاب الأدلجة، فقد أشار شلش في كتابه " التمرد على الأدب: دراسة في تجربة سيد قطب" إلى أن تحول قطب من الأدب يُعد تمردا غير عادي، وبحث في أسبابه الاجتماعية والسياسية والنفسية. (2)

   

د.علي شلش (مواقع التواصل)

   

فقد ألقت علاقة قطب مع الأدب بظلالها على قطب المفكر، فسيد قطب الكاتب الإسلامي الباحث عن المجتمع النقي الأول، هو ذاته الشاعر الرومانتيكي الباحث عن التجربة الذاتية الكاشفة لكل ما هو روحي، فعلاقة قطب بالأدب مفسرة لكثير من خياراته وتوجهاته الفكرية.

 

سيد قطب ومسيرة طفل من القرية

لقد ولج قطب مساحات كثيرة، كالرواية والسيرة الذاتية والشعر والنقد الأدبي، حتى مساحة أدب الأطفال خبرها فكتب ثلاث قصص للأطفال، ولكن لم يُعد نشرها فدثرت (3)، سنتوقف عند كل محطة من محطات قطب الأدبية، لنرى كيف أثرت على تكوين فكر قطب وكيف ظل الأدب وعلاقته بمدرسة الديوان وروحه الشاعرة وعلاقته بالنقد حاضرة في مسيرة حياته فيما بعد؟

 

رغم أن سيد قطب بدأ مسيرته الأدبية شاعرا؛ فقد نشر أول قصيدة له في 1925، فإننا سنبدأ بمصاحبته كاتبا لسيرته الذاتية "طفل من القرية"، التي شاركنا فيها عالمه القروي الخيالي، ورأينا معه المجذوب وضابط الجمباز وحكيم القرية غير المؤهل والعفاريت والسحر والتنجيم واللصوص والفقر.

 

ولد قطب في قرية موشا بأسيوط، وحينما بلغ ربع قرن من العمر، كتب هذه السيرة الذاتية في منتصف عمره، ومنتصف طريق خاضه، فقد فيه الكثير، فقد مات والده ثم والدته في 1940، فازداد شعوره بالغربة، وحينما تفرقت به السبل، ارتد للماضي يبحث عن أصالته، وينظر في خطوات حبوه الأولى في الحياة، ففي "طفل من القرية" يستعيد قطب الشاب ذاكرته لاستعادة ذاته، بقلب يحن إلى هذه الحياة مجسدا إياها في صورة البراءة الأولى. (4)

   

مدينة أسيوط قديما (مواقع التواصل)

 

كتب إهداءها إلى طه حسين صاحب "الأيام"، قائلا:

"إنها يا سيدي أيام كأيامك، عاشها طفل في القرية، في بعضها من أيامك مشابه، وفي سائرها عنها اختلاف، اختلاف بمقدار ما يكون بين جيل وجيل وقرية وقرية، بمقدار ما يكون بين طبيعة وطبيعة واتجاه واتجاه، ولكنها بعد ذلك كله أيام من الأيام". (5)

 

أنهى قطب سيرته بحوار لم يشهده بين أبيه وأمه:

"سافر؟ قال الوالد بسلامة الله، وانفجر يبكي كالأطفال، والأم تتناسى آلامها وتعزيه ثم تخلو لنفسها لتنفجر بالبكاء". (6)

 

أتى قطب إلى القاهرة حاملا معه عبء إنقاذ مأمول للأسرة مقترنا بحلم العظمة، لتُكسِب هذه الحياة شخصيته نوعا من التصلب، فقد فارق تدليل الطفولة باكرا، وخاض غمار الحياة مكافحا بجدية ومثابرة، معتادا ألا يفصح عن احتياجاته النفسية لأحد. قسّم حياته إلى عالمين: عالم الطفولة، وعالم الشقاء، ومن ثم فقد ظل الريف في شعوره دار النعيم والرضوان، العهد الصبوح الأغر، وخلفه عهد ظلوم قتر. (7)

 

تتمثل أهمية "طفل من القرية" في كونها معبرة عن شخصية قطب، فهو الطفل الذي غادر القرية حاملا معه بضاعة الأدب، وهو الأديب الذي عافر الدنيا، فبحث في حياته عن البراءة الأولى في طفولته وقريته. وقد سبق صدور سيرة قطب "طفل من القرية 1946" بعام واحد أول نص كتبه فيما أسماه "مكتبة القرآن الجديدة" وهو "التصوير الفني في القرآن"، وأعقبه بعام صدور كتابه "مشاهد القيامة في القرآن 1947". ونجد في إهداء هذين الكتابين أن "قطب" يبدو كمن فقد طيبات الماضي فأخذ يبحث عن الأصالة والجذور الأولى، فالتحم البحث عن الجذور والعودة للماضي بإعادة قراءة القرآن متسلحا بأدواته الأدبية، وروحه الباحثة عن البراءة والنقاء الخالص. (8)

 

فالكتاب الأول "التصوير الفني في القرآن" مُهدى إلى روح والدته التي لا تزال صورتها مطبوعة في ذهنه وهي تنصت إلى تلاوة القرآن من وراء النافذة وترده ردا جميلا كلما حاول أن يلغو لغو الأطفال، تتمنى أن يُرزق حسن التلاوة حينما يكبر. (9)

   

كتاب التصوير الفني في القرآن (مواقع التواصل)

  

أما الكتاب الثاني "مشاهد القيامة في القرآن" فقد أهداه إلى روح والده، الذي تحضر صورته في مخيلته وهو يقرأ الفاتحة على أبويه كل مساء عند الفراغ من طعام العشاء، يتبين هذه الرغبة الجامحة والحنين الجارف إلى تلك الأيام الأولى بسذاجتها ونقائها الطاهر. (10) يبوح قطب بمعاناته في هذه المرحلة في عدد من المقالات نُشرت في مجلة الشؤون الاجتماعية مثل "هل نحن أمة؟"، "القاهرة الخداعة"، "جيل حائر"، تكشف عن عذابات الروح العميقة لرجل يبحث عن هوية ثقافية ويقين فكري. (11)

 

تزامن كتابة قطب لسيرته الذاتية "طفل من القرية" مع كتابيه "التصوير الفني في القرآن" و"مشاهد القيامة في القرآن" يعكس الصراع الداخلي الذي خاضه قطب في هذه المرحلة، فقد كانت معركة قطب الرئيسة هي صراعه الدائم بين المثال والواقع، في البحث عما يريد وما يجده حاصلا، وهذا ما يتضح في مساره النقدي والأدبي ومشروعه الاجتماعي والفكري على السواء. تبرز هذه المعركة بين المثال والواقع في مسيرته كشاعر وناقد كما سنبين لاحقا.

 

سيد قطب الشاعر

"من حنين الفؤاد، من خفقاته ** ذلك الشعر من صدى زفراته"

 

الشاعر عند قطب إنسان ممتاز، قد صاغته الحياة على مثال خاص ليؤدي مهمة خاصة. (12) كما أن الشاعر لديه أعرف بالحقيقة من الفيلسوف، ولكنه يختلف في طريقة التعبير عنها، لاختلافهما في طريقة إدراك الحقيقة. وشعر قطب هو شعر الحالات النفسية على حد قول العقاد، فهو متأثر بمدرسة الديوان، ويعرف قطب القصيدة الغنائية بأنها "مجرد تعبير في صورة موحية عن تجربة شعورية". (13)

   

لذا فإن الانفعال ومعايشة المعنى بالتجربة أهم ما يميز شعر سيد قطب، فأشعاره قطرات قلبه مذابة، وأنفاس روحه منثورة. كتب قطب عن مشاعر الغربة والوحدة ورهبة الموت، كتب قصيدة يرثي قطته نوسة، وكتب عن الحب وإخفاق المحب، وعن الارتباط بالطبيعة والتعلق بالوطن.

   

   

غريب، أجل، أنا في غربة ** وإن حفت بي الصحب والأقربون

غريب بنفسي وما تنطوي ** عليه حنايا فؤادي الحنون

    

 يرى النقاد أن ديوان سيد قطب "الشاطئ المجهول 1935" يكشف عن موهبة قطب الشعرية الأصيلة، رغم ما اعتراه من ضعف التعبير وأسلوب خطابيّ في بعض المواضع، كما عكس الديوان الملامح العامة لإبداع جيله، فهم يتشاركون في رومانتيكية المزاج، وكلاسيكية الصياغة، والاهتمام بالقضايا العامة.

 

كما يرون -النقاد- أن القصائد التي كتبها قطب ما بعد الديوان كانت أكثر نضجا، فالتجربة والزمن قد أثريا حصيلة صاحبها، فاختمرت داخله، فأخرجت منه شِعرا أجود لم يغرق في الحشو أو الاستطراد أو تكرار للمعنى، واستمرت قصائده تتميز بطابعها الغنائي، لكنها لم تلق من الدارسين اهتماما كقصائد ديوانه. ومن هذه القصائد التي كتبها سيد قطب فيما بعد نشر ديوانه هذه القصيدة التي كتبها بعدما بلغ الثلاثين، يقول في ختامها:

يضاعف اليوم مني المصاب *** إن لم أعش بالخيال

قضيت -واحسرتاه- الشباب *** كالكهل في كل حال

يجيش بالنفس سيل الرغاب *** فلا يمس اعتدالي

ووجهتي في الحياة الصواب *** ونظرتي للمآل

عصيت أمر الحياة المجاب *** فكان رشدي ضلالي

            فأسرعي يا ليال

  

وتحدث قطب عن تجربته في الحب في عدة قصائد مثل: "حدثيني"، "الظامئة"، "لماذا أحبك؟"، "المعجزة"، "حب الشكور"، وودعه في قصيدته المعنونة "عن الحلم والحياة"

أين أنتِ الآن يا سر حياتي *** أين أنتِ الآن يا معنى وجودي؟

أين يا وحي نشيدي وصلاتي *** أين؟ في واد من الصمت بعيد

لمَ يا حلمي قد فارقتني؟ *** فإذا الكون هباء في هباء

لمَ يا حلمي قد أيقظتني؟ *** فإذا الصحو شقاء في شقاء

أيها الحلم ترى كنت خداعا *** إيه ما أصدقه هذا الخداع

أيها الحلم الذي فات… وداعا *** ما الذي نملكه غير الوداع؟

  

تجربة الحب لم تصنع من قطب شاعرا، ولكنها جعلت شعره حيًّا أكثر وأقل تكلّفا، وأنضجت هذه التجربة العاطفية محاولات قطب الروائية، ولن تكون مبالغة إن قلنا إنها صنعت منه روائيا.

   

 

سيد قطب.. العاشق السائر على الأشواك

  "إلى التي خاضت معي في الأشواك فدميت ودميت، ثم سارت في طريق وسرت في طريق: جريحين بعد المعركة، لا نفسي إلى قرار ولا نفسها إلى استقرار" (14)

  

هذا هو إهداء قطب في روايته أشواك لتلك الفتاة التي ملكت شغاف قلبه، وأصابته بالحيرة والشوق، فقد سارا معا في طريق العشق والفراق. رغم أن "أشواك" رواية فنية فإن العين لا تخطئ باعتبارها تجربة ذاتية، سواء في أسلوبها أو إهدائها الصريح.

 

حينما أحب سيد قطب رأى في حبه استعادة لرحابة الطمأنينة، ولكن ما يلبث أن شعر بخيبة الأمل بهذا الحب، يشبه قطب "سامي" بطل روايته "أشواك"، الشاعر الذي يحب "سميرة" التي تفضي إليه بمنتهى البراءة علاقتها السابقة بضياء، فيصيبه الشك الأبدي في حبها له. لا يستوعب البطل أن سميرة قد صدقت في حبها الأول ففرقت الأقدار بينها وبين ضياء، ثم أحبته وأمّنته على كوامن نفسها، ولكن سامي الباحث عن البراءة المثالية المتخيلة لم يتحمل ذلك الاعتراف، فتلبّسته الحيرة وهزمه الشك. تشبه "أشواك" رواية "سارة" للعقاد؛ فكلاهما يتناولان الحب الموءود بالصد والتدلّه.

 

نرى من خلال رواية "أشواك" علاقة قطب المرتبكة بالمرأة كبطل "أشواك". لم تسمح ظروف معيشة قطب وتقلبات أوضاع عائلته وبيئته المحافظة التي نشأ فيها أن ينصرف للعبث، فوجد ملاذه في الشعر والفن، وصان خياله بالسذاجة الحلوة والتصورات المثالية عن المرأة. (15) لذا فإن اعتراف "سميرة" بتجربتها السابقة مع ضياء وضعت سامي في مأزق نفسي وصراع جواني، يعبر عنه سيد قطب الكاتب على لسان "سامي" قائلا:

 

"تراه أخطأ الطريق من أوله فطلب الحورية العذراء المغمضة العينين في بنت من بنات القاهرة، أم تراه أخطأ الطريق من أوله فطلب حياة زوجية لا تصلح له بحال؟" (16)

     

 رواية أشواك (مواقع التواصل)

   

رغم أن سيد قطب لم يعد ذلك الصعيدي الذي أتى إلى القاهرة 1921 فإنه ظل يرنو إلى أن تكون فتاته حورية مغمضة العينين يقودها إلى عشه المسحور. مرة أخرى تبدو لنا شخصية قطب الساعية نحو البراءة الخالصة والواقعة بين شقي رحى الواقع والمثال.

 

لقد خاض قطب هذه التجربة بآلامها فحفرت فيه كثيرا وتركت بصماتها عليه، فصور ذلك في أشعاره ومقالاته، هذه النفس التي أصبحت بالحب أكثر سموا وطهرا بوجود الحبيبة، ووحدة وعزلة بضياعها، كتب قطب مقالا نُشر في مجلة الرسالة عدد 29 مايو/أيار 1944 عبّر فيه عن توقه للعودة إلى روحه المستلبة بهذا الحب الضائع، ومما جاء فيه: "لست أنتِ التي أريد يا فتاة… إنما أريد ذلك الفتى الخالي الذي كان يحيل حقيقتك المجسمة إلى رؤيا مجنحة".

 

المدينة المسحورة وخيال قطب الفذ

رغم أن "أشواك" هي الرواية الأشهر والأنضج أدبيا لسيد قطب، فإن ثمة محاولة روائية أخرى لا يُنتبه إليها كثيرا، وهي روايته "المدينة المسحورة" التي نُشرت في فبراير/شباط 1946، تختلف رواية "المدينة المسحورة" عن "أشواك"، فبينما تتناول أشواك موضوعا عصريا واقعيا، تُقتبس "المدينة المسحورة" من ألف ليلة وليلة، وتدور حول فكرتي الخيال والقدر.

 

وتحاكي "المدينة المسحورة" محاولات طه حسين وعلي أحمد باكثير في كتابة نص على نص، فكما كتب طه حسين "أحلام شهرزاد"، كتب قطب "المدينة المسحورة". ونرى في الرواية شهريار وقد سئم الفراغ بعدما أمضى ألف ليلة مع حكايات شهرزاد، وضاق بالعالم المحسوس ويسعى للتحليق في الخيال ليواجه شعوره بالاغتراب. تخبرنا الرواية أن الحياة بلا خيال نوع من التحجر والعيش بلا أحلام حيوانية بليدة.

   

رواية المدينة المسحورة (مواقع التواصل)

 

يأخذ النقاد على رواية "المدينة المسحورة" أنها رغم رقة أسلوبها فإنها ضعيفة في البناء الدرامي ورسم الشخصيات، فقد بدأ الخيط الدرامي بحاجة الإنسان الدائمة إلى الخيال، فلم يتم قطب هذه الفكرة، وتحول إلى فكرة سطوة القدر المسطور، وهيمنته على البشر ملوكا ورعاة. (17)

 

سيد قطب والمقالات النقدية والاجتماعية

كما كان الشاعر إنسانا مثاليا لدى قطب، كان الناقد -عنده- صاحب مهمة مقدسة، فقد جُمع لسيد قطب ما يقرب من 480 مقالة، ثلثها في الأدب، فكان أول مقال نقدي نشر لقطب معنونا بـ "غزل الشيوخ في رأي العقاد". واحتل النقد النصيب الأبرز في نشاطه الأدبي، وكان له موقعه في خريطة النقد الأدبي الحديث، أما باقي المقالات تناولت موضوعات اجتماعية وسياسية. كان قطب من أبرز النقاد في ساحة الأدب خلال فترة الأربعينيات، خاصة حينما نأى العقاد وطه حسين، وكف المازني عن محاولاته، لم يبرز على الساحة سوى قلة من أساتذة الجامعة على رأسهم محمد مندور. (18)

 

نلاحظ أن الانفعال هو المحرك الرئيسي لكتابات قطب سواء الأدبية أو الاجتماعية أو السياسية أو النقدية، فقطب هو هذا الرجل الذي يستهل حديثه عن يحيى حقي وروايته قنديل أم هاشم في كتابه "كتب وشخصيات" قائلا:

"أوه يحيى حقي!

أين كانت هذه الغيبة الطويلة؟ وفيم هذا الاختفاء العجيب؟"

هو الذي يقدم نجيب محفوظ محتفيا به قائلا:

"كل رجائي ألا تكون هذه الكلمات مثيرة لغرور المؤلف الشاب المرجو لأن يكون قصاص مصر في القصة القصيرة". (19)

 

يرى علي شلش أن سيد قطب الناقد كان مجتهدا في التفسير، مستقلا في الرأي ولديه طموح الإضافة وجرأة نحت المصطلحات الجديدة، ولو تمكن من الآداب الأوروبية دون وسيط الترجمة ﻷمكنه إضافة المزيد من الاجتهاد، وقادته الجرأة لاقتحام مساحات مهمة، ولكنه أسرف في أحكامه وتعجله في إطلاقها، مثل اتهامه للأدب الجاهلي بمعاداة الطبيعة وحكمه على المسرحية الشعرية بالموت. (20)

   

الأديب نجيب محفوظ (مواقع التواصل)

   

مرة أخرى تدلنا إهداءات قطب في كتاباته على رؤيته للحياة وتصوراته وأفكاره، ففي إهداء كتابه "كتب وشخصيات" للأدباء الذين تناول أعمالهم بالنقد والتحليل، نرى فيه أن "قطب" يعتبر الناقد هو مرآة الأديب التي تبين له وجهي عملته الأدبية دون زيف أو مجاملة.

 

وأشار قطب في أكثر من مقالة له عن معاناته مع النقد، وكيف عمل في ظل بيئة منعدمة الأخلاق بعدما سيطر على مساحة النقد حفنة من محرري الصحف اليومية الجهلاء، وزهد الشيوخ الكبار عن ممارسة مهمة النقد المقدسة، فيذكر قطب أن عمله النقدي لم يورثه سوى خسارة الأصدقاء وكسب الأعداء. لذا كان يرى قطب أن النقد ضريبة يؤديها الناقد من وقته وجهده، فهو لم يتعب في كتابة الأعمال الأدبية قدر تعبه في إعداد مقال من مقالات النقد الصغيرة. (21)

 

ممارسة النقد عند قطب هي معايشة ذوقية وثقافية للنص، وانتهج قطب منهجا معينا وضع خطوطه العامة وأصوله المنهجية في كتابه "النقد الأدبي: أصوله ومناهجه"، يظهر فيه تأثره الكبير بمدرسة الديوان، خاصة فيما استخدمه من مصطلحات كالحقيقة الشعورية والصدق الشعوري وملكة التنسيق الفني وإلخ، وضمّن فيه آراءه حول نظرية الأدب، ولم يحبذ قطب إقامة قواعد النقد الفني على أساس الفلسفة أو المنطق، ورأى أن علم النفس هو أقرب العلوم إلى الأعمال الفنية. (22)

 

آراء قطب النقدية تنضوي تحت لواء مدرسة العقاد، فعلاقة قطب بالعقاد مفسرة لكثير من أعماله وتوجهاته الفكرية والأدبية، ولها ظلالها البارزة في تناول قطب الأدبي للقرآن، وفي تعزيز شخصيته الرومانتيكية.

   

كتاب النقد الأدبي، أصوله ومناهجه  (مواقع التواصل)

 

صلة قطب بالعقاد.. منظور آخر للتفسير

"كانت شخصية العقاد هي الشخصية الوحيدة التي أخشى الفناء فيها، كنت أحس هذا بيني وبين نفسي، ولقد ظلت هذه الخشية إلى وقت قريب"

 

عرف سيد قطب العقاد وهو في سن 22 من عمره، كان مريدا مخلصا وتلميذا نبيها، كان يرى العقاد قوة من قوى الطبيعة، وطاقة من طاقات الحياة، وكان العقاد في ذروة مجده، فالعقاد قدوة ملهمة لقطب الشاب المكافح الذي ترك قريته بالصعيد إلى القاهرة الواسعة حالما أن يكون أفنديا، زاده الموهبة وبضاعته الشعر وتطلعاته الطموحة، لم تكن الأصول الصعيدية هي فقط الجامع بين قطب والعقاد ولكنهما اجتمعا على منابع الشعر والصحافة والسياسة والعزوبة والعصامية.

 

ولأن "قطب" يعايش قناعاته وانفعالاته مخلصا، فكان حبه للعقاد يجعله ينصب نفسه محاميا مدافعا عن أستاذه في كل موطن بحماس الشباب واندفاعه وعنفوانه، رغم أن العقاد قد وصلت شهرته، وارتفعت قامته فضلا عما عُرف عنه من سلاطة اللسان والاعتداد الذاتي والحدة ما يكفي للدفاع عن نفسه في معاركه الأدبية والفكرية الحامية الوطيس التي اندلعت فترة الثلاثينيات والأربعينيات.

  

حينما اتهم المفكر الليبرالي المصري إسماعيل مظهر سيد قطب بأنه طبعة ثانية من العقاد رد عليه قطب قائلا: "قلها صريحة يا مولانا أنت وأمثالك ممن لا يجدون في أنفسهم الشجاعة الكافية لمواجهة من يريدون مواجهته، فيلفّون ويدورون، لا أنكر أنني شديد الغيرة على هذا الرجل، شديد التعصب له، وذلك نتيجة لفهم صحيح لأدبه واقتناع عميق بفطرته، لا يؤثر فيه أن تجف العلاقات الشخصية بيني وبينه في بعض الأحيان". (23)

 

يدين قطب للعقاد بفضله عليه في تعليمه العناية بالتفكير أكثر من اللفظ، وصرفه عن تقليد المنفلوطي والرافعي، فخاض غمار معركة أدبية مع الرافعي وأنصاره امتدت حتى وفاة الرافعي، وقد أخذ عليه الكتاب ومنهم محمود شاكر في كتابه "جمهرة المقالات" نقده للرافعي بعد وفاته، فقد رأى أن "قطب" هاجم الرافعي في وقت غير مناسب للهجوم عليه، ودافع عن العقاد في وقت لم يكن مطلوبا الدفاع عنه.

   

مصطفى صادق الرافعي (مواقع التواصل)

   

وفي منتصف الثلاثينيات بدأ قطب المدافع الحاد والمناصر المخلص للعقاد في الإفصاح عن قلقه إزاء مدرسة العقاد في الشعر والمدرسة الرومانسية عامة، وبدأ يفصح عن حاجته إلى إيمان أقوى غير محدود الأفق، يريد الانسياب في الطبيعة والإحساس بالقصد والغاية، ومما ذكره في هذه المرحلة: "أنكر شعري وشعر الكثيرين لأنني لا أجد فيه ما أريد، وأخشى ألا يكون من بين شعراء العالم من يلبي هذه الرغبة العميقة".

  

وبينما كان يندفع التلميذ نحو التمرد، يندفع الأستاذ نحو المحافظة، فكتب قطب في عام 1947 متهما شيوخ الأدب بالدعاية لقضية المستعمرين، والتخلي عن الشعوب، والعداء للعدالة الاجتماعية، وخدمة الأحزاب القائمة التي لا يمكن أن تُوصف بالوطنية، جريا وراء المال.

 

ولقد ذكر شريف يونس أن العلاقة بين العقاد وقطب أصابها المزيد من الفتور والإحباط خلال منتصف الأربعينيات، فقد كان قطب منتظرا لتشجيع أستاذه وتقدير جيل شيوخ الأدباء الأكبر، ولكنه رغم أعماله المتتالية لم يجد من ينقدها أو يقدرها، فكتب يقول: "لقد كنت مريدا بكل معنى كلمة المريد لرجل من جيلكم تعرفونه عن يقين، ولكن هذا الرجل وجيل الأساتذة بأكمله لم يقدموا كلمة تشجيع مكتوبة لهذا المريد المتفاني، حين بدأ ينشر كتبه المتتالية، بدءا من عام 1945، كلمة انتظرها كثيرا، ولم ينلها". وزاد الطين بلة حينما رفض العقاد أن يكتب مقدمة لأحد كتبه، فكان أن قاطع سيد قطب ندوة العقاد، شاعرا بالمرارة والظلم ونوع من الغدر. (24)

  

القرآن والتجربة الأدبية.. هل تمرد على الأدب حقا؟

لقد فقد قطب الكثير، فزهد فيه، فقد كان يريد إشباعا كاملا وخلودا سرمديا، عبّر عن هذه الرغبة قائلا: "كم بت أكره الملك المتحيز حتى في الحب، لا أريد أن تكون هذه لي أو تلك، أريد أن أكون عابدا، أن أنظر من بعيد إلى الهالات الإلهية المرتسمة حولها دون أن أمد يدي إلى شيء منها، أريد أن تغمرني غبطة شاملة، أريد أن أحس بالكمال الذي لا يحتاج، وبالرضا الذي لا يطلب، والإشراق الذي لا شعائر فيه".

   

   

ويشير في إحدى مقالاته إلى هذه الرغبة في التحرر والانطلاق ورغبته في جعل علاقته بالشعر تختلف عما سبق، فهو لم يعد مؤمنا بشعره ولا بمدرسة الديوان، لا يغمره شيء بالطمأنينة والمثال، فيذكر ذلك قائلا:

 

"إنني في حاجة إلى من يرد عليّ إيماني بشعر (الحالات النفسية). إنني لفي شك مؤلم في هذا النوع من الشعر الذي أصبحت أراه محدود الآفاق.
إنني لا ألجأ إلى هذا الشك راضيا ولا مختارا. لقد أحببت (شعر الحالات النفسية) وآمنت به فترة طويلة؛ ولقد كان عندي لونا من ألوان المثل الأعلى للشعر الجديد.
فما عساي يا صاحبي أريد؟
أريد الانطلاق. أريد الانسياب في الطبيعة كأنني ذرة منها لا تحس لها كيانا مستقلا. أريد ألا أحس بالقصد والغاية، ولا بالحالات الواقعية المحدودة. إنني أكره (الوعي) لأنه نوع من الحدود!
أريد الهالات التي لا حد فيها بين الأضواء والظلال. أنكر شعري وشعر الكثيرين، لأنني لا أجد فيه ما أريد". (25)

  

فيلجأ قطب إلى سحر القرآن المرتبط بعالم الطفولة الكامل دون عناء، الساحر بلا شقاء، ويتحمس لأسلوب القرآن ويدعو إلى نقل طريقته في التصوير الحسي إلى عالم الأدب، ويستخدم التصوير الذي يُعد ركيزة من ركائز مدرسة الديوان في إعادة قراءة القرآن قراءة أدبية، تلك القراءة التي تحمل في ثناياها القراءة الرومانتيكية للقرآن، فيخاطب الوجدان عن طريق التصوير الحسي، هذا السحر يتطلب استنقاذ القرآن من ركام التفسيرات اللغوية، والنحوية والفقهية والتاريخية والأسطورية. مما يعني أنه لم يرم كل ميراثه الأدبي ولا أدواته المنهجية في النقد خلفه ليلج مساحة جديدة متمردا على حياته السابقة.

 

فقطب إنسان واحد يقع دائما بين شقي الرحى، التصور والمثال، الواقع والمأمول، يبحث عن النقاء المطلق والتقدير الذي يراه مستحقا له، وحينما هزته الحياة وتجاربها ولم يجد ما يبحث عنه في مساحات كثيرة، ولج مساحات أخرى بتصورات الشاعر الرومانتيكي، فأنتجت أعماله الإسلامية فيما بعد، فكان مناضلا في صورة الأديب، وكاتبا إسلاميا ينظر للمجرد راغبا في جعله متحققا، ولكنه لم يكن قادرا على إدراك الواقع الفعلي حقيقة، فقد رأى في الشعر الخلاص وفي الشاعر النقاء، ولكنه بعد معاناة وجهد زهد ذلك لسوء صنيعة الشعراء، كان ناقدا بصيرا فذا ويقيم أعمال الشيوخ الكبار وأبناء جيله، ولكنه لم يجد من يقدره حق قدره، رأى في العقاد الأستاذ والمعلم وكان المريد الجاد المخلص، ولم يجد من العقاد السند الحقيقي.

   

الأديب عباس العقاد (مواقع التواصل)

   

وفي أوائل أربعينيات القرن العشرين، كان لسيد قطب مشروع اجتماعي نقدي، عرض أبعاده في مجلة الشؤون الاجتماعية، احتلت مكان القلب من ذلك المشروع صورة مثلى ثلاثية الأركان للمجتمع المصري، هذه الثلاثية هي: الثقافة المصرية القديمة، الدين الإسلامي، اللغة العربية والمدنية الأوروبية العلمية والصناعية، حينما بدأ قطب يواجه الوجه الفعلي المشوه للواقع على هدى الصورة المثلى، اكتشف بُعد الشقة بين المثال والواقع، فانهار المركب الثلاثي السابق وجر معه الانهيار للمشروع الاجتماعي القطبي. (26)

  

وجد الحب ورآه الطهر والمثال، فحجبته تصوراته المثالية عن إكمال طريق الحب الحقيقي، فتوقف على الأشواك متطلعا للسمو الروحي. إن روح قطب الأديب لم تفارقه مفكرا وكاتبا، بل إن أبرز ما قدمه قطب هو عمله الشهير "في ظلال القرآن"، وما قدمه من كتب في المكتبة القرآنية التي نجد فيها أدوات ومنهاجية قطب التلميذ المخلص للعقاد ومدرسة الديوان، فلم يتمرد قطب على الأدب، إنما ذهب الأديب بنفس روح طفل القرية، والشاب المخدوع، والناقد الأمين، والحبيب الراجي للخلاص، ليلج مساحات أخرى وهي الدين.

المصادر

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار