اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/2 الساعة 16:54 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/17 هـ

انضم إلينا
كيف تعلمنا روايات "هاري بوتر" معاني النضال؟

كيف تعلمنا روايات "هاري بوتر" معاني النضال؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
قد تبدو سلسلة كتب هاري بوتر للوهلة الأولى ليست أكثر من عمل خيالي عن عالم سحري مليء بالمخلوقات العجيبة، لكن قصّة الفتى الساحر وكيف يستجيب لفقدان أحبّائه والأحداث المأساوية في حياته فيها الكثير من الواقعية، وهي تقدّم دروسا مهمّة للأطفال حول النضال والتغلّب على المأساة بقوة وأمل.

       

نص التقرير
مثل كثير من الناس الذين نشأوا في التسعينيات وأوائل العقد الأوّل من الألفية الثانية، تأثرت كثيرا في شبابي بسلسلة كتب هاري بوتر التي ألّفتها (ج. ك. رولينغ)، فكنت أحضر حفلات إطلاق الكتب عند منتصف الليل، وأصطّف في الطوابير الطويلة لحضور الأفلام المستوحاة من أحداثها. فلدى جيل بأكمله من هواة هذه السلسلة، فان هاري بوتر هو أقرب لكونه صديقا من الطفولة من كزنه شخصية خيالية. بدءا من عام 1997، كتبت رولينغ عن حياة الفتى الساحر وأصدقائه خلال سنوات المراهقة، مع إيلاء اهتمام وثيق للتفاصيل العادية (قصص الحب والرقصات المدرسية والامتحانات) بنفس القدر الذي اهتمت به بالعناصر السحرية (المستحضرات السحرية، ولعبة الـ"كويدتش"، والعفاريت).
  
لكن الأهم من ذلك هو أن الكاتبة لم تخف من الاتجاه نحو مواضيع أكثر قتامة وجدّية في سلسلة كتبها مع مرور الوقت، فالكتب اللاحقة، وخاصة بعد صدور كتاب هاري بوتر وجماعة العنقاء، تبيّنِ  ما يحدث عندما يحمل المرء عبء الأحداث الفظيعة. فهذه السلسة تذهب أبعد بكثير مقارنة بمعظم أعمال أدب الأطفال، فتشير إلى مواضيع مثل الذنب والخوف والعنف والموت الذي يواجهّ الأبطال الشباب.

   

ان إعادة الاطلاع على سلسلة هاري بوتر هي تجربة ممتعة دائما، ولكن على الرغم من أنني أميل إلى قراءة الكتب الثلاثة الأولى بسرعة، فإنني أبدأ غريزيا بالإبطاء عندما أصل إلى كتاب هاري بوتر وكأس النار. فأنا عندها أشعر بالخوف قليلا مما أعرف بأنّه سيأتي. كشخص تعرّض لحادث أليم في سن مبكرة، لا أزال أتألّم عندما أقرأ الأفكار الداخلية لهاري المراهق، خاصة عندما يبدأ بفقدان أصدقائه وأحبائه.

      

                

لقد نجوت من الموت بأعجوبة في السابق.  ففي سن السادسة عشر، كنت جالسة في مدخل مدرستي الثانوية في جنوب ولاية ألاباما عندما مزّق إعصار الحائط الخارجي للمبنى، مما أسفر عن مقتل ثمانية من زملاء الدراسة الذين كنت قد عرفتهم منذ الطفولة. قد يبدو من المبالغ به إذا قلت إنني كدت أن أكون واحدة من الضحايا، لكنني عندما أنظر إلى صور الدمار في مدرستي بعد أن تمت تسويتها بالأرض وأصبحت كومة من الأنقاض، أعلم أنني لست أبالغ في ذلك. منذ ذلك اليوم، عانيت كثيرا من اضطراب ما بعد الصدمة.

          

كنت قرأت عن هاري قبل سنوات من تلك التجربة مع الموت. قرأت عن نضاله مع الحزن والغضب بعد سعيه للسيطرة على حياته والقيام بما كان يعتقد أنه الصواب. إن هاري الذي رأى أشخاصا في عمره يموتون أمامه، والذي فهم أنه لا يجب الخوف من مفهوم الموت، والذي كافح غضبه من أجل الوصول إلى الثبات في وجه الصعوبات، أعطاني في نهاية المطاف قوّة مكنّني من فهم تجربتي الخاصة مع هذه المحن. ونتيجة لذلك، يعني هاري بوتر شيئا معيّنا بالنسبة لي، قد يكون مماثلا لما يعنيه لآخرين عانوا أيضا من الصدمة، إذ شكّلت لي هذه الكتب دائما صدى لشيء آخر.

           

تتمحور سلسلة هاري بوتر، بالطبع، حول قصّة الفتى اليتيم ذي القوة العجيبة، والمخلوقات الأسطورية، والقلاع السحرية، والبحث عن الأسرة المفقودة. لكنها أيضا قصّة مليئة بصور تستحضر الموت. فالسلسلة المتكوّنة من سبعة أجزاء مبطّنة بإشارات إلى مفهوم الخسارة والفقدان، بدءا بقتل والدي هاري من قبل الساحر الشرير فولدمورت عندما كان الفتى هاري يبلغ عاما واحدا فقط من العمر، وانتهاء في ذروة الكتب بوفاة هاري بوتر نفسه (لفترة وجيزة) في سن السابعة عشر. ثم أن هاري يترعرع في كنف أسرة خبيثة مع عمته وزوجها وابنهما، ولكن بدءا من سن الحادية عشر، يقضي هاري معظم العام في مدرسة هوجوارتس للسحر، وهو مكان مليء بالأحداث العنيفة، من اللعنات والمبارزات السحرية وصولا إلى المعركة الطاحنة في النهاية.

 

 

تعلّم الرواية القراء أن العثور على الناس الذين يفهموننا، والبحث عن التجارب المشتركة، يمكن لها مساعدتنا في الحياة

رويترز
  

ولعل أهم لحظة في السلسلة تأتي في نهاية الكتاب الرابع، "كأس النار": فبعد أن يكافح طريقه خارج المتاهة، وهي المهمة النهائية للبطولة السحرية الثلاثية، يتبيّن له أن الأمر برمّته كان حيلة من قبل فولديمورت المبعوث للتوّ من الموت. فيتم تقييد هاري إلى قبر في الوقت الذي يقوم الساحر الشرير وقاتل والديه بإماتة صديقه سيدريك ديغوري أمام عينيه. عندما صدر كتاب "جماعة العنقاء"، أي الكتاب الخامس، في عام 2003، أتت ردود فعل القرّاء خارجة عن المألوف. كانت هناك مشاعر مختلطة - الفرح بصدور كتاب جديد، والغضب أيضا لأن شخصية محبّبة، أي شخصية سيريوس بلاك، تُقتل فيه. لكن كانت هناك مشاعر أخرى لدى القرّاء والنقّاد: أي الشعور بالإحباط اتجاه شخصية هاري الجديدة.

              

فشخصية هاري بوتر في هذا الكتاب كانت غير هاري بوتر من الكتب السابقة. الشخصية في هذه الرواية كانت لفتى يبلغ من العمر خمسة عشرعاما كان قد تعرّض للتعذيب فهو سريع الانفعال لدرجة أن العديد من القراء لم يكن باستطاعتهم التعاطف معه. أذكر من محافل القرّاء على الانترنت في ذلك الوقت كيف انهم أطلقوا عليه اسم "هاري العاطفي" أو "كابسلوك هاري" (في إشارة إلى استخدام رولينغ الواسع للأحرف الكبيرة لكتابة ما يقوله هاري في الكتاب). بعد بضعة أسابيع من إصدار كتاب "جماعة العنقاء"، كتبت الروائية الإنجليزية أ.س. بيات مقالة نقدية في صحيفة نيويورك لامت فيه التغيّرات العاطفية في شخصية هاري على سن المراهقة (...) وحتى الكاتب ستيفن كينج، الذي يفترض بأنّه يفهم جيّدا الإفرازات المعقّدة للصدمات النفسية، يبدو أنه أساء فهم التغيّرات العاطفية في شخصية هاري، فكتب في نقده للرواية: "أما بالنسبة لهاري نفسه، فهو يتكلم بهدوء، وتلقائيا، وعصبيا، وببطء، ولكن غالبا ما يتكلّم أيضا بغضب، نتيجة للمراهقة الهائجة".

               

وافق العديد من القراء على أن هاري قد أصبح متبرّما، وحتى مزعجا، ولا يمكن التنبؤ بها، دون أن يعوا أنه قبل أشهر فقط من أحداث الكتاب الخامس، كان قد شاهد إعدام صديقه بعينيه. ويبدو أنهم، مثل بعض الناقدين، لم يلاحظوا أن غضب هاري كان استجابة طبيعية وتحوّلية جرّاء حزنه العميق.

              

         

عندما أعيد قراءة كتاب "جماعة العنقاء"، أرى هاري المراهق، كأي طفل كان قد تعرّض للمأساة في الصغر، كشخص وجد نفسه مجبرا على أن ينمو بسرعة هائلة في حين أنه يكافح لأن يبقى الصبي نفسه الذي كانه من قبل. مثلهم مثل الناقدة بيات، فإن أصدقاءه وعائلته في الكتاب هم أيضا منزعجون وحائرون من أمره: لماذا يفقد هاري أعصابه مع الجميع؟ لماذا يتصرف بشكل غريب؟

           

إحدى اللحظات المؤلمة بشكل خاص تأتي في نهاية كتاب "جماعة العنقاء"، في محادثة بين هاري والبوس دمبلدور، مدير مدرسة هوجوارتس والمرشد الروحي لهاري. مع العلم أن هاري قد فقد لتوه عرّابه، سيريوس، فإن دمبلدور يخبره أن قدرته على تحمل المشقة العظيمة هي أكبر قوة لديه. هنا ينفجر الفتى. "أنا لا أهتم!" يصرخ هاري، قبل أن يرمي أحد أغراض دمبلدور في الموقد المشتعل. "كفى! لقد تعذّبت بما يكفي، أريد لهذا أن ينتهي، أنا لا يهمّني ما يحدث بعد الآن!" يردّ دومبلدور بهدوء وبرودة، على الرغم من أنه يبدي بعض التعاطف: "أنت تهتم لدرجة أنك تشعر أنه سوف تنزف حتى الموت من الألم." تثير كلماته الذعر في هاري. "كلّا!" يصرخ هاري. عندما أقرأ هذا الحوار الآن، حتى خارج سياقه، أشعر بقلبي ينقبض من الألم.

            

إنه شعور صعب عندما لا يفهم الأشخاص الذين تحبّهم انفعالاتك المفاجئة، وتقلّب مزاجك. عندما بدأت دراستي الجامعية، كنت شخصا مختلفا. لقد أصبحت شخصا مختلفا منذ الساعة الثانية بعد الظهر في مارس عام 2007، عندما كنت في السادسة عشر من العمر، عندما نهضت من أرضية مدرستي الثانوية التي غطّاها الحطام. كان من الصعب، لفترة طويلة، للناس أن يفهموا معنى ذلك. كان والدي يقفان حائران عندما كنت، عند سماعي العواصف الرعدية، أركض في جميع أنحاء المنزل لجمع الممتلكات القيّمة وأصرخ فيهم لأن يختبئوا في حمّام المنزل. هاري، أيضا، كانت تطارده ذكرياته الأليمة - مثل ومضات الضوء الأخضر التي ترتبط بمقتلة والديه، والكوابيس التي تأتي من  أشياء بشعة كان قد رآها-. في سنوات الجامعة، كان الأصدقاء الذين عرفوني لسنوات طويلة يشعرون أنه لم تعد لدي الثقة بالنفس التي كنت أتمتّع بها في السابق. لم أستطع أن أشرح لهم أنني شعرت بأن شخصيتي عندما كنت في السادسة عشرة كانت قد خرجت مني، أو هي قد ذابت بكل بساطة. كنت منشغلة في محاولة لفهم ما كان يجري داخل رأسي. شعرت بانفعالات هاري على الصفحة، كما لو كانت أفكاري أيضا بهذا الصخب.

 

الكتب الثلاثة الأخيرة من هذه السلسلة هي درس في المقاومة، وفي الشفاء، وهذا أمر لا يقل أهمية عن مواجهة الصدمة نفسها. في كتاب هاري بوتر والأمير الهجين، وهي الرواية السادسة، اختفت الانفعالات لدى هاري إلى حد كبير، ولكن تركيز هاري على استئصال الشر في المدرسة يبدو في بعض الأحيان طائشا وأساليبه لا يمكن الاعتماد عليها، مما يسبب لأصدقائه الكثير من القلق. في الكتاب الأخير، هاري بوتر ومقدسات الموت، يجبر هاري وأصدقاؤه على التنقل في عالم دمرته الحرب، دون مساعدة من الكبار للمرّة الأولى. تسقط هوجوارتس في يد حلفاء فولدمورت فيما أن الأساتذة الذين استرشد بهم هاري على مدى السنوات الست الماضية لم يعودون هناك. يقاتل جميع الطلاب الآن للبقاء على قيد الحياة، ولكن هاري نفسه كان يقاتل منذ أن كان في سن الحادية عشر، إن لم يكن قبل ذلك.

         

               

في هذا الكتاب، ينفعل هاري أقل بكثير. الندوب العاطفية لا تزال بادية عليه، لكنها لم تدمره. هذا الأمر، أكثر من أي شيء آخر، هو ما يجعل هذه السلسلة في غاية الأهمية: فإنها تظهر شابا يجد قوة في الأشياء الرهيبة التي حدثت له. هذا ما يسعى إليه جميع الناجين. يظهر الكتاب الأخير بطلنا يقاتل الشر، ويفقد المزيد من الناس الذين يحب، ويواجه الساحر الشرّير فولديمورت مرة واحدة وأخيرة. قرب نهاية الرواية، يمشي هاري طوعا إلى مصرعه. لا تدّعي السلسلة  في أي لحظة أن الأطفال يمكن حمايتهم تماما من المأساة، ولا أنهم لا يمكنهم التغلّب عليها.

          

كما تعلّم هذه الكتب القرّاء أن العثور على الناس الذين يفهموننا، والبحث عن التجارب المشتركة، يمكن لها مساعدتنا في الحياة. فأنا لا أعتقد أنه كان من قبيل المصادفة في "جماعة العنقاء"، أنه عندما تنحو الأمور بشكل خاص نحو القتامة والسوء، يلتقي هاري بـ"لونا لوفيغود"، الزميلة الغريبة الأطوار في هوجوارتس التي يسخر منها الطلّاب الآخرون ويعتبرونها مجنونة. يلتقي بها في بداية العام الخامس، بعد أن يقوم أقرب أصدقاء هاري بنبذه. كان قد قضى الصيف تلاحقه الكوابيس، وهو يشعر بالارتباك لأنه في المكان الوحيد الذي شكّل دائما ملجأ له -هوجوارتس- يشعر الآن بأنه غير مرغوب فيه.

        

على مدى السنوات الأربع الماضية، كان هاري يعتقد أن الطلّاب القادمين الى هوجوارتس يتم نقلهم من محطة القطار إلى أبواب المدرسة بواسطة العربات السحرية. في السنة الخامسة، يدرك هاري أنه كان مخطئا. فهذه العربات في الواقع تجرّها الهياكل العظمية لخيول مجنّحة سوداء تسمى الثيسترالات، والتي لا يمكن رؤيتها إلا من قبل أولئك الذين شهدوا موتا. لونا هي الشخص الآخر الوحيد القادر على رؤيتها غير هاري بوتر. يخاف هاري من مظهرها، ولكن لونا تطمئنّه قائلة، "أنت لست مجنونا...فأنا أستطيع أن أراها أيضا". يشعر هاري بالارتياح هنا ويقول: "حقّا؟". ليس من المستغرب إذا أن لونا -التي تصبح إحدى أصدقاء هاري الأكثر ولاء- تبدو الشخص الوحيد في محيطه الذي لا يشكّك في سلوكه الجديد الغريب.

      

هذه اللحظة مع الثيسترالات، على الرغم من أنها حدث عابر، تجسّد الشعور الذي يأتيني عند قراءة هاري بوتر، فالروايات تذكّرني بأنني لست مجنونة، أو أنه حتى لو كنت كذلك، فإنه يوجد أشخاص مثلي. الألم في تلك الكتب هو غريزي ومألوف، ولكن اللحظات الأخيرة التي نمضيها مع هاري في نهاية الكتب تلك تعلّمنا النضال والتمسّك بالأمل سوية.

____________________________________________________________

مترجم عن (ذا أتلانتيك

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار