اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/11 الساعة 16:52 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/26 هـ

انضم إلينا
كيف نقلت روايات نجيب محفوظ "الوجودية" في ثوب شرقي؟

كيف نقلت روايات نجيب محفوظ "الوجودية" في ثوب شرقي؟

هند مسعد

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     
كان الروائي العالمي الراحل نجيب محفوظ، 11 سبتمبر/أيلول 1911 - 30 أغسطس/آب 2006، مِن أكثر الروائيين إدراكا للمخزون السردي والملحمي الضخم للحارة الشعبية المصرية. ومن خلال شخصيات الحارات والأزقة والمناطق الشعبية استطاع محفوظ الكشف عن جماليات ومآسي الحارات وعن فلسفته هو الخاصة ورؤيته للحياة ككل.

       

ويُعيد محفوظ في أعماله إنتاج الواقع ممزوجا بالخيال والرمزية والوجودية كلٌّ في آن. وبالرغم من أن عددا من شخصياته حملت تناقضا فجا، مثل شخصية أحمد عبد الجواد في الثلاثية، فإن تلك التناقضات كانت استعراضا لنماذج إنسانية واقعية في صراعاتها النفسية وأزماتها الوجودية.

  

ونرى أن المبحث الوجودي ثابت في أعمال محفوظ ويمكن مراقبته على طول مشواره الأدبي. فأعماله كانت تتأرجح بين الواقعية الرمزية والواقعية المحضة كتقنية سرد، لكنها تأثرت جدا بالوجودية كمبحث فلسفي. ومحفوظ يسلط الضوء على فكرة طبيعة النفس البشرية بشكل واضح في مجمل أعماله. وتلك الفكرة تتردد بين الوجودية أحيانا والعبثية أحيانا أخرى. ولا شك أن محفوظ في زوايا الطرح تلك متأثر بفلسفة ما بعد الحداثة.

    

  

خاصة وجه الشبه الواضح بين قصة "الزعبلاوي" في "دنيا الله" وعمل الكاتب الإيرلندي، رائد مسرح العبث، صمويل بيكيت ومسرحيته "في انتظار جودو". فالعملان كلاهما يُركزان على لا منطقية ولا معقولية الوجود الإنساني وعبثيته في انتظار شخص ما لا يأتي أبدا. بيكيت ليس وحده، فمحفوظ يتقارب مع عدة كتاب آخرين، ولعل أشهرهم هو الفيلسوف الوجودي والكاتب المسرحي والروائي الفرنسي الجزائري ألبير كومو، 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1913 - 4 يناير/كانون الثاني 1960، والذي يشترك مع محفوظ في الرأي القائل بأن حالة الإنسان غير منطقية ولا معنى لها.
       

فنرى أن أعمالهم، خاصة "الغريب" لكامو و"اللص والكلاب" لمحفوظ، تعيش فيها الشخصيات حالة من الاغتراب وحياة غير مرضية ولا منطق فيها. وجهة نظر محفوظ تقترب من وجهة نظر كامو الوجودية بأنه ليس هناك سبب منطقي أو معنى واضح لصيرورة العالم. بل ويركز محفوظ بشكل صريح على الإشكاليات الوجودية الكبرى التي فرضت نفسها على الوجود الإنساني، وتظهر تلك الإشكاليات في ثنائيات: الموت والحياة، والظلم والعدل، والشقاء والسعادة، الحرية والقمع، وغيرها.
 
وجودية محفوظ مع ذلك لم تلبس لباسا أوروبيا، بل قدمها في أثر روائي مصري شعبي خالص. فتقنية السرد في أعماله ألبست التحولات الاجتماعية المصرية والتقلبات التاريخية ثيابا وجودية، ما جعل مجمل أعماله ذا بُعد سياسي واضح حافل بالموروث البيئي الاجتماعي.
   

   

والوجودية في أبسط أشكالها تُركز على قضايا الوجود الإنساني وقيمة الفرد، وهي بالتالي تركز على الذاتية والحرية الفردية والاختيار الشخصي. فالإنسان هو مَن يقوم بتكوين معتقداته وطريقته الفردية للتعبير عن الوجود وعن نفسه وهي السبيل لمواجهة الوضع الوجودي المفتقر للمعنى والمنطق.[1]
    

وجودية محفوظ، والتي لطالما اتُهِمَ على إثرها بالإلحاد حتى وصل الأمر إلى تعرضه لمحاولة اغتيال، أُسيء فهمها. فالوجوديون يختلفون ويشتركون فيما بينهم في عدد من الأفكار. وقد يكون الوجودي ملحدا أو موحدا، أخلاقيا أو لا أخلاقيا، مؤمنا بالقدر أو بالإرادة الحرة.
 
فمثلا، كان كريكجارد، وهو فيلسوف ديني، وجوديا. فيما اتسمت أعمال نيتشه، وهو مناهض للمسيحية، بخط وجودي يُركز ويُعلي مِن قيمة الإنسان حتى يصل به إلى مرحلة "السوبر مان". فيما كان سارتر، أشهر فلاسفة الوجودية، ملحدا. كذلك كان كامو ملحدا. وهكذا نرى أن الوجودية كتوجه فلسفي ضمّت تحت لوائها طيفا عريضا من التوجهات اللاهوتية.
   
  


"شعر بأن كائنا خرافيا حلّ بجسده. إنه يملك حواس جديدة ويرى عالما غريبا. عقله يفكر بقوانين غير مألوفة وها هي الحقيقة ذي تكشف عن وجهها. إنه ذكرى لا حقيقة. موجود وغير موجود. ساكن بعيد منفصل عنه ببعد لا يمكن أن يقطع. غريب كل الغرابة، ينكر ببرود أي معرفة له. متعال متعلق بالغيب. غائص في المجهول. مستحيل غامض مندفع في السفر. خائن، ساخر، قاس، معذب، محير، مخيف، لا نهائي، وحيد. أغلق باب الأبدية. تهدمت الأركان تماما. لسان يلعب له هازئا. ثمة عدو يتحرك وسوف ينازله. لن يتأوه. لن يذرف دمعة واحدة. لن يقل شيئا. السماء تشتعل بالنيران. كبركة الدم الأحمر. رأى وعده المجهول بإدراك كل شيء. وسمع صوت يقول "وحد الله" رباه أيوجد معه آخرون؟ أيوجد آخرون في الدنيا؟ من قال إذن أن الدنيا خالية؟ خالية من الحركة واللون والصوت. خالية من الحقيقة. خالية من الحزن والأسى والندم. إنه في الواقع متحرر. لا حب ولا حزن. ذهب العذاب إلى الأبد. حل السلام. ثمة صداقة مطروحة على القوى العاتية. هنيئا لمن يروم أن تكون النجوم خلانه، والسحب أقرانه، والهواء نديمه، والليل رفيقه" - (نجيب محفوظ، الحرافيش)

 
يصوّر محفوظ في أعماله عادة صورة بانورامية لأشخاص سعوا لفهم المعنى من وراء الوجود. ذاك التركيز على المأزق الوجودي للفرد وتداول معاناة الإنسان في الوصول إلى معنى وحقيقة كمبحث على مدار مشواره الأدبي هو ما وصم أعمال محفوظ بالوجودية.
     

    

وتعتبر "اللص والكلاب"، الصادرة عام 1960، أول أعمال محفوظ الوجودية. فقد اهتم فيها بمفهوم القدر والمصير والإشكاليات الفلسفية المختلفة للحياة. ونرى بوضوح أن المبحث الرئيسي الذي سيطر على العمل، والمتأثر بنزعة وجودية واضحة، هو كيف أن الإنسانية تلهث بجشع خلف المكاسب المادية في طريق بعيد عن الله.
    
فبعد أن خرج سعيد مهران من السجن، بعد أربع سنوات، أراد تصفيه حساباته القديمة بعد أن خانه وأنكره أقرب الأقربين حتى وقع في قبضة رجال الأمن، وخانته زوجته نبوية التي قطعت علاقتها الزوجية منه أثناء حبسه، وتزوجت من عليش ذراعه الأيمن.
     
 ونرى أن سعيد مهران خرج من السجن محملا بعبء وجودي يجثو على صدره ويخلق داخله إحساسا بالضياع. فهو فقد أربع سنوات من عمره وزوجته وابنته وتسيطر عليه فكرة الانتقام من أعدائه الخونة الكلاب.  

 
"ولكني واثق من أنني على حق"

(سعيد مهران في اللص والكلاب لمحفوظ)

       
يحاول سعيد مهران، وهو لص، تحقيق العدالة في صراع وجودي وإنساني مثقل بصنوف المعاناة. ويرى مهران أن الخلاص من إحساسه بالظلم يأتي عبر "الطوفان" أو "عليا وعلى أعدائي". فيتبنّى سياسة الهدم الفوضوي التي تفشل في تحقيق العدل بدورها. فالكلاب هي التي تنتصر في نهاية المطاف، بل إن كلابا حقيقية طاردته حتى قتله رصاص الشرطة في المقابر!  

      

  

بعد ذلك، يحوّل محفوظ تركيزه تدريجيا إلى الصراعات الداخلية للنفس البشرية وتأثيرها وتفاعلاتها مع البيئة الاجتماعية المحيطة لها والتي بدورها تقدم صورة مفصلة عن المجتمع المصري، حتى قيل في أعماله: "بدون أعمال محفوظ ما كان تاريخ مصر المضطرب في القرن العشرين ليُعرف أبدا"[2]

       
ففي "دُنيا الله"، وهي مجموعة قصصية صادرة عام 1962، نرى تأثرا واضحا باتجاهات الفلسفة الوجودية لجان بول سارتر والفلسفة العبثية التي طرحها ألبير كامو في "أسطورة سيزيف". ومع ذلك، وكما جرت العادة، يقدم محفوظ طرحه الفلسفي في محتوى سردي عربي ذي بنية لغوية قوية.
     
علينا أولا أن نعي أن محفوظ كعادته اتخذ هيكل الحكايات الشعبية كبنية لغوية للمجموعة. كذلك استمر على الحبكة الفلسفية نفسها لأعماله السابقة والتي تدور في مجملها حول الجدوى من وراء الوجود الإنساني ومحاولة الوقوف على معنى.
     

فالراوي في "زعبلاوي"، وهو بالأحرى أي إنسان يقرأ العمل، لا يحمل اسما، وهو أيضا مصاب بمرض عضال لا يمكن لأي طبيب علاجه. وهنا بالذات استعراض واضح لأزمة الوجود الإنساني، فالمرض غير المعروف المصاب به الراوي الذي لا اسم له إسقاط فلسفي لكل البشر.
       

     

ولكن ما المرض؟ هذا أيضا لم يُكشف عنه النقاب. فمحفوظ لا يذكر اسم أو نوع المرض لأن الإفصاح عن هويته سيجعل الكثيرين لا مبالين لأنهم غير مصابين به! يستكمل محفوظ بأن البشر قد تعايشوا مع ذاك المرض ردحا من الزمان. ويصل محفوظ في النهاية إلى أن الإنسان، في بحثه عن الله، قد فقد من القيم ما يجعله يحيا مع الله. 

   
"اقتنعت أخيرا بأن عليّ أن أجد الشيخ زعبلاوي"

(نجيب محفوظ، دنيا الله)

    
لذلك، نرى أن محفوظ يُركز بشدة على فكرة "الإنسان الهش" الذي يعيش في صراع محتدم مع العادات والتقاليد المتغيرة والإشكاليات الوجودية المُجهدة. وقد قدم محفوظ فلسفته الوجودية في أبسط صياغة ممكنة لها حين أورد في "ثرثرة فوق النيل" الصادرة عام 1966: "فيا أي شيء افعل شيئا فقد طحننا اللاشيء".

   

الله في أدب نجيب محفوظ
قدم لنا الناقد والمفكّر جورج طرابيشي في كتابه الذي أتى بعنوان "الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزيّة"، الصادر عن دار الطليعة، بيروت 1973، رؤيته حول "علاقة الإنسان بالله في أعمال محفوظ" وهو العمل الذي قال فيه محفوظ: "بصراحة أعترف لك بصدق بصيرتك، وقوة استدلالك، ولك أن تنشر عني بأن تفسيرك للأعمال التي عرضتَها هو أصدق التفاسير بالنسبة لمؤلفها"[3]
    

الناقد والمفكّر جورج طرابيشي

مواقع التواصل
  
واستنادا إلى تحاليل جورج طرابيشي لمؤلفات محفوظ، نرى أن محفوظ "طرح مشكلة الله من وجهة نظر تؤمن بالله وبالإنسان معا"، فمحفوظ لم يكن ملحدا ولم ينكر وجود الله، بل آمن بالاثنين معا حيث إنه لم يكن متورطا في مأزق الله أم الإنسان.
    
لذلك، ربما كانت الفضيلة الكبرى للفلسفة الوجودية هي إنها سلطت الضوء على الإنسان بوصفه مركز الوجود. وإن كان طرح محفوظ الوجودي للمصير البشري الفردي اتسم بيأس أو عبثية فإنه حمل في الوقت ذاته محاولات الوصول إلى معنى.
      
"فعندما تستحكم القبضة ولا يوجد منفذ واحد للأمل تؤمن القلوب القانطة بالمعجزة"
(نجيب محفوظ، الحرافيش)
        
وربما استطعنا القول إن "الوجودية في الأدب" ليست كمثلها في الفلسفة. في الأدب، حملت الوجودية نبرة حزن وعزلة ومأساوية واغترابا نراها في أعمال ديستويفسكي ومحفوظ وكامو وكافكا. بينما "الوجودية الفلسفية" توجه يبحث في جوهر الوجود وأسئلة وموضوعات تتمرد على الحتمية التاريخية. ومن هنا فهي تختلف بقدر ما أدبيا عنها فلسفيا. 
     
"إنني أكتب الرواية أو القصة فيفسرها الناقد التفسير الذي يريد، ويفسرها القارئ التفسير الذي يريد، ولكل منهما حقه في التفسير. وربما كان تفسير الناقد أو القارئ يختلف تماما عن تفسيري أنا الخاص ورؤيتي الذاتية للعمل بمثل ما حدث أخيرا معي بعد أن نشرت آخر حوارياتي "حارة العشاق"، لقد التقيت بعدد من الأصدقاء والكتاب فقال كل منهم شيئا مختلفا عن الآخر في هذه الحوارية. وأقول إن كل ما قالوه يختلف تماما عما كان يجول في رأسي وأنا أكتبها"[4]
(نجيب محفوظ)   
      
وبشكل عام، لا يزال أدب نجيب محفوظ في حاجة إلى قراءات جديدة وتحليل أعمق لدلالات الرموز فيه. فحتى الآن، لم يتشكل حول أدبه حركة نقدية كاملة الملامح، بل تم تناوله مِن قِبَل نُقّاد كل على حِدة.
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار