اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/20 الساعة 16:35 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/5 هـ

انضم إلينا
أحدهم نجيب محفوظ.. مفكرون وأدباء عرب تأثروا بأفكار فرويد

أحدهم نجيب محفوظ.. مفكرون وأدباء عرب تأثروا بأفكار فرويد

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
   
مقدمة الترجمة

عندما هبت رياح ترجمة الثقافات والفلسفات والأفكار الغربية، كان المستغربون في بُلدان الشرق يضطلعون بهذا الدور، كانت هذه الفلسفات قائمةً لتوّها تنفض عن نفسها غُبار الاستهجان الذي من الممكن أن تلاقيه في بُلدانٍ وإماراتٍ لا تُقابل أفكار هؤلاء بل وتمنعها.

     

وقد كان من هؤلاء عالم النفس، سيغموند فرويد، وكانت البلدة الرحبة التي قابلت فكره، مِصر. ومن هُنا تضطلع أمنية الشاكري، بالحديث عن ما أحدثته ثقافة فرويد التي تُرجِمت وأُدخِلت إلى مِصر، وكيف انتثرت ثقافته في سيلٍ من الأعمال الأدبية والروائية، بل كيف تطور الأمر حتى أضحت فلسفة فرويد تُشكِل أداةً من أدوات السلطة فترة حكم عبد الناصر للبلاد. هذا ما تسبر أغواره أمنية الشاكري لتُرينا كيف أصبح لفرويد تيار مصريّ شكّل فِكر أجيالٍ من الشباب والمفكرين على حدٍّ سواء.  

      

نص المقال
رحّب عالم الكتابات الأدبية العربية بمؤسس التحليل النفسي، سيغموند فرويد. وقرأ الروائيون العرب ونقاد الأدب وعلماء النفس والمدرسون والطلاب مرارًا وتكرارًا أعمال فرويد، الذي يُعد أحد أكثر المفكرين استقطابًا في القرن العشرين. ففي مصر، التي تعد مركز قوة للحياة الثقافية العربية، أصبح تواجد فرويد مألوفًا تقريبًا. حيث أشار مقال في مجلة الهلال، إحدى المجلات الثقافية الشعبية، عام 1938 إلى أن جيلًا جديدًا من الطلاب المصريين كان ينهل من فرويد والأفكار الفرويدية فيما حول اللاوعي والدافع الجنسي.

      

العالم النمساوي سيغموند فوريد

مواقع التواصل
           

خلال الغارات الجوية الألمانية، أثناء الحرب العالمية الثانية على مصر في عام 1941، كتب علي أدهم مقالًا قام خلاله ببحثٍ شموليّ لأفكار فرويد عن دافع الموت (أو غريزة الموت، باللغة العربية). وأشار أدهم إلى أنه، خلال الحرب، تحولت غريزة الموت إلى الخارج نحو الآخر -ولم يقتصر استخدامها فقط على إشباع المتع الجنسية، ولكن أيضًا على إشباع العدوان والعداء. وبعد عامين، نشر عالم النفس الأكاديمي، يوسف مراد، الذي استمر في البحث عن مدرسة مميزة لعلم النفس تدين بالفضل إلى أساليب وممارسات فرويد، الكتاب الشهير "شفاء النفس Healing the Psyche"، عام 1943؛ عرّف النص القراء على التحليل النفسي كمدرسةٍ فكرية قدمت أساليب تتعلق باستعادة النفس، وخصوصًا لتلك النفوس التي عانت.

       

لم يلتزم فرويد فقط بنطاق اختصاص الأكاديميين، كما لم تكن أفكاره مقصورة على الإطار الجامعي. إن أول ترجمة علمية لمسرحية "أوديب ملكًا Oedipus Rex"، للكاتب سوفوكليس، التي بدونها لم تكن معرفة فرويد مكتملة، قام بها الكاتب الشهير، طه حسين، عام 1939. وسريعًا ما لحق بها تعديلين؛ ففي نسخة الكاتب المسرحي المصري توفيق الحكيم عام 1949، أُعيد صياغة الصراع المحوري داخل المسرحية على أنه ليس قائمًا بين الإنسان والقدر، بل بين الواقع والحقيقة الخفية، وهي بالتأكيد إحدى قراءات فرويد.

       

ولكن جاء نجيب محفوظ، الروائي المصري الحائز على جائزة نوبل، الذي جلب في المقام الأول عقدة أوديب إلى الحياة بالنسبة للقراء العرب. وتعرف قراء رواية السراب (1948) The Mirage الرائعة لمحفوظ على "كامل رؤبة لاظ"، بطل الرواية، الذي يعد انطوائيًا إلى حدٍ كبير ومتعلق بشكلٍ مثير، ومُتمسك، بوالدته الغيورة. إن ارتباط كامل بوالدته، كما يخبرنا محفوظ، اتسم "بعاطفة جامحة تجاوزت الحدود المناسبة ... وهو نوع من العاطفة المدمرة". كما يرسم محفوظ صورة نفسية معقدة للرجل الشاب، وهو شخصيةٌ مضطربة يستمد متعته وألمه من عالمٍ معزول تتولى والدته تنظيمه بشكلٍ خانق. ففي شبابه، يغوص كامل بنفسه وسط عالم من الأحلام للهروب من الواقع الخانق. وفي النهاية يجد نفسه حبيس الذنب الجنسي، غير قادر على إتمام زواجه. ولا عجب إذن في أنه في عام 1951، اقترح مدرس مصري لمادة الفلسفة بالمرحلة الثانوية إجراء اختبارات نفسية قبل الزواج لمنع الزيجات التعيسة التي تنتج عن عقد أوديب التي لم تُحل.

        

      

فرويد في الطرح القانوني
ربما يتمثل الاستخدام الأكثر دهشة لعقدة أوديب في مصر في عدم تواجداها في الروايات، بل في قاعات المحاكم. ففي أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، دافع محمد فتحي، أستاذ علم النفس الجنائي بالقاهرة، بحماسة عن أهمية نظريات فرويد المتعلقة باللاوعي داخل قاعة المحكمة، وخصوصًا فيما يتعلق بفهم الدوافع وراء جرائم القتل. ففي سلسلة من المقالات التي تخاطب عامة الجمهور، قال فتحي إن التحليل النفسي وعلم الإجرام كانا من التخصصات المتماثلة تمامًا. وأشار فتحي إلى أن التحليل النفسي يمكن أن يساعد على تفسير السلوك الإجرامي والأسباب والدوافع الكامنة وراء الجرائم العنيفة وحتى سلوك محققي الشرطة. كما يمكن للتحليل النفسي أن يبين لنا أكثر الشخصيات المثيرة للاهتمام على الإطلاق، وهو نوع من الشخصيات التي أطلق عليها فرويد مصطلح "المجرم من وجهة الشعور بالذنب". إن هؤلاء الأشخاص ارتكبوا الجرائم بدافعٍ من رغبتهم في أن يُعاقبوا على دوافع الذنب اللاشعوري. كما أن الضمير المذنب يسبق، ولا يتبع، تجاوزات هؤلاء المجرمين.

   

وطرح فتحي أمثلة مبهرة، مثل هذا الأعزب الذي يركز على امرأة أكبر سنًا ويحاول قتل زوجها. إن مثل هذه الجريمة، إذا ارتُكِبت، ربما تمهد لعقوبة الرغبة اللاشعورية في سفاح المحارم وقتل الآباء. وزعم علماء النفس الأكاديميين أنه عمل قوادًا للجمهور العام وتجاوز في القوة التفسيرية التي منحها لعقدة أوديب نظرًا لارتباطها بالنية الإجرامية. وبالنسبة للمصريين، كانت أفكار فرويد جديرة بالقتال من أجلها.

    

مصطفى زيور: من أدخل فرويد إلى ثقافتنا

من الواضح أن المصريين وغيرهم من العرب قرأوا وتجادلوا حول أفكار فرويد بشكلٍ جيد قبل أن تجري ترجمتها إلى العربية. كان مصطفى زيور، أحد أوائل المترجمين العرب لفرويد، وأول الأعضاء العرب بمعهد باريس للتحليل النفسي. وعمل زيور كمعلم للعديد من المحللين النفسيين المصريين ممن سيلتحقوا فيما بعد بوظائف مرموقة في مصر وفرنسا وأماكن أخرى متفرقة. ووصفه مصطفى صفوان، أحد التابعين البارزين للمحلل النفسي لاكان وأحد تلامذة زيور، بأنه شخص يمكن "أن يقسم بفرويد قبل أن يقسم بالإله". وأشرف زيور على سلسلة أسس التحليل النفسي The Foundations ofPsychoanalysis، التي تُرجِمت خلالها المحاضرات التمهيدية عن التحليل النفسي وما وراء مبدأ المتعة Introductory Lectures on Psychoanalysis and Beyond the Pleasure Principle، في مطلع الخمسينات من القرن العشرين، من قِبل إسحاق رمزي، وتبعها ترجمة زيور المشتركة للسيرة الذاتية لفرويد في عام 1957، بالإضافة إلى ترجمة صفوان الإبداعية لتفسير الأحلام  The Interpretation of Deams (1958)، فضلًا عن العديد من أعمال فرويد الرئيسية الأخرى. كما عمل زيور بلا كلل حتى يصل التحليل النفسي إلى الجمهور العريض. وبدأ من القاهرة في أواخر الخمسينات من القرن العشرين، حيث استضاف سلسلة من برامج الحوار الإذاعية الشعبية حول علم النفس، وقام بتغطية المشاكل اليومية مثل الحشيش والقمار والاكتئاب.

        

      

عندما أصبحت فلسفة فرويد أداة سُلطة

وفي الخمسينات والستينات من القرن العشرين، بدأت تلك الموضوعات تحتل مركز الصدارة في مصر. وأسس الرئيس جمال عبدالناصر نظامًا يتمتع ببرامج رعاية اجتماعية طموحة. ففي الواقع، انشغلت مجموعة الضباط الأحرار التي برز خلالها ناصر بالنظريات النفسية قبل توليهم مقاليد السلطة في ثورة 1952، ووجدوا من المفيد إجراء اختبارات نفسية لضباط الجيش والطيارين. وفي وقتٍ لاحق، مع إنشاء المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في منتصف الخمسينات من القرن العشرين، وضع علماء الاجتماع مجموعة متنوعة من المشاكل الاجتماعية والثقافية كأهدافٍ للدراسة، وغالبًا ما جذبوا المحللين النفسيين إلى مسارهم. فعلى سبيل المثال، أُجريت اثنتين من الدراسات واسعة النطاق على الدعارة وعلى تعاطي الحشيش في القاهرة، بين عام 1957 وعام 1960، ومن عام 1960 حتى عام 1964، على التوالي. وأُجرِيت الدراسة الأخيرة تحت إشراف زيور نفسه.

      

أصبح التحليل النفسي لمعظم المفكرين المتأثرين بفرويد في الدولة المصرية المستقلة حديثًا، إن لم يكن جميعهم، أحد أدوات الحكم التي يمكنها خلق جيل جديد ما بعد الاستعمار يخلو من الأمراض الاجتماعية والنفسية. ويمثل هذا الاستغلال للتحليل النفسي خلال محاولة خلق أو إصلاح الكائن البشري اتجاهًا خطيرًا، اتجاهًا ليس بالفريد على المصريين على الإطلاق. ويرجع هذا تحديدًا إلى أن ما يقدمه التحليل النفسي، في أعمق مستوياته، يتمثل في الاعتراف والانتقاد للحقيقة القائلة بأن البشر يستخدمون الآخرين كأداةٍ ووسيلة للمتعة، سواء أكانت هذه المتعة تمثل الباعث على المعرفة، أو خلق أشخاص يمكن التحكم بهم ويمكن أن يتأقلموا في البيئات السياسية والاجتماعية بسهولة أكبر. ومن خلال المحاولة الحماسية لخلق مواطن قومي متحرر، نسي المحللون النفسيون أحيانًا هذه الدروس المتعلقة بالنقد الأخلاقي والفلسفي تجاه مسؤوليتهم الخاصة.

------------------------------------

             

مترجم عن (أيون)

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار