اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/1 الساعة 16:50 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/16 هـ

انضم إلينا
رواية "شرق المتوسط".. وثيقة تصف واقع الإنسان العربي التعيس

رواية "شرق المتوسط".. وثيقة تصف واقع الإنسان العربي التعيس

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     
حينما لا يجد الإنسان من يسمع له، ويكتشف أنه وحيد جدا، فلا ولد ولا زوجة، ولا أهل يتفهمون موقفه من الحياة وأوجاعه الداخلية، آلامه الخاصة داخل جروح سحيقة لروح معذبة. أما الأم، فقد ماتت، قتلها الزمن والجلاد والظلم والقسوة، لذلك، فإنه يلجأ إلى الغريب، فللغرباء وحدهم يمكن أن يحكي الإنسان قصته, لعلهم يفهمونه, أو يتعاطفون معه, أو يواسون ألمه، هكذا فعل رجب إسماعيل بطل رواية "شرق المتوسط" حينما أراد أن يهرب من العالم كله ويلجأ إلى الغرباء، في مدينة مرسيليا غرب المتوسط، عالم لا يشبهه بتاتا, الجانب الآخر المظلم والموحش من البحر، يذهب رجب إلى المشفى، ذلك المكان الذي يمكن أن يتحدث فيه الإنسان ويعترف دون أن يتلقى عقوبة بالسجن، أو يُجلد بالكرباج، أو تُضرب رأسه في الجدران، أو يُعلق من قدميه ليعبث الجلاد بجسده ويعذبه، وهو أيضا المكان الذي يمكن أن ينقذ جسدا ينهار ولم يعد يقوى على الاحتمال بعدما هُزم في سجون تتجسد عبر قلاع رابضة على الجانب الآخر من البحر.

 

يحكي رجب: "سألوني عن ماضيّ، ماذا أقول لهم؟ ما أشد سخرية الكلمات (حدثنا عن ماضيك)، لما رؤوا الارتباك في وجهي ولكي لا أضيع قالوا: عندما كنت طفلا، هل أصبتَ بأمراض، أي أمراض، هل أنت متزوج؟ وسألوني عن أمي وأبي.كنت أجيب بارتباك، قلت لهم إن مرض القلب قتل أمي, وأبي مات بسل العظام, وتركت لهم حتى اللحظة الأخيرة المفاجأة التي أردت أن تكون ورقتي الأخيرة".

  

ينطق رجب فجأة بالسر الذي يفسر مرض هذا الجسد، فلكي يعرف الأطباء, هؤلاء الغرباء، علة هذا الجسد الضعيف، يجب أن يعرفوا قصة ذلك الإنسان الذي بداخله، بل يجب أن يعرفوا قصة ملايين من البشر مثله تئن أجسادهم بذلك الألم, قال رجب فجأة: "الشيء المهم الذي لم أقله بعد والذي يفسر مرضي هو إني كنت سجينا، سُجنت خمس سنين متواصلة، ليس هذا كل شيء، ففي البداية تعرضت لأنواع عديدة من التعذيب" (1).

  

بدت كلمات رجب باردة وغريبة، فمنذ زمن لم يسمع هؤلاء الغرباء عن سجين سياسي، فبلادهم تنعم بالحرية, كأنه "دمية من عصور سحيقة، هل يعرف هؤلاء الناس معنى أن يكون الإنسان سجينا؟".

 

هكذا تبدأ قصة رجب إسماعيل في رواية "شرق المتوسط" للروائي العربي عبد الرحمن منيف، والتي كتبها عام 1975 ليحكي فيها قصة رجب إسماعيل، السجين السياسي، ليس فقط قصة السجن والتعذيب والاستبداد، بل ليصيغ صورة متكاملة ثلاثية الأبعاد، أو رباعية الأبعاد لو أضفنا عنصر الزمن، حيث تظل هذه الرواية علامة بارزة في الأدب العربي توضح حالة السجين السياسي: موقفه ونفسيته وعائلته وماضيه ومستقبله, وتفضح الأنظمة العربية، تلك التي ما زالت تشيّد السجون والمعتقلات السياسية التي تمتلئ بآلاف المعتقلين الضحايا المعذبين، المقيدين على حافة حادة بين الحياة والموت, فلا هم أحرار أسوياء، ولا هم موتى مرحومون ومستراحون، فهم في حالة بين بين، حالة من العذاب المستمر والجحيم المستعر.

   

    

كتب منيف روايته لترسم حاضرنا العربي التعيس، رواية تحاول أن تحكي قصة هذا الكائن, الذي لا يوجد له مثيل إلا في البلاد الموبوءة بالاستبداد شرق المتوسط -باستثناء بلاد أميركا الجنوبية وقتها-، ولترسم صورة خالدة لهذا الكائن التعيس المُعذب، واصفة كل أحواله، لتصل قصته ويعرفها القريب قبل الغريب، القريب الذي يعيش في الدولة نفسها، المكان نفسه، والشارع نفسه، ولا يعرف عن معاناة هذا الإنسان شيئا. بل يذهب منيف بعيدا ليصف مكانا آخر من الجحيم، هو بيت السجين ومسكن أسرته التي ترى جحيم فقده يوميا، وتتذوق علقم غيابه كل ساعة، في كلمات يحتاجها اليوم كل سجين في بلادنا العربية التي يعربد فيها أذناب الطغاة، ليشرح قضيته كاملة.

    

القضية.. بضع كلمات شاقة

خلال الرواية يشعرنا منيف أن الأمر ليس هينا، وكي تصل إلينا تلك القصة بحمولتها ومشاعرها، قصة رجب إسماعيل، وقصة السجن والتعذيب والألم، كي تصل كل تلك المآسي، فإن رجب قد ظهر لنا مارًّا بمرحلة مجاهدة كبيرة، تبرز تناقضاتنا في ثنايا القصة، وهو الذي حاول خلالها أن يتصالح مع حاله الجديد خارج السجن، تلك الحال التي وقّع رجب للحصول عليها ورقة موته الروحي، فلكي يخرج من السجن وقّع رجب على ورقة يتعهد فيها بعدم الرجوع للعمل السياسي مقابل أن يخرج من المعتقل ويسافر للعلاج, لكن هذه الورقة كانت نفسها شهادة وفاته، "الورقة التي وقعتها, كانت شهادة الوفاة. وفاة رجب إسماعيل, كإنسان يحلم بأن يكتب".

 

فالسبب الحقيقي لموافقة رجب على توقيع تلك الورقة، التي يعتبرها زملاؤه خيانة، ويعتبرها هو سقوط وهزيمة تحمل السجن والتعذيب خمس سنوات متواصلة وهزيمته رافضا توقيعها، هو أن يخرج ليكتب، ويحكي كل شيء، فيقول: "سيطرت علي بجموح فكرة أن أكتب، يجب أن أقول للناس ما يجري في السراديب، في الظلمة، وراء جدران ذلك البناء الأصفر الذي يربض فوق قلوب البشر مثل حيوان خرافي. الكلمة آخر الأسلحة، لن تكون أقواها، لكنها سلاح الذين تلوثت دماؤهم، وماتت أمهاتهم. سلاح الأطفال الذين يريدون أن يفعلوا شيئا".

 

يفكر رجب قائلا لنفسه: "رجب إسماعيل سقط. هذه الكلمة الوحيدة التي تفسر النهاية التي وصلت إليها، ولا يجدي أن يقال الآن ظل رجب خمس سنين, بأيامها ولياليها, وراء الجدران, وأنه مر على سبعة سجون، لم يضعف, ولم يعترف. الإنسان محكوم على نهايته. الصمود, الإرادة، كل كلمات المجد المتوردة الوهاجة، تسقط في لحظة النهاية البائسة. ماذا يجديني أن نظرت في وجوههم بتحدي الأبالسة وقوة العناد؟ لقد سقطت, تراجعت السنوات الخمس, الأيام والليالي, لتذوب في الكلمات الذاوية التي كتبتها بيدي, أنتم تعرفون أحسن مني أن صحتي تنهار, وأي فترة جديدة أقضيها في السجن تعجل بنهايتي" (1).

  

فمن أجل الكلمة وافق رجب على توقيع هزيمته، "ومن أجل الكلمة سافرت, ركبت البحر الصاخب في الشتاء الحزين, لعلي من مكان بعيد أستطيع أن أقول الكلمات التي حلمت بها طوال خمس سنين"، لكن الكتابة تبدو لرجب عملا شاقا مرهقا، فبعدما يُهزم الإنسان وتنطفئ روحه يشعر أن لا جدوى لشيء حتى بضع كلمات، فيجد الكلمات التي دوت في رأسه قديما "كأنها حراب مسمومة، أجدها تتحول إلى أصداف فارغة لا تعني شيئا"، حتى زملاء رجب الذين عرفهم طوال سنوات السجن وعرفهم قبلها خلال العمل السياسي، لا يستطيع أن يدوّن عنهم كلمات قليلة.

     

     

هادي صديق رجب، وأكبر رفقاء رجب سنا ومقاما، كان لهم بمنزلة قائد وزعيم، والذي قتله الجلادون في السجن، لا يستطيع رجب أن يعبر عنه بكلمات، فيقول: "فكرت مائة مرة أن أكتب رواية عن هادي. يجب أن يعرف الناس هادي: وجه أقرب إلى وجوه الأطفال، عينان صغيرتان ذكيتان، وابتسامة لا تموت, كانت ابتسامة هادي مثل الضوء الصغير, تغيب لحظة, لكن لا تنطفئ".

    

لكن رجب يريد أن يتذكر هادي صديقه ورفيقه الإنسان لا الجسد المُعذّب المهان، "بدأت أكتب عنه, لكن الخوف الذي بلغ بي حد الفزع دفعني لأن أحرق الأوراق. قلت لنفسي وأنا أقرأ الكلمات الميتة: ليس الذي أتحدث عنه الآن هو هادي المخلوق الحي الذي كان. ما أتحدث عنه قطة معذبة, جسد يتلوى, أما الإنسان ذو الابتسامة الصغيرة والإرادة الجسورة, فلم أقترب منه, وصرخت وأنا أحرق ما كتبت: تخاف أن تفضح نفسك يا رجب, أن تبدو كذبابة مقطوعة الأجنحة لو تحدثت عن هادي بلسان رفاق هادي".

 

"آه ما أتعس الانسان عندما يداهمه العجز، ويفقد القدرة كليا على أن يقول تلك الأشياء التي نامت معه وقامت خلال سنين, الكلمات الشديدة التوهج التي قالها الناس في السجن، دون أن يفكروا لحظة واحدة في الكتابة. كنت أشحن ذاكرتي بتلك الكلمات, لعلها تنزلق يوما على الورق, وتقول للناس أي رجل كان هادي, الآن أشعر بالانطفاء الكامل, هاجرت الكلمات، ابتعدت عني, أصبحت كالخرقة البالية, بعد أن كانت في ذاكرتي قبل سنين كالأعلام المشتعلة".

 

رجب المهزوم الذي تخلى عن رفاقه، ووقّع على تعهد بأن يترك رفاقه ويخرج من السجن، يشعر بالندم والحسرة والذنب الذي يسيطر على حياته ويحجب عن قلمه الكلمات، حتى أمه لا يستطيع أن يكتب عنها، فيقول: "ليس هادي الوحيد الذي أعجز عن الكتابة عنه. هل أستطيع أن أكتب عن أمي! أين أمجد ورضوان وسعيد؟ أين عشرات الوجوه الملوثة بالدم, والتي كنت أجبر نفسي على أن أنظر إليها بشراهة، لكي أتألم أكثر, وأكتب عنها؟! إن هذه الوجوه تنظر إليّ الآن، من سراديبها البعيدة, من قبورها, نظرة سخرية تقول, تصرخ: لا تكتب عنا كلمة واحدة, اليد الملوثة, القلب الملوث، لا يستطيع أن يكتب!" (1).

   

يبحث منيف مع رجب أهمية الكلمة وجدواها، الجدوى من الكتابة تنفجر من قلم منيف قبل عقل وقلب رجب، بحث مضنٍ عن شيء نافع، عن سلاح ما، في عالم من العجز، وواقع مؤلم، ويتساءل منيف على لسان رجب، رجب المهزوم, الذي يشعر بالذنب، بل يقتله الذنب: "هل يمكن أن ترمم إرادة إنسان لم تعد تربطه بالحياة رابطة؟ أنا ذاك الإنسان، لا لست إنسانا، السجن في أيامه الأولى حاول أن يقتل جسدي، لم أكن أتصور أني أحتمل كل ما فعلوه, لكن احتملت. كانت إرادتي هي وحدها التي تتلقى الضربات, وتردها، نظرات غاضبة وصمت. وظللت كذلك, لم أرهب, لم أتراجع: الماء البارد, ليكن. التعليق لمدة سبعة أيام, ليكن. التهديد بالقتل والرصاص حولي يتناثر, ليكن. كانت إرادتي هي التي تقاوم. الآن ماذا بقي فيّ أو مني؟ في لحظات الغضب والتحدي أصرخ: يجب أن أفعل شيئا، وما دمت فقدت كافة أسلحتي: النظرة الغاضبة, التحدي, الصمت, فلأجرب سلاح الكلمة. لأقل كلمة أخيرة قبل أن أرحل".

     

  

يعود منيف ليجادل رجب عن جدوى الكلمة، الكتابة، أليست بضعة ورقات وكلمات وهمسات هي من أرعبتهم، أرعبت نظاما سياسيا بجلاديه وجيوشه وضباطه، بضع كلمات تطالب بالحرية, بالديمقراطية، بالسعادة لينعم بها الشعب الفقير المسكين، لكن ماذا تفعل الكلمة الآن لآلاف المظلومين، "الكلمة الأولى عين لص، الكلمة الثانية ابتسامة سخرية, الكلمات الثالثة والرابعة والخامسة شهقات عذاب في السجن, أيام الشتاء، وأتوقف. أي عبد ذليل أصبحت يا رجب؟ عمن تريد أن تكتب الآن؟ وأية كلمات يمكن أن تنقذ هؤلاء الذين حُرّم عليهم كل شيء حتى أن يقصوا أطراف السجائر ويحولوها إلى قطع مستطيلة صغيرة, ليرسموا عليها نقطا سوداء, ثم يلعبوا بها، لقد حُرموا من كل شيء, صادروا قطع الخبز التي أصبحت بأيديهم الصابرة بيادق وقلاعا، ليلعبوا بها الشطرنج...".

   

وبينما رجب غارق في جدله عن جدوى الكتابة والكلمة، أثناء غربته في مرسيليا، يشعر رجب بغربة مضاعفة، غربته عن الوطن، وغربته الأكبر عن الحياة، فيشعر أنه جيفة، تطفو على ماء دافئ يموج بالحياة, لا أحد يشعر به، لا أحد مر بالأحداث التي مر هو بها، لا أحد رأى ما رآه هو، لا أحد مر بالألم الذي مر به هو، وشعر بوحدته التامة القاهرة الرهيبة.

  

وعندما أخبر رجب الأطباء بتفسير علة مرضه بأنه كان سجينا ومعتقلا سياسيا، انفجر الألم في رأسه وانفجرت الغربة في قلبه وتساءل: "هل يعرف هؤلاء الناس معنى أن يكون الإنسان سجينا؟ ليس سجينا فقط, وإنما سجين في تلك السراديب المظلمة الباردة المليئة بالحشرات, وفي فترات الراحة يتلقى الصفعات ويجلد مثلما تجلد الثيران النابية.. صدقني أيها الإنسان الذي تعيش على الضفة الأخرى من المتوسط، إني لم أحمل بندقية, ولم أقتل أحدا، ومع ذلك دُقّ رأسي بالجدران مئات المرات، كما تدق المسامير في أخشاب السنديان! ودق بالجدران بداية سمفونية العذاب: بعد ذلك ضربوني بالسياط. كنت عاريا لما ضربوني، كانوا يتعبون من الضرب، كانوا يطفئون السجائر في وجهي, في صدري، وفي أماكن أخرى. ليس هذا كل شيء لقد أمسكوا بخصيتي وجروهما، شعرت تلك اللحظة أني أموت، ثم علقت سبعة أيام في السقف. كانت يداي مربوطتين بحبل، والحبل يجرني إلى السقف، فأقف على أطراف أصابعي, عندما انتهت الأيام السبعة,كانت ساقاي بحجم سيقان الفيل: متورمتين, زرقاوين, ثقيلتين".

 

ويستمر رجب في تذكر لحظات تعذيبه فيقول: "لم أنم.. ظللت طوال الليل أرتجف، حاولت كثيرا، فكرت بطرق لا حصر لها من أجل أن أتخلص من الماء، لكن ذهبت محاولاتي دون جدوى"، هذا الاستقبال كان في اليوم الأول لـ "رجب". كان يوما قاسيا لا يُمحى من الذاكرة أبدا، وكل من دخل إلى سراديب الأجهزة الأمنية العربية يعرف حقيقة هذا الأمر، يستخدمون أنواعا وأشكالا شيطانية في تعذيب الإنسان (2).

 

"أتذكر قلت لهم: لا أعرف شيئا، ولن أقول لكم يا كلاب!"

انهالت علي آلاف الضربات بالكرابيج والأحذية، ضربوني بأحذيتهم على وجهي المتدلي، قفز واحد منهم على كتفي، كانت يداي مربوطتين وراء ظهري، وضعوا عصا غليظة بين إليتيّ، ضحكوا وأنا أتلوى، بصقوا علي، أحسست بماء ساخن فوق ظهري.. هل كانت دمائي تتفجر في مكان ما وتترنح بسخونتها؟ هل قطرات من البول؟ هل كانت شيئا آخر!؟".

     

  

"وضعوني في كيس كبير، ادخلوه في رأسي، وقبل أن يربطوه من أسفل، ادخلوا قطتين.. كانت يداي مربوطتين إلى الخلف، كنت مستلقيا على وجهي أول الأمر، وكلما ضربوا القطط وبدأت تنهشني، وحاولت أن أنقلب على جنبي، أحس برجل ثقيلة فوق كتفي، على وجهي، وأحس الأظافر تنغرز في كل ناحية من جسدي".

   

"لما فكوا الكيس، تراكضت القطط مذعورة، كأنها خرجت من الجحيم، كنت دامي الوجه وأحسست بالنزيف من عيني اليسرى. ضحكوا كثيرا.. لما رأوا دمائي.. استلقى نوري على ظهري، كان يضحك من الفرح واللذة، وبعد أن مسح عينيه من آثار الدموع، قال لي:

-ما رأيك بهذه الحفلة؟ ألا تعترف؟".

    

وفي جلسة التعذيب نفسها يضيف عبد الرحمن منيف قائلا على لسان الضابط نوري: "عندي آلاف الوسائل التي تجعلك تتكلم مثل ببغاء.. أمسك أصابعي بقوة ودفعها بين شقي الباب وبدأ يغلقه بهدوء، لما صرخت بصق في وجهي، وقال بتشفٍّ:

 

-هل رأيت؟ هذه واحدة من ألف... أمسك مثل طبيب بخصيتي، بدأ يضغط بهدوء أول الأمر، ثم شدهما بعنف إلى أسفل، أحسست بروح تخرج من حلقي، لا يمكن لإنسان احتمال هذا الألم كله.. تركهما، أحسست بهما ثقيلتين، وبدأ يتسرب الألم إلى أمعائي حادا مثل سيخ النار.. لا أعرف من أين أتى بذلك الدبوس الكبير، كان أكبر دبوس رأيته في حياتي.. أشعل عود ثقاب، أشعل سيجارة ووضع الدبوس فوقها، تمنيت في تلك اللحظة أن يغرس الدبوس في قلبي.. لو فعل لأنهى كل شيء، لكن إبليس المجنون العابث لا يريد أن يقتلني.. من جديد رأيته يمسك خصيتي ويغرز الدبوس الأحمر".

      

   

لكن هذا الجدل المؤلم والغربة الموحشة تهتدي أخيرا إلى شيء, إلى قرار نهائي ستخرج على أثره مذكرات رجب إسماعيل التي سيحولها منيف إلى رواية، عندما يقابل دكتور "فالي"، أحد الأطباء، للمرة الثانية والذي حضر سنوات المقاومة أثناء الحرب العالمية الثانية، وعندما يشعر رجب أن الدكتور "فالي" يشعر ويعلم بما داخله، ينفجر رجب بالبكاء, يحاول أن يخفي عينيه ووجهه.

   

فيتركه "فالي" حتى ينتهي من البكاء ثم يقول له: "أقدر الصعوبات التي واجهتها, لكن أعتبرك رجلا، والرجال لا يسقطون. يجب أن تعرف أني الوحيد الذي بقيت من عائلتي. قتلوا اثنين من إخوتي، قتلوا أمي، ثم قتلوا زوجتي. كنت أسيرا, وفررت منذ اللحظة التي وصلت البندقية فيها إلى يدي، وحتى نهاية الحرب لم أتركها. أريدك أن تكون حاقدا وأنت تحارب. الحقد هو أحسن المعلمين. يجب أن تحوّل أحزانك إلى أحقاد، وبهذه الطريقة وحدها يمكن أن تنتصر، أما إذا استسلمت للحزن، فسوف تُهزم وتنتهي، سوف تُهزم كإنسان، وسوف تنتهي كقضية".

  

كانت كلمات دكتور فالي هي من حسمت الصراع في نفس رجب، فقرر أن يرسل إلى أخته أنيسة برسائل يحثها أن تساعده في تذكر لحظات عمره، أن تكتب له عنه، وعن أمه وعن سنوات السجن وما قبلها، وأرسل أيضا إلى زوجها حامد، وابنهما عادل. يريد رجب أن يكتب مذكراته وقضيته، لكنها ليست قضيته وحده، هي قضية أسرته وشعبه ووطنه, قضية شرق المتوسط كله، فكانت رواية "شرق المتوسط" مقسمة بين حكايات يرويها رجب إسماعيل عن نفسه وسجنه وعذابه ورفاقه، وبين حكايات ترويها أنيسة أخت رجب، ليعطي للرواية بعدا آخر ويصبغ الأحداث بصبغة واقعية، ويجعلها قضية متكاملة. ويقرر رجب أن يذهب إلى الصليب الأحمر في جنيف ليسلمهم تلك المذكرات وتتحول القضية إلى قضية عالمية حول السجون والمعتقلات في منطقة شرق المتوسط, لكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن, فيتحطم رجب مرة أخرى ويذهب إلى المعتقل مجددا.

  

   

بداية أخرى.. لحكاية قديمة

أما في رسالة كتبها حسام أبو البخاري من داخل سجن طرة فقد كتب: "عندما أعود بالذاكرة إلى تجربة عشرة الأشهر اعتقال، وكيف كانت أمواج القدر تأخذني من الرصاص إلى الدم ومن الدم إلى السحل، وهكذا من قسم إلى قسم ومن سجن إلى سجن ومن زنزانة إلى زنزانة، تلتقي عيني وجوها ناضرة وترى أيضا أقفية باسرة، حدودي هي الحيطان والقيود، وفراشي هو الخرسانة الملتحفة بالتراب.

    

حين يمر في ذهني كل هذا أتذكر جدلية الفيلسوف البريطاني ريبيكا روتشيه التي تقول: لو أمكن لجسدك أن يتحمل البقاء ألف عام، فإن هذا الجسد في واقع الأمر تسكنه سلسلة من الأشخاص على مدار الزمن، وليس شخصا واحدا مستمرا. فلو أنك وضعت شخصا في السجن لارتكابه جريمة ما وهو في الأربعين، فقد يصبح هذا الشخص فعليا شخصا آخر مختلفا كل الاختلاف عندما يبلغ "التاسعة والأربعين"، مما يعني عمليا أنك تعاقب شخصا على جريمة ارتكبها شخص غيره، أغلبنا سيرى في هذا ظلما.

    

تسأل نفسي جسدي ويتجادل عقلي مع روحي: هل يا ترى أنا هو هو؟! أم أنا هو آخر؟! هل ما زلت أنا ذاك الشخص الذي قُبض عليه من رابعة أم أصبحت إنسانا آخر كما يجادل روتشيه!

  

وحين تضرب تلك الأفكار بعضها بعضا في رأسي، وتتصارع هذه الجدليات الوجودية في ذهني، أقف لها ممسكا عصايا المقدسة ويقول لساني بصوت تسمعه أحشائي وتلافيف مخي: أنا ذلك الفتى الذى يصنع به الله وبغيره من الشبيبة والشيوخ قدرا مفارقا ومتجاوزا في هذا العالم الآن، وسيغير بنا الجبار جغرافيا وتاريخ البسيطة!".

     

ومثل أبو البخاري ومثل آلاف المعتقلين بالعالم العربي، ومن فوق الباخرة أشيلوس المتجهة إلى موانئ أوروبا لتفرغ فيها ركابها، يتذكر رجب سنوات السجن, يتذكر لحظة ضعفه وتساقطه وخروجه، ويمعن في تذكره، فيصف ما كان يعانيه وهو داخل جدران السجن لأن هذه اللحظات هي ما تشغل باله، وهذه المشاعر هي التي تحدد مصيره، وهي التي ستؤدي إلى سقوطه مرة أخرى.

  

ويتحدث عن العلاقات التي كانت تسود بين السجناء الذين كانوا فيما بينهم مختلفين، فمنهم المناضل الصلب، ومنهم الخائن منذ اللحظة الأولى، ومنهم الصامد إلى حين، يتذكر السجان السادي، ويتذكر أيضا حالته التي ألمّت به بعد خروجه من السجن وذهابه إلى بيت أخته أنيسة (2).

   

ويتذكر لحظة سقوطه، لحظة تحوله من إنسان إلى إنسان آخر، رجب آخر منطفئ, حزين, مكسور، يختلف عن رجب الأول الصامد المناضل الصلب. يوم الأربعاء 17 أكتوبر/تشرين الأول يوقّع رجب على ورقة مكتوب فيها: "أتعهد أنا رجب إسماعيل بالتوقف عن أي نشاط سياسي"، وبعد خروجه تذكر، يقول: "أمس في مثل هذا الوقت كنت إنسانا آخر، حتى السادسة كنت قويا، لا، قبل السادسة بدقائق,كنت أنظر إلى الساعة, أريدها أن تكون الشاهد الوحيد على النهاية" (3).

       

  

يسرد منيف تلك اللحظات ليعبر عن نفسية رجب، رجب المجروح، الذي يقتله الشعور بالذنب، يتساءل كيف انهار، ويحاول أن يقدم مبررات وتفسيرات لسقوطه، أسبابا تعطي الملامح الأولى عن قصة رجب وقضيته، لكنها أسباب تخص رجب وحده، بينما خارج الرواية تخص كل سجين، عندما يشعر أنه وحيد تماما بين أربعة جدران صماء (4).

     

يُحدّث رجب نفسه لعل رفقاءه يسمعون، أو تهدأ روحه من القلق والاضطراب والشعور بالذنب: "وأنا هل ينكر أحد كم تحملت خلال السنوات الخمس؟ من منهم تحمل مثلي؟ أتحداهم جميعا. قل يا عصمت، هل تحملت أكثر مني؟ الضرب، السجن الانفرادي، التعليق في السقف، المياه الباردة أيام الشتاء, المنع من النوم، جميعنا تحملنا, ربما تحملت أكثر مني وأنت معلق، قضيت يوما زائدا. هذا ليس ذنبي, جسدي لم يعد يتحمل، أغمي علي عدة مرات، وآخر مرة لم يعد الماء البارد أو الصفعات كافية لإيقاظي, لإنهاء حالة الإغماء التي سقطت فيها" (4).

  

"كان الفرق بننا في الوزن يزيد عن عشرين كيلو غراما, كان وزن عصمت يزيد على الثمانين وأنا لم أبلغ الستين في حياتي. ماذا أستطيع إذا انهار جسدي؟ إرادتي لم تتداع, لم تنهرْ في أي يوم, تحملت أكثر منهم, وهم يعرفون ذلك تماما, يتذكرون ذلك الغروب، كانت الجمعة، موعد الزيارة الأسبوعية، جاءت أختي وعمتي. أما أمي فلم تأت. كانت أول مرة تتغيب. لم تقولا لي كلمة واحدة, أحسست.. صرخت أسألهما، بكت أختي فجأة وعرفت كل شيء!".

  

يحكي منيف قصة رجب الذي تكالب عليه الجلادون والجدران والزمن والظروف, ثم ضعف جسده، ثم ينقلنا إلى مأساة أخرى, فجيعة أخرى في سلسلة المآسي التي يقابلها الإنسان العربي في حياته, يقول رجب: "كانت أمي تعاني من ارتفاع الضغط منذ فترة طويلة. قلت لها عشرات المرات: كُفّي عن زيارتي، لا أريد أن تريني هكذا، كانت تبتسم ولا تجيب, وتأتي".

   

"في ذلك الغروب شعرت أني وحيد لدرجة لا يمكن احتمالها. هم قتلوا أمي، ظلوا ينخرون في عقلها وقلبها حتى قتلوها"، ثم يعود ويقدم رجب التبريرات لنفسه: "لم تمت أم أي واحد منهم، أمي وحدها هي التي ماتت وأنا سجين. لا أنكر أن اثنين منا كانا دون أمهات قبل السجن منذ وقت لا يتذكرانه, أما الآخرون، فإنهم ظلوا يتدفؤون بذاك الحنين الرائع وهم يتذكرون أمهاتهم، كانوا متأكدين أن السجن سينتهي يوما، ويعودون إلى بيوت تملؤها الأمهات بالدفء، والأمهات يعنين شيئا خارقا، شيئا يعرفه أولئك الذين فقدوا أمهاتهم" (4).

      

  

ويعبر منيف في روايته عن مدى مركزية دور الأم في حياة رجب، في حياة السجين العربي، فكان رجب صامدا بفضل أمه، كي يعود إليها مرفوع الرأس، لكن عندما ماتت لم يعد لأي شيء جدوى.

 

أم رجب.. قلوبنا المطعونة

"يا بني الجرح اليرفض شداده علم ثوار يرفرف     

يا بني ارضى الجلب يرضع من حليبي      

ولا ابن يشمر لي خبزه من البراءة  

يا بني يأكلني الجرب عظم ولحم    

وتموت عيني ولا دناءة

يا بني ها الأيام يفرزنها القحط أيام محنة   

يا بني لا تثلم شرفنا 

يا بني يا وليدي البراءة تظل مدى الأيام عفنة    

تدري يا بني بكل براءة     

كل شهيد من الشعب ينعاد دفنه" 

(مظفر النواب، من قصيدة براءة الأم)

 

   

جعل منيف أم "رجب" تلعب الدور الأهم في صموده، "فهي لم تكن أما عادية تبكي وتنوح عند اعتقال ابنها، بل كانت صلبة وقوية وتتحدى الجلاد، قولا وفعلا، وهي من قدم الغذاء الفكري والروحي لكي يكون "رجب" قويا" (5)، قالت له: "الحبس ينتهي، أما الذل فلا ينتهي، لا تقل شيئا عن أصدقائك"، هذه الكلمات كانت الطاقة التي تغذيه في كل لحظة من لحظات التعذيب، فهو يعي بأن ما وراءه صلب كالصخر، ولا مجال للدخول عليه من باب "أمك المريضة تنتظرك"، فهي من حسم الأمر منذ البداية، لا مجال للتراجع، "الحبس يا ولدي ينقضي.. افتح عينا وغمض عينا تمر الأيام، وتبقى رافعا رأسك. إذا اعترفت فكلهم سيقولون خائن، ولا تستطيع أن تنظر في وجه أحد"، حكمة تصلح لكل زمان، فالخيانة مسألة في غاية القبح، وهي لا تُمحى، تبقى ما بقي صاحبها (5).

  

وأثناء زيارة "رجب" في السجن كانت تعيد وصيتها، للتذكير وضخ القوة ومقومات الصمود في جسد يتلقى من التعذيب ما لا يحتمله إنسان: "الدنيا حياة وموت يا رجب، وصيتي لك لا تضر أحدا، تحمل يا ولدي"، والنهج الذي سارت عليه استمرت به، فهي رغم أنها أم وتحن لابنها وتشتاق له، بل هي من منعته مرارا بالصراخ تارة وبالبكاء مرات عن العمل السياسي، فإن الواجب كان أكبر في نظرها من عاطفتها، من هنا توصي "رجب" بشكل دائم بعدم التراجع (5).

 

وأثناء قدوم رجال النظام لاعتقال "رجب" وقفت هي وحدها في وجوههم بكل قوة كما تحكي أنيسة أخت رجب: "أمي تقف في وجه الباب تمنعهم من الدخول، جاءوا عند الفجر، سمعنا صوت أمي، كانت تصرخ في وجوههم، لكن دفعوها بقوة ودخلوا".

  

وعندما قُبض على رجب، لم يكن أحد يعلم مكانه، فالاختفاء القسري في عالمنا منذ الأزل يُعدّ أشبه بثقب أسود، لكن أم رجب لم تهدأ، تبحث عن ولدها ليلا ونهارا, حتى وجدته, وتحكي أنيسة: "كانت أمي تخرج من الفجر ولا تعود إلا بعد الغروب، لم تترك مركزا إلا وذهبت إليه، لكن دائما ينتظرها نفس الجواب:

- ليس عندنا أحد بهذا الاسم!" (6).

  

ومثلما صوّر كافكا بطل روايته يضل طريقه في تيه ممرات القلعة، كانت الأم تائهة في ممرات وقاعات المحاكم والسجون، تبحث عن ابنها المفقود, حيث يصور منيف صورة دقيقة لحال أسرة المعتقل، وهذا -حسب رائد الحواري- ما يجعل هذه الرواية مميزة عن أي رواية أخرى تتحدث عن السجن في العالم العربي، وفي مثل ذلك الحال يكون وضع الأم صعبا للغاية، "فالإرهاق النفسي والفكري والجسدي أخذ منها الكثير، خاصة لمدة تزيد عن الأربعة شهور" (7).

      

  

"أربعة شهور كاملة ولا أحد يعرف عن رجب شيئا، لبست أمي طرحة سوداء وعصبت جبينها بشريط أسود، عافت الأكل وقالت بيأس مميت: "قتلوه، أربعة شهور وهم يضربونه، لو كان جملا لقتلوه، وأثّر السهر والقلق على صحتها، تحولت إلى شبح، لا تعرف للراحة طعما، وإذا كانت في البيت تشق الباب وتتطلع إلى الشارع، لعل أحدا يأتي ويقول لها كلمة، فإذا يئست جلست في الركن صامتة لا تكلم أحدا"، هنا يوضح منيف كيف يكون ألم الأم، حتى إنه يتجاوز آلام السجين نفسه، فيعلو ألم أم رجب التي تحارب الجميع وتصمد أمام الأهوال وتستجدي الجلادين على آلام رجب الذي يملك صك الصمود سابقا، فقد اختار طريقه ويعلم ما سيتعرض له.

   

وبعد أن تعرف أم رجب مكانه تبدأ رحلة أخرى من العذاب، رحلات يومية للسجن، تقف وتحتمل الشتائم، وتطاول الحراس بالأيدي واللسان، تحتمل الذل والقهر كي ترى ابنها ولو مرة, تحكي أنيسة: "وقبل طلوع الشمس هيأت صرة صغيرة وضعت فيها ملابس وبعض الأكل وذهبت!

وظلت تعود كل يوم وهي تحمل نفس الصرة، كانت تبقي الملابس، أما الأكل فتخرجه، لتهيئ غيره لليوم التالي" (8).

    

أما عن موت "أم رجب" يحكي منيف أنها عندما قررت أن تذهب مع أمهات آخرين إلى وزير الداخلية، ورفض مقابلتهن، قمن بما يشبه الاعتصام، وعندها تدخل رجال الشرطة وقاموا بقمع الأمهات بطريقة وحشية، "وقد صممت كل واحدة منهن أن تموت.. بدؤوا بالضرب، بالصراخ، لكن لا فائدة، ولما حاول الوزير الخروج هجمن عليه، ويبدو أن الضربة التي تلقتها على أضلاعها عجلت بنهايتها. فقبضوا عليها وقبضوا على عشرات أخريات، وفي النظارة كانوا وحوشا، ضربوها، أهانوها، شتموها.. وأبقوها حتى اليوم التالي،.. عادت عصر يوم الجمعة وبدا لي كل شيء منتهيا" (8).

    

تحكي أنيسة: "أصابتها الحمى منذ تلك الليلة، وكانت صحتها تزداد سوءا، وتنهار كل يوم، ولم تتكلم إلا قليلا، كانت تشتم وتدخن، وبعض الأكل أحيانا، أحضر حامد ثلاثة أطباء، أعطاها الأول إبرا، والثاني طلب إجراء تحاليل لها ثم اقترح أن تُنقل إلى المستشفى، أما الثالث، فقد وصل بعد أن ماتت بخمس دقائق".

 

فكان موت "أم رجب" حدثا فارقا في حياة كل من أنيسة ورجب، فها هي أنيسة تقول عن والدتها عندما خرج "رجب" من المعتقل: "تمنيت لو أن أمي تراه للحظة واحدة ثم تموت، لو كانت موجودة الآن لحملت عنا اللحظة الثقيلة المشحونة بالخطر، لجنبتنا الدموع وآلاف المشاعر المضغوطة.

 

لقد رحلت حين كان يجب أن تبقى، رحلت دون عودة، هي الآن تراقبنا، تراقب أيدينا، عيوننا، لهاثنا، خفقات قلوبنا، تراقب لتعرف كيف نتصرف، كيف نواجه لحظات ضعفنا المدمرة، كانت لا تحب أن تبكي أمامه، وصتني آلاف المرات أن أحبس دموعي، حتى لو اختنقت لا تبكي أمامه، كانت تقول: "البكاء يهد أكبر الرجال، وأقسى ضربة توجه لرجل أن يرى أمه أو أخته تبكي أمامه".

      

   

ما بعد الخروج من السجن.. ما بعد الخروج من الوطن

"يحبُّ بلادًا، ويرحل عنها.

]هل المستحيل بعيدٌ؟[

يحبُّ الرحيل الى أيِّ شيء

ففي السَفَر الحُرِّ بين الثقافات

قد يجد الباحثون عن الجوهر البشريّ

مقاعد كافيةً للجميع..."

(محمود درويش، من قصيدة طباق إدوارد)

      

يخرج "رجب" من السجن منهزما نفسيا، يشعر بالقهر، ويستمر منيف عبر مذكرات رجب في سرد الحكاية، فيحكي رجب أنه سافر إلى أوروبا بحجة العلاج من مخلفات التعذيب، فجسده منهار تماما، وإذا لم يخضع لبرنامج صارم في الغذاء والشراب والجنس، سيكون عليه خطر شديد، لكنه كان يبحث عن انقطاع، يبحث عن نهوض جديد أو حياة جديدة، يبحث كيف يمكنه أن يحيا مرة أخرى، يشعر بأنه حي ولديه جسد لا يملكه الجلاد، ولا يتعرض يوميا للتعذيب.

 

تلك الآمال والأفكار التي طالما مرت بخاطر رجب حينما كان بالسجن, فيحكي: "لم أترك الوقت يمر دون أن أحلم، كنت أقول في نفسي: سأفضحهم، سأقول لكل الناس أن البشر بالنسبة لهؤلاء الأبالسة أرخص الأشياء، أتفه الأشياء"، يريد أن يجد نفسه، يجد ذاتا يكتب بها ما حدث له ليقدم الأوراق إلى الصليب الأحمر, ليستعيد أمه التي تمثل روح صموده مرة أخرى، فيطلب في رسالته إلى أنيسة أن تعيد ترميم قبر أمه, فيقول: "قبر أمي يا أنيسة... لماذا تركتموه شقيا منبوذا هكذا؟ ألا تعني شيئا لك؟ يجب أن تعرفي تماما أنها تعني لي شيئا كثيرا، كثيرا ومتزايدا، ففي كل يوم جديد أراها تشمخ وتكبر، حتى أني لا أبالغ إذا قلت لك إني أراها أكثر حياة الآن من أي وقت سابق.

أنت لا تعرفين أني كنت أزور قبرها كل يوم، لم أقل لأحد، وحتى أنت وأنا أكتب لك الآن أبدو مترددا حزينا، وقد دفعني التردد والحزن إلى تمزيق هذه الرسالة.

  

كل ما أريده منك يا أنيسة أن تبني قبر أمي، وإذا لم تفعلي، وفي وقت قريب، فسوف يقتلني الحزن، كنت أريد أن أكفر وأنا أبكي فوق قبرها، كنت أعفر وجهي بالتراب وأصرخ، لعلها تسمعني وتغفر لي.. والآن، ومن مكاني البعيد، لا أنام قبل أن أوجه إليها رسالة، رسائلي إليها صغيرة، بسيطة، ولا تتعدى طلب الغفران، أتمنى لو كنت قريبا الآن وأزور قبرها.. اعملي من أجلي شيئا يا أنيسة، ولا تحكّمي العقل في هذا الأمر أبدا، إنه أمر يخص القلب، ويجب أن لا تفسره لغة العقل".

 

"هل يمكن كتابة كلمة وفاء على قبر دون أن تؤدي إلى متاعب أو إزعاج؟ أتصور ذلك لو كانت في بلادنا حرية، أدنى درجات الحرية، لكتبت على القبر كلمات.. "صمود امرأة في وجهة الطغيان" أو "صمود عجوز في وجه الجلادين" أو هنا ترقد المرأة التي تحدّت الجلادين دون سلاح، سوى الغضب"، ويتلقى الكلمات التي طلبها من أنيسة وحامد وابنهما عادل والتي سيستخدمها في صياغة كلماته وأفكاره, فيكتب له حامد: "الكلمة آخر سلاح يمكن أن ألجأ إليه"، أما الطفل عادل فكتب أنه "لم يسمع بقائد انتصر بكلمة, السيف وحده هو الذي يحقق النصر، هكذا قال له معلم التاريخ".

  

وأثناء وجود "رجب" في أوروبا، يتعرض زوج أخته "حامد" لمضايقات عديدة من رجال النظام، ترسل له "أنيسة" رسالة تدعوه إلى العودة مباشرة بعد انتهاء العلاج، تزداد الضغوط على "حامد" الذي يرسل المصروف لـ "رجب" فيحولها عن طريق صديق له وليس عن طريق البنك، هذا الصديق يعرف الأوضاع الصعبة التي تمر بها عائلة "حامد"، فيرسل رسالة إلى "رجب" يشرح له الأوضاع الصعبة التي تمر بها عائلة "حامد"، في تلك الفترة يكون قد قرر أن يبدأ هجومه من جديد والوقوف في وجه النظام، "لقد أخطأت مرة، سقطت مرة، والآن تتاح لي الفرصة مرة أخرى لأن أنهض، لأن أصرخ، لن أتركهم حتى يقتلوا حامد" (9).

      

   

نهاية تشبه بداية مبتورة

"كان كالبطل الملحميِّ

الأخير يدافع عن حقِّ طروادةٍ

في اقتسام الروايةِ

نَسْرٌ يودِّعُ قمَّتَهُ عاليًا

عاليًا

فالإقامةُ فوق الأولمب

وفوق القِمَمْ

تثير السأمْ

وداعًا

وداعًا لشعر الألَمْ!"

  

يعود رجب إلى وطن الذئاب، الذي وإن لم يحدد منيف زمانه ولا مكانه ولم يسمه فهو معروف عند كل إنسان عربي، يجلس رجب في بيت أخته أنيسة، حتى جاءه رجال النظام فقبضوا عليه مرة أخرى، "وساروا, مشى واحد أمامه، واثنان وراءه. ورجب مشى بثقة وجسارة، وقبل أن يصل الباب التقط ليلى التي تقف أمامه وتضحك, حملها إلى صدره، وسمعته يقول لها:

  

-هؤلاء هم الوحوش التي حدثتك عنهم الليلة الفائتة, أتتذكرين؟

وتلقى بظهره دفعة قوية كادت توقعه... وقبل أن يتركها قال لها بصوت عالٍ:

-انظري إليهم جيدا، لا تضحكي لهم أبدا يا ليلى

وبكت ليلى بكاء حارا خائفا، وبكيت معها".

وبعد فترة يعود رجب مرة أخرى من المعتقل إلى بيت أخته أنيسة, لكن هذه المرة قد فقد بصره, وبعدها بأيام يموت رجب فوق سريره، وقد طلب من أخته أن تحرق الأوراق التي كتب فيه شعره ومذكراته.

  

لكن أنيسة تعصي وصية أخيها رجب، وترسل المذكرات سرا إلى أوروبا كي تُنشر ويعرف الجميع قصة رجب. هكذا أنهى منيف روايته "شرق المتوسط" ليحكي بها قصة "رجب" وقصة آلاف المعتقلين في السجون السياسية بالعالم العربي، لكن يختلفون عن رجب بأن رجب شعر بالهزيمة والذنب حين وقّع أوراق تخليه عن العمل السياسي، فيما يتمنى الآلاف من المساجين أن يوقعوا تلك الورقة الحقيرة لو ستضمن لهم حريتهم، فالحرية أغلى من أي شيء، فيما تضيع أعمارهم بين جدران الزنازين.

 

 وتبقى رواية "شرق المتوسط" أقوى وثيقة تصف ما يحدث للإنسان العربي التعيس، المعتقل السياسي الذي تبدو قصته عادية، وقد تكون حملته المصادفة إلى السجن، لكنها تحمل خلفها قصة كاملة من المأساة التي حوّلها الزمن إلى ملحمة أسطورية عصية على الفهم والسرد والتحليل، لأنها قصة عادية لكن حوّلها حدث صغير فارق إلى شيء أسطوري يحكيه الناس بأسى, وبفخر، وبخوف، وبحزن، وبندم، وبشجاعة، وبكاء صامت.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار