انضم إلينا
اغلاق
الجريمة الدافئة.. لماذا لا يخفت سحر "أغاثا كريستي"؟

الجريمة الدافئة.. لماذا لا يخفت سحر "أغاثا كريستي"؟

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

في قرية إنجليزية هادئة تُدعى كنغر أبوت، لا شيء يشغل أهلها سوى الشائعاتِ والنميمة، يستيقظ أهل القرية على خبر انتحار مفاجئ لسيدة تدعى "فيرارز" بالرغم من أنها كانت على وشك الزواج من السيد الثري "روجر أكرويد" الذي يعد منزله أهم منزل في القرية. يتهامس البعض عن أن هذه السيدة قتلت زوجها السابق بالسم قبل عام وكانت تتلقى رسائل تهديد وابتزاز من شخص يعرف حقيقة قتلها لزوجها، وقبل زواجها من السيد أكرويد اعترفت له بكل شيء، لكنها لم تُفصح له عن اسم الشخص الذي يبتزها. في اليوم التالي أرسلت إليه رسالة تخبره فيها اسم هذا الشخص، ويبدو أن في هذه اللحظة عرف السيد أكرويد أكثر من اللازم، إذ وُجد في صباح اليوم التالي للرسالة مقتولا بخنجر في مكتبه.

  

في ذلك الوقت كان المفتش "هيركيول بوارو" قد تقاعد عن العمل وذهب ليعيش حياة هادئة في هذه القرية الأرستقراطية، لكنه وجد نفسه وسط كل هذه الأحداث، فبدأ العمل والتحري. تدور الحكاية على لسان طبيب المجني عليه "جيمس شيبارد" الذي وضع نفسه تحت تصرف بوارو وأخذوا يحققون في كل تفاصيل القضية معا، ويبحثون في دوافع كل المحيطين بالسيد أكرويد ممن تدور حولهم الشبهات. لقد كان الجميع لديه دوافعه للقتل والتي كان بوارو يتحرى عنها بدقة ومهارة شديدتين، فوجد نفسه في وسط متاهة من العلاقات الأسرية والروابط القروية والخيانات والأطماع، إلى أن وصل في النهاية إلى القاتل الذي كان دائما على مدار الأحداث "فوق مستوى الشبهات". بهذا اللغز ذي النهاية الصادمة وغير المتوقعة بدأت الكاتبة البريطانية "أغاثا كريستي" مسيرتها في كتابة الروايات البوليسية الطويلة، والتي لم تتوقف بعدها إلى أن تربعت على عرش هذا النوع الأدبي.

  

يرى بعض النقاد أن رواية "مقتلِ[1] روجر أكرويد" هي أهم أعمال أغاثا كريستي، بل أهم عمل أدبي بوليسي في التاريخ. لقد أثارت هذه الرواية الكثير من الجدل إثر صدورها، واتُهمت أغاثا بتضليل القارئ بسبب تلك الحبكة الغريبة والنهاية الملتوية والمفاجئة للقارئ، إلى أن وضعت أغاثا قاعدة جديدة بهذه الرواية وهي: "على القارئ ألا يثق في أي شخصية". في ذلك الوقت كان الأدب البوليسي يُنظر له من قِبل النقاد الذين يفضلون الأدب الجاد نظرة دونية -ربما ما زالت هذه النظرة موجودة إلى الآن-، وكانوا يعتبرونه أدبا شعبيا لن يصمد أمام مرور الزمن، لكنهم -كما هو واضح- لم يكونوا على حق. وهو ما كان موضوع دراسة للناقد الفرنسي بيير بيار بعنوان "من قتل روجر أكرويد"، وهو دراسة نقدية للرواية الشهيرة، ينطلق الباحث فيها بالاعتراف بكون الرواية البوليسية، اليوم، قد أصبح لها وجود مستقلّ، بوصفها جنسا أدبيا له ما يميِّزه شكلا وموضوعا، كما تبيّن ذلك العديد من الدراسات الأدبية النظرية، والتطبيقية: "بورخيس، كايوا، ولسون، تودوروف، بيار،...".(1)

   

 

  

لقد كان بورخيس فعلا يحب الروايات البوليسية، يقول ألبرتو مانغويل في كتابه "مع بورخيس" إنه كان يجد في صياغاتها البناءات الحكائية النموذجية التي تفسح لكاتب القصة أن ينصب حدوده الخاصة به ويصب تركيزه على كفاءة المفردات والصور المركبة من مفردات، يقول: "كان يستمتع بالتفاصيل الدقيقة. ذات مرة بينما كنا نقرأ قصة شيرلوك هولمز (عصبة الشعر الأحمر)، أبدى ملاحظة مفادها أن القصة البوليسية أكثر قربا من النظرية الأرسطية في العمل الأدبي من أي جنس أدبي آخر". يرى بورخيس أن أرسطو بيّن أن قصيدة تمجد أعمال هرقل لن تكون بوحدة وانسجام كل من الإلياذة والأوديسة، من حيث إن العامل الموحد اليتيم سيكون البطل الفرد ذاته وعلى عاتقه تقع مهمة القيام بكل المآثر، وذلك متوفر في القصة البوليسية من خلال اللغز ذاته.(2)

  

"أنا قارئ ينشد المتعة: لم أشأ أن يكون للشعور بالواجب يد في شأن شخصي كشراء الكتب"

(بورخيس)

  

الجريمة الدافئة.. ليست مجرد لغز

ينجذب الناس باستمرار إلى الحكايات المشوقة للجرائم والتي تتضمن ألغازا محيرة حول كيفية وقوع الجريمة والطرق الذكية التي يلجأ إليها القاتل، لكن أغاثا كريستي أوجدت فرعا آخر من روايات الجريمة يطلق عليه "الجريمة الدافئة أو المريحة". يتسم هذا النوع بأنه يحدث في مجتمع صغير مغلق وحميمي يعرف كل من فيه بعضهم بعضا جيدا، وتجمعهم صلات قرابة أو روابط قوية، تسمح بوجود حوارات ومحادثات طويلة وتفاعلات بين الشخصيات يمكننا من خلالها التعرف على دواخل هذه الشخصيات وطبيعة العلاقات الإنسانية التي تربطهم، وكذلك يمكن من خلالها تطوير الحبكة وكشف دوافع المشتبه بهم. كما يقلل هذا النوع الدافئ من مشاهد العنف والجنس أو يتعامل معها عن طريق الفكاهة والمرور العابر، فلا تسهب روايات أغاثا في وصف طرق القتل أو الدماء، بل على العكس، يموت القتيل دائما بطريقة غير قاسية دون تفاصيل عنيفة.(3)

 

إن ألغاز أغاثا كريستي مليئة بالكوميديا الاجتماعية والرومانسية مضاف إليها بعض الغموض والتشويق، فأغاثا لا يهمها التفاصيل المثيرة الخالية من المضمون والحبكات الهيتشكوكية، إذ إن تركيزها ينصب حول الدوافع والعلاقات الإنسانية التي تدفع الناس للقتل، فأغاثا من خلال رواياتها تجعلنا نرى الكثير مما يحدث تحت السطح. نعم تدور الحكايات دائما حول وقوع جريمة، وهو شيء غير مريح بالطبع، لكن الناس يحبون أن يشعروا ببعض القلق وليس الكثير من القلق أو عدم الارتياح الذي قد يتسبب في فقدان القدرة على الاستمرار في القراءة، فهي لم تكن تعتقد بالتأكيد أن القتل شيءٌ مريحٌ وكان ما يهمها وما كتبت عنه هم الناس أنفسهم وعواقب الجريمة عليهم. يحل أبطال أغاثا "المفتش بوارو ومس ماربل" ألغاز الجرائم الغامضة في جلسة شاي هادئة، يفكرون في كل الخيوط غير المكتملة ثم يخرجون بالحل بطريقة غريبة تكشف غموض الحادث.(5)

 

"اندماج الدفء مع الخطر، هو الحلم الذي تنبأت به 66 رواية جريمة و13 مجموعة قصّصية، والتي جعلت من أغاثا كريستي ظاهرة أدبية عالمية"

 (لورا تومسن)(6)

   

        

   

العلاقات الإنسانية عوضا عن العنف

تعرضت روايات أغاثا كريستي للنقد بسبب فشلها بحسب ادعاء النقاد في إظهار تبعات القتل من دم وعنف وطعن، لكنها لم تهتم بهذه الأشياء لأن موضوعها لم يكن الجريمة، لقد كان الجريمة الإنجليزية على وجه الخصوص، وهو الشيء الذي يختلف كثيرا عن مجرد سرد لغز بوليسي، ليتجه نحو سير العلاقات الإنسانية عوضا عن العنف. حتى إن البعض يرى أن الجرائم التي تبتكرها لا يمكن حدوثها عمليا على أرض الواقع، هي بمعنى ما جرائم مستحيلة الحدوث. فمن الصعب أن يموت شخص بسبب سقوط شيء مثل طاحونة يدوية من إحدى النوافذ على رأسه، ولن يخطط أحد لجريمة أثناء تجوله على سطح سفينة ثم يطلق النار على قدميه كي يبدو مقعدا. من الصعب أن تحدث أشياء كهذه في الحياة الواقعية، وأغاثا لم تعتقد أنها يمكن أن تحدث. لقد كانت مجرد ألغاز صُنعت لكي تُحَلّ ولكن ليست هي الهدف.(7)

 

انتقد رايموند تشاندلر روايتها "ثم لم يبق أحد" وكانت انتقاداته في محلها تماما، فقد قال: "إنها خداع كامل ومخز للقارئ، أكبر خداع حدث على الإطلاق. ولن أخوض في آليات حدوث الجرائم التي كان يرتكز معظمها على المصادفة المحضة، وبعضها كان مستحيلا فعليا". ربما يكون كل ما قاله صحيح، لكنه لا علاقة له بموضوع الكاتبة، فاللغز عند أغاثا لا علاقة له بفعل القتل نفسه، فعمليات القتل المستحيلة فيزيائيا لا تؤثر على عملية سير اللغز. فهي توجد الجريمة لكي تحل لا لكي تقارن بالواقع. كما أن ما تهدُف لحله فعلا ليست الجريمة، لكن الطريقة التي تسير بها الإنسانية، إذ يجد القارئ نفسه يسعى لحل اللغز عن طريق فهم الشخصيات والظروف المحيطة والدوافع الخاصة بالأشخاص المشتبه بهم، وهو ما يقف عكس الادعاء بأن أغاثا تكتب ألغازا ذكية خالية من التعمق في العاطفة أو الشخصيات. ولأننا نرغب دائما في فهم أنفسنا والآخرين، تستمر روايات أغاثا دون أن يعفو عليها الزمن.(8)

   

    

الحنين وسحر الشرق في رواياتها

تقول "آليسون جوزيف" رئيسة "رابطة كتّاب الجريمة" إن ما جعل أغاثا تحافظ على مكانتها ككاتبة هي الأكثر شعبيّة في هذا النوع الأدبي هو"دقتها الأنيقة، وإحساسها العالي بالقيمة المكانيّة".(9) لقد كانت أغاثا تكتب بطريقة ثرية جدا على المستوى البصري، مما جعلها تهتم كثيرا بتفاصيل مسرح الرواية. نشأت أغاثا وتمتعت بطفولة هادئة بين مجموعة من الفلل القديمة ذات الطابع الفيكتوري في منطقة "توروكوي"، وقد كانت الفيلا التي تعيش فيها مشهورة بحدائق الزهور والنجيل الأخضر.(10) وفي عام 1930 تزوجت أغاثا زواجها الثاني من عالم الآثار "ماكس مالوان"، وقد أتاح لها هذا الزواج زيارة معظم بلاد الشرق الأدنى، فزارت مصر والعراق والشام وبلاد فارس وغيرها، أحبت هذه المناطق بتاريخها ونقبت عن الآثار وشاركت في جمع التحف الأثرية.(11)

 

ووفر لها هذا التجوال فرصة كتابة روايات مسرحها هذه البلاد، وكما اعتبرته حلا لعدم حصر جرائم أبطالها داخل البيوت اللندنية خصوصا مع غزارة إنتاجها. فنشرت نحو سبعة كتب مسرحها هذه البلاد، منها روايتان عن العراق هما "موعد في بغداد" و"جريمة في العراق". وعن سوريا نشرت "موعد مع الموت" التي تدور أحداثها بين عمان والقدس ودمشق. وعن مصر نشرت رواية "جريمة على النيل" و"الموت يأتي في النهاية" و"أخناتون"، كذلك جاء ذكر مصر بشكل مباشر في العديد من الروايات الأخرى. لم تكتف كريستي بخلق رواياتها في بلدان مختلفة، لكنها استخدمت كذلك وسائل المواصلات مرارا في ألغازها، فقد يكون المكان قطارا أو طائرة أو سفينة أو عوامة.(12)

 

كذلك يُرجع البعض سبب الإقبال على قراءة رواياتها حتى الآن إلى ذلك الإحساس بالحنين للماضي ولأزمنة ما قبل الثورة التكنولوجية التي كانت الأحداث تدور فيها، ولصورة الحياة الريفية الأرستقراطية والعادات والتقاليد التي اختفت من الحياة المعاصرة. لكن أغاثا كريستي نفسها تُرجع أسباب حب الناس للروايات البوليسية إلى عوامل متعلقة بالطبيعة البشرية ولا يمكن أن تتغير بسهولة مع مرور الزمن. ترى أغاثا أن الناس يجدون في حكايات المحقق الاسترخاء والهروب الكامل من الحياة اليومية الرتيبة، ورغم انشغالهم بأعمالهم الخاصة فإنهم يجدون الوقت الكافي لقراءتها وقياس درجة ذكائهم أمام لغز محير يتحدى فيه الكاتب براعتهم في الملاحظة والتحليل. كما توفر الروايات البوليسية لمحبي الرهان فرصةً خسائرُها أقلُّ بكثير من الرهان على الخيول أو القمار.(13)

   

  

جدير بالذكر أن نجاح أغاثا في كتابة الروايات البوليسية أثّر على فرصها في كتابة أجناس أدبية أخرى، إذ كان لنجاحها في روايات الجريمة انعكاسات شعبية وأدبية وكذلك مردودات مالية ضخمة، لذلك عارض عدد من ناشري روايتها أي رغبة لديها للتأليف في اتجاه آخر.(14) لكن يقال إنها كتبت مجموعة من الروايات الرومانسية تحت اسم "ماري وست ماكوت".(15) لقد كانت أغاثا كريستي تتمتع بخيال خصب وجامح لا يمكن إيقافه، تقول: "تأتي الحبكات إليّ في لحظات غريبة، عندما أمشي في الطريق، أو أجرب قبعة في محل.. فجأة تأتي فكرة عظيمة إلى رأسي". فهل يمكننا تخيل ما الذي كان من الممكن أن تتركه أغاثا كريستي لو أن إبداعها لم يُقيّد بجنس أدبي واحد؟.(16)

     


تقارير متصدرة


اّخر الأخبار