هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
المزحة.. كيف عبرت رواية عن إحباطات اليسار؟

المزحة.. كيف عبرت رواية عن إحباطات اليسار؟

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

في 31 (أكتوبر/تشرين الأول) من عام 2016 قدم إياد مدني استقالته من منصب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، حيث أشار بيان صادر من المنظمة إن الاستقالة جاءت لأسباب صحية، إلا أن سببا آخر يقف خلف استقالة الأمين العام، بل وانتهاء مشواره السياسي كله ربما، وهو مزحة أطلقها مدني في مؤتمر عُقد بتونس، حين أخطأ في نطق لقب الرئيس التونسي الباجي السبسي وقال "السيسي"، ثم استطرد بـ: "هذا خطأ فاحش، أنا متأكد أن ثلاجتكم فيها أكثر من الماء فخامة الرئيس التونسي". ليصدر بيان بعدها عن "منظمة التعاون الإسلامي" أوضح أن تصريحات إياد مدني كانت على سبيل المزاح وأنه لم يقصد الإساءة للسيسي. وتقدم إياد مدني باعتذار رسمي لكن الأمر انتهى بتركه للمنصب نهائيا. (2)

 

كم مرة تحولت مزحة بسيطة إلى مأساة؟ وكم مرة تحولت المأساة إلى شيء مضحك مثلما قال المتنبي ذات مرة: وَكَمْ ذَا بِمِصْرَ مِنَ المُضْحِكَاتِ وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكَا، إلا أن هذه المضحكات لا تزال تُغرق الواقع بمفارقاتها الساخرة، التي يمكن أن تتحول في لحظة إلى كارثة تغير مصير إنسان، بل شعب كامل. هكذا يقرر الروائي التشيكي ميلان كونديرا عام 1965، أي بعد عامين من إطلاق أول رواياته "غراميات مضحكة"، وقبل أن يُفصَل نهائيا من الحزب الشيوعي بخمس سنوات، أن يصدر روايته المثيرة للجدل "المزحة"، التي وضع فيها كونديرا مراجعاته الفكرية والأيدولوجية لعقيدته الماركسية اليسارية، ويقرر بعدها أن الحياة مجرد مُزحة لها وجهان: وجه مأساوي يرسم صراع الإنسان مع العالم، وو آخر يضحك لهوا من عبث الحياة.

  

صدرت الترجمة العربية للرواية عن المركز الثقافي العربي ببيروت، في 381 صفحة، وقد أنجزَ الترجمة خالد بلقاسم. وفي حين جاءت ترجمة هذه الرواية متأخرة نسبيا عام 2014، فإن كونديرا سيضع فيها أساس الأفكار التي ستدور حولها أغلب رواياته فيما بعد مثل (الخفة، الثقل، المأساة، الكيتش، خلود الإنسان وهويته، الذاكرة والنسيان، الحياة كمهرجان تافه)، فكل شيء بدأ بمزحة ثم تحولت إلى مأساة، ثم تحررت من كينونتها لتصبح سردا جماليا هدفه الإمتاع فقط، وحين يحاول كونديرا تقديم مقاربة لفهم الحياة ومراجعة أفكاره كلها لا يجد إلا المزحة ليقاربها مع الماركسية وليوضح كم يمكن للإنسان أن يكذب على نفسه باسم شعارات مثل "المجد للعمل، البروليتاريا، تغيير العالم"، هكذا لا تزال تلك الرواية فاضحة لكل الأفكار الساذجة التي ما زالت تحيا في عالمنا اليوم.

   

لقاء غرامي للانتقام من الماضي

 

يعرض كونديرا روايته في بناء فني معماري وموسيقي، فيبدو المنظور الأول لروايته عبارة عن لقاء غرامي، وتفاصيل يومية يغلب عليها مشاهد رتيبة وغائمة لمدينة قديمة، لكن التفاصيل تقود القارئ إلى علاقة أكثر عمقا فتتكون لقماشة اللوحة أبعاد أخرى، يبدو فيها اللقاء الغرامي لغرض أبعد من الجنس، بل للانتقام من ماضٍ بعيد، وتقود الذكريات القارئ إلى تشيكوسلوفاكيا عام 1948 في ذروة سيطرة الحزب الشيوعي على الحياة السياسية في براغ، وتعود تلك الذكريات لتضيف ضوءا جديدا للهيكل الخارجي وللوحة ككل، فيبدو عملا فنيا بديعا، ينتصب وفق معمار موسيقي تتعدد فيه أصوات أربع شخصيات رئيسية في الرواية هم "لودفيك، هيلينا، كوستكا، جاروسلاف"، هنا تتجسّم اللوحة إلى متحف من الذكريات والمشاعر تطفو قرب سقفه أحداث الرواية، بينما تغوص أرضيته في قاع من ماضٍ سحيق تملؤه تأملات عن الإنسان والحب والحياة، وفي مركزه تبدو "المزحة" كمفهوم مركزي يُلقي بظلاله على كل أجزاء الرواية.

    

ففي مورافيا، البلد الذي جعله ماضيه العسكري كحصن "يقي من غارات المجر والأتراك، قد ترك على وجهه أثر بشاعة راسخة"، يعود لودفيك بطل رواية "المزحة" إلى مدينته التي تركها منذ خمسة عشر عاما، ولم يبق له فيها غير "قلة من الأصحاب" وبها جثمان والدته "المُودع في قبر غريب" لا يعيره اهتماما. ليخطط للقاء غرامي يجمعه بـ "هيلينا"، وهي سيدة في منتصف العمر مثله وزوجة لزميل قديم للودفيك في الحزب الشيوعي يسمى "بافيل زيمانيك"، لكن اللقاء الغرامي يتحول إلى لقاء الماضي بالحاضر، الذكريات والتاريخ بالواقع، وفترة الشباب الممتلئة بحماسة الأفكار الخاصة بتغيير العالم وقيادة التاريخ بخيبة أمل الحاضر. (3)

   

يصل لودفيك إلى حجرة الفندق في مورافيا، لكنه يخشى من أن يفسد لقاؤه بسبب تفاصيل حجرة مهترئة، منضدة عالية وفراش منخفض أشبه بأرجوحة، فيلجأ إلى صديقه القديم "كوستكا" ليستعير غرفته، ويذهب إلى صالون الحلاقة، وعلى كرسي الحلاقة حين تغطي الرغوة وجه لودفيك ويمر الموس على ذقنه، وتغمره لمسات سيدة صالون الحلاقة، يتذكر لودفيك قصة قديمة لحب ضائع، يتذكر فتاة تفلتت من قلبه كحبات الرمل وكانت تسمى "لوسي"، كانت هذه القصة في فترة عصيبة مر بها لودفيك وغيّرت مصير حياته تماما. فيخرج مشغول البال لكنه يلتقي بهيلينا، ويقيم معها علاقة جنسية انتقاما من زوجها زيمانيك.

     

 

لكن الغريب أن لودفيك يلتقي بزوج "هيلينا"، وهو زيماتيك، في المدينة نفسها خلال مهرجان "الملوك الفرسان"، وهو حدث فلكلوري تنظمه الدولة في تلك المدينة، فيجده يصطحب فتاة جميلة في سن العشرينيات، بل ويتركه مع "هيلينا" كأنه يعرف سابقا بعلاقتهما ويتغاضى عنها، مقابل صلح ضمني يعرضه على لودفيك لنسيان ما حدث أيام الجامعة، فتفشل خطة لودفيك الانتقامية بالكامل، ويصبح هذا اللقاء الجماعي بين لودفيك وهيلينا وزيمانيك بالإضافة إلى كوستكا وجاروسلاف، أصدقاء لودفيك القدماء، حضورا طاغيا للماضي داخل حاضر من ظلال لا يستطيع أن يتجسم بسبب تلك الذاكرة الأليمة التي يحملها لودفيك، فيهجر هيلينا ويعود لصديقه القديم جاروسلاف ليعزفا الموسيقى، غير عابئين بما يدور حولهما.

    

عندما تتحول المزحة إلى كارثة

استلهم كونديرا فكرة روايته من منطقة المناجم "حيث عاش فترة من عمره. ذهب لرؤية بعض أصدقائه فرووا له قصة عاملة شابة اعتقلت وسجنت لأنها كانت تسرق من أجل عشيقها زهورا من المقابر! لم تبرح صورتها خيال كونديرا. كانت رمز التضحية والتفاني بين الجسد والحب. عالمين منفصلين في حياتها.. كل منهما جرى بعكس اتجاه الآخر. وكانت أحيانا تخيل له بصورة أخرى.. سارقة زهور لم يكن حبها الطويل سوى كراهية طويلة! سخرية القدر هذه هي ما أوحت له بفكرة رواية المزحة". (4)

    

وهي نفسها الشخصية التي نحتها كونديرا داخل روايته، فـ "لوسي" حب لودفيك الضائع، كانت فتاة مرت بتجربة قاسية من الاعتداء الجنسي، جعلتها تنفر من العلاقة الحميمية، ثم هي تقضي سنة في الإصلاحية، ثم بعد إطلاق سراحها توجهت إلى أوسترافا، "وفيها تأكدت صفاتها كعاملة على نحو لا غبار عليه. كان سلوكها بالإقامة التي كانت تسكن بها نموذجيا. ارتكبت قبل اختفائها مخالفة قانونية واحدة غريبة تماما: فقد تم إمساكها وهي تسرق زهورا من المقبرة". (5)

     

 

كانت لوسي هي الفتاة الثانية في حياته، فقد عرفها خلال فترة التجنيد الإجباري، التي أمضاها لودفيك كفترة عقاب مع مجموعة أخرى من الأشخاص يعتبرهم الحزب الشيوعي أعداء الحزب والوطن، أما كيف انتهى الحال بـ "لودفيك" عضو لجنة الطلبة بالحزب الشيوعي والشاب المتحمس للأفكار الماركسية إلى هذا المآل، فهذه قصة أخرى، قصة فتاته الأولى ماركيتا.

    

كانت ماركيتا زميلة لودفيك في الجامعة، فتاة جميلة أُعجب بها لودفيك، لكنها كانت شخصية جادة لا تفهم النكات ولا السخرية، في حين كان لودفيك شخصية مازحة، يسخر من كل شيء بطريقة لاذعة. وعندما دفعت حماسة ماركيتا لفهم الأيدولوجية الماركسية رفاقها إلى دعوتها لمعسكر تدريبي تابع للحزب لمدة خمسة عشر يوما، كان لودفيك يخطط حينذاك لتحسين وتطوير علاقته بماركيتا بعد أن كانت مقتصرة على بضع نزهات وقبلات. يقول: "لقد أكلتني الغيرة لأن ماركيتا فضَّلت الدورة على قضاء الوقت معي وكانت تقص لي أخبار التدريب بسعادة واستمتاع".

 

يحكي لودفيك: "إذا تأملنا كل الأمور جيدا فقد كنت من الصميم موافقا على كل تأكيدات ماركيتا. بل كنت أؤمن مثلها بالثورة في أوروبا الغربية. لم يكن هناك سوى شيء واحد لم أكن أقره: أن تشعر بالسرور والسعادة فيما كنت أحن إليها. وعند ذلك، اشتريت بطاقة بريدية وكتبت لأجرحها، لأصدمها، لأحيرها: التفاؤل هو أفيون الجنس البشري. الروح المعافاة تفوح بنتن الغباء، عاش تروتسكي لودفيك".

    

بعد تلك الرسالة لم تجبه ماركيتا بأي رسالة أخرى، وبعد عودتها من المعسكر التأهيلي ازدادت علاقتهما سطحية إلى أن هجرته ماركيتا. كان لودفيك حينها يمر بوقت صعب بعد أن هجرته حبيبته. لم يكن يجرؤ على مغازلة نساء أخريات يمررن أمامه في الطريق، رغم أن مشاهدة سيقان الفتيات الجميلات كانت "تسبب ألما لروحه المعذبة"، ولم ينقذه سوى استئناف عمله في اتحاد الطلاب عندما بدأت الدراسة. وردته مخابرة من سكرتارية الحزب فظنها خبرا مفرحا. ذهب إلى مقر السكرتارية وحيّا من فتح الباب بالتحية الشيوعية المعروفة "المجد للعمل". لكنه لم يرد على التحية وطلب منه الدخول، وقام رفاقه من الحزب الذين كانوا سابقا يمزحون معه باستقباله بتهجّم، وبدأوا معه تحقيقا شرسا عن البطاقة التي أرسلها لماركيتا، حين تحولت المزحة إلى استجواب طويل قدمه كونديرا لنفسه قبل أي شخص، استجواب شخصي حول كل أفكاره حول الحزب والماركسية الشيوعية والتاريخ والحياة والحب:

      

 

"قلت لأحاول أن أعطي الاستجواب اتجاها أخف: إني أمزح عن طيب خاطر. أنا شخص أقرب للمرح. لاحظ أحدهم قائلا: حتى العدمي يستطيع أن يكون مرحا. إنه يستطيع أن يسخر من الذين يعانون. وتابع قائلا: الكلبي.. يستطيع أيضا أن يكون مرحا! وسأل آخر: أتعتقد أنه يمكن بناء الاشتراكية دون تفاؤل؟ قلت: كلا. وصرّح الثالث قائلا: إذن.. فأنت بالتالي لست نصيرا لبناء الاشتراكية في بلادنا. احتججت قائلا: كيف يمكن هذا؟ انفجروا قائلين: لأن التفاؤل في رأيك هو أفيون الجنس البشري. إن ماركس قد وصف الدين بأنه أفيون ولكنك ترى أن الأفيون هو تفاؤلنا. يثير فضولي أن أعرف ماذا سيقول عمالنا الصداميون الذين يتجاوزون الخطوط إذا علموا أن تفاؤلهم أفيون!".

     

"حاول لودفيك الدفاع عن نفسه والتأكيد أن ما قاله لم يتجاوز كونه نكتة. وأنه لو كانت لديه فكرة سيئة لما أرسل هذه البطاقة بالتأكيد إلى دورة حزبية! جادله رفاقه باستماتة وأنكروا عليه كل ادعاءاته أو كما اعتبروها زعم وادعاءات. اتهموه بأنه يعلم أن ماركيتا تأخذ الأمور على محمل الجد وأنه في باقي رسائله التوسلية كان جادا، فلِمَ عليه أن يكون في رسالة التفاؤل الأفيوني وعاش تروتسكي مازحا؟! رفضوا تصديقه تماما. والنتيجة: أقاله الرفاق من وظيفته في اتحاد الطلاب، وطلبوا منه إعادة مفتاح المكتب، وكان في جيبه فأعطاهم إياه على الفور. نهضوا دون أن ينظروا إليه علامة انتهاء التحقيق، فقال لهم بأدب: المجد للعمل. وغادر".

    

تحولت مزحة لودفيك إلى كابوس، وأظلمت الحياة في عينيه غير مصدق ما يحدث له، فذهب إلى زميل له ليحاول شرح مزحته، فقال له الزميل إن الرفاق في الحزب منافقون إلى حد يمنعهم من فهم المزاح. ونصحه بمقابلة زميل اسمه زيمانيك المرشح ليكون رئيس الحزب قريبا. لكن الأمر اتجه من السيئ إلى الأسوأ، حيث اعتبر الحزب لودفيك عضوا في جماعة تروتسكية، حيث كان تروتسكي أسوأ عدو للحزب الشيوعي، أما ماركيتا فقد شهدت ضده في التحقيق، "قالت إنه كان بشخصيتين: في الاجتماعات كان شيوعيا متحمسا، ومعها كان شخصا آخر يقول أشياء لا تُحتَرم!"، وبعد ذلك تم التصويت برئاسة زميله زيمانيك ليس فقط على فصله من الحزب، بل على منعه من الدراسة، وتحويله إلى التجنيد العسكري مع مجموعة تسمى "السّود"، وهم كل الأشخاص المشكوك في ولائهم للحزب.

   

كانت المأساة التي غمرت حياة لودفيك فجأة قد أثارت شكوكه حول نفسه وصورته، قال: "ليس من الطبيعي أن يكون الجميع مخطئين وأكون وحدي على صواب"، ومنذ ذلك الحين أصبح لودفيك مجرد صورة خائنة ومعاكسة لحقيقته، وأصبحت حياته مجرد ظلال مرتبكة لتلك الصورة.

   

المأساة الساخرة

 

"الحياة في التجنيد مأساة يمكن لقاصٍّ أن يحكيها في ملهاة! إنها الفكاهة السوداء كما يقال. قسوة وإهانة ومبالغة في فرض القوانين". (6) هكذا وجد لودفيك نفسه وسط مجموعة من المجندين لا يمكنه فهمهم ولا تقبلهم، لأنه كان يعرف أنه بريء ولا يجب أن يوجد في ذلك المكان، وأن وجوده كله خطأ سخيف نتيجة مزحة تافهة، وحاول مرارا إقناع المفوض السياسي للوحدة أن وجوده بين السود هنا حدث خاطئ! لأنه فُصِل من الحزب من أجل النزعة الثقافية والكلبية! وليس كعدو للاشتراكية. شرح له مرارا حكاية المزحة في البطاقة البريدية التي أصبحت كابوسا ولم تعد مزحة. كان المفوض يستمع إليه دون فائدة حتى استدعاه يوما وقال له بمرارة: لماذا حاولت خداعي؟ أعرف الآن أنك تروتسكي!! حينها أصبحت الحياة في عينيه أشد سوادا.

    

"بدأت أفهم أنه لم تكن هناك أي وسيلة لتصحيح صورة شخصي المودعة في محكمة عليا للمصائر البشرية. فهمت أن هذه صورة مهما قل شبهها بي، كانت أكثر واقعية إلى درجة لا متناهية مني أنا نفسي. وأنها لم تكن.. بأي صورة.. ظلي، بل كنت أنا.. ظل صورتي. وأنه ما كان ممكنا بالمرة اتهامها بعدم مشابهتي، بل كنت أنا المذنب في هذا التباين". كانت الحياة في عيني لودفيك حينها بلا أي معنى حتى تعرّف إلى "لوسي" وأحبها، كانت لوسي بالنسبة إلى لودفيك في ذلك الوقت طوق نجاته، يقول: "منذ ذلك المساء تغير كل شيء بداخلي، أحد حلّ فيّ من جديد، شملني فجأة تطهير داخلي مثل غرفة كان لا يعيش فيها أحد. عادت بغتة عقارب الساعة على الجدار، التي توقفت منذ شهور للاشتغال، كان ذلك مهما، فالوقت الذي كان حتى ذلك الحين يمر مثل تيار لا مبالٍ، من فراغ إلى فراغ آخر دون معالم ولا محددات قياس، أخذ أخيرا يسترجع وجهه الإنساني، فبدأ يتشكل من جديد ويتناقص".

   

إلا أن الفتاة لوسي حبيبة لودفيك وطوق نجاته من حياته المأساوية تتفلت منه، فقد رفضت أن تقيم معه علاقة حميمية، كان الأمر منفرا بالنسبة لها، وفي حين ظن لودفيك أنها تتمنع عليه بسبب أنها عذراء، كان العكس هو الصحيح، حيث كانت لوسي فتاة مجروحة ومعتدى عليها جنسيا، ولم تكن تريد للودفيك أن يعرف قصتها وماضيها، وفي ظل تلك الظروف عندما رفض لودفيك ولوسي أن يفهما بعضهما بعضا، انتهت علاقتهما للأبد.

  

الماركسية.. العقيدة المشوهة

 

على خطى لحن حزين ينبثق من ثقب زمني يشكل دوامة يدور داخلها خطوط زمنية مختلفة وتبدو هالتها الخارجية بلون الكوميديا السوداء، يستكمل كونديرا روايته ليبني داخل نسقها الموسيقي أنساقا إنسانية بحتة تروي قصصا مختلفة لأربع شخصيات اعتنقوا العقيدة الماركسية لكنها خيّبت آمالهم، أو هم من خيّبوا آمالها، يقول كونديرا عن مزحته التي لم يحتملها العالم حينذاك: "أفكر بالأيام التي بدأت فيها كتابة رواية المزحة: كنت أعرف منذ البداية وبعفوية كاملة أن الرواية سوف تحدّق عبر شخصية جاروسلاف في أعماق الماضي (ماضي الفن الشعبي)، وأن "أنا" شخصيتي سوف يتكشف في هذه النظرة وبواسطتها. والواقع أن الأبطال الأربعة قد خلقوا على هذا النحو أربعة عوالم شيوعية شخصية، مطعمة على أربعة مواضع أوروبية: لودفيك: الشيوعية التي تنمو على العقل الهدام الفولتيري، جاروسلاف: الشيوعية بوصفها رغبة في إعادة بناء زمن الماضي الأبوي المتحفظ به في الفلكلور، كوستكا: اليوتوبيا الشيوعية المطعّمة على الإنجيل، هيلينا: الشيوعية كمصدر حماسة الإنسان العاطفي. أخذت كل هذه العوالم في لحظة تفككها أربعة أشكال من انحلال الشيوعية، وهو ما يعني أيضا انهيار أربع مغامرات أوروبية قديمة". (7)

   

ما جعل هيلينا تنجذب إلى لودفيك، رغم اعتزازها بزوجها وبيتها وذاكرة حبها لبافيل زيمانيك قديما، هو أن لودفيك وزيمانيك متشابهان، كانا زملاء، ورغم أن زيمانيك قد حكم على لودفيك بفصله من الحزب والكلية بشكل نهائي، ورغم أن لودفيك أراد الانتقام من زيمانيك بإغواء زوجته، فإن بينهما شيئا مشتركا، شيئا سيجعل مصيرهما مشتركا، إنها نظرتهما الاستعلائية إلى ذاتهما (7)، أما هيلينا ولودفيك فقد جمعهما انفصالهما عن الحزب الشيوعي.

    

كانت بداية انتهاء حياة هيلينا الشيوعية مع حزبها عندما كانت ترد إلى لجانهم مشاكل بين العاملين فيه، كبعض العلاقات الجنسية، ويأخذون تعهدا على الرجل المذنب بعدم ارتكاب هذا الذنب، لكنه يخرج مع عشيقته ويكررون أخطاءهم وتعود الشكاوى كما كانت. كانت هيلينا تقدم اقتراحات لأنها لا تحب من يكذب، وتقول إن "الشيوعي الذي يكذب على حزبه ليس شيوعيا. لكنّ أحدا لم يتبن اقتراحها وعوقبت المرأة الطرف الآخر في الشكاوى فقط، ثم تم تضييق الخناق على هيلينا والتجسس على حياتها الخاصة واتهامها بخيانة زوجها بافيل، وبأنها منافقة تندد في العلن بالعلاقات غير الشرعية بينما تقوم بها في الخفاء". وتحولت هيلينا في نظر أعضاء الحزب إلى عاهرة ومسخ، وتحت سياط أعينهم كانت هيلينا تجلد ذاتها وهي تعاني من زواج تعيس، فقد كان إعجابها بزوجها زيمانيك مجرد إعجاب أيدولوجي، وبعد زواجهم عندما كانت تحدث بينهم مشاكل كان بافيل يقول لهيلينا: "نحن لم نتزوج عن حب، بل عن انضباط حزبي". (8)

    

 

وعندما أصبح زيمانيك يخونها ويهجرها، بجانب ما تلقاه من زملائها في الحزب من حقد، شعرت أنها تريد أن تجدد عاطفتها داخل الحياة، هكذا التقت بـ "لودفيك"، الذي كان يبحث بدوره عن انتقام، كان لودفيك يمثل في رواية كونديرا خروجا من "الكيتش"(أ) إلى اليومي، من مثالية الحياة الأيديولوجية إلى حقائق الوقائع اليومية، من طهورية الحزب الكاذبة إلى دنس الحياة، من تجربة حبه الفاشلة مع لوسي إلى البحث عن انتقام، كان لودفيك هو رمز اليساري الذي يريد أن يقيم العدل فأصبح فريسة لظلم عدالته، وأراد أن يقاوم الظلم فأصبح مرتكبه ومحرضا عليه. (9)

   

أما جاروسلاف، صديق لودفيك القديم وعضو الفرقة الموسيقية القديمة، فيقول قرب نهاية الرواية: "كنا نتصور نحن الآخرين أننا سنصنع عالما جديدا تماما، وأن الناس سيعودون للعيش في التقاليد القديمة، وأن الكوكبة نفسها ستنبع من أعماق حياتهم. كنا نريد تشجيع هذا الانبثاق، كنا نموت تعبا لتنظم أعياد شعبية. لكن لا يمكن تنظيم النبع. فإما أن يندفع أو لا يكون نبعا. أنت ترى أيها الجد أين نحن: أغنياتنا الصغيرة، كوكباتنا وكل شيء مجرد بقايا عصر: القطرات الأخيرة، قطرات صغيرة، الأخيرة تماما"، هكذا كان جاروسلاف وجها آخر لأوهام كاذبة انتشرت مع الشيوعية، فالفلكلور الشعبي والمهرجانات المحلية التي كانت تنبع في المدينة كينابيع نهر منفجر، أصبحت مجرد نشاط تنظمه مؤسسات الدولة وتربح منه الأموال وتجمع منه التبرعات، ومن خلاله تمرر عقيدة الولاء للدولة وللحزب، لقد أصبح كل شيء وكل صورة جميلة مسخا من ماضٍ اختفى.

   

وفي ظل هذا الوضع بدا كوستكا، الأستاذ الجامعي المؤمن بإمكانية تلاقي الماركسية والإنجيل، نشازا بين طبول مسيرة الحزب العمياء، ففُصِل من الحزب، ثم أصبحت الحياة في عينيه صراعا بين مادة طاغية وروح مختنقة، وأصبح العالم مكانا غير مريح بالنسبة له، فأوى إلى ركن ناءٍ، ليفسح الطريق لأبناء الحزب الملحدين الجدد. (9)

    

النزول إلى قاع المزحة الأسود
كونديرا (مواقع التواصل)

 

يقول كونديرا عن الفكاهة: "هي البرق الإلهي الذي يكتشف العالم في غموضه الأخلاقي والإنسان في عدم اختصاصه العميق في الحكم على الآخرين، الفكاهة: ثمل مسبية الأشياء الإنسانية، السعادة الغريبة الناتجة عن اليقين بعدم وجود يقين". (10)

   

لكن الفكاهة أو المزحة هنا في رواية كونديرا ليست السخرية أو مزحات يلقيها الراوي، "وليست نقلا كاريكاتوريا لأفكار الأشخاص وتصرفاتهم، فأفكار الأشخاص ومبرراتهم يتم نقلها بطريقة مقنعة، وعميقة، ومتماسكة. لكنّ الكاتب في المقابل واعٍ لكيفية خداع البشر لذواتهم، ولأن أبطاله هنا، وفي كثير من روايته، مثقفون تكون كذباتهم أكثر مكرا ومبنية ببراعة أكبر. يبنون عوالم كاملة أحيانا، ينجحون من خلالها في خداع أنفسهم، بحيث يظهر لهم تعاليهم أنهم أحرار من الخدع. الأشخاص يحادثون أنفسهم وآخرين بشكل متماسك، لكن الروائي ينجح مع تعاقب الأحداث في إدخالك كقارئ إلى الأبعاد المختلفة للعالم الذي ينقله، وفي جعلك كقارئ واعٍ تشاهد من الخارج تهافت ما يقوله الأبطال لأنفسهم في أوقات كثيرة. دون أن يحتاج إلى التعليق أو التشويه الكاريكاتوري، فقط ينجح في إعطائك مصباحا ترى من خلاله كيف أن الأمور تدعو للسخرية". (11)

   

وبعد أن يجعلك كونديرا تتماهى تماما مع تفكير شخصيته، فإذا به ينتقل بك إلى مدلول تلك الفكرة في الواقع فترى مدى حماقتها، إن اصطحاب كونديرا لقارئه إلى مستنقع حماقة الأفكار هو نزول به إلى القاع الأسود للمزحة، فيقول: "نعم هذا ما أظنه، الحماقة لا تحط بأي حال من الأحوال من عظمة البطل المأساوي، إذ لما كانت لا تنفصل عن الطبيعة الإنسانية، فهي مع الإنسان دوما وفي كل مكان، في ظلال غرف النوم كما هو الأمر على مسارح التاريخ المضيئة". (12)

    

وبعد أن يسلط كونديرا كشافات حروفه الحارقة على قصص جمعت بين الذكريات والتاريخ، تاريخ عشرين سنة مضت من عمر الأيدولوجية الماركسية، يقرر كونديرا أنها عقيدة ضد الحياة، مروجة للأوهام، ومنصة لكي يردد من فوقها أبطال التاريخ الحمقى كذباتهم السخيفة. يعود لودفيك إلى صديقه جاروسلاف لعزف الموسيقى حتى يصاب جاروسلاف بأزمة قلبية يُنقل على إثرها إلى المشفى، بينما يلهو الجميع بمن فيهم الجيل الجديد من الشباب وهم سكارى في أيديهم كؤوس الفودكا، يتصايحون ويسبون بعضهم بعضا.  

____________________________________________________________________________ 

الهوامش:

أ/ الكيتش مصطلح يطلق في أوروبا الوسطى على الأدب الرديء لكن كونديرا أعطاه مفهوم الحياة الأيدولوجية الطهورية، ومسيرة الكيتش هي مسيرة الأبطال الأيدولوجيين الطهوريين الذين ينتمون إلى الأيديولوجية أكثر من انتمائهم للحياة.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار