هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
وجه آخر لرضوى عاشور.. هكذا تحدثت عن أدباء أفريقيا

وجه آخر لرضوى عاشور.. هكذا تحدثت عن أدباء أفريقيا

زينب البقري

محررة رواق
  • ض
  • ض

رضوى عاشور، الأديبة الروائية كما نعرفها، والحكاءة المدهشة والأستاذة الجامعية، نعيش مع حكاياتها الممتعة سواء ثلاثية غرناطة أو الطنطورية أو تقارير السيدة راء، نعرفها كزوجة مريد، وأم لتميم. لكن، ثمة جانب آخر من رضوى لم ينل ذات الحظ الذي نالته أعمال رضوى الأديبة، وهو رضوى عاشور الناقدة والباحثة الأكاديمية. لذلك، فإننا نسير في هذا التقرير، متلمّسين أثر رضوى في هذا المجال، سعيا للنظر لما تراه رضوى حينما تكتب عن الأدب، وما الذي تحكيه حينما تتحدث عن كتابات الآخرين. 

    
لم تكن اهتمامات رضوى الباحثة والناقدة منقطعة الصلة عن رضوى الروائية، فكل أعمال رضوى مثلها تماما، مسكونة بالحكاية والتاريخ والجغرافيا، (1) مظهرة قدرتها على وصل الأمكنة بخيوط حكاياتها المنسوجة بمداد روحها، لنعيش معها في فضاء أمكنة كثيرة، حيث رضوى الطالبة في جامعة القاهرة، والحفيدة التي تقطن المنيل، والثائرة في ميدان التحرير في "أثقل من رضوى"، وعايشنا يومياتها كطالبة مصرية بأميركا (2)، وشاهدنا ظلالها المتوارية في شخصية مريمة في الأندلس، ورأينا غرناطة بعيونها، وبكينا فجيعة نكبة فلسطين معها، فطالما أجادت رضوى امتلاك الحيز، واستعادة التاريخ الحي للناس، فجعلت من الهامش متنا على صفحات رواياتها، وكذلك كانت رضوى الباحثة.

 

اهتمت رضوى بجانب دراستها للدكتوراة بالدراسات النقدية للأدب الأفرو - أميركي بأدب غرب أفريقيا. لقد رأت رضوى عاشور أن الأدب الأفريقي أرض خصبة لا يطؤها الكثيرون، ومنبعا ثريا لمكتبتنا العربية تفتقر إليه حد الظمأ. فرغم ما شهده الأدب الأفريقي من زخم إبداعي كبير منذ الحرب العالمية الثانية، لم يُبذل جهد يستحق لترجمته ونقله إلى عالمنا العربي.

 

  

 

لقد أمضت رضوى عاشور أكثر من ست سنوات في جمع المادة التي كوّنت منها بحوثا جمعتها في كتابها "التابع ينهض". ففي هذا الكتاب تضع رضوى نماذج مختلفة لأدباء أفارقة من بلاد متعددة؛ السنغال، الكاميرون، نيجيريا وغينيا، ولم يقتصر اهتمامها حين اختيارهم على التوزيع الجغرافي فحسب، ولكن شملت فترات زمنية مختلفة، مُقدّمة لنا عرضا نوعيا جماليا لروايات متنوعة، لنسكن من خلال دراستها عالم أفريقيا التقليدي الساحر، ونشهد إرثها الثمين من الحكي الشفهي. (3)

 

الكتابة كفعل مقاومة

من الجدير بالملاحظة أن هؤلاء الأدباء الأفارقة يتشابهون مع رضوى في اتصالهم بالتاريخ الحي والذاكرة وعشق الحكاية، ومحبة الأسلاف والاتصال بالماضي لأجل الحاضر، ورفض القهر. ويتشاركون في اتخاذهم الكتابة كفعل مقاومة لأزمات الحاضر باستجلاء لأصوات أخرست في صفحات التاريخ، والتصدي للصور الزائفة التي رسمها الاستعمار عن أفريقيا، وتجاوز السردية المتأثرة بالرؤية التبشيرية التي تحصر العالم في ثنائية الخير والشر المطلق، فتبرّئ وتقدس كل ما هو أوروبي مسيحي أبيض وتُحقّر من شأن الأفارقة الأشرار المتمردين المتخلّفين المتعطشين للدماء، فلقد كان الكاتب الأفريقي محاطا بسور من الأكاذيب وركام ضخم من الصور الخادعة، وكانت الكتابة فعل المقاومة لمواجهة كل هذا الزيف.

 

لذا نجد أنه بينما ارتبطت نشأة الرواية الأوروبية بهموم الكاتب البرجوازي الأوروبي الساخط على مجتمعه وقيمه وطبقته وأفكارها، لاعنا كل شيء، منعزلا عن مجتمعه يبحث عن الفن لأجل الفن، ارتبطت الرواية الأفريقية بالهموم الجماعية، فالأدب الأفريقي له وظيفة اجتماعية مركزية، لذا غلب عليه الطابع السياسي وحمل رؤية اجتماعية. وبذلك، لا غرابة أن ترتبط نشأة الرواية في غرب أفريقيا بحركة التحرر الوطني. (4)

  

آموس تيوتولا.. سحر الحكايات الشعبية
آموس تيوتو (مواقع التواصل)

  

تُعد رواية "شريب نبيذ النخل" لآموس تيوتولا (1952) أول رواية ذات قيمة فنية تظهر في غرب أفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية، ثم جاءت رواية الطفل الأسود 1953 بعدها بالفرنسية. وتؤكد هاتان الروايتان الذات الوطنية من خلال الارتباط بالجذور الحضارية الأفريقية والنهل من إرث الحكايات الشعبية(5)، ولكن من هو آموس تيوتولا كاتب هذه الرواية؟

  

عمل تيوتولا خادما وهو طفل في السابعة لدى رجل تعهد لوالد تيوتولا أن يرسله إلى المدرسة بدلا من دفع راتب له، واستمرت حياته كخادم وتلميذ في ذات الوقت حتى وصل إلى الصف الخامس الابتدائي وانقطع عن دراسته. ولقد كانت مخدومته تعذبه يوميا، ويروي تيوتولا عن هذه الفترة من حياته قائلا: "قبل أن أستطيع الذهاب إلى المدرسة التي كانت تبعد نحو ميل من البيت، كانت هذه المرأة تجبرني على طحن الفلفل وتقطيع الخشب، وغسل الأطباق وملء ما يكفي من المياه من مضخة البيت، كل ذلك قبل أن تسمح لي بالذهاب إلى المدرسة في التاسعة والنصف، رغم أن المدرسة كانت تبدأ في الثامنة والنصف، ولم تكن تعطي لي إفطارا على الإطلاق قبل أن أترك البيت".

     

يذكر تيوتولا أنه كان يذاكر في الفسحة، ويقطع الأخشاب من الغابة بعد العودة من المدرسة، وعمل في الزراعة والحدادة حتى عانى من البطالة لفترة طويلة حينما كثرت الأيدي العاملة بعودة المجندين من الحرب العالمية الثانية. ولكن ورغم هذه الحياة الفقيرة والمعاناة اليومية، امتلك تيوتولا ثراء في الثقافة الشفوية والحكايات والأساطير والحكم والأمثال، كما قرأ ألف ليلة وليلة ورحلة الحاج لجون بنيان. (6)

  

يمتلك تيوتولا خيالا فذا استوعب به ثراء الحكايات الشعبية، فكان تراث بلاده الشفهي هو مادته الخام في رواياته، التي جذب بها اهتمام القارئ بقدرته على الحكي بما يجيده من مهارات الراوي الشعبي، حاملا الدهشة الممزوجة بالحكمة، مبدعا في بناء حكاياته وسردها بإمتاع. فرواية "شريب نبيذ النخيل" مقتبسة من فلكلور قبيلة اليوروبا، وتحكي عن بطل أدمن شرب النبيذ منذ العاشرة، استأجر له أبوه الثري ساقيا خاصا يقوم باستخراج النبيذ له من جذع النخيل، يموت الأب والشريب في الخامسة والعشرين من عمره ويسقط الساقي من أعلى النخلة فيموت. تبدأ الرواية بقرار الشريب أن يرتحل بحثا عن الموتى لكي يلتقي بساقيه، ويطلب منه العودة معه لأن الحياة بدونه تعيسة، وفي هذه الرحلة يواجه الموت ويتصارع معه ويواجه المخلوقات العجيبة المفترسة.

 

رواية "حياتي في غابة العفاريت" (مواقع التواصل)

  
عالم تيوتولا الروائي يمزج بين عالم الأرواح والآلهة والعالم الحيواني والبشر، مجسدا لرؤية الإنسان الأفريقي وتصوره لقدرته على التواصل مع هذه العوالم، فيرسم تيوتولا الشريب بطلا يتعامل مع الموت والضحك والرقص والخوف كأنها مخلوقات بشرية مجسدة، لها بيوت تتحدث وتنفعل، فيلتقي البطل بالموت وينتظره حتى يعود إلى بيته ويقيم حوارا معه، ويتربص كل منهما بالآخر، ويدور بينهما صراع خفي لرغبة كل منهما أن يظفر أحدهما بالآخر.
  
لتيوتولا رواية أخرى عنوانها "حياتي في غابة العفاريت" عبارة عن رحلة لطفل اضطر للهرب مع أخيه نتيجة لإغارة تجار العبيد على قريته، نرى فيها عالم العفاريت حيا متفاعلا مع عالم البشر، فالعفاريت لها مدن وأسر وأطفال، ويتزوج البطل من نسائهن، وينجب طفلا. (7)
   

ينتقد بعض الباحثين تيوتولا ويرون أنه يقدم صورة للإنسان خارج المجتمع، فهو منشغل بالإنسان وحده ومعاناته، بينما ترى رضوى عاشور أن مغامرات تيوتولا ليست مجرد رحلة في الغابة الأفريقية الأبدية، ولكنها رحلة في الخيال الجمعي للأفارقة، كما أن تيوتولا لم يقدم الإنسان خارج مجتمعه، بل يقدمه في المجتمع وفي الطبيعة على حد سواء. فيقدم تيوتولا في أعماله الإنسان بهمومه وشواغله ومخاوفه الاجتماعية والوجودية، ويمزج بين الحكايات الخرافية وما يستوحيه من واقعه المعاصر.
    
فتيوتولا -بحسب رضوى- ليس الكاتب الأفريقي المعبر عن المدينة النيجيرية بطبقتها الوسطى الجديدة أو عمالها، ولكنه نتاج للمجتمع التقليدي في القرية النيجيرية بتراثها الشفهي وحضارتها التقليدية، فلا يكتب تيوتولا الرواية بالصنيعة الأوروبية في القرن الـ 19 ملتزما الشروط نفسها والصفات ذاتها، وإنما يكتب الحكاية الأفريقية قوامها البشر والفانتازيا الأفريقية. (8)

    

"قطع خشب الرب".. الحياة تنتصر في ركام البؤس
رواية "قطع خشب الرب" (مواقع التواصل)

  

نطوف مع رضوى عاشور لتنتقل بنا من نيجيريا إلى السنغال، تفتح لنا العالم الروائي لسمبيني عثمان، سمبيني عثمان كاتب مختلف عن أقرانه من الكُتّاب الأفارقة، لم يكن تكوينه مشابها لتكوين الصفوة الأفريقية المثقفة التي تعلمت في الجامعات الغربية، فلم يتجاوز تعليم عثمان الابتدائية، فقد اضطر لترك التعليم لكسب عيشه، فعمل صيادا وبناء وميكانيكيا، جُند في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، عمل بعد الحرب في ميناء مارسيليا، وشارك في الحركة النقابية وصار أحد قاداتها، وفي الستينيات التحق عثمان بأحد معاهد السينما لدراسة الإخراج، كانت خبرته الحياتية أكثر ثراء من مسيرته التعليمية. (9)

  

وأجاد عثمان التعبير عن الطبقة الكادحة في السنغال، فجاءت روايته الأولى "عامل الميناء الأسود" 1956 لتروي واقع الطبقة العاملة وتعكس تجربة عمله في ميناء مارسيليا، صوّر فيها اغتراب العامل الأفريقي الطبقي والعنصري. في هذه التجربة الروائية الأولى اختبر عثمان كل أدواته، واستعد فيها لعمله الأقدر "قطع خشب الرب".


تدور أحداث رواية "قطع خشب الرب" حول واقعة تاريخية وهي إضراب عمال سكة الحديد خط داكار – النيجر الواقع بين مالي والسنغال، نرى أهل داكار يعيشون بلا ماء؛ فقد قطعته السلطة عنهم لكي يتحولوا عن الإضراب، فأصبحت المصيبة مصيبتين: جوع وعطش. فتذهب النساء يوميا إلى المضخة العمومية يحملن أطفالهن على ظهورهن، والجرار في أيديهن، تتعلق عيونهن بصنبور الماء، يفتحن أفواههن كلما بدت نقطة ماء واحدة على حافته كلؤلؤة في منقار طائر، ينصتن إلى صوت خافت في الأنابيب: هل هو ماء أم مجرد هواء؟

   

ترى رضوى أن رواية "قطع خشب الرب" ملحمة أفريقية من منظور اشتراكي، إذ يتبنى صاحبها المنظور الطبقي ويصور الصراع بين العمال وأصحاب الآلة

مواقع التواصل
   

وفوق المضخة أجلسن طفلة صغيرة تُدعى "آنتا" تحمي رأسها بسلة قديمة من وهج الشمس: ألم تسمعي صوتا من الأنابيب؟ يأتي السؤال بين الحين والآخر إلى الصغيرة "آنتا"، وفي مرة أخرى تسألها إحدى النساء: هل تشعرين بشيء؟ هل هناك ما يجري في الأنابيب؟ فتجيب: أشعر بشيء، كأنه شيء يدور، ثم تقول وكل العيون معلقة بها: "يبدو أن هذا الصوت يأتي من معدتي". هكذا يمتزج الهزل في وسط المأساة في هذا المشهد التفصيلي من رواية "عثمان"، فرغم الجوع والعطش ومعاناة النساء والأطفال، لا تتوقف عندهن الحياة، فنجدهن يمازحن ويضحكن ويسلّين أوقاتهن بالنميمة والغيبة. 

          

ترى رضوى أن رواية "قطع خشب الرب" ملحمة أفريقية من منظور اشتراكي، إذ يتبنى صاحبها المنظور الطبقي ويصور الصراع بين العمال وأصحاب الآلة، ويتولد المستقبل من وجهة نظر الكاتب من خلال هذا الصراع الطبقي، ونعايش في هذا السياق معاناة وعذابات العمال، ويدمجنا عثمان في الواقع الحي للعمال والأفارقة بعاداتهم وسلوكياتهم، فالبطل لديه هو الجماهير المناضلة وليس بطلا بعينه.

 

ولكن على الرغم من حديث عثمان عن الجماهير نجد الشخصيات في روايته مميزة، لا تذوب في بنية النص ولا تلتهمها الأحداث أو الجماهير، بل تقف شاخصا أمام مصائرها في هذا الحدث التراجيدي العام وهو الإضراب. ولم يهمل عثمان تقديم صور من جانب آخر غير العمال مثل شخصية الفرنسي المحتل التي يتناولها من زاوية أكثر قربا وبملامح أكثر واقعية دونما اختزال أو تسفيه، فقد صوّر عثمان الفرنسي كمستعمر فضولي يريد التعرف على الأفارقة أو عنصري لا يرى في الاحتكاك بهم سوى القذارة والعنف والحشرات، وقدم شخصية الفرنسي التقدمي الذي يدعم الإضراب ماديا ومعنويا من خلال نقاباتهم.

      

سمبيني عثمان (مواقع التواصل)

    
قدم عثمان الرقعة الاجتماعية الواسعة من منظور اشتراكي، وأبان عن قدرته ككاتب في خلق بناء متماسك ونسيج ثري من حياة الأفراد والجماعة، مازجا بين الفرح والحزن، والفكاهة والهزل مع الفجيعة والألم، فيقدم شخصية شديدة المأساوية ومصيرها التراجيدي يدفعك للتوقف عاجزا مثل شخصية سونكاري العجوز.

   

وسونكاري العجوز عامل لا يشارك في الإضراب، كما أنه مصاب بعجز في إحدى ساقيه إثر حادث في العمل. نراه وقت الإضراب يهرع إلى غرفته لا يغادرها لمدة أسبوعين، ولما اشتدت عليه وطأة الوحدة وأصبح يفكر في الموت ويرتجف خوفا من كل نسمة هواء تمر به، يدعو الله: "يا رب.. آه يا ربي الذي يحبني، أنا وحدي في الطريق الوحيدة التي أعرفها، وها أنا ذا رغم ما عرفت من معاناة في بداية المعاناة. هل معنى ذلك أنني ملعون؟ يا رب ماذا تفعل من أجلي؟ هل أنت موجود أم أنك مجرد صورة؟ إني لا أراك في أي مكان. إنك رب للخير ولقد وهبتني رحمتك، هل أنا الذي فشلت؟ اغفر لي وساعدني يا ربي فأنا جائع، جائع جدا". (10) يشتد حاله سوءا ويتضور جوعا فيبحث عن الفئران ليأكلها ويرقب حركتها، ولكن المفارقة أنه يموت، وتلتهم هذه الفئران ساقيه، نهاية سونكاري التراجيدية تشعرك بالخوف والشفقة والتعاطف معه. يجسد سونكاري الضعف المفجع للإنسان المنفصل عن الجماعة، فمصير مرعب أن تموت وحدك في ورشة مهجورة صيدا غنيا للفئران.

 

وجوه نساء أفريقيا الحية في رواية عثمان

رغم عبقرية نص عثمان الروائية، ترى رضوى عاشور أن أبرز ما قدمه عثمان في روايته هو إجادة رسم شخصيات النساء، فجعلها شخصيات تتصف بالامتلاء الإنساني والحيوية والحضور، فخلقت من النص نصا حيا خصبا كقدرة النساء على توليد الحياة من الموات.
   

فنرى في رواية "قطع خشب الرب" وجوها مختلفة للمرأة الأفريقية من خلال الجدة والحفيدة الذكية التي تثير أفعال الجدة غضبها لأنها تريدها زوجة وأما فقط وتعترض على تصورات جدتها وتديم السؤال والفكر، وهناك مامي صوفي المبادرة الجريئة التي تحارب الشرطة وتتصدى لهم، بشكل يثير الإعجاب والضحك، وهوديامبيني أم ثمانية أطفال الذين ولد آخرهم بعد موت أبيه في الإضراب، فسُمي "إضراب"، فهوديامبيني نراها دوما بلا حول ولا قوة، فهي تكتفي بالبكاء في أي موقف تواجهه، يموت زوجها وتتبعه هي نفسها بالموت استسلاما أمام خراطيم المياه التي فتحها الأمن على الأهالي.

  

 

ونرى الابنة نديي توتي التي تعرضت لتجربة مختلفة، فقد ذهبت إلى المدرسة فأصبحت منفصلة نفسيا وعقليا عن واقعها اليومي، نلمس ذلك في حوارها مع مامي صوفي؛ حينما تسألها عن معنى الإضراب فلا تجيب، فتتهكم عليها قائلة: فما الذي تتعلمونه في المدرسة إذن؟ تتعلم نديي توتي في المدرسة كل شيء عن الحياة ما عدا الإضراب، لأن الإضراب ليس جزءا من حياة البرجوازية الأوروبية. تزرع تعاليم المدرسة في داخل نديي الخجل من كل المظاهر غير المتحضرة في بيئتها الأفريقية،  نراها تحلم بالحب الذي يولد في الحفلات الراقصة والرحلات الخلوية، وتهيم شوقا إلى البيت الخشبي الأنيق القائم على قمة جبل أو شاطئ رملي، وتتمنى الزواج من محامٍ أو طبيب ينتشلها من مقبرة الأحياء التي تكتظ بالبيوت والأكواخ الخشب إلى حي أوروبي حيث البيوت الجميلة والحدائق الغناء. إن نديي تمثل نموذجا للبرجوازية الصغيرة التي يخلقها المستعمر ويشكلها من خلال التعليم وأدوات المستعمر الثقافية.

 

فنديي توتي تعيش مذبذبة بين عالمين: عالم التطلع في المدرسة والطبقة الكادحة التي تنتمي إليها، فهي تلك الفتاة التي مات والداها بسبب الإضراب، وتقوم برعاية أخيها الطفل المُسمى "إضراب"، وتقع في حب زعيم الإضراب رغم أنه عامل يكبرها بأعوام كثيرة، تواجه قسوة الحياة المعيشية اليومية في واقع مرير، ولكن تكوينها الثقافي العقلي المدرسي يجعلها مذبذبة دوما بين الإقبال والإحجام في المشاركة في الإضراب.
     

بعكس هذه الصورة المذبذبة للفتاة المتعلمة التائهة بين عالمين، عالم المدرسة وتطلعات البرجوازية وعالم بيئتها الواقع تحت ويلات الإضراب، نجد شخصية الجدة وما تعكسه من طباع المرأة التقليدية الأفريقية، التي مات زوجها وفقدت اثنين من أبنائها إثر مشاركتهم في الحرب مع فرنسا، فنجدها تشارك في المسيرة النسائية المشاركة في الإضراب رغم ما تلقاه من عنف من قِبل قوات الأمن، وتلقى رئيس الإضراب ويدور بينهما حوارا جميلا نلمس فيه رمزية التقاء المستقبل بالماضي:

  

تسأل الجدة رئيس الإضراب "إبراهيم": هل أمك على قيد الحياة؟ فيخبرها أنها ماتت يوم اقتحمت قوات الأمن بيته لمطاردته لقيادته للإضراب، فتقول له دون تردد: إنها ستكون هي أمه، وتروي له أن زوجها مات في الحرب العالمية الأولى وابنها البكر لقي حتفه في الحرب العالمية الثانية، وأخذوا ابنها الآخر في الحرب، وما تبقى منهم هو ثلاثة أوسمة: وسام صليب الحرب، ووسام الخدمة في الجيش الفرنسي، ووسام يُمنح لمن يجرح في الحرب أثناء الخدمة، وأضافت: حاولت أن أبيعها بما أنه لا يوجد طعام، ولكن لا أحد من أصحاب المحلات يريد شراءها، لا أدري لماذا يعطي الفرنسيون أشياء كهذه الأوسمة، هذه الأوسمة بالنسبة لي ليست سوى رموز للموت.

       

الشخصية النسائية التي أثنت رضوى كثيرا على قدرة عثمان على رسمها بدقة في روايته "قطع خشب الرب" هي شخصية ميمونة، المرأة العمياء 

الجزيرة
     

ويقدم عثمان نموذجا آخر لسيدة أفريقية عجوز وهي الجدة "راما تولايي" الجدة الطيبة التي تتحول إلى العنف غير المعهود فيها بفعل الظروف القاسية الذي خلفت الإضراب. فحينما حاصر عائلتها الجوع ذهبت إلى البقال وحينما رفض أن يعطيها ولو رطلين من الأرز فقط بما يكفي لخداع الجوع، تتوعده بأنها ستحصل عليه بأي وسيلة، تلتقي بأخيها المختال في ثيابه الأنيقة فيرفض أن يعطيها مالا أو أرزا، ويعطيها بدلا منهما محاضرة عن ضرورة عدم مساندة الرجال في الإضراب لأنه خرق لإرادة الله الذي خلق الفرنسيين أقوياء، فوفقا لأخيها فإن القوة من عند الله، وهبها الله للفرنسيين، وليس بمقدورهم قتالهم. تُصر الجدة على الحصول على الأزر لأطفال أسرتها، فتحصل عليه بمساعدة الأهالي، ثم أتى الجدي وأكل ما حصلت عليه من الأزر، فيشتد غضبها، وتقوم معركة عنيفة مثيرة بين الجدة والجدي، قتلت الجدي فيها، وحينما ذُبح، اجتمع عليه الجيران الجائعون لأكله.

     
أما الشخصية النسائية التي أثنت رضوى عاشور كثيرا على قدرة عثمان على رسمها بدقة وتركيب وجمال في روايته "قطع خشب الرب" هي شخصية ميمونة، المرأة العمياء التي تعمل كبائعة للطعام لعمال السكة الحديدية، فقيرة مطحونة، يجتمع عليها الانسحاق والفقر والعمى، أي يقع عليها الظلم مزدوجا ظلم الطبيعة والمجتمع، إلا أنها لا تُثير الشفقة أبدا؛ جسدها منتصب كإلهة لليل، رأسها عال، تبدو نظرتها الخاوية كأنها تتأمل مساحة أعلى من البشر فيما وراء هذا العالم. تحمل توأمين في ليلة حب مع عابر حمّلها إياهما ورحل، فأصبحت تجلس في وضعها المعتاد أمام المأكولات ترضع أحد الصغيرين وتغني بصوتها الجميل ملحمة أسطورية عن "حومبا ندايي" المرأة التي طاولت الرجال، وتحدّت قدرتهم قبل أن تفقد بصرها. تفقد ميمونة أحد طفليها في مواجهة بين العمال والأمن، فتشارك في مسيرة النساء إلى داكار رغم عجزها ورغم عبء حمل طفلها المتبقي، تلقى والد الطفل الذي يطلب منها أن يحمي الطفل، فترفض أن يأخذه، يموت والد طفليها في المسيرة.

 

يرسم عثمان الشخصيات بأبعاد أكثر عمقا تشابه شخصيات دوستويفسكي، فلا تمنعنا معاناة ميمونة من التعاطف مع والد طفليها حينما يموت في المسيرة، ويتعمق إحساسنا بعظمة ميمونة التي تواجه واقعها المأساوي باعتداد نبيل. فشخصية ميمونة غنية بالحضور الواقعي والرمزي المكثف، فهي ترمز إلى أفريقيا المعذبة، كما أنها صدى للربة "فورتونا" معصوبة العينين التي تمسك بيديها بعجلة الحظ تحرك فيصعد الأسفلون ويسقط الأعلون.(11)

 
ينهي عثمان الإضراب المر بانتصار قوى الحق على الباطل، وتختتم بإنشاد ميمونة مقطعا من أسطورة "جومبا" التي كانت ترددها كثيرا:

"ومن شروق الشمس إلى شروقها ثانية
استمر القتال
حين طعنوا أعداءهم كانوا يحاربون معا يغطيهم الدم
ولكن سعيد هو الرجل الذي يقاتل بلا كراهية"
     

  

نلحظ أنه على الرغم من اختلاف التكوين الاجتماعي والثقافي لعثمان ورضوى عاشور فإنه أقرب الأدباء الذين استعرضت رضوى رواياتهم في دراستها إليها، فيتشابك عالم عثمان الروائي في "قطع خشب الرب" مع عالم رضوى عاشور الروائي في "ثلاثية غرناطة" في معنى مركزي وهو" أن الحياة في نهاية المطاف تغلب". (12)

 

نرى في روايته اضطرابات البشر في تفاصيل يومية، ونقترب من عوالم النساء الحية، لا نجد مريمة أو أم جعفر بشخوصهما، وإنما نجد الجدة المناضلة والعمياء صاحبة الكبرياء، فالقدرة على تصوير التفاصيل الحية لعالم النساء هي ما يجمع رضوى وعثمان، لنرى أن البشر على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وأزمانهم خيط متشابك واحد يجمعهم جديلة اليأس والأمل والحب والغضب والسخرية الممزوجة بالتراجيديا التاريخية الممتدة، نرى الحياة خصبة تثيرها النقائض والأضداد.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار