اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/6 الساعة 13:53 (مكة المكرمة) الموافق 1439/12/26 هـ

انضم إلينا
حلمي التوني.. تعرف على رسّام نساء روايات نجيب محفوظ

حلمي التوني.. تعرف على رسّام نساء روايات نجيب محفوظ

زينب البقري

محررة رواق
  • ض
  • ض

 "أعادت مصرية التوني التشكيلية تفسير مصرية محفوظ السردية بصريا، حتى إن نكهة أحدهما لم تتفوق على الآخر، ولم تغالب مكانة الفنان الأديب، وإنما نهل متبادل، لأن المعين واحد" (1).

(أشرف أبو اليزيد)

  

يمزج الرسام حلمي التوني بألوانه الزاهية الصاخبة ما بين الأسطورة والجو الشعبي برموزه وطقوسه متخذًا من المرأة المصرية أيقونة وموضوعا لمعظم لوحاته، فعالم التوني التشكيلي يزاوج بين العالم الشعبي والحداثة، وتعكس فرشاته بصمته المميزة التي تملأ لوحاته بالحركة والحيوية. لا يخفي التوني إعجابه بالفنان العالمي بابلو بيكاسو ولا تأثره بالفنانين المصريين رواد الفن الشعبي الذين يتخذهم قدوة في مساره الفني مثل: محمود مختار ومحمود سعيد وعبد الهادي الجزار. (2)

     

نموذج  من لوحات معرض حلمي التوني التي جسد فيها كلمات الأغاني (مواقع التواصل)

   

ويبدو جليًا أن المرأة بطلة لوحات حلمي التوني منذ بداياته الأولى، فيصور النساء في لوحاته بأجساد ريانة وعيون واسعة وتمنح الألوان والتفاصيل والرموز التي يستخدمها اللوحة حياة متدفقة، فتشعر أن بطلة اللوحة ستخرج من بين جدرانها لتقص عليك حكاياتها.(3) فالجمع بين النص والصورة لدى حلمي التوني مهمة تقوم بها المرأة بالأساس، ففي إحدى معارضه الفنية الأخيرة قام حلمي التوني بتحويل كلمات الأغاني إلى لوحات، وكانت المرأة هي التي تروي هذه الأغنيات.

  

ويعد حلمي التوني من أبرز الفنانين التشكيليين الذين رسموا شخصيات نجيب محفوظ الروائية، فكيف اجتمع عالم نجيب محفوظ الروائي وعالم حلمي التوني التشكيلي، وكيف مزج بين النص والصورة والفرشاة والقلم؟ وكيف صوّر حلمي التوني ملامح الشخصيات النسائية في أعمال نجيب محفوظ الروائية عبر لوحاته؟

    

حلمي التوني (مواقع التواصل)

  

أمينة وزنوبة ما بين البراءة والاشتهاء

سنبدأ بالثلاثية لأنه كما تذكر د.لطيفة الزيات أن فهم صورة المرأة في أدب نجيب محفوظ لابد أن يستند إلى ركيزة رئيسية وهي الثلاثية، فالثلاثية تحتوي على بذور كثيرة من الروايات اللاحقة عليها والسابقة لها بداية من القاهرة الجديدة.
  

تبدأ الثلاثية وتنتهي بأمينة، فهي تبدأ بها تنتظر في منتصف الليل عودة الزوج السيد أحمد عبد الجواد، وتنتهي وأمينة تحتضر. امرأة في الأربعين من عمرها، استطاعت فيما فشلت فيه هنية أم ياسين في معايشة تناقضات السيد أحمد عبد الجواد "الإله في البيت، والنديم مع الأصدقاء، والداعر مع المومسات، والعاكف على الشراب ليلا، ومقيم الصلاة نهارا".

  

أمينة شخصية مركزية في شخصيات النساء في روايات نجيب محفوظ، وترى لطيفة الزيات أن أمينة النبع الخام لمعنى الفضيلة والأصالة لكل الشخصيات النسائية كما صورها نجيب محفوظ، فكل امرأة أصيلة في أدب نجيب محفوظ فيها صفة أو أكثر من صفات أمينة، وترى أن أمينة تبدو الشخصية النسائية الأكثر خضوعًا واستسلامًا في روايات محفوظ لأنها كانت مرآة لعصر نساء يخضعن للزوج خضوعا أعمى، ويؤمنّ بالخرافات إيمانا جما، ويخشين الجن والعفاريت، (4)

      

أمينة - الثلاثية (مواقع التواصل)

   

يصفها محفوظ في الثلاثية قائلا:

"خارت قواها في الصالة فارتمت على طرف الكنبة وكلماته القاسية الحاسمة تتردد في باطنها، ليس الرجل هازلا، ومتى كان هازلا؟ ولم تستطع مبارحة مكانها، على رغبتها في الفرار، أن يثير نزولها قبل مغادرته البيت على خلاف المألوف ريبة الأبناء الذين لا تحب أن يستقبلوا يومهم أو يذهبون لأعمالهم متجرعين خبر طردها، وثمة إحساس آخر -لعله الحياء- أقعدها عن أن تلقاهم في ذل المطرود، وقررت أن تبقى حيث هي حتى يغادر البيت، وأن تأوي إلى حجرة المائدة وهو الأفضل حتى لا تقع عليها عيناه إذا مضى إلى الخارج، فتسللت إلى الحجرة كسيرة الفؤاد، وقعدت على شلتة ساهمة واجمة".

  

رسم التوني ذلك الاستسلام في نظرة الخشية على وجه أمينة إلى الوجه المحفور خلفها، حيث يتدلى الحجاب الذي تؤمن به. يجيد التوني توظيف الأيقونات المنثورة في لوحاته، لذا فإن الحجاب في لوحة أمينة يعد معادلا بصريا وموضوعيا عن معتقدات أمينة التي تبدو في ثوبها الأبيض معبرة عن مكنون طاهر، وربما ساذج، تجلس كما تتكوم هرميا ككومة من الملابس.(5) ثوبها الأبيض والهدوء المريح البادي على ملامح وجه أمينة، يعكس استسلامها وبراءتها ومثاليتها، مجسدًا رمزيًا لمعاني الأصالة والفضيلة، فأمينة ليست مجرد امرأة خاضعة خانعة، ولكن على الرغم من طاعتها الدائمة لزوجها إلا أنها لا تسلم له بتغيير مثلها وإيمانها.

 

 تعكس أمينة قيم الأصالة في مقابل الزيف، فالأصالة والزيف هما معيارا نجيب محفوظ في الحكم على المرأة في رواياته، فلا يرتبط السقوط لديه بممارسة الرذيلة، وإنما سقوط المرأة في وجهة نظر محفوظ مرتبط بالخيانة ونضوب الحب وانعدام الولاء، لذا كل امرأة صادقة مخلصة في الحب، سخية في العطاء، تقترب من أصالة أمينة، وإن كانت مومسًا. (6)

  

زنوبة  - الثلاثية (مواقع التواصل)

 

في صورة أخرى، تظهر زنوبة العوادة في الثلاثية نفسها كما يصورها حلمي التوني في طورها الأول زنوبة العوادة، وكأنها تخترق جدارية اللوحة بعنفوانها وليونة جسدها وشعرها الأسود الفاحم الذي يمثل ليلا طويلًا ينهض منه النهار، ويستعير الشمعدان الذهبي كرمز بصري للرقص، ويخطف أبصارنا بألوانها الصاخبة المازجة بين الأحمر القاني والأصفر الذهبي المنثور على أساور ذراعيها، وعلى أقراط أذنيها، والحزام المشدود على خصرها، فبمجرد النظر إلى اللوحة نتعرف على الغواني وعالم الليل السري، فنجد الرجال الأكابر منزوين خلف الجسد المشتهى لزنوبة، يمثلهم الوجه المطربش، ليمثل تناقض المجتمع بين أبهة المظهر وفساد الجوهر. (7)

  

تتأرجح زنوبة بين عشق السيد عبد الجواد والزواج من ابنه ياسين، وهي في هذا الحوار مع السيد عبد الجواد تتحدث عن تلك الزيجة:

"أنت لا تفهمني، لقد ضقت ذرعا بالحياة الحرام، ليس وراءها إلا البوار، إن مثلي إذا تزوجت قدرت الحياة الزوجية خير قدرها".

 

"من المغفل يا ترى؟! التخت لم يكن يعدها بأكثر من عوادة، وحياة الهوى ليس وراءها بعد الثلاثين -وستبلغها قريبا- غير التلف، فالزواج هو الأمل الموعود".

    

إحسان شحاتة.. عاهرة في صورة قديسة أم طاهرة بزينة قوادة؟

"كانت إحسان شحاتة عظيمة الشعور بأمرين: جمالها وفقرها، كان جمالها فائقا، وقد استأثر سكان دار الطلبة، وجعل سكان الحجرات يرسلون شواظ أنفسهم فتلتقي جميعا في شرفة الدار الصغيرة البالية، وترتمي عند قدم الفتاة الحسناء الفخور، ولكن لم توجد بالدار مرآة حقيقة بأن تعكس ذاك الجمال الصبيح، فالفقر حقيقة ماثلة كذلك، وقد قوّى شعورها به أخواتها السبعة الصغار، وأن لا مورد لهم إلا دكان السجائر مساحتها متر مربع وجل زبائنها من الطلبة، وطالما خافت على جمالها عوادي الفقر وسوء التغذية".

  

إحسان شحاته  - القاهرة الجديدة (مواقع التواصل)

 

هذه هي الصورة التي رسمها نجيب محفوظ عن شخصية إحسان شحاتة في أولى رواياته الواقعية "القاهرة الجديدة"، ولكننا نلحظ أنه بينما صوّر التوني شخصية زنوبة في طورها الأول "المومس" بدلًا من طورها الثاني كزوجة عفيفة وأم كريمة، يجسد إحسان شحاتة في طورها الثاني بعد زواجها من محجوب عبد الدايم وصعودها طبقيًا، وانتقالها من الفقر إلى الغنى. وذلك لأن التوني قارئ فطن لأعمال محفوظ، لذا فإنه أجاد التقاط زاوية الشخصية وخيط سردها الرئيسي.

 

يصور التوني، إحسان شحاتة محاطة بهالة من البهرجة والثراء يبدو ذلك في وضعية جلوسها، وإمساكها بالسيجار وتصفيفة شعرها المنتقاة بعناية، وفي استخدام اللون الأصفر المذهب في أساور يديها، وأطراف الستائر ومبسم السيجارة، وحلية الأريكة وإطار البرواز ووشاح صاحب الصورة داخل البرواز. ينجح التوني في خلق الإحساس بالجمال المشتهى بإبراز فتنة الجسد وانكشاف بعض أجزائه، وفي ألوان اللوحة التي تدمج ما بين الأحمر والأزرق والأخضر، في إيقاع بصري ولحن موسيقى يعزف أنشودة الحب العفيف والغرام بالسلطة والمال. فلوحة التوني تبرز تركيب شخصية إحسان شحاتة: حبيبة علي طه، وزوجة محجوب عبدالدايم، وعشيقة قاسم بك، التي لا ندري أي تعريف يصدق على توصيفها: أهي عاهرة في صورة قديسة أم طاهرة بزينة قوادة؟

  

نور اللص والكلاب.. إشراقة في ظلال الموت

الفقر والجمال معادلة صعبة ممتدة في شخصيات نجيب محفوظ النسائية، إنهما الدافعان لجعل المرأة على حافة السقوط ومنزلق الغواية، فقد تركنا زنوبة وإحسان شحاتة لنجد نموذج آخر يحمل نفس المنطق، ويخوض ذات التحدي، ولكن بسردية جديدة لا تكرر، وهي نور في رواية اللص والكلاب. يواصل نجيب محفوظ المزج بين ثنائية الزيف والأصالة في رسمه لشخصيات المرأة المختلفة في رواياته، فيصر على ترسيخ معنى أن الفضيلة لا تنحصر في الجسد، وبينما يدفع بطلاته نحو السقوط تحت وطأة الفقر والعوز والحاجة، نلحظ أنه يصر على تبادل المواقع بين السقطات والفضليات، وتتضح هذه المفارقة في رواية اللص والكلاب، حيث نجد الزوجة هي التي تخون ونور المومس هي التي تمثل وجه الخلاص الوحيد لسعيد مهران.

 

نور - اللص والكتاب (مواقع التواصل)

    

يصف محفوظ نور في رواية اللص والكلاب قائلًا:

"ظهرت نور عند الباب غير متوقعة للمفاجأة التي تنتظرها، فلما رأته توقفت على بُعد خطوات في ذهول. ونظر إليها باسما وفي إمعان، بدت أنحل مما كانت عليه، اختفى وجهها تماما تحت المساحيق الدسمة، ونطق بالإغراء فستان أبيض انطلقت منه الأذرع والسيقان بلا حرج، وقد شد حول جسدها كالمطاط حتى صرخ التهتك، وعربد الشعر رأسها القصير في تيار الهواء، وسرعان ما هرعت إليه حتى تلاقت الأيدي".

   

يبرع التوني في تحويل هذه العبارات إلى لوحة حية ناطقة، فيرسم نور فتاة مشرقة تحيطها ظلال الموت، الموت المتجسد في صورة السلاح الناري المواجه للمقابر في خلفية اللوحة. تتزين نور بقلب كبير يتوسط صدرها، وقلبان صغيران يتدليان من أذنيها، يعكسان قلبًا طيبًا وأصلًا نقيًا تمتلكه فتاة ليل، ويصورها تتوسط النافذة، فهي نافذة وملجأ اللص بعيدًا عن كلاب المجتمع.
   

لا يمكننا أن نرى التوني مجرد رسامًا، إنه يحكي عالم نجيب محفوظ الروائي بصريًا دون إخلال أو اختزال، ويعيد اكتشافه من خلال تفاصيل رمزية على بساطتها تروي الحكاية كلها، ففي رسمه لشخصية نور نجد القمر في طريقه للأفول ليكشف عن المصير الذي ينتظر البطل. (8)

 

نفيسة في رواية "بداية ونهاية" التضحية لمن لا يستحق
نفيسة - بداية ونهاية (مواقع التواصل)

 

نفيسة هي إحدى الشخصيات النسائية المعذبة في أعمال نجيب محفوظ، نرى فيها ذات المنطق لسقوط المرأة في الفقر، ولكنه هذه المرة في أوساط الطبقة الوسطى، من خلال أسرة تواجه مذلة الهبوط إلى الطبقات الأدنى برحيل الأب، ولكنها تزرع في أبنائها الرغبة في الصعود والتطلع إلى الأعلى أيا كان الثمن، فنجد شقيق نفيسة الضابط الوسيم لا يعبأ بأي مصير للأسرة، ويرى في تلبية متطلباته حقًا مفروضًا، ولكن في سبيل الوفاء بمتطلباته تسقط نفيسة في هاوية الدعارة، ويفضل شقيقها الآخر طريق الانحراف والبلطجة والمخدرات، بينما تُعمي النقود شقيقهما الضابط عن رؤية مصدر النقود: أخت ساقطة وشقيق لص.

   

وحينما يعرف الحقيقة لا يرى حلًا سوى أن تنتحر نفيسة بإلقاء نفسها في النهر، لتموت معها وصمتها التي تهدد مستقبله المهني ومكانته الاجتماعية. يصف محفوظ أثر الصدمة الواقعة على نفيسة، قائلًا: "ولم تكن أفاقت من أثر الصدمة العنيفة التي هرست نفسها وجسدها هرسا، ولكن انقضاء الأيام أخمد الثورة الهائجة، في ظاهرها على الأقل، وأحل محلها مرارة سامة ويأسا مميتا، وشعورا معذبا بالوحشة، كأنها غريبة بين أهلها، شاذة عن المخلوقات، إلى إحساس بالظلم طاغ بعث في نفسها رغبتين متناقضتين تناوبتاها تناوبا متواصلا، رغبة في التمرد والجموح، ورغبة في الاستزادة من الظلم والتعذيب حتى الموت".

 

يصور التوني نفيسة بعذاباتها واقفة على جانب اللوحة، تشير بيدها إلى مصيرها المؤلم، يجاور نفيسة جدارًا مصمتًا عليه نقوش للشخصيتين اللتين قادتاها إلى مصيرها القاسي، وجهي أخويها الضابط واللص، يظهران وكأنهما وجهان لعملة ورقية واحدة، ونرى القمر ينسدل ضوؤه حتى يتلاشى في النهر، فكأنها تقف على عتبات شرفة الموت.

  

حميدة روح الحمامة الحالمة في غيوم زقاق المدق
حميدة زقاق المدق (مواقع التواصل )

 

"ولما انتصف الموسكي أو كاد، لاحت منها التفاتة إلى الطريق فرأت عباس الحلو يسير متأخرا عنها قليلا وعيناه تلحظانها بتلك النظرة المألوفة، ودعت عما دعاه إلى ترك دكانه في هذه الساعة على غير العادة، هل تبعها عمدا؟ ألم يعد يقنع برسائل النظر؟ كان على فقره متأنقا كأكثرية أهل فنه، فلم يعد يضايقها ظهوره، وقالت لنفسها إن أي واحدة من صاحباتها لا تطمح في زوج خير منه، وكانت تجد نحوه شعورا غريبا معقدا، فهو من ناحية الشاب الوحيد في الزقاق الذي يصلح لها زوجا، ومن ناحية أخرى تحلم بزوج على مثال المقاول الغني الذي حظيت به جارتها في الصنادقية".

  

هكذا وصف نجيب محفوظ حميدة في روايته "زقاق المدق" حميدة الحائرة بين عالمين: عالم الزقاق الفقير وعالم أولاد الذوات خارجه، يخنقها الشعور بالقذارة من بؤس الزقاق، وتمتلكها الرغبة في الانفكاك عنه، مؤرجحة بين حب عباس الحلو ابن زقاق المدق.

  

تبدو حميدة في لوحة التوني حسناء سمراء ذات شعر فاحم وبشرة نحاسية ملتفة تحت ملاءة سمراء كشعرها، ويوجد حمامة داخل إطار اللوحة، ترمز إلى روح حميدة الحالمة، الباحثة عن السعادة خارج غيوم الزقاق الداكنة، تلك الغيوم السوداء التي تحيط بها، فيما عدا كوة صغيرة هي التي يتسلل منها الضوء إلى الزقاق، أما القطة البرية التي تتواجد في اللوحة، فهي إحدى الأيقونات البصرية الحية التي تحمل متناقضات الوحشة والاستئناس، الرغبة في السلام والرغبة في الانطلاق في الآن نفسه.

  

زهرة وسمارة بهجت.. هل تُدَنَّس البراءة في عالم الزيف؟

ينتقد محفوظ على صفحات رواياته فترة الستينيات فيسرد لنا كيف عم الفساد البلاد، وانفلتت الأخلاق، وغابت المعايير وانحرف المجتمع رجالًا ونساءً، ومن أهم هذه الروايات التي انتقدت هذه الفترة، روايتي ثرثرة فوق النيل وميرامار. ولقد جعل محفوظ المرأة رمزًا للبراءة في كلتا الروايتين، البراءة التي تقتحم عالمًا مليء بالزيف، وتعطنت فيه روائح الفساد الكريهة. (9)

 

سمارة بهجت - ثرثرة فوق النيل (مواقع التواصل)

       

في "ثرثرة فوق النيل" يكتب نجيب محفوظ ويرسم حلمي التوني شخصية الصحفية الشابة سمارة بهجت مثال البراءة التي تدخل إلى عالم العوامة، "عالم اللذة والتغييب الذي غرقت فيه البلاد حتى نكسة 1967.فنرى سمارة وقد ارتديت زيًا رسميًا يوحي بمستوى تعليمها، مُمسكةً الورقة والقلم بكلتا يديها لتبدو عليها ملامح الصحفية الشابة الجادة، وخلفها عصفور صغير بريء مثلها يدخل عش غريبًا عليه، ويلج عالما قاتما لا مكان للعصافير فيه، ولا يوجد به خلق محمودة ولا طبع سليم، فيشير التوني لعالم العوامة القاتم بدخان الشيشة وزجاجة الشراب، وتنقسم اللوحة إلى جزئين أحدهما شديد القتامة داخل العوامة، والآخر خارجها، ذلك العالم الذي أتت منه سمارة والعصفورة.

  

أما في ميرامار ينقلنا محفوظ لعالم المرأة الريفية التي لا تظهر كثيرًا في رواياته من خلال زهرة. زهرة التي قدِمت من الريف لتعمل خادمة في بنسيون ميرامار في الإسكندرية، فنجدها محاصرة بالاشتراكي الانتهازي المستغل، والشاب اليساري الساذج، والباشا الذي يشاهد كل أطراف اللعبة. فنجد أن زهرة هي الوحيدة التي تمر بمرحلة التطهير بسلام في جحيم ميرامار، فالجميع يسقط أو يظل حبيسا للماضي، أما زهرة تتجاوز الحاضر إلى المستقبل. وحينما رسم محفوظ زهرة بالكلمات قال عنها:

 

"رأيت الفلاحة واقفة تستبضع، كملاطفة الأحلام وابتسام الحظ شيء نبهها إلى وقفتي فيما وراءها فالتفتت مستطلعة فرأت وجهي المبتهج، أرجعت رأسها ولكنني لمحت في مرآة تتوسط أسرابا من القوارير ابتسامة انفرجت عنها شفتاها الورديتان، رأيت فيما يرى الحالم اليقظان نفسي مقيما في البنسيون، استمتع فيه بالدفء والحب، لقد تسللت إلى نفسي، أنعشت قلبي كما حدث له مرة في كلية التجارة، هذه الابتسامة صريحة كشمس النهار المشرق. فلاحة.. بعيدة عن منبتها.. غريبة في بنسيون.. غريبة كالكلب الضال الأمين في سعيه وراء صاحبه".

  

زهرة - ميرامار (مواقع التواصل)

 

وحينما رسمها التوني جعل وجهها جميلًا مريح القسمات، وبسمتها هادئة ونظراتها بريئة، ترتدي جلبابًا ريفيا وردي اللون، يجعلها كالزهرة كما سماها، وحركة يديها المنضمة إلى بعضها البعض، يوحي بخجل أنثوي يجذبك للقرب منها لا الصد عنها، تحتفظ بمنديل الرأس وقرط الفلاحة، فيزيدها جمالًا. نجد النورس محلقًا في أعلى اللوحة كتلك الرغبات المسالمة، بينما الفنار إشارة إلى مكانها الغريب الذي ارتحلت إليه ولكنها لم يكن غريبًا أو موحشَا بل أفاضت عليه من نقاء سريرتها وبيض خصالها، فأصبحت اللوحة كلها تفيض عليك بالهدوء والراحة كزهرة.

  

رجاء محمد.. ملكة بلا مملكة وأسيرة مدينة الهموم

يروي نجيب محفوظ في روايته "حب فوق هضبة الهرم" قصة شاب وفتاة يتزوجان سرًا بعدما ضاقت بهما السبل، فيسلكان ذلك المسلك لعدم قدرتهما على مواجهة تكلفة المعيشة الباهظة، ولا يجدا مكانا سوى جدران الأهرامات كساتر لهما لممارسة حياتهما الزوجية الطبيعة، فيقعا في قبضة بوليس الآداب. يصف نجيب محفوظ هذه الفتاة "رجاء محمد" قائلًا:

  

"موظفة جديدة، ليسانس آداب، اسمها رجاء محمد، سمرتها صافية، ما أندر السمرة الصافية، لا بالنحيلة ولا بالسمينة، في العينين العسليتين جاذبية محسوسة، عند الابتسام ترتسم غمازتان في وجنيتها، بيني وبين أن أرفعها بين يدي وأمضي مشكلات تعيي العديد من وزارات الدولة، انفعلت بها كما تنفعل بأي أنثى".

  

رجاء محمد - الحب فوق هضبة الهرم (مواقع التواصل)

 

وحينما رسمها التوني لم يظهر درجة لون بشرتها السمراء الصافية، ولكنه استعار وجهًا فرعونيًا بمنظور جانبي، بتصفيفة شعر تشبه ملكات مصر الفرعونية، ولكنها ملكة بلا مملكة، أسيرة لمدينة تحاصرها الهموم كالظلال. ويسيطر الهرم على التكوين الخلفي للوحة، ونرى في اللوحة طائر يبدو كنذير شؤم يحمل ورقة مالية في فمه.(10)

 

هكذا تروي لوحة التوني الحكاية، وهكذا تتلاقى الكلمة والرسم في تجسيد عبقرية كل من محفوظ لتقربه من عالم المرأة وكذلك حلمي التوني، دون أن يكون لأحدهما طغيان على الآخر، لنجد أن لغة محفوظ وتفاصيل رسمه للشخصيات تتجسد في عمل التوني ولكن بشخصية التوني وذاتيته الممتزجة بالحس الشعبي وروحه، وهكذا صيغت الشخصيات الروائية على تقاسيم اللوحات بصورة بديعة. 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار