اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/16 الساعة 15:27 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/26 هـ

انضم إلينا
بين المتعة والسعادة.. كيف نسيطر على انفعالاتنا؟

بين المتعة والسعادة.. كيف نسيطر على انفعالاتنا؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
وفقًا للأبحاث النفسية، فإن التوقعات للحدث غالبًا ما تكون أكثر قوة عاطفيًا من الحدث نفسه. الرهبة من طلب زيادة في الراتب من رئيسك تصيبك بالشلل وقد تستمر لأشهر، إلا أنك في النهاية، بمجرد أن تقوم بذلك، ينتهى الأمر قبل أن تلاحظ. يمكن أن يصير الانفعال من أجل الوصول لشيء ما أو تحقيق أحد الأهداف وسواسيًا، إلا أنك بعدما تحقق رغبتك بفترة وجيزة، تصاب بالملل وتبحث عن شيء آخر. يقول الدكتور توماس جيلوفيتش، عالم النفس في جامعة كورنيل "نحن نشتري الأشياء لنكون سعداء، وننجح في ذلك، ولكن فقط لفترة قصيرة. الأشياء الجديدة تكون مُثيرة في البداية، ولكننا معها بعد ذلك".

ومن المثير للاهتمام، أن عقلك يمكِنه إِغواءك لدرجة تجعل الفكرة أكثر إرضاءً من الشيء نفسه، لذا فقد تتوقف عند مرحلة الفكرة ولا تحققها أبدًا. وهكذا، يوضح ريان هوليداي في كتابه الكبرياء هو العدو أن العقبة الأولية للنجاح هي فكرة النجاح.

من السهل جدًا أن نحلم
من السهل أن تحدث الناس عن طموحاتك، ومن السهل عمل لوحات تخيَُلية تَكتب عليها أهدافك، ومن السهل أن تقف أمام المرآة وتعلن التأكيدات. وهنا يتوقف معظم الناس. عملية الحلم هي التي تمنعك من تحقيق أحلامك.

لقد تخيلت الأمر في عقلك بتفاصيل ساحرة لدرجة أنك صرت راضيًا بما فيه الكفاية. لقد صرت مخدرًا. وتخدع نفسك بالاعتقاد أنك أنجزت بالفعل شيئًا مثمرًا.

وبالتالي، عندما تحاول أداء الشيء نفسه، تصطدم على الفور بجدار المقاومة الحجري. وفي كثير من الأحيان، سرعان ما تصرف نفسك عن هذا الانزعاج من خلال شكل من أشكال المُتع اللحظية. ومع ذلك، يوضح روبرت جرين في كتابه الإتقان، أنه يمكنك أن تتعلم حب هذه المقاومة الداخلية. يقول "تجد نوعًا من المتعة الغريبة في التخطي الألم الذي قد يجلبه هذا الأمر".

كيف تخرج من هذا المأزق؟
في كتابه، العيش مع جندي بحرية، يحكي جيسي إيتزلر قصة تَأثره بأحد جنود البحرية، ومن ثم دعوته للعيش في منزله لمدة شهر. اعترف إيتزلر أنه كان مأزق شخصي وأراد إخراج نفسه من نظامه المعتاد.

الناس يشعرون بأنهم وصلوا إلى أقصى طاقة لهم عقليًا وجسديًا، وبالتالي يتوقفون، بينما هم في الحقيقة لم يصلوا إلا إلى 40% فقط من قدرتهم الفعلية (رويترز)

اليوم الأول: سأل الجندي إيتزلر: "كم مرة يمكنك أن تؤدي تمرين العقلة؟"، فأدى إيتزلر ثمانية عَدات ضعيفة. قال الجندي: "خذ 30 ثانية من الراحة وافعل ذلك مرة أخرى"، بعد 30 ثانية، أدى إيتزلر ست عدات، بمعاناة. قال الجندي: "خذ 30 ثانية وافعل ذلك مرة أخرى"، بعد 30 ثانية، أدى إيتزلر ثلاثة فقط، وعند هذه النقطة كانت ذراعيه مرهقة. أعلن الجندي: "حسنا، لن نغادر حتى تؤدي 100 عدة أخرى". كان إيتزلر في حيرة، "حسنا، سنبقى هنا فترة طويلة. لأنني لن أتمكن أبدًا من أداء 100"، إلا أنه تمكن في النهاية من إكمال التحدي، مؤديًا واحدة تلو الأخرى، وهكذا، أقنع الجندي إيتزلر أن بإمكانه أن يفعل أكثر بكثير مما يعتقد.

المبدأ الذي علمه له الجندي هو ما يُسميه بقاعدة 40% - وهي بالأساس تعني أن الناس يشعرون بأنهم وصلوا إلى أقصى طاقة لهم عقليًا وجسديًا، وبالتالي يتوقفون، بينما هم في الحقيقة لم يصلوا إلا إلى 40% فقط من قدرتهم الفعلية. يصير الأمر مزعجًا عند تخطي مرحلة الـ 40% هذه، وهكذا، شعار الجندي "إذا لم يكن الأمر مزعجًا، لا نقوم به".

قوة المساعي التي ترتكز على تحقيق الأهداف

يقول روبرت جرين "الألم نوع من التحدي الذي يقدمه عقلك -هل ستتعلم كيف تركز وتتخطى الملل، أو تستسلم مثل الأطفال إلى الحاجة إلى المتعة الفورية والإلهاء؟".

مثل إيتزلر الذي حطم حاجزًا عقليًا من خلال إكمال المئة عَدة، تستطيع أنت أيضًا الخروج من حفرتك عن طريق السعي لتحقيق أهداف ملموسة.

الفكرة هي: افعل شيئًا ولا تتوقف إلا عندما تكمله، أيًا كان الوقت الذي سيستغرقه. هدفك هو أن تتعلم كيف تحقق الأشياء الصعبة دون تشتيت نفسك باستمرار. وما تريده هو أن تطور ما يدعوه جرين "بالمتعة الغريبة" في المرور بالصراع الداخلي، والجلوس معه.

هذه الفكرة متأصلة في لعبة الكروسفيت، فخلافًا لمعظم الناس، الذين يتحققون من هواتفهم الذكية بين "مجموعات" التمارين، في لعبة الكروسفيت يكون لديك هدف محدد تقتل نفسك حتى تكمله. إذا لم يكن الأمر مزعجًا، لا نقوم به.

يمكنك تطبيق هذا المبدأ على أي شيء وكل شيء، يمكنك القيام بتكليف منزلي والاستمرار فيه إلى أن يكتمل، أو يمكنك كتابة مقال والتمسك به حتى يتم نشره، أو يمكنك أداء 100 عدة من تمرين العقلة، أو أن تركض 5 أميال، وتستمر في الركض حتى تنتهي. من يهتم للوقت الذي يستغرقه الأمر؟

أعظم فرصة في التاريخ

في كتابه، العمل العميق: قواعد للنجاح المركز في عالم مشتت، يقول كال نيوبورت ما يلي:
"القدرة على أداء عمل عميق صارت نادرة بشكل متزايد في نفس الوقت الذي صارت فيه أكثر قيمة في اقتصادنا، نتيجة لذلك، فإن القلة التي تنمي هذه المهارة، ومن ثم تجعلها جوهر حياتها العملية، سوف تزدهر".

دون شك، نحن نعيش في أكثر الأوقات تشتيتًا في تاريخ البشرية. ويكاد يكون من المستحيل التركيز على مهمة واحدة لأكثر من بضع دقائق في المرة.

أي شيء يستحق القيام به سيكون مزعجًا في البداية، أي ويُفترض أن يتطلب الألم والتضحية، وهنا تكمن المشكلة التي تواجه أمريكا، التي بنيت في الأصل على أخلاق السيطرة على الانفعالات


قانون الأضداد له تأثير، فلكل فعل، هناك رد فعل مساوٍ ومعاكس. وبينما صار معظم العالم مشتتًا بشكل متزايد، هناك قلة منتقاة تستفيد من هذه الحقيقة. كما أن الفجوة تتسع بين الروحانية والعلمانية -بعد أن كان الاثنان مترادفين.

وبالتالي، يقول الاقتصادي تايلر كوان: "المتوسط قد انتهى". الطبقة المتوسطة انتهت، إما أنك بين القلة المنتقاة التي تزدهر، أو أنك مثل معظم الناس المشتتين، زائدي الوزن، والذين يعانون.

الخيار لك

عندما يصير الأمر مزعجًا، هل تنسحب؟ أم تواصل فعله وتستمتع في النهاية بالرضا من التطور والنجاح؟

أي شيء يستحق القيام به سيكون مزعجًا في البداية، أي ويُفترض أن يتطلب الألم والتضحية، وهنا تكمن المشكلة التي تواجه أمريكا، التي بنيت في الأصل على أخلاق السيطرة على الانفعالات. ما كان في السابق بلد مليء بأشخاص يضحون بالمُتع اللحظية من أجل مستقبل أفضل، صارت فيه الرسالة الطاغية حاليًا هي العيش في الوقت الراهن.

وهذا بالضبط ما يفعله الناس. إنهم يعيشون في هذه اللحظة. وبالتالي، عندما يصير ما يفعلونه مزعجًا، أو يصير صعبًا، ينسحب معظمهم. معظم الناس ينغمسون في الرضى المؤقت على حساب مستقبل أفضل.

لجعل الأمور أسوأ، فالحقيقة المزدوجة من ثقافة اليوم هي "حب نفسك لما أنت عليه". حركة تقدير الذات التي انتشرت في أواخر القرن العشرين هي مساهمة هائلة في تعثر نجاح أمريكا.

يتعلم الناس أن يحبوا أنفسهم بغض النظر عن أدائهم، وهكذا، فهم يبررون الرداءة. ومع ذلك، فإن الجماعات الآسيوية وغيرهم من المهاجرين الذين عادة ما يُعتبر أنهم أقل تقديرًا للذات، يتفوقون باستمرار على الأمريكيين الذين يتمتعون بالاعتزاز بالنفس.

خلافًا لأنحاء العالم الأخرى حيث يعتبر العمل الشاق فضيلة، فالعِبارة المتكررة في أمريكا هي "لا تعمل بجهد كبير!" النجاح في هذه الأيام هو في الحصول على أكبر قدر يمكنك الحصول عليه بأقل قدر العمل.

في كتاب، الحزمة الثلاثية: كيف توضح ثلاثة سمات مُستبعدة صعود وسقوط المجموعات الثقافية في أمريكا، إيمي تشوا وجيد رُوبنفيلد يشرحان أن معظم الناجحين لا يسيطرون فقط على انفعالاتهم، ولكن لديهم كذلك شعور ضمني بالنقص.

قد يمتلك هؤلاء الأشخاص الثقة، ولكنهم يبقون غير متأكدين من أنفسهم. لديهم عبء على عواتقهم بسبب تعرضهم للاضطهاد بشكل من الأشكال. لذا يستمرون في دفع أنفسهم، بغض النظر عن مدى النجاح الذي يصلون إليه، لإثبات أنفسهم. وهم لا يشعرون بالرضا أبدًا مما حققوه، ويبقى لديهم الشعور بالنقص.

هذه الصفات بالذات يتم مكافأتها في اقتصاد اليوم لأنها نادرة للغاية. مرة أخرى، قليل من الناس يسيطرون على انفعالاتهم، ولكن بدلًا من ذلك يعيشون في الوقت الراهن. وقليل من الناس، خاصة في أمريكا، لديهم شعور بالنقص، ولكن الغالبية صدقت أسطورة أنه عليك أولًا أن تحب نفسك قبل أن تصبح ناجحًا.

هراء

الثقة الحقيقية تُكتسب، وتُكسبت من خلال النجاح، ليس من خلال الرغبة في النجاح. وهو ما يُؤكده البحث التحليلي.

الثقة الحقيقية تنشأ عندما تدفع نفسك لمواصلة الأمور المزعجة. كلما طال جلوسك مع الملل والألم والمشقة - وأن تصنع بالفعل شيئًا مفيدًا، كلما صرت أكثر ثقة وناجحًا. ومن هنا، يوضح ريان هوليداي في مقابلة مع لويس هاوز "أنت تكافأ على العمل الذي تنجزه بالفعل، وليس على الوعود التي تعطيها".

أداء العمل صعب
الحياة التي لا تشمل إنجازات تحققت بشق الأنفس وانتصارات على العقبات، قد لا تكون حياة مرضية  (رويترز)


أن تصير في حالة بدنية عالية المستوى أمر قاس. بناء علاقات عميقة وملتزمة أمر مستحيل تقريبًا، ومعظم الزيجات تنتهي بالطلاق. كل هذه الأشياء "مزعجة"، على الأقل في البداية، وفي لحظتها. إلا أنها إن لم تكن كذلك، لما كانت تستحق العناء. وبإمكانك بالتأكيد أن تتعلم تحمل المشقة اللحظية لتبني حياة تستحق العيش. إذا كنت عالقًا في حفرة مثل إِيتزلر، تحدى نفسك بأن تحقق هدفًا معينًا، أيًا كان الوقت الذي يتطلبه.

المتعة أم السعادة

"الحياة التي لا تشمل إنجازات تحققت بشق الأنفس وانتصارات على العقبات، قد لا تكون حياة مرضية. هناك شيء مرض -بل ومثير- في أداء الأشياء الصعبة على نحو جيد للغاية. هناك فرحة وفخر يأتيان من دفع نفسك إلى مستوى آخر أو عبر حدود جديدة. الحياة المكرسة للحاضر فقط -إلى الشعور بالارتياح في الحاضر- على الأرجح لن تحقق الإشباع الحقيقي، الحاضر في حد ذاته وقت صغير جدًا، وأجوف جدًا، جميعُن في حاجة إلى مستقبل، شيء أبعد وأكبر من الإرضاء الحالي، نهدف له أو نشعر بأننا ساهمنا فيه".

السعادة الحقيقية -الفرح- تختلف جوهريًا عن المتعة اللحظية، لا نقول إن المتعة اللحظية سيئة بطبيعتها، ولكنها غالبًا ما تقف في طريق شيء أكثر واقعية واستمرارية.

أي شيء يستحق فِعله يجلب ارتياحًا لا يمكن للإلهاء أن يجلبه، لا تستسلم للمقاومة، تحمل الصعوبات. عندها تجد الفرح الذي لن يحصل عليها أولئك الذين يتوقفون.

يقول عالم الجيولوجيا جيمس تالماغ: "السعادة لا تترك أي طعم سيء، ولا يتبعها أي رد فعل محبط، ولا تجلب أي ندم، ولا تستوجب ندمًا، فالسعادة الحقيقية تُعاش مرارًا وتكرارًا في الذاكرة، ودائمًا مع تجديد في الخير الأصلي، لحظة المتعة قد تترك وخزة مؤلمة، كمصدر دائم للألم".


==============================

مترجم عن : أي أن سي 

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار