اغلاق
آخر تحديث: 2017/3/17 الساعة 14:22 (مكة المكرمة) الموافق 1438/6/19 هـ

انضم إلينا
اثنا عشر شظية حول العدميّة

اثنا عشر شظية حول العدميّة

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض

من خلال اثنا عشر تأملا، يصحبنا الفيلسوف يوجين ثاكر في دهاليز فكر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشة، من خلال تأملاته الشخصية في موقف نيتشة من العدمية.

  

هل أنت عدمي وهل ينبغي أن تكون واحدا؟ يلتفت الفليسوف يوجين ثاكر إلى فريدريك نيتشه لكي يفتت العدمية إلى اثنا عشر شظية من التبصرات، والأسئلة والتناقضات الممكنة، والتأملات التي تستثير الفكر.
الأولى: لقد خرج الآتي من حدث عُقد في جامعة النيو سكول في ربيع 2015. وكان حدثاً عن العدميّة -غريباً كما يبدو-. وأعترف أنّني كنتُ -نوعاً ما- مقيداً للقيام بذلك، ألقي اللومَ بذلك على المنظّمين. إسبرسو، وبعض المحادثة الجيّدة، القليل من الضحك، هناك كنتُ.

 

في البداية أخبروني أنهم ينظمون حدثاً عن العدميّة وعلاقتها بالسياسة والشّرق الأوسط، أخبرتهم بأن ليس لديّ حقيقةً ما أقوله عن الشرق الأوسط -أو عن المسألة السياسيّة- وعن العدميّة. أليست سياسة أن لا تقول شيئاً هي الأفضل؟ لكنّهم قالوا إنّه لا يتوجب عليّ تحضير أيّ شيء؛ بل أنْ آتي فحسب. إنه أمر مريح بعد أن أعلم، كما أنه يبعد مسافة حيّ فقط، وهناك عشاء بعد ذلك.

فكيف يمكنني أن أقول لا؟

 

الثانية: رغم أنّ دفاتر "نيتشه" الأخيرة تحتوي على كثيرٍ من التعليقات المتبصّرة حول العدميّة، إلّا أنّ أحد اقتباساتي المفضّلة منه تنبع من مقالته المبكّرة التي تحمل عنوان "حول الحقيقة والكذب". أعرفُ أنّ هذه المقالة، بنواحٍ مختلفة، دُرست كثيراً وعُمِل بها، لكنّني لم أكِلّ بتاتاً من عبارتها الافتتاحيّة التي تقول:

فريدريك نتشيه (بيكساباي)


"في زاويةٍ بعيدةٍ من الكون؛ حيث تترامى آلاف النّجوم والمجرَّات، جاءت على أحد الكواكب حيواناتٌ ذكية اسمها البشر، واخترعت المعرفة. وكانت لحظة الاختراع هذه هي أكبر ما شهده التاريخ الكونيّ من زيفٍ، وتبجُّحٍ. غير أنّها ليست سوى لحظةٍ؛ إذ يكفي أن تتنهَّد الطبيعة، حتى يفنى الكوكبُ وتموت الحيوانات الذكيّة.

 

وقد يكون بإمكان المرء أن يخترع خرافةً كهذه ولا يزال من غير الواضح كفايةً كم هو رديء، وكم هو هلاميّ وطائش وعبثيّ واعتباطيّ أن يظهر العقل البشريّ في الطبيعة. لقد كان هناك الخلود والسرمديّة عندما لم يكن هذا العقلُ موجوداً؛ وحينما فُعل ذلك مرّة ثانية، فإنّه لم يكن شيء قد حدث. بالنسبة إلى هذا العقل، فإنّه لا توجد مهمّة إضافيّة له تتجاوز الحياة البشريّة. إنّه بشريّ، بالأحرى، ووحده مالكه ومُنتِجه يمنحه مثل هذه الأهميّة، كما لو أنّ العالمَ يدور حوله".

 

تُثير العبارة نوعاً من الرّعب المتجرّد، والعقلانيّة الباردة، وحالة الخواء. في أواخر الأربعينيّات، حاول الفيلسوف اليابانيّ كيجي نيشتاين (Keiji Nishitani) أن يلخّص خرافة "نيتشه" بمصطلحات أخرى، قائلاً: "إنّ الرؤية التجسيميّة للعالَم، التي تنصّ على أنّ نيّة أو إرداة الشخص إنّما تكمن وراء الأحداث في العالَم الخارجيّ، قد دُحضِت بالكليّة من قبل العلم. وأرادَ "نيتشه" أن يمحو ما تبقّى من آثار هذه النّزعة التجسيميّة (anthropomorphism) بإعمال النّقد على العالَم الداخيّ كذلك".

يُشير كلٌّ من "نيتشه" و"أينشتاين" إلى أفق العدميّة؛ أي محبوبيّة الإنسان.  

بالنسبة إلى "نيتشه"، هناك  شقّين في صميم العدميّة: أنّ القيم العليا للثقافة تنزعُ القيمةَ عن نفسها، وأن لا شيء يحلّ محلها، وهكذا تنفتحُ الهاوية. فالإله ميّت، تاركاً فراغاً

بيكساباي

الثالثة:  بالنسبة إلى "نيتشه"، هناك حركة ذات شقّين في صميم العدميّة: أنّ القيم العليا للثقافة تنزعُ القيمةَ عن نفسها، وأن لا شيء هناك يحلّ محلها، وهكذا تنفتحُ الهاوية. فالإله ميّت، تاركاً فراغاً بنيويّاً، وعرشاً فارغاً، وقبراً خالياً، منساقاً في فضاء فارغ.

 

لكن يجب علينا أن نتذكّر أيضاً أنّه حينما ينزلُ "زرادشت" من الجبل ليلقي بلاغه، فلا أحد يسمعه، إنّهم يظنّون أنّه مجرّد نقطة الافتتاح. فهم ينتظرون أداء البهلون، والذي هو أكثر إثارةً بطبيعة الحال. هل العدميّة ميلودراما (melodrama) أم تمثيليّة هزليّة؟ أمّ أنّها شيءٌ ما بينهما؛ أي كوميديا تراجيديّة؟

 

الرابعة: لقد تراسلتُ مع زميل بخصوص أشياء مختلفة، بما فيها اهتمامنا المشترك بمفاهيم الرّفض والإنكار والاستقالة. وأذكرُ أنني أنهي كتاباً اسمه الاستقالة النهائيّة. يردّ زميلي بأنّه لا يوجد سوى النّزر القليل حول الاستقالة كمفهوم فلسفيّ. والشيء الوحيد الذي وجده هو كتاب معنون بشاعريّة اسمه فنّ الاستقالة؛ وهو كتاب مساعدةٍ ذاتيّة حول كيف تستقيل من عملك.

أضحكُ، وأتساءلُ سرّاً إذا ما كان يجبُ عليّ أن أقرأه.

 

الخامسة: نحن لا نعيش؛ إنّنا نُعاشُ. فماذا يتوجّب على فلسفةٍ من شأنها أن تبدأ من ذلك، بدل أن تنتهي إليه؟

إنّنا نقدّم خدمةً سيئةً إلى "نيتشه" إذا نسبنا إليه موت الإله. فهو جَدَّ فقط أن يكون في مسرح الجريمة، ووجد الجثّة

بيكساباي

السادسة: "هل أنت عدميّ؟"

"لا، ليس كما يجب أن أكون".

 

السابعة: إنّنا نقدّم خدمةً سيئةً إلى "نيتشه" إذا نسبنا إليه موت الإله. فنيتشه جَدَّ فقط أن يكون في مسرح الجريمة، ووجد الجثّة. وبالفعل، لم يكن حتّى قتلاً؛ بل كان انتحاراً. لكن كيفَ ينتحر الإله؟

 

الثامنة: عبر سيرورةٍ لا أفهمها، يقدّر العلماءُ أنّ الكوكبَ قادرٌ على استيعاب سكان على نحو ١.٢ بليون، رغم أنّ السكان الحاليين يتجاوزون ٧ بليون. من الصّعب تصديق كآبة على هذا المستوى، حتى بالنسبة إلى شخصٍ عدميّ.

 

التاسعة: أجدُ أنّ دفاتر "نيتشه" من ثمانينيات القرن التاسع عشر فضاءٌ ساحر التجريب المتعلّق بمشكلة العدميّة. وثمرة ملاحظاته هي أنّ طريق تجاوز العدميّة يكون عن طريق العدميّة نفسها.

 

لكنّه طوال الطريق يقفزُ ويفشلُ، يخطو ويتعثّر. ويستعمل الحجاجَ والتحليل؛ وبالتالي النّكات الرديئة؛ إنّه يطرح أسئلة دون أجوبة ومشاكل دون حلول؛ ويخلقُ نمذجاتٍ، وهي كافّة حيوانات النفي الرّامزة: العدميّة الراديكاليّة، العدميّة المثلى، العدميّة الكاملة، أو غير الكاملة، العدميّة الفاعلة أو السالبة، العدميّة الرومانتيكيّة، العدميّة الأوروبيّة، وهلمّ جرّا.

هكذا يبدو "نيتشه" واعياً بالفعل بخصوبة العدميّة. 

يجب على العدميّة، بحكم التعريف -في نهاية المطاف- أن تقوّض نفسها، أو أن تحقّق ذاتها

بيكساباي

العاشرة:  من العسير أن تكون عدميّاً طوال الطريق؛ إذ يجب على العدميّة، بحكم التعريف -في نهاية المطاف- أن تقوّض نفسها، أو أن تحقّق ذاتها. 

 

الحادية عشر:  يكتب "نيتشه" حوالي عام ١٨٨٥ في دفتره: "إنّ المعارضة تبزغُ بين العالَم الذي نبجّل والعالَم الذي نحيا؛ أي العالم الذي نحن عليه. ويبقى لنا أن نلغي إمّا تبجيلنا أو أنفسنا".  

 

الثانية عشر: إذا كنّا نعيشُ حقّاً في "الأنثروبسين" (anthropocene)، فيبدو من المعقول إذن أن نبتدع أشكالاً من التمييز المناسبة له. وربّما يتوجّب علينا أن نطلق العنان لكلّ أشكال العنصريّة والجنسويّة (sexism) والطبقويّة والقومويّة، وما شابه، لصالح ضرب جديد من ضروب التمييز: التمييز القائم على النّوع (speciesism). القرفُ من النّوع؛ أي إنّنا كنا أنفسنا أذكياء بما يكفي لأن نفكّر. إنّ البغض المحدّد للأنواع قد يكون هو قمّة الأنواع وذروتها. أنا أحقدُ إذن أنا موجود. لكن هل لا يزال هذا ناجعاً، ويروّج الضمير الحسن؟!

إنّه الضجرُ من الإيمان، والتشكّك من الحقائق.    

==========================================

الهوامش:

1- الأنثروبوسين (Anthropocene):  لفظة تترجم حرفيا إلى "أنثروبو" أي من صنع الإنسان و"سين" اختصارا للعصر الجيولوجي ويشير المصطلح إلى عصر زيادة تأثير الأنشطة البشرية ودور الجنس البشري عموما في تغيير أحوال البيئة والمناخ وجميع الأنظمة الحيوية في كامل انحاء المعمورة. 
 

المقال للكاتب "يوجين ثاكر" مترجم عن: هذا الرابط.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك