اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/15 الساعة 12:26 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/6 هـ

انضم إلينا
الإنسان والإيمان والإله.. كيف صورهم دوستويفسكي في رواياته؟

الإنسان والإيمان والإله.. كيف صورهم دوستويفسكي في رواياته؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

"إن الإنسان سر بالنسبة لي، وهذا السر ينبغي أن يُفسر أن يُشرَح، وسوف أمضي حياتي كلها في البحث عن هذا السر من أين جاء الإنسان، ومن هو الإنسان، والى أين المصير؟ ولماذا يعتدي الإنسان على أخيه الإنسان؟ ولماذا يكون طيباً أحياناً، وشريراً أحياناً أخرى؟!"

(دوستويفسكي)

 

في صباح يوم الثاني والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 1849 يُقتاد دوستويفسكي -مع رفاقه العشرة المساجين المتهمين بالانضمام للجمعية "بتراشيفسكي" الثورية- إلى إحدى ساحات بطرسبرغ؛ وذلك لتنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقهم في ذلك الصباح نفسه!

 

وبينما كانت العربة التي تقلهم إلى الساحة تطوف في شوارع بطرسبرغ، تلك المدينة التي كتب عنها دوستويفسكي كثيراً، وكانت شوارعها وأزقتها مسرحاً لأحداث رواياته، بدا لدوستويفسكي أن ثمة "زمناً طويلاً سينقضي قبل أن يصل إلى ساحة الإعدام، وأن أفكاراً كثيرة لا يزال من الممكن أن توافيه، وأن لحظة النهاية لا تزال بعيدة كل البعد عنه!"[1]

على لسان الأمير ميشكين في رواية الأبله، يصف لنا دوستويفسكي بصورة درامية كثيفة تلك اللحظات المرعبة التي قاساها، والألم النفسي والتشجنات التي اعترت روحه بُعيْد تلاوة حكم الإعدام على مسامعه

مواقع التواصل الإجتماعي

على لسان الأمير ميشكين في رواية الأبله، يصف لنا دوستويفسكي بصورة درامية كثيفة تلك اللحظات المرعبة التي قاساها، وذلك الألم النفسي الرهيب والتشجنات التي اعترت روحه بُعيْد تلاوة حكم الإعدام على مسامعه، ورغم علمه بأنه لم يعد يتبقى له في هذا الوجود سوى بضع دقائق وحسب، إلا أنها قد بدت له "طويلة طولاً لا نهاية له، وغنيةً غنى لا ينضب، وأنه سيعيش حيوات تبلغ من الكثرة إلى حد أنه في غنىً عن التفكير في اللحظة الأخيرة!"

 

وعلى حافة الوجود، أو على حافة الموت، أخذت الأسئلة تنهال على ذهن الرجل، إنه الآن هنا في هذا العالم، ولكنه بعد دقائق معدودة سيصير إلى مآل آخر، وإلى عالمٍ مختلف، ترى ما الذي ينتظره وراء الموت؟ لكن السؤال الذي آلمه وعذبه عذاباً شديداً إلى حد أنه تمنى أن ينفذ الحكم سريعاً هرباً من وطأة هذا السؤال، كان سؤاله عن معنى الحياة! واستجداؤه لحياة أخرى توهب له "ينعم بها أيما نعيم، وتستحيل كل دقيقة فيها دهراً، وليحصينّ جميع الدقائق لا يضيع منها واحدة".

 

وفي اللحظة التي وضع فيها قدمه على المقصلة، وبعد اجتيازه السلم، في تلك اللحظة التي استولى عليه الرعب، وأدرك أنه لا سبيل لدفع هذا الأمر، استسلم أخيراً لقدره ثابتاً دون إبداء رغبة بالمقاومة، فالإنسان -كما يقول دوستويفسكي- "حين يداهمه هلاكٌ لا سبيل إلى تحاشيه، كانهيار منزل فوقه مثلاً، إنما يشعر عندئذ برغبة لا تقاوم في أن يقعد مغمضاً عينيه وليحدث ما يحدث!"[2]

 

وفي مثل هذه اللحظات التي تسبق حلول الكارثة المرتقبة، يحدث -ويا للمفارقة- أن يكون ذهن الإنسان حاضراً حضوراً مكثفاً، واعياً بكل التفاصيل التي تدور حوله وكأنه "آلة مندفعة في عملها"، حتى إنه يهتم لتفاصيل مضحكة وغريبة، فهذا الرجل الذي ينتظر نزول المقصلة على عنقه ينظر باستغراب إلى "ذلك الرجل الذي يملك ثؤلولاً في جبينه"، ثم يسترعي انتباهه أن " أحد أزرار سترة الجلاد صدئ!" إن هذه التفاصيل سيتذكرها دوستويفسكي جيداً بعد ذلك، سيذهله أن ذهنه انصرف إلى الانشغال بها في تلك اللحظات الرهيبة!

 

وقبيل تنفيذ الحكم بثوانٍ معدودة، جاء مرسوم من الإمبراطور يقضي بالعفو عن المتهمين، ويستبدل الإعدام بالسجن مع الأشغال الشاقة، لقد وُهبِت لدوستويفسكي إذن تلك الحياة التي كان يستجديها منذ قليل، والتي أوقفها -كما وعد- للبحث عن معنى الحياة، وفي القلب من هذا الاشتغال كان بحثه الدائم في أعماق الإنسان ووجوده الدنيوي!

 


لقد نتج عن هذا التزاوج بين تلك التجربة الإنسانية الرهيبة -وأقصد تجربة الوقوف على حافة الوجود، ثم تجربة النفي والسجن في سيبيريا- وتلك العبقربة المتجلية في فكر ديستويفسكي أن أثمرت إنجازات أدبية مذهلة، كان أبرزها رواية الأبله، والجريمة والعقاب، ورائعته التي ختم بها مشواره الأدبي والتي مثلت خلاصة فلسفته في الحياة وهي رواية "الأخوة كارامازوف"، كما أن هذه التجربة ستكون السبب في تحول دوستويفسكي من اعتناق أفكار بيلينسكي وأطروحاته الثورية العدمية إلى المسيح وإنجيله![3]

 

تمتاز روايات دوستويفسكي تحديداً بتعبيرها القوي عن دواخل النفس البشرية، وتصويرها المكثف والغني لتعقيدات الشخصية الإنسانية مُقدِمةً عدداً من التفسيرات، ومُناقِشةً البواعث والدوافع الكامنة في اللاوعي والتي تقف خلف سلوكياتنا وأفعالنا، ولكن دون أن يدّعي دوستويفسكي أن تفسيراته هذه قد أحاطت إحاطة تامة بالنفس البشرية، إن النفس البشرية عند دوستويفسكي هي لغز غامض ليس باستطاعتنا القبض على تعقيداته مهما أوتينا من قدرة على التحليل النفسي وامتلكنا من ملكات في السرد الأدبي.
 

هل المنفعة هي ما تحدد سلوكيات الإنسان وتصرفاته؟



في رواية "مذكرات من القبو"، والتي تصف العوالم الداخلية لإنسان لا يجد لنفسه موطئ قدم في كنف المجتمع الحديث، ما يدفعه إلى صب جام غضبه وحقده -انطلاقاً من مسكنه المعتم الواقع في قبو أرضي- على الطبيعة والبشرية والمدنية الحديثة، يسائل دوستويفسكي الفلسفات الوضعية والبراغماتية المادية التي اختزلت الوجود الإنساني ببعده المادي النفعي وحسب!

 

يبدأ رجل القبو مذكراته -وذلك بعد أن يقدم نفسه للقارئ- بالامتعاض من مدينة بطرسبرغ التي يصفها بأنها "المدينة الأكثر تجريداً والأشد تصنعاً من بين مدن المعمورة". إنه يشتكي من كل ما تمثله البنى الصناعية /الرأسمالية، وما تتضمنه من عقلانية هندسية فجة! ومن كل شكل من أشكال النماذج الرياضية للكائن البشري [4].  متسائلاً بتهكم "ما العقل؟ إنه ليس أكثر من خادم للأهواء!"

 

"هل يمكن لشيء أن يكون معاصرا أكثر من هذا النقد للعقلانية؟ في وسع المرء تخيل ما كان سيقوله دوستويفسكي عن علم النفس وعلم الاجتماع، والاستبيانات من أي نوع" هكذا تساءل الناقد الأمريكي دافيد دنبي تعقيباً على رؤية رجل القبو هذه. مكمن الخطأ في مثل هذه الأساليب "العلمية" أنها تقوم بالتعامل مع الإنسان كغرض ما، كشيء مادي خاضع لقوانين سببية ضرورية قابلة للمعرفة؛ ومن ثم بالإمكان التنبؤ بسلوكه، ولكن وعلى العكس من ذلك فقد أخذ رجل القبو يخبرنا أن الإنسان إشكالية غير قابلة للمعرفة والتفسير.

 

المتنبئون بالسلوك البشري -كما يقول الرجل في القبو- يفترضون بشكل عام "أننا نتصرف وفقاً لما تمليه مصالحنا العليا" ولكن هل يفعل الإنسان هذا الأمر حقا؟ يجيب دوستويفسكي من خلال شخوص رواياته بـ"لا" كبيرة، إن كلا من الأمير ميشكين المندفع نحو قيم الخير والجمال، والمتبرم من كل علاقة نفعية في رواية الأبله، والطالب الجامعي الهادئ راسكولينكوف والذي يرتكب جريمة قتل لدوافع نفسية مبهمة ومركبة، ولا تحوي أي دوافع مادية تذكر، والمقامر الذي يبدد كامل ثروته في طاولات القمار، وليس أخيراً صاحبنا رجل القبو الذي لا يفتأ يهين نفسه والآخرين، وينقم على نفسه والبشرية، كل هؤلاء هم شهود دوستويفسكي بأن الإنسان في سلوكياته وأفعاله أبعد ما يكون عن المحددات والمؤثرات النفعية والعقلانية.

 

بالإمكان استعادة هذا السؤال اليوم؛ حيث لا تزال مقولة "الخيار العقلاني" هي النموذج الذي تصدر عنه معظم العلوم الإنسانية واستطلاعات الرأي والدراسات المستقبلية، ألم تثبث الانتخابات الأمريكية الأخيرة؛ التي جاءت نتائجها مخالفة لجميع توقعات مراصد استطلاعات الرأي والمراكز البحثية؛ عقم المنطلقات التي تصدر عن هذه المراكز البحثية ومراصد الدراسات المستقبلية؟ ألا يعد هذا إثباتاً بأن التنبؤ بالسلوك الإنساني هو ضرب من الوهم؟ ثم ماذا لو كانت راحتنا النفسية كما نتصورها تختلف والتصورات العقلانية النفعية؟ حينها لا يعود بالإمكان قياس الدوافع النفسية؛ ليس بالإمكان مقاربة هذه الدوافع سوى من خلال رواة عباقرة كدوستويفسكي. "إن العقل ليس إلا جزءا من مزاجنا وأهوائنا"، هكذا قال رجل القبو من قبل، "أما الفردانية كقيمة مطلقة فتتضمن أن يدمر الإنسان ذاته![5]"

 

الإنسان: دودة الأرض وابن السماء 

"هناك مشاكل وجودية كبرى لا يمكن فهمها عن طريق العقل فقط، إنها تتجاوز حدود العقل؛ وبالتالي فلا يمكن لنا أن نفهمها إلا عن طريق الإيمان، إن الملكة العقلانية عند الإنسان هي جزء من طبيعته وليست كل شيء، أما الجزء الآخر الذي يلعب دوراً كبيراً في الحياة فهو العامل العاطفي واللاعقلاني: أي الذي لا يمكن إخضاعه للحسابات المنطقية والعقلانية".

(دوستويفسكي)
 

الفيلسوف الوجودي الشهير كيركغارد (مواقع التواصل الإجتماعي)


وأمام هذا التعقيد الذي تنطوي عليه النفس الإنسانية، وهذا التلغيز الذي يتأسس عليه الوجود، لا يتوانى دوستويفسكي عن الانحياز إلى الدين؛ باعتبار أنه يقدم منظومة تتسق والطبيعة الإنسانية التي تشمل ذلك الضرب الهائل من التناقض والغموض، فإذا كان الخيار بين العقل والإيمان للإجابة عن سؤال ما الإنسان أو ما الحياة؟ فإن دوستويفسكي -مستتبعاً بذلك الفيلسوف الوجودي الشهير كيركغارد- سيختار جانب الإيمان بكل ما تحتويه الكلمة من دلالات غيبية ميتافيزيقية[6].

 

يصور دوستويفسكي بجسارة أناساً فقدوا إيمانهم، أو ربما تخلى الرب عنهم -كما ظهر لهم- وتركهم وحيدين في مواجهة مصيرهم المأساوي، والسؤال الذي يؤرق دوستويفسكي: ما الذي سيحدث للبشرية إذا لم يكن هنالك إله؟ ماذا لو حل الإنسان محل الإله وأخذ يدبر وجوده كيفما اتفق؟ حينها من سيضع الحدود الفاصلة بين ما يجوز فعله وما لا يجوز؟ [7]أجاب الفيلسوف علي عزت بيجوفيتش عن هذه الأسئلة بقوله "إذا لم يكن هنالك إله، فكل شيء مباح"، وهي إجابة نجدها مبثوثة في صميم أعمال دوستويفسكي مجتمعة!

 

لقد ظن راسكولينكوف -بعد أن توهم أنه قد تحرر من الأخلاق "المسيحية البالية" إلى حد يشعر فيه بحريته في قتل امرأة عجوز مرابية- أنه أحد أولئك "الاستثنائيين" الذين بإمكانهم تجاوز "الحدود" والتضحية بما يرونه ضرورياً في سبيل تحقيق نفع البشرية، فوفقا لراسكولينكوف فإن جميع الشخصيات الاستثنائية والمشرعة في تاريخ البشرية من "صولون" وحتى "نابليون"، إنما حققوا أفكارهم فقط عندما "تخطوا الحاجز" واستطاعوا إزهاق الأرواح التي وقفت عثرة في طريقهم دون أن يستدعي هذا منهم حتى مجرد رفة رمش واحدة!

 

إن هذا ما سينتهي إليه الوجود الإنساني متى ما قرر الإنسان أن يعلن "موت الإله" -كما فعل نيتشه- وأن يحل هو مكانه، في وسع المرء أن يتخيل أي طغيان سيصل إليه الإنسان في حال قرر المضي قدما -وحتى النهاية- في الركون إلى "إنسانيته" وجعلها معياراً وحكماً نهائياً لتدبير شؤونه في هذا الوجود [8]!

 دوستويفسكي (مواقع التواصل الإجتماعي)


يشير دوستويفسكي إلى أن الإنسان لا وجود له ما لم يكن هناك إله، وقد جاءت كتابات دوستويفسكي هذه على خلفية علمانية القرن التاسع عشر؛ حيث انتصرت مقولات التنوير التي تذهب إلى أن "الكون موجود وقائم بدون إله، وفيه تكون الدولة هي السلطة العليا"، وقد ذهب إريك فروم إلى أن "المفكرين قد تخلصوا من الله في القرن الثامن عشر، ومن الإنسان في القرن التاسع عشر؛ لكن دوستويفسكي جاء ليذكرنا بأنه من السذاجة الاعتقاد أنه بالإمكان تدمير الله والإنسان بهذه الصورة!"[9]

 

يقول دوستويفسكي على لسان الأمير ميشكين في رواية الأبله -وهي الشخصية التي يعدها أكثر شخصياته الروائية شبها له- "إنّ جوهرَ العاطفة الدينيّة مستقلّ عن جميع البراهين، وجميع الأفعال السيّئة، وجميع الجرائم وجميع مذاهب الإلحاد. إنّ في هذه العاطفة شيئاً لا يمكن أن تدركه، ولا يمكن أن تناله أدلّة الملحدين في يومٍ من الأيّام، وسيظلّ الأمر على هذا النحو أبد الدّهر"

 

في الإيمان إذن يتحقق الخلاص الإنساني، في تلك القفزة -بحسب تعبير كيركغارد- إلى الماوراء يصبح الوجود الإنساني المعقد مفهوماً وله معنى وله هدف، وبدونه تستحيل الحياة إلى مسرح للشرور والنزوات والرغبات التي تعصف بالنفس البشرية.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار