اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/11 الساعة 16:17 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/15 هـ

انضم إلينا
"موت المعرفة".. هل تبقى المعرفة بعد انقراض الإنسان؟

"موت المعرفة".. هل تبقى المعرفة بعد انقراض الإنسان؟

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
قد تقول أحيانا، أنك فزت في أوراق السحب، دون مراجعة الأرقام بعد، لكنك تعرف ذلك. أنت تعرف هذا الشعور الذي ينتابك حين تعرف أنك تعرف.

 

المعرفة مفهوم مائع: ماذا نعرف، وكيف نعرف أننا نعرفه، وما الذي نعرف أن الآخرين يعرفونه، وما الذي يعرف الآخرون أننا نعرفه، وكيف يختلف ما نعرفه أو ما يعرفونه عما نعتقده. غالبًا، سوف تجادل بأن معرفتي بأمر فوزي في أوراق السحب غير ممكنة، ما دمت لم أتثبّت من الأرقام الفائزة بعد، بل الاعتقاد هو الوصف الصحيح لما أشعر به. لكن، كيف عرفت هذا؟

 

يقضي معظمنا حياته دون الاهتمام بالتدقيق في نظرية المعرفة "ابستمولوجيا". "نحن نعتمد في حياتنا على الحدس، ولا نحتاج إلى التأمل أو الحساب" بحسب جينيفر ناغيل، الفيلسوفة بجامعة تورنتو، بكندا، ومؤلفة كتاب "المعرفة.. مقدمة قصيرة جدا".
 

التوصل إلى تعريف مبدئي للمعرفة أمر عسير. فلكي تعرف شيئًا، عليك أولًا أن تعتقد فيه، لكن هذا لا يكفي: لكي تحصل على معرفة حقيقية، يجب أن يكون ذلك الاعتقاد صحيحًا أيضًا

بكسلز


ولكن النظرة الفاحصة تؤتي ثمارها. فبداية، لعل مستوى معرفتنا بالأشياء، ومعرفتنا بما يعرفه الآخرون، هو ما يميز الإنسان عن سائر الموجودات على الكوكب، من الصخور وحتى القردة. إن ذلك هو المادة الزلقة المسؤولة عن سلاسة جميع التفاعلات الإنسانية، بلا شك. وتقول ناغيل "يمكننا التعاون، والتواصل، والتنافس بشكل أفضل، إذا ما عرفنا ما يعرفه الآخرون، وما لا يعرفونه. وقد يساعدك الانتباه إلى درجات المعرفة المختلفة أثناء النقاش، فتحصن نفسك من المغالطات".

 

مع ذلك، نجد أن التوصل إلى تعريف مبدئي للمعرفة أمر عسير. فلكي تعرف شيئًا، عليك أولًا أن تعتقد فيه، لكن هذا لا يكفي: لكي تحصل على معرفة حقيقية، يجب أن يكون ذلك الاعتقاد صحيحًا أيضًا. وعن هذا تقول ناغيل "إن ذلك هو الأمر الوحيد الذي يسعدنا جميعًا قبوله".

 

لكن "الاعتقاد الصحيح" لا يكفي أيضًا. فقد يكون الاعتقاد صحيحًا مصادفة، كما قد نتوصل إلى إجابة صحيحة بطريقة خاطئة. لذا أضاف الإبستمولوجيون شرطًا ثانيًا لاعتبار الاعتقاد الصحيح معرفة: يجب أن يتم تبريره بطريقة ما. ففي مثال اليانصيب، نجد أن الدليل الحسي المتمثل في الأرقام المدونة على تذكرة اليانصيب، مع الدليل الخبري المتمثل في.. فلنقل مذيعًا يقرأ الأرقام الفائزة، يخلقان معًا المعرفة الاستدلالية بفوزي، أو خسارتي.

 

أوقفوا الساعات

ظل تصور المعرفة على أنها الاعتقاد الصحيح المبرر سائدًا لزمن طويل، إلى أن جاء الفيلسوف الأميركي إدموند غيتيير، وطرح مثالين مضادين مدمرين، في ورقة علمية قصيرة نشرت عام 1963.

 

يمكننا طرح مثال على "مشكلة غيتيير"، بشخص ينظر إلى ساعة تشير عقاربها إلى الثانية عشرة في منتصف النهار. لكن المفارقة تكمن في كونها ساعة معطلة وصادف أن يكون ذلك صحيحا

بكسلز
 

يمكننا طرح مثال على "مشكلة غيتيير"، بشخص ينظر إلى ساعة، تشير عقاربها إلى الثانية عشرة، في منتصف النهار. لكن المفارقة تكمن في كونها ساعة معطلة، تشير إلى الوقت الحالي بمحض المصادفة. والناظر إلى الساعة يعتقد أنه في منتصف النهار، وصادف أن كان هذا الاعتقاد صحيحًا، إلى جانب التبرير الذي تقدمه الساعة المعطلة. لكن الواقع أن أحدًا لا يعرف أنه منتصف النهار، هم فقط يعتقدون أنهم يعرفون ذلك.

 

بعد نشر ورقة غيتيير، بذلت محاولات عدة لتشديد معايير التبرير، لتجنب هذا النوع من المشكلات، ولِتقديم تعريف للمعرفة يمكن للجميع قبوله. لكن أحدًا لم ينجح في ذلك البتة، حتى الآن. "إنه سؤال مريب" هكذا قالت ناغيل.

 

في النهاية، قد لا يكون التوصل إلى الإجابة هو الهدف من ذلك. فجميع هذه التدقيقات الإبستمولوجية تنبهنا إلى حقيقة واحدة، اعتدنا نسيانها: إن معرفة شيء ما، هي حالة أكثر ثراء وتعقيدًا من مجرد الاعتقاد به. إن القدرة على التفرقة بين الحقيقة والرأي، والاختبار المتواصل لما نطلق عليه معرفة، أمر حيوي للتقدم البشري، وشيء لا نملك رفاهية التخلي عنه.

 

تقول ناغيل "إن معرفة شيء ما، هي حالة ذهنية، تبقيك على اتصال مستمر بالحقيقة". لكن ما كنه هذا الاتصال، هذا ما لا نعرفه حقيقة.

 

من أين تأتي المعرفة؟

إن سرد السبل المختلفة لاكتساب المعرفة هي إحدى طرق تصنيفها، فهناك:

الإدراك الحسي، الاتصال المباشر عن طريق حواسنا، السرد، حقائق نحصل عليها من أشخاص آخرين ووسائل إعلام، حس باطني، الوعي بمشاعرنا وحالتنا، مثل الألم والجوع، الاستنتاج ومعرفة نحيك أجزائها معًا من خلال مدخلات بسيطة.

 

تظهر دراسات التصوير العصبي، نشاطا للمناطق المرتبطة باستجابتنا للغذاء والجنس، حين نجيب على أسئلة تافهة. مما يرجح أننا نتعامل مع المعرفة كما لو كانت أمرًا مماثلًا

بكسلز

 

لماذا نبحث عن الحقيقة؟

 سألت إحدى لجان الكونغرس الأميركي روبرت ويلسون، أول مدير لمختبر أبحاث فيرميلاب بالقرب من شيكاغو، في 1969، عما إذا كان مسرع الجسيمات الجديد الذي يسعى للحصول على تمويل له، سيساعد في المعركة مع الاتحاد السوفيتي. قال ويلسون "إن هذه المعرفة الجديدة، وثيقة الصلة بالشرف والوطن، لكنها لا ترتبط بالدفاع عن وطننا بأي صلة مباشرة، فيما عدا الإسهام في جعله وطنًا يستحق الدفاع عنه".

 

تظهر دراسات التصوير العصبي، نشاطا للمناطق المرتبطة باستجابتنا للغذاء والجنس، حين نجيب على أسئلة تافهة، أو ننظر إلى صور غائمة مصممة لإثارة الفضول

إن خطاب ويلسون الكامل دفاع قوي وأنيق عن السعي وراء المعرفة من أجل المعرفة، لكنه يثير أسئلته الخاصة. ما معنى القول بأن المعرفة "تستحق ذلك"؟ وما الذي يغذي رغبتنا في تحصيلها؟ إن المعرفة أكبر من مجرد معلومات. فحتى الدودة الربداء الرشيقة من شعبة الديدان الأسطوانية، التي تملك أصغر مخ نعرفه، تسعى إلى زيادة معلوماتها عن بيئتها، وبالتالي فرصتها في البقاء على قيد الحياة والتكاثر.

 

لكن الدودة الربداء الرشيقة، أو أي فصيلة أخرى سوى الإنسان، لا تفكر في نشأة الكون، على حسب معلوماتنا. ومن المؤكد أنها لا تنشر أوراقًا علمية عن هذا الموضوع، أو تشيد مسرع جسيمات لاكتشاف ذلك إن المعرفة، كما نفهمها، تتضمن تبسيط المعلومات وتحليلها، لكي تستخدم في أوقات مختلفة، وسياقات أخرى. يقول دنكان بريتشارد، الإبستمولوجي بجامعة إدنبره البريطانية "عندما تملك معرفة، يمكنك فعل أشياء كثيرة. يمكنك التعامل مع المواقف الجديدة كلياً، بطرق إبداعية".

 

إن قراءة هذه المقالة، واختبار ما تقدمه من معتقدات، وحقائق، ومبررات، وربما سوء فهم، لن يمنحك وجبة مشبعة، أو يزيدك جاذبية في عين شريك جنسي محتمل -أو قد يحدث ذلك، لكن بصورة غير مباشرة-. ورغم ذلك تظهر دراسات التصوير العصبي، نشاطا للمناطق المرتبطة باستجابتنا للغذاء والجنس، حين نجيب على أسئلة تافهة، أو ننظر إلى صور غائمة مصممة لإثارة الفضول. مما يرجح أننا نتعامل مع المعرفة كما لو كانت أمرًا مماثلًا.

 

التفاصيل الدقيقة لكيفية وقوعنا في حب المعرفة، قد لا تكف عن مراوغة الذاكرة أبدًا. لكن من السهل ملاحظة دور حب المعرفة في تشجيعنا

بكسلز
  

إن التفاصيل الدقيقة لكيفية وقوعنا في حب المعرفة، قد لا تكف عن مراوغة الذاكرة أبدًا. لكن من السهل ملاحظة دور حب المعرفة في تشجيعنا، أفرادًا ونوعًا، وإمدادنا بالأدوات -كثيرًا ما يكون ذلك حرفيًا، مثل النصول الحادة والنار- من أجل البقاء والازدهار.

 

في هذه الحالة، نحن مدمنو معرفة بطريقة ما، لأنها قدمت لنا العون كثيرًا في الماضي، وما تزال تفعل حتى اليوم، سواء في الحياة اليومية، أو على جبهات التقدم التكنولوجي. وكما أشار أبراهام فليكسنر، مؤسس معهد الدراسات المتقدمة (آي أيه إس)، في برنستون، بولاية نيوجيرسي، في مقال عام 1939 بعنوان "فائدة المعرفة غير المفيدة"، فإن الاتصالات اللاسلكية، وجميع التقنيات التي صاحبتها، لم تكن في حقيقة الأمر من اختراع غولييلمو ماركوني. فهي تدين بالفضل في وجودها إلى جيمس كليرك ماكسويل وهاينريش هيرتز، هؤلاء العلماء الذين توصلوا إلى أساسيات الموجات الكهرومغناطيسية، دون أن يشغل أذهانهم أي هدف عملي منها.

 

هناك كثير من الأمثلة المشابهة، مثل روبرت دي غراف، المدير الحالي لمعهد الدراسات المتقدمة، الذي كتب مقالًا مصاحبًا للطبعة الجديدة من مقالة فليكسنر، الصادرة هذا العام. قال فيها "إن النظرية النسبية العامة تستخدم يوميًا في أنظمة التموضع العالمي (جي بيه إي)، لكن ذلك لم يكن السبب وراء وضع أينشتاين لها".

 

لا يعني هذا إطلاق عنان العلم تمامًا، خاصة في عالم تتضور فيه الأطفال جوعًا، مثلما أوضح ويلسون في خطابه. فهناك بحث علمي عديم الفائدة، لكن من الصعب تحديده، حسب قول ماسيمو بيغليوتشي، فيلسوف العلوم في جامعة مدينة نيويورك "لذا يحتاج العلماء إلى بيان أهمية ما يفعلونه لأقرانهم وجمهورهم".

 

أما عن سبب قيامهم بذلك، فلا تختلف أسباب العلماء عن أسباب أي شخص آخر. فالسعي وراء المعرفة هو ما يميزنا عن الديدان.

 

"لا تعتمد على قول أحد" وهو شعار يعبر عن روح البحث العلمي. قم بالتجربة، سجل النتائج بأمانة وموضوعية، واجعل التقرير متاحًا للمشككين

بكسلز

 

هل المعرفة العلمية استثنائية؟

"نوتيلوس إن فيربا" أي لا تعتمد على قول أحد. هذا هو شعار الجمعية الملكية، أو الأكاديمية الوطنية للعلوم في المملكة المتحدة، وهو شعار يعبر عن روح البحث العلمي. قم بالتجربة، سجل النتائج بأمانة وموضوعية، واجعل التقرير متاحًا للمشككين.

 

تعني منهجية العمل هذه، أننا إذا وضعنا تعريفًا للمعرفة بأنها الطريق إلى الحقيقة، فإن العلم هو طريق سريع للتنوير. فبفضل ما يخبرنا به العلم، عن وظائف الأعضاء البشرية، وتاريخ الكون، وقوى الطبيعة، وجيولوجيا الأرض، والنباتات والحيوانات، نعرف أن الأرض ليست مسطحة، وأن عمر الكون يبلغ 14 مليار سنة تقريبًا، وأنه لا وجود للتنانين ووحيد القرن. نحن نحيا فترة أطول، ونتمتع براحة أكثر، ويمكننا إرسال المسابير الفضائية إلى حافة النظام الشمسي. يا له من أمر رائع، أليس كذلك؟

 

لكن دعونا نلقي نظرة أقل موثوقية، بدءًا من "نحن". يعتقد بعض الناس أن الأرض مسطحة. ويقول آخرون إن عمر الكون 6000 سنة. يشك البعض في نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي، أو حقيقة التغير المناخي الذي صنعه البشر. "نحن" لا تعني الجميع.

 

وحيد القرن في بحيرة لوخ نيس

يمكننا القول إنها مشكلتهم، لا مشكلة العلم، وذلك قول مغرٍ. لكن العلم هو الآخر محدود فيما يمكن أن يقوله. لا يمكن للعلم إثبات صحة زعم "سالب": قد يكون هناك تنانين ووحيد قرن، أو وحش في بحيرة لوخ نيس، أو إله. كذلك يعجز العلم عن حسم كل زعم "موجب". تقول جينيفر ناغيل "أحيانا لا تتيح لنا الأدلة سوى إصدار أحكام احتمالية فقط، وقد نقتصر أحيانًا على القول بأن نتيجة ما، أو نظرية معينة، يرجح كونها صحيحة".

 

"لقد اكتسبت العلوم سلطتها بفضل نجاحها في التنبؤ بالظواهر التجريبية وتحليلها، على الأقل في الفترات التي تبلي فيها الأوساط العلمية بلاء حسنًا" هكذا قال الفيلسوف إدوارد هول لكن إياك والاعتماد على ما أقوله لك (بكسلز)

 

يتعاظم هذا الضعف كلما أدخلنا المنهج العلمي في مجالات أكثر تعقيدًا، تحوي مزيدًا من المتغيرات، ومزيدًا من عدم اليقين، مثل العلوم الاجتماعية والتغير المناخي. يتقدم العلم بشكل شرعي عبر ممارسة التنظير وطرح الفرضيات، لكن إلى أن يتم اختبار هذه النظريات عن طريق التجربة، يجب التشديد على تصنيف أي "معرفة" تنتج عن هذا التنظير، على أنها معرفة مشروطة.

 

إنه ضعف -أو قوة، اعتمادًا على وجهة نظرك- يستغله المتحيزون من المشككين في تغير المناخ، وغيرهم الكثير. لكنها تشير إلى حقيقة صريحة: إذا كنت ترى أن المعرفة العلمية مميزة، فأنت أحد أفراد جماعتها. بمرور الأعوام، نتشرب المعتقدات من بيئتنا الثقافية. وبينما يعني ذلك للبعض قبول المعرفة العلمية، فإنه يعني للآخرين المعرفة "الكشفية"، من الكتاب المقدس، على سبيل المثال.

 

وهذه هي النقطة. فيما يتعلق بهذه الثرثرة حول "الأدلة"، إذا كنت مؤمنًا بالعلم، فأنت أيضًا تعتمد في معظم أمرك على الثقة. تقول بريغيت نيرليش من جامعة نوتنغهام بالمملكة المتحدة "من حيث المبدأ، ينبغي أن يكون في وسع الجميع تكرار التجارب والتوصل إلى نفس النتائج العلمية، إذا توفر الوقت والمال والتدريب. لكن ليس كل شخص يملك مصادم هدرونات كبيرة، أو كمبيوتر مصمم لنمذجة المناخ". أنت أيضًا تعتمد على قول شخص ما. في نهاية المطاف، نجد أن العلم في مجمله، شأنه شأن سائر أنواع المعرفة، يقوم على الثقة في المصدر.

 

إذن، أليست المعرفة العلمية استثنائية؟ ربما، إلا أن العلم يوفر آليات لتبرير الثقة في المعرفة التي يولدها. "لقد اكتسبت العلوم سلطتها بفضل نجاحها في التنبؤ بالظواهر التجريبية وتحليلها، على الأقل في الفترات التي تبلي فيها الأوساط العلمية بلاء حسنًا" هكذا قال الفيلسوف إدوارد هول من جامعة هارفارد إن الاستنتاجات العلمية تلقى القبول حين تتفق مع تجاربنا مع العالم المادي، وتنبذ حين تفشل في ذلك. كل هذا يجعل الثقة في العلم اعتقادًا صحيحًا مبررًا. لكن إياك والاعتماد على ما أقوله لك.

 

هل ستبقى بعد رحيلنا؟


بحلول عام 3700، ستكون الأرض أحرّ بكثير من أن نسميها موطنًا لنا. وسيغدو الإنسان مجرد ذكرى، على الأقل بالنسبة لهذا الكوكب، إذا ما بقي أي شيء يمكنه تذكر "الرجل الحكيم". لكن ماذا عن حكمتنا، هل سيبقى أي منها بعد رحيلنا؟

 

"كلا" هي الإجابة التقليدية. لأن المعرفة تتطلب ذاتا عارفة، ولن تكون هناك أية عقول من شأنها تحصيل المعرفة. لكن إذا نجت المعلومات، ربما في صورة كتب أو أقراص صلبة، فلعلها لن تكون معرفة ميتة تمامًا، بل في سبات طويل، بانتظار عقول أخرى تطورت، أو جاءت في زيارة إلى الأرض، لتبعثَها ثانية، في المستقبل البعيد.

 

للوهلة الأولى، يبدو هذا معقولًا؛ لقد قمنا بأشياء مماثلة مع المعارف القديمة. خذ إعادة بناء "الأنتيكيثيرا" مثالًا على ذلك، وهو جهاز كمبيوتر عتيق انتشل من بين حطام سفينة غارقة قبالة الساحل الجنوبي لليونان، أو فك رموز الهيروغليفية المصرية بفضل حجر رشيد. إن العمل الدؤوب قادر على بث الحياة في الحكمة القديمة.

 

الأنتيكيثيرا وهي آلة ميكانيكية قديمة اخترعها الإغريق للحساب الفلكي، تم اكتشافها عام 1900 (بكسلز)


لكن وجود نوع من الاستمرارية الثقافية يربطنا بتلك العصور القديمة، ويسمح لنا باستخلاص الاستنتاجات، والقيام ببعض القفزات في الظلام، لهو عنصر حاسم: نحن نعرف أننا نتعامل مع إرث بشر آخرين. وبدون هذه الصلة، لن يمثل بقاء القطع الأثرية والبيانات الأولية أي ضمانة لبقاء المعرفة، خاصة إذا كانت معرفة معقدة ومتعددة الطبقات.

 

كل هذا يعني أن العقول الأخرى قد لا تكون قادرة على إحياء المعرفة الإنسانية بالكامل، بعد انقراضنا. لذا يجدر بنا التركيز على عدم الانقراض في المقام الأول

تأمل علم الفلك لدينا. لن يمكن فهم هذا التفصيل الدقيق في حركة النجوم، ولا ذلك البحث في وجود شيء مثل الطاقة المظلمة، عن طريق البيانات الخام وحدها. بل قد تقول النسبية الثقافية إنه مستحيل؛ فكل ثقافة تبني معرفتها الخاصة، ولا وجود لنقطة انطلاق موضوعية. لكن مايكل بلوم تيلمان، الفيلسوف بجامعة ماكغيل الكندية، يرى في ذلك مبالغة شديدة. "هناك حقائق أساسية شديدة البساطة نعرفها جميعًا؛ إذا أفلت كرة ستسقط على الأرض. لا أرى أي نسبية ثقافية هنا".

 

حتى إن كان هذا صحيحًا، فسيشكل انعدام الاستمرارية اللغوية مع أي ذكاء مستقبلي عقبة حقيقية. فالمعرفة شديدة الصلة باللغة، كما يقول جيمس كولينز من جامعة أدنبرة ببريطانيا. خذ جملة مثل "هناك عدد لا نهائي من الأعداد الأولية". سواء كان الزعم صحيحًا أم لا، إنها اللغة التي تفترض وجود أعداد ضمنيًا. قد لا يبدو ذلك خلافيًا، لكنه أمر غير مطروح فلسفيًا على الإطلاق.

 

أو خذ كلمة "قرمزي"، أو معجم الأسماء التي تطلقها مجتمعات الأمم الأولى الكندية على حيوان الرنة. إن معناها الحقيقي يعتمد على مجموعة من الافتراضات والاستنتاجات، التي لا تشترك فيها الثقافات بالضرورة. حينما تموت لغة، قد نخسر أنظمة منطقية معها. يقول كولين "عندما يفقد ذلك، فلا يمكن استرجاعه".

 

كل هذا يعني أن العقول الأخرى قد لا تكون قادرة على إحياء المعرفة الإنسانية بالكامل، بعد انقراضنا. لذا يجدر بنا التركيز على عدم الانقراض في المقام الأول.
 

========================================


المقال مترجم عن: هذا الرابط

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك