اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/2 الساعة 14:43 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/8 هـ

انضم إلينا
نهاية الحداثة.. التبشير بعجز الإنسان

نهاية الحداثة.. التبشير بعجز الإنسان

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
 "أنا موجود، وهذا أمر يستحق الإشارة"
(صامويل بيكيت)

   

في تاريخ الفلسفة الطويل كله لم يحدث أن كان الإنسان موضعا للغرابة والسؤال(1)، بل دائما ما كان السؤال الفلسفي مشغول بمحاولة إدراك الوجود وتفسير العالم، أو حيازته وتسخيره لصالح الإنسان في مرحلة لاحقة، ثم الرضا بمجرد التلذذ بالوجود والتمتع بالعالم في مرحلة أخيرة بعد فشل العقل الفلسفي في رحلته الطويلة لفهم العالم أو السيطرة عليه.

 

على هامش تلك الرحلة الفلسفية الطويلة، بدأت تظهر فلسفات تُسائل الإنسان نفسه، وتهاجم الأسس الفلسفية والنظرية التي استندت عليها النزعة الإنسانية التي بررت مركزية الإنسان ودوره في الحياة، وبمرور الوقت وبدخولنا القرن العشرين، أخذت تتحرك تلك الفلسفات من الهامش إلى متن الحركة الفلسفية المعاصرة(2)، لتظهر أسئلة في الفلسفة والعلوم الإنسانية كما في المسرح والسينما والأدب عن كُنْهِ الطبيعة الإنسانية، وعن طبيعة المعرفة التي يمكن للإنسان أن يصل إليها، عن نفسه وعن العالم، وعن المكوّن الجوهري الذي يميز الإنسان عن غيره من الكائنات؟

 

الإنسان بالنسبة إلى ديكارت كائن حر وواعٍ ذو إرادة، فوعيه بذاته حاضر مباشر أمام نفسه في منتهى الشفافية، عبر عملية استدلالية في ظاهرها وحدسية في عمقها

مواقع التواصل
 
عصر ميلاد الإنسان

النزعة الإنسانية الفلسفية بشكل رئيس هي وليدة الدخول في عصر الحداثة، وهي في مختلف تجلياتها تنطلق من الاحتفاء بتميز الإنسان والتأكيد على قدرته ووعيه الخلاق وحريته غير المحدودة وإرادته الفعالة والصارمة(3)، ومن ثم فقد كانت هذه النزعة خير تعبير عن هذا الاحتفاء وعن هذه الصورة الجميلة للإنسان بما يستتبعها من مستلزمات أخلاقية، كالدعوة إلى عدم اضطهاد الإنسان وعدم استغلاله، والرفع من كرامته.

 

أخذت هذه الصورة الإيجابية للإنسان تتبلور في الفكر الغربي الحديث ابتداء من ديكارت وصولا إلى سارتر مرورا بالفلسفة المثالية الألمانية "إيمانويل كانط، هيغل، فيورباخ" والفينومينولوجيا والوجودية.

 

فالإنسان بالنسبة إلى ديكارت(4) كائن حر وواعٍ ذو إرادة، فوعيه بذاته حاضر مباشر أمام نفسه في منتهى الشفافية، عبر عملية استدلالية في ظاهرها وحدسية في عمقها، فإرادة الإنسان عنده تتوقف على وعيه بذاته في الأساس. فـ"الكوجيتو" "أنا أشك.. إذن أنا أفكر.. إذن أنا موجود" هو الحقيقة الأولى، وهو أساس كل الحقائق واليقينيات اللاحقة حول الله والعالم.

 

في كتابه مبادئ الفلسفة يقول ديكارت "أننا نعرف حرية إرادتنا لا بالدليل بل بالتجربة وحدها، من البيّن أن لنا إرادة حرة قادرة على القبول والرفض كيفما نشاء، بحيث يُمكن اعتبار هذه الحقيقة من أكثر الأمور بداهة.. إذا في الوقت الذي وضعنا فيه كل شيء موضع شك، كنا ندرك في أنفسنا من الحرية والوعي اللازمين ما يمكننا من الامتناع عن تصديق كل ما لم نعرفه معرفة تامة"

 

مع هيغل تنتقل هذه الصورة تدريجيا من الإنسان الفرد إلى الإنسان كنوع أو كفصيل كامل، ومن العقل الفردي إلى العقل الإنساني الكوني (مواقع التواصل)

 

وتكتمل هذه الصورة المتفائلة والجميلة مع كانط(5)، فالإنسان عند كانط ذات مُتعالية عن الطبيعة، أخلاقية فعالة، لها قدرة على إنتاج الجمال والأخلاق والمعرفة و صنع المعاني في الحياة وإدراكها، ويضيف كانط أن الإنسان كائن مدفوع إلى أن يكون حرًّا بكل ما تحمله الكلمة من معان، فاستقلال إرادة الإنسان وحريتها تعد الأساس العميق لفاعلية الإنسان في التاريخ والحياة.

 

أما مع هيغل(6) فتنتقل هذه الصورة تدريجيا من الإنسان الفرد إلى الإنسان كنوع أو كفصيل كامل، ومن العقل الفردي إلى العقل الإنساني الكوني، ويصبح التاريخ بمنزلة ملحمة شعرية تخوضها الإنسانية مُسلحة بعقلها الجمعي الكوني كذات جماعية عقلانية فاعلة نحو مزيد من الوعي ومزيد من الحرية واستقلالية الإنسان. اعتمد هيغل(7) بالتأكيد على فلسفة ديكارت وكانط وتصورهم للإنسان، ثم دفعها لتصبح في اتجاه الإنسانية ككل، محقّقا بذلك نقلة نوعية للوعي الفلسفي وفي مسار النزعة الإنسانية.

 

وتبلغ النزعة الفلسفية المُتمركزة حول الإنسان مداها الأقصى مع الفيلسوف الألماني المثالي الرومانتيكي فيورباخ، حيث يصل بفلسفته إلى مفهوم للإنسان يقوم فيه الإنسان بدور مركزي، وكأن العالم تجلٍّ للماهية الإنسانية، فالعالم في وجهة نظر فيورباخ كتلة هلامية لا معنى لها في ذاتها، وما أن يظهر الإنسان حاملا وعيه ومشاعره فيهب الأشياء معناها وغايتها من مركز متميز اسمه الذات الفاعلة المتعالية، فقطعة القماش أو الطعام أو المسكن أو غيرهم من الأشياء أو الأدوات لا قيمة لها إلا بالإنسان الذي يمنحها من لدنه قيمة ما، بتعبير فيورباخ "جوع الإنسان هو ما يجعل الطعام طعامًا"(8)

 

فهذه النظرة الراديكالية في إنسانيتها تجعل المعاني والماهيات لا يكتسبها الإنسان من العالم أو من بنية الأشياء أو قوانين الطبيعة، بل يهبها لها ويفرضها عليها، لأن الذات الإنسانية مركز إشعاع وليست محطة استقبال.

 

ستأخذ هذه الصورة في التغير التدريجي بموازاة نشوء وتقدم العلوم الإنسانية وتطور السياق التاريخي الذي نشأت فيه هذه الفلسفات والتصورات.

 

الإنسان.. ذلك الوحيد في عالم من العداوة

 

يُمكن اعتبار الماركسية والتحليل النفسي هما الجسر الأساسي الذي عبر عليه الغرب والعقل المعاصر بصفة عامة من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، أو بالأحرى من عصر تأليه الإنسان إلى عصر نفي الإنسان.

 

افتتح ماركس عصر النظر للإنسان من خلال إعطاء الأولوية للشروط الخارجية، كالاجتماعية والاقتصادية التي تحدد وعي الإنسان وتحكم وجوده بشكل شبه حتمي، وهي صورة ستدعمها دراسات التحليل النفسي بقوة أكبر.

 

ويوضح ميشيل فوكو(9) أن "النظرية الماركسية وبحوث التحليل النفسي جرّدت الذات من قوانين رغبتها، ومن أشكال كلامها ومن قواعد سلوكها ومن أنساق خطاباتها الأسطورية"، فلم يعد الإنسان في إطار هذه النظريات هو تلك الذات الحرة والواعية ذات الإرادة الفاعلة والعقلانية، فقد لعب مفهوم اللاشعور لفرويد والبنية التحتية لكارل ماركس دورا حاسما في قلب هذه التصورات كليا.

 

فقد أبرز كارل ماركس الحتميات الاجتماعية والاقتصادية والطبقية التي يخضع لها الإنسان في المجتمع(10)، فبحسب ماركس أن الناس "داخلون بالكلية -خلال عملية الإنتاج الاجتماعي لحياتهم- في علاقات محددة وضرورية، ومستقلة عن إرادتهم في ذات الوقت"، فالفرد ليس ذات فردية مُطلقة واعية بذاتها بشكل ذري، لكنه في الصميم حصيلة جملة علاقات طبقية واقتصادية واجتماعية ولا يعي نفسه في الحقيقة إلا داخل تشكيل طبقي واجتماعي وما يُمثله من مصالح وأفكار.

 

من ناحية أخرى فالإنسان كما أوضح فرويد(11) ليس سيد نفسه، بل إن بينه وبين وعيه الذاتي الأصيل ألف حجاب وحجاب، فشفافية الوعي وتلقائيته ومطابقته لذاته أصبحت من باب الخرافات الفلسفية المتفائلة بالنسبة إلى علم التحليل النفسي.

 

الفيلسوف النمساوي سيغموند فرويد (1856-1939م) (مواقع التواصل)

 

في كتاب مقدمة في التحليل النفسي يقول فرويد "سيتم توجيه تكذيب آخر إلى اعتداد الإنسان بذاته بواسطة البحث السايكولوجي، الذي يحاول أن يُظهر للأنا أنه ليس سيدا في بيته كما كان يتصور، وأنه من المفروض عليه أن يكتفي -مسرورا- ببعض المعلومات النادرة والجزئية عما يجري خارج شعوره، أي حياته النفسية"

 

ففكرة اللاشعور تقلب التصور الفلسفي الحداثي التقليدي المتفائل للإنسان من حيث هو كائن عاقل، فالوجدان واللاشعور واللاوعي يكتسح العقل وينتصر عليه من وراء حجاب. وهذا الجانب القوي في الإنسان -الجانب اللاواعي- يتخذ لنفسه قشرة رقيقة من العقل، وإن هي إلا مضامين لا شعورية غير واعية تكتسي طلاء عقليا.

 

بهذا الشكل يمزق التحليل النفسي الكوجيتو الديكارتي والإسهام الكانطي في النزعة الإنسانية ويزيحهما من مركز الوجود والفاعلية، وهكذا تفقد الذات سيادتها على نفسها، وتفقد شفافيتها ووضعها أمام نفسها كوعي حر ومُستقل.

 

إن تحطيم مقولات الجوهر الإنساني الأساسية: الوعي، والعقلانية، والحرية، والإرادة والفاعلية الذي قام بها التحليل النفسي معناها تحطيم الأسس الفلسفية للنزعة الإنسانية التي بشرت بالجوهر الإنساني الفعال والفريد، والمحاولة الفرويدية هنا تكتمل مع نظيرتها الماركسية، فكلتاهما تبرزان أن الذات محكومة بشبكة مخيفة من القوى والعلاقات غير الشخصية وغير المُدركة، وأنها مُحاصرة بتأثير البنيات الاجتماعية والاقتصادية من جهة، والبنيات النفسية واللاشعورية من جهة أخرى(12).

 

تقدم العلوم التفكيكية والبنيوية صورة جديدة للإنسان غير صورة فلسفة الحداثة الأولى، صورة لإنسان دُفع به في عالم لم يُنتجه ولم يَختره ولم يُساهم في تشكيله ولم يفهمه جيدا، إنسان سجين لعجزه الوجودي وانعدام فاعليته في الحياة وقد أغرقته القوى والعلاقات الخارجة عن إرادته وفهمه. إن الإنسان بهذا المعنى يختفي، إذ ماذا سيتبقى من الذات الإنسانية ومن فاعليتها في الحياة وقد امتصها عالم مناهض يحتويها كليا؟

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك