اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/13 الساعة 17:35 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/22 هـ

انضم إلينا
أفول الفردانية.. كيف أصبحنا بحاجة للقيم الاجتماعية؟

أفول الفردانية.. كيف أصبحنا بحاجة للقيم الاجتماعية؟

حمزة عامر

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

تقضي فكرة الفردانية بأن الحرية والحقوق الفردية يحتلان أهميةٌ تتفوّق على أيّ قيمةٍ أخرى، فالفكرة تقوم على تثمين القيمة المعنوية للفرد، ويكرّس أنصار الفردانية أهمية تحقيق المرء لأهدافه ورغباته، واستقلاله الذاتي واعتماده على نفسه، وأن عليه محاربة التأثيرات الخارجية على مصالحه من المجتمع أو مؤسّسات الدولة، بكونه المحور الأول والرئيس. وتُعامَل الفكرة، في الأنساق الغربية على الأقل، على أساس كونها حقيقةً كونيةً مطلقةً لا تخضع لأيّ اعتباراتٍ زمنية.

نص التقرير

راودتني هذه الفكرة وأنا أنتظرُ في صفّ شراء "الفشار" في أحدِ المجمّعات الكبيرة، فإذ بي أنظرُ إلى إعلانات الأفلام، أدركتُ فجأةً أن أبطال الأفلام كانوا وحدَهم في دراميتهم، فترى ذاك المحقّق الخاص الذي يطوف الشوارع القاسية، أو ذاك الغريب الوحيد الذي يجول الطرق وحده، ولكن الذئب الوحيد قد رحل، وحلّ مكانه، بصورةٍ كبيرة، ثنائيٌّ متكاتف، أو فريق. وحتى أولئك الأناس الفوقيون، الأبطال الخارقون، أصبحوا يفضّلون الآن أن يكافحوا براثن الشرّ في مجموعات. وبالفعل ارتبطت هذه الفكرة في ذهني بغيرها من التطورات الثقافية التي تدلّل على أن عصر الفردانية، الذي بدا لنا سرمديا، قد يكون مؤّقتا في واقع الأمر، ولم يكن إلّا ردة فعلٍ مغالية ضدّ القمع والتقييد، وها هو الآن يصحّح نفسه.

لقد تغلغلت الفردانية، الفكرة التي ترتكزُ على قيم الحرية والحقوق الفردية بصفتهما يتمتّعان بأهميةً لا تضاهى، لدرجةِ أننا أصبحنا نراها حقيقةً كونية، ومطلقة، وأبدية. ولكن في الواقع، لم تكن هذه الفكرة على هذا القدر من الكونية، بل إن انتشارها غربيٌّ بالدرجة الأولى، وليست أيضا مطلقةً، بل كانت مرهونةً بتنامياتٍ طارئة، وهي أبعد ما تكون عن الأبدية، بل أنها بدأت تفقدُ بريقها.

نمو الفردانية

تقول لنا أسطورة خلقِ الفردانية إن مجموعةً من أبطال المنطق البواسل قاموا في عصر التنوير الأوروبي، في القرن الثامن عشر، بكسر أغلال القمع المفروض باسم الدين وأسّسوا لفردٍ حرّ يطمحُ إلى تحقيق ذاته، وإيجادها، والتعبير عنها. ولكن البذور الأولى للفردانية زُرعِت قبل هذا بفترةٍ طويلة، وكان الأمرُ أكثر تعقيدا وتدرُجا من هذا بكثير. فكان هناك الكثير من العوامل، الدينية منها والمادية إضافةً إلى الفكرية، التي أسهمت في ذلك. فإلى جانب حركة التنوير الفكري التي دعت إلى الحرية، نما التبادل التجاري وأرسى قواعد طبقة وسطى من التجار، والمزارعين الناجحين، والحرفيين الشعبيين الذين آمنوا بمبدأ الملكية الخاصة وحقّ المرء غير المقيّد بجمع الثروة الفردية.

إذا، كانت الفردانية ثمرة تلاقح الأفكار والعمل، تماما وكأنك تقرأ بيان مهمة لجامعةٍ حديثة. ولكن التأسيس لكلٍّ من هذين العاملين في سياق هذا التطور الثوري كان، قبل كل شيء، يُردّ إلى فكرةٍ مسيحيةٍ ثوريةٍ بدورها -شكّلت سرديةً مروّعةٍ في العالم القديم- تقضي بأن جميع البشر متساوون في قيمتهم. فلم تخطر هذه الفكرة قبلا في أذهان الفلاسفة، وربما لم تكن هذه الفكرة لتتبلور أبدا في ظلّ تعطّش البشر للتفوق والتميز. ولكن في النهاية، انقلبت إحدى الأفكار التي قامت عليها الكنيسة ضدّ الكنيسة بفعل الحاجة للتحرير السياسي والشخصي، وهوّ تطوّرٌ اختزله المؤّرخ لاري سيدنتوم بقوله: "العلمانية هي هدية المسيحية للعالم".

مظاهرة في البيرو تنديدا بـ النيوليبرالية  (رويترز)


في القرن التاسع عشر، انفلقت المرتكزات التجارية والفكرية للفردانية إلى الريادية الرأسمالية والفردانية الرومانتيكية، وقامت الأخيرةُ على الانسلاخ من القطعان المادية والتكرس لمناجاة الطبيعة الخلّابة على السواحل الخشنة وقمم الجبال الوعرة. ومن ثمّ تفتّقت الرومانتيكية إلى الفردانية البوهيمية في نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وانتشرت في مجتمعات المدينة -أو رقعةٍ محدودةٍ منها- بصفتها ملاذا من مُثْلِ المجتمع البرجوازي وقناعاته وأعرافه.

ولكن كلّ هذه التطورات المتقاطعة والمتشعّبة حافظت على نخبويتها، واقتصر تأثيرها على الفنانين، والمفكّرين، والسياسيين الراديكاليين حتى نهاية ستينيات القرن الماضي، حينما امتزجت ثقافةُ شبابيةٌ جماعية استشرت حول العالم وتمخّضت عنها الفردانية التعبيرية، التي أضافت إلى رفض السلطة والأعراف الحاجةَ لـ "اكتشاف ذاتك الحقيقية" و"الالتفات إلى الأشياء الخاصة بك التي تميّزك".

وأصبح هذا هو المناخ السائد في العصور الحديثة، فربما تُعدُّ السبعينات والثمانينات من القرن الماضي هي أوج الفردانية. ويُتلمَّسُ هذا في النظريات العلمية والسياسية التي عكست الزايتجايست (Zeitgeist) -روح العصر- والتي قدّمت نفسها في نفس الوقت، أي هذه النظريات، على أنها حقائق موضوعية لا تخضع لأي اعتباراتٍ زمنية. وهكذا، أتت نظريتان رائجتان لتصادقا على الفردانية -أولاهما هي الداروينية الجديدة، في البيولوجيا، التي تؤوّلُ التطور بأنه منافسةً على البقاء يفوز بها الأقوى والأذكى، وثانيهما هي النيوليبرالية، في الاقتصاد، والتي بَنت على النظرية الأولى وحاجّت بأن الأسواق يجب أن تكون حرّةً في نموها، مثل الطبيعة، في سياق منافسةٍ غير مقيّدة بين الأفراد.

أفول الفردانية

ولكن روح العصر تغيّرت، كما أنّ كلّا من النظريتين وجدت من يعارضهما. فكثيرٌ من منظّري التطور اليوم يؤمنون بأن التعاون مهمٌّ للبقاء بقدر أهمية المنافسة نفسه، إن لم يكن أكثرَ حتى، وعلى الصعيد الآخر، يرى الكثير من المنظّرين السياسيين بأن السوق الحر قد أدّى إلى تولد حالةٍ متعاظمةٍ من اللامساواة التي أضرّت بالفائزين والخاسرين على حدٍّ سواء. وحتى جوهر الفردانية نفسها قد قُوِّضَ إلى حدٍّ ما بادعاء بعض علماء الأعصاب الذين رأوا بأن وحدانية الذات ما هي إلا وهمٌ خلقه الدماغ في سبيل إضفاء راحة الاستقرار والاستمراية.

ليس هناك واقعٌ سوى ما يُوجد في العلاقات بين الأنظمة الفيزيائية. فليست الأشياء هي التي تُشرِع العلاقات، وإنما هي العلاقات التي تؤسّس الشيء"


فإذا قامت الفرضية التي قالت إنه لا وجود للفرد، مجاريةً ادعاء مارجريت تاتشر التي قالت إنه لا وجود للمجتمع. فالذات ليست جوهرا ينتظر أن يُكتشَف، وإنما عمليةٌ مستمرة من التفاعل مع البيئة، وبحسب نظرية "العقل الممتد" فهذه العملية هي على الأقل جزئيةٌ في البيئة. وعضّد بعض الفلاسفة هذه الفكرة مثل تشارلز تايلور الذي حاجّ بأن أهمَّ تأثيرٍ بيئي هو الأناسُ الأخرون، وأن الهوية الشخصية هي ليست نتاجَ تبصّر الإنسان في داخله منقّبا عن ذاته الحقيقية، بل تعتمد على تقبلنا أو ممانعتنا للهويات التي يحاول الآخرون فرضها.

"يتوقّعون منا أن نطوّر آراءنا الشخصية، ونظرتنا، ومواقفنا من الأشياء عبرَ الاستبطان المنعزل إلى حدٍّ بعيد. ولكن الأمور لا تسير على هذا النحو في سياق القضايا الهامة، مثل تعريف هويتنا. فنحن نعرّف معالم هويتنا في حوارنا، وأحيانا في ممانعتنا للهويات التي يريد الأناسُ الفارقون في حياتنا رؤيتها فينا. وحتى عندما نكبرُ ونتجاوز بعضا من هؤلاء -لنقل والداك على سبيل المثال- وحتى لو اختفوا من حياتنا، لسوف تستمر المحادثة معهم ما دام فينا نفسٌ يجري" (من كتاب ''إيتيقيات الأصالة‘‘ من تأليف تشارلز تايلور).

المنظّر الفيزيائي كارلو روفيلي (مواقع التواصل)


وحتى الفيزياء، التي ترى نفسها بأنها أكثر التخصصات موضوعية، عمدت إلى تعديل نظرياتها المتناولة لطبيعة الواقع في ظلّ تغير المناخ السائد. فقد صاغت المقاربة الذرية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كينونة الواقعِ على أساس أنها تتكوّن من جسيماتٍ أولية خلقت علاقاتٍ فيما بينها، ولكن مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، انعكست هذه المقاربة لتأوّل الواقع على أنه حقل، مدٌّ من العمليات التفاعلية المستمرة التي تخلقُ وتدمّر الجسيمات.

أما الآن فيُعتقد بأن العلاقات هي التي تخلق الجسيمات وليس العكس. كتبَ المنظّر الفيزيائي كارلو روفيلي مؤخّرا"ليس هناك واقعٌ سوى ما يُوجد في العلاقات بين الأنظمة الفيزيائية. فليست الأشياء هي التي تُشرِع العلاقات، وإنما هي العلاقات التي تؤسّس الشيء" (من كتاب الواقع ليس كما يبدو لنا: رحلةٌ في الجاذبية الكمية، تأليف كارلو روفيلي). وهذه هي نظرة تايلور للأفراد في سياقِ الجسيمات الأولية.

التشابكية الجديدة

على غرار النظرية، يتضح جليا أفول الفردانية في الواقع أيضا، في ظلّ الانتشار المضطرد للشبكات الاجتماعية، والقبائل الحَضرية، ومجموعات الأصدقاء، والمهرجانات (التي لا تزال شَعبيتها تتزايد كالنار في الهشيم)، والكوزبلاي، ومؤتمرات ألعاب الفيديو، وجميع الأنشطة الجماعية بما في ذلك الرقص الجماعي، وجوقات الغناء، والألعاب الجماعية، والحفلات الموحّدة. ومع رواج الطاولات والجلسات المشتركة والأطباق العامة التي أصبحنا نراها حتى في المطاعم.

وحتى القراءة، التي لنا أن نعتبرها أكثر نشاطٍ فردي في جوهره، قد باتت الآن أمرا مشتركا كما نرى في مجموعات القراءة. وهناك حتى بعض النزعات التي تدلّل على ذلك في الممارسات الدينية، مع الشعبية المتزايدة للكنائسِ الخمسينية التي تُهمل التركيزَ على الشعائر الدينية الفردية، وتحثّ، بدلا من ذلك، على المشاركة الجماعية في الغناء والرقص.


نرى أيضا في السياسة أن هناك رفضا يتعالى بصورةً دراماتيكية، سواءً في الأنساق اليمينية أو اليسارية، للفرضيةِ التي تقول إن الديمقراطية تقوم على الهوية الليبرالية لحقوق الفرد. فقد ارتكزَ صعود أسهم الشعبوية اليمينية على تسعر النار في رماد الإيمان بالقومية مجدّدا، وهذا ما نراه اليوم في مظاهراتٍ هائلة تمثّلُ نفس الطمأنينة التي نتلمسّها في الانتماء لتجمعٍ من المؤمنين المتحمّسين بفكرةٍ ما.

يرفض الفيلسوف سيمون كريتشلي، بصورةٍ خاصة، الأناركية الفردية لصالح توجه أكثر اجتماعية "إن مفهوم الأناركية الذي أَسعى للدفاع عنه.. يتمحور حول المسؤولية أكثر من دورانه في فلك الحرية"

مواقع التواصل
 

أما في اليسار، فهناك بزوغٌ جديد لمجموعاتٍ أناركية فكاهية. يقول الفيلسوف سيمون كريتشلي في كتابه: إيتيقيات الالتزام والسياسة والمقاومة: "أرى بأن الأناركية -ما يمكن أن نسميّه "بأناركيةٍ موجودةٍ على أرض الواقع" هو استجابةٌ تنطوي على روحٍ تجديديةٍ مشحونة للديمقراطية الليبرالية وما حملته من شطحةٍ وتثبيط. أتكلّم تحديدا عن هذه المجموعات الأناركية الفكاهية الكرنفالية وتوجهاتهم "الحربية غير العنيفة" التي أسفرت عن خلقِ خطاب عصيانٍ مدني جديد واستردادٍ للمشهد من فكرة الديمقراطية المباشرة"؟

ويرفض كريتشلي، بصورةٍ خاصة، الأناركية الفردية لصالح توجه أكثر اجتماعية "إن مفهوم الأناركية الذي أَسعى للدفاع عنه.. يتمحور حول المسؤولية أكثر من دورانه في فلك الحرية".

وهنا يرسم كريتشلي معالم المشكلة التي أفقدت الفردانية بريقها. الحرية الشخصية، وهي السلعة الأهم للفردانية، ليست الهدية الكونية كما بدا للوهلة الأولى. ففي سعرة جنون ستينيات وسبعينيات القرن الماضي التي سادتها المطالب الشعبية بالحرية والحقوق، كان الاعتقاد السائد بأن الحرية هو كل ما نحتاجه للاستمتاع بحياةٍ رغيدة. ولكن، وكما أدركَ الشعبويون، لن تكون الحرية كاملة خيارا حقيقيا إلا لأولئك الذين يستطيعون تحمل أعبائها، ولقد اكتشف كثيرٌ من هؤلاء المحظوظين القلائل، بدورهم، أن الحرية الكاملة هي ليست تحريرا وإنما نوعٌ جديدٌ من العبء.

فالخيارات المفتوحة تسعِرُ في النفس بهجةً نظريا، ولكنها مرهقةٌ في الواقع، فهي تتطلّب أن ترسم كلّ قرارٍ تتخذه من المبادئ الأولى، وغالبا كان "هؤلاء" هم الذين يعيشون بلا مبادئ. كما تبدّى أيضا أن الفكرة المغرية برفضِ الالتزام والتكرس في سبيل أن يعيش المرء لنفسه لم تكن تنطوي على تحقيق الذات الذي أريد له أن يكون.

بذور الغضب

ليس عليك أن تدور كثيرا، فقد انطوت حيوات آباء الفردانية على الدليل: بودلير (1821-1867)، أكثرُ شعراء العصر الحديث تأثيرا، وفلوبيرت (1821-1880): أكثرُ روائيي العصر الحديث تأثيرا، ونيتشه (1844-1900): أكثرُ مفكّري العصر الحديث تأثيرا. فقد انصرف ثلاثتهم إلى حياةٍ وحيدة، وكانوا عنيفين في تمسّكهم بالعصامية والحرية، ورفض ثلاثتهم أيضا الزواج والديمقراطية، وأبدى ثلاثتهم ازدراءً لما أسموه "قطيع العوام" -الطغام. وربما لا أفضلَ من صياغة فلوبيرت لها "لقد بنيت لنفسي برجا، وتركت أمواج الهراء تضرب في قاعه".

رفض أن يكرّس نفسه لأيٍّ من عشاقه أو بأن يكون جزءًا من أيّ نشاطٍ اجتماعي لم يكن يشعر بأنه يلائمه. وعاش حياته وحدَه ولوحدِه، ولكنه وصف نفسه في مرحلةٍ متقدّمةٍ من حياته بأنه "يفور غضبا"

مواقع التواصل
 

وربما ستعتقد بأن الحياة العصامية الحرة قد أنعمت على هؤلاء بتجلٍ إبداعيٍّ لا يُوصَف أتاهم على طبقٍ من الصفاء، ولكن يبدو بأن كلّ ما حصدوه هو الغضب. فهؤلاء الثلاثة كانوا غارقين في عاصفةٍ دائمةٍ من الغضب العارم. وكان نيتشه، أكثرهم انفصاما، يعيش وحده في تورين، وحياته الاجتماعية معدومةً بالكلية، وكان أكثرهم غضبا، فقد لام كلّ مشاكله على بلده الأم وعلى تنشئته، وكان يكتب رسائل مؤذية لعائلته وأصدقائه، وكان دائما ما يتشاجر مع ناشره الوفي، وكان يطالب بأن يُعدم القيصر على الملأ.

تكمن المشكلة في التجلي الفكري بأنه يكرّسُ ازدراء الناس القابعين في قاع البرج، ويُنمّي حالةً من الجزم بفوقية قناعات المرء، والتي يفشل العالم، في غباء منقطع النظير، برؤيتها، فضلا عن تقبّلها. وتكون النتيجة هي الغضب.

ولك أن تنظر على مثالٍ أحدث على هذه المتلازمة في الشاعر فيليب لاركين، الذي رفض أن يكرّس نفسه لأيٍّ من عشاقه أو بأن يكون جزءًا من أيّ نشاطٍ اجتماعي لم يكن يشعر بأنه يلائمه. وعاش حياته وحدَه ولوحدِه، ولكنه وصف نفسه في مرحلةٍ متقدّمةٍ من حياته بأنه "يفور غضبا"، ولربما لا أكثر سخريةً من أن لاركين أراد أن يحمي حريته كي يجد لنفسه وقتا ليكتب، ولكنه نجح في مسعاه هذا لدرجةٍ مفرطةٍ، حيث لم يجد ما يقوله وأحيلَ أرضا جرداء.

حسّ التغيير

في سبيل صيانة عقل المرء، كما يظهر لنا، يحتاج المرءُ إلى أن يُبقي الشدّ موجودا بين حاجته للحرية الفردية، وبين مطالب الآخرين. فربما تكون القيود التي يفرضها المجتمع التقليدي خانقةً لدرجةٍ مستحيلة، ولكن الارتداد المتطرّف، ورفض جميع القيود لم يكن أبدا هو الحل. فقد كنا فيما مضى مختنقين في سجن الانصياع، والآن غرقنا في محيط الاختيارات.

استوعب نيتشه ضرورة صيانة ثنائيات كلّ شيء، ولكن خصوصا بين أبولو، الذي كان يرمز للنظام الاجتماعي والحدود، وبين ديونيسوس، الذي كان يرمز للحرية والثمالة. فصيانة الشدِّ بين هاتين القوتين المتناقضتين يمكن أن يكون مصدر قوة:

"لنتصوّر إنسانا رأى أنه من المستحيل أن يُحلّ هذا التناقض عبر تدمير إحدى هاتين القوتين، وإطلاق عنان القوة الأخرى، ومن ثمّ لم يبقَ لهذا الإنسان سوى أن يصنع من نفسه صرحا عظيما، بحيث تستطيع كلتا القوتين أن تقيم فيه، وحتى لو أقامتا على طرفين متناهيين. وبين هاذين الطرفين توجد قوىً تصالحيةٌ محمية تتمتّع بقوةٍ سائدةٍ من شأنها أن تحلَّ، متى ما احتاج الأمر، أي نزاعاتٍ قد تحدث". (فريدريك نيتشه)

 مفكر العصر الحديث فريدريك نيتشه (مواقع التواصل)

أخفق نيتشه في الأخذ بنصيحته، ولكن يبدو بأننا نشهد الآن إعادةً غير واعيةٍ للموازين بين الفردانية والحياة الاجتماعية، وهو ما يجسّدُ رفضًا للحرية، وأيضا للانصياع التقليدي. ويبدو أن المفتاح هو الانخراط في أنواعٍ جديدةٍ من المجموعات التي تُختار طواعيةً وليسَ إكراها، وعلى نحوٍ عابرٍ وليس دائم، وبصورةٍ غير رسمية عوضا عن اشتراط عضويةٍ رسمية.

على غرار أي تغيراتٍ اجتماعية، قد يكون انحسار الفردانية مدعاةً للجزع -نهوض الشعبوية والقومية- ومدعاةً للأمل أيضا -بروز روح الجماعات الصغيرة الأكثر لطفا- وسيكون لكلّ هذا تأثيره على معظمنا، وعلى الغالب بصورةٍ غير واعية. علي أن أقرّ بأن روح فردانية القرن العشرين تطغى فييَّ للدرجة التي تمنعني من الانضمام لأيّ جماعةٍ منظّمة، ولكنني على الأقل قد نزلت من البرج إلى الشارع وإلى الجموع الشعبية التي ما عادت "قطعان العوام" التي اشمئز منها بودلير وفلوبيرت ونيتشه، ولكنها مجموعةٌ ما، ولو أنها سائلةٌ وعابرة، تمنح الحسّ بالانتماء، ولو أنه هشّ.

يُضاف أيضا إلى رواج النشاطات الجماعية الجديدة وجودُ تصاعدٍ مستمر للأماكن العامة الجديدة التي يجتمع بها الناس مع بعضهم البعض، كمناطق تناول الطعام العامة في المراكز التجارية، والطاولات الخارجية التي غزت الساحات والأرصفة، والانتشار المتزايد لمحالِ القهوة. ومن منظورٍ بودليري -فلوبيرتي- نيتشوي كنت قد أوّلت هذا دليلا على نرجسيةٍ تريد استرعاء انتباه الآخرين.

ولكن من الممكن أن يُرى هذا أيضا بأنه صورةٌ جديدة من التجمع، وصياغةً مجتمعيةً جديدة - مجتمع بارادوكسي يؤّلفه الغرباء. هناك متعةٌ غير مفهومة في النظر للناس، بغموضهم، وانغلاقهم، والقوى والأحاسيس الدفينة التي تضرب سواحل أجوافهم، وهم منكبون على أمورهم المستعجلة ولكن المبهَمة. هذا هو المكافئ الشعبي لمشاهدة أمواج البحر.
============================

مترجم عن: فيلوسوفي ناو

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك