انضم إلينا
اغلاق
الفلسفة ببساطة.. هذه الكتب تساعدك في بدء تعلمها

الفلسفة ببساطة.. هذه الكتب تساعدك في بدء تعلمها

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

الفلسفة مخيفة، ليس فقط بسبب الشائعات التي تنتشر حولها في مجتمعاتنا، تلك التي تصورها كشيطان رجيم سوف يخطفك من أحضان الإيمان إلى براثن الكفر، لكن أيضا بسبب صعوبتها المتصوّرة في أذهان هؤلاء الذين يودون حقا أن يخوضوا بها، حيث لحقت بها صفات التعقيد على مدى تاريخها، لدرجة أن الناس في بعض الأحيان قد تصوروا أنها مهنة خاصة جدا تشبه السحر، لا يتعلم أصولها ولا يعمل بها سوى عدد قليل جدا من الناس، لكن ذلك غير حقيقي بالطبع، يمكن لأي شخص أن يتعلم الفلسفة، الإنسان بطبعه كائن يتفلسف.

  

هناك طريقتان يمكن أن تبدأ من خلالهما تعلّم الفلسفة، الأولى تتعلق بالقراءة عن تاريخها، والذي يشمل استعراضا لحياة الفلاسفة، وأعمالهم، والظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بهم على مر تاريخ الفلسفة، وأفكارهم بالطبع، بداية مما كان قبل سقراط وصولا إلى اللحظة الحالية، وكنّا في تقرير سابق بعنوان "خمسة كتب تقدم لك تاريخ الفلسفة" قد فتحنا الباب لهذا الجانب، الكتب الثلاثة الأولى في ذاك التقرير ستكون مناسبة جدا لكل مبتدئ يود التعلم عن تاريخ الفلسفة دون أي تعقيدات تُذكر.

  

مقدمات ملوّنة

لكن هانتر ميد، الفيلسوف الشهير من جامعة كاليفورنيا، كان يرى أن البداية مع تاريخ الفلسفة ليست مناسبة بما فيه الكفاية، فالأولى بالمبتدئ أن يتأمل المشكلات المعاصرة ويخوض فيها مباشرة، سيثير ذلك انتباهه بشكل أكبر، هذا التقرير سيقدم ثلاثة كتب مبسطة تشرح الفلسفة من تلك الوجهة، لكن قبل أن نبدأ بها دعنا نتعرض لكتابين من نوعية خاصة، لا يمكن وصفهما بأنهما تابعان للفئة الأولى أو الثانية لأن كلًّا منهما يهتم بصورة أكبر بالأفكار الفلسفية، لكنه يعرض تطورها عبر التاريخ.

   

  

الأول، وهو ما ننصح بأن تتأمله في أقرب فرصة، هو "أقدم لك.. الفلسفة"، لـ ديف روبنسون وجودي جروفز. الكتاب، كعادة سلسلة "أقدم لك"، هو مقدمة مصوّرة غاية في البساطة لتطور الأفكار الفلسفية على مدى تاريخ البشر، كل صفحة من الكتاب تحتوي على معلومة بسيطة مرفقة برسم أو صورة كاريكاتورية توضحها أو تنتقدها أو تناقشها بأي صورة، الكتاب قصير جدا ويمكن الانتهاء منه في ليالٍ معدودة مع بعض التركيز والجدية.

  

أما كتاب "The Philosophy Book: Big Ideas Simply Explained" فهو موسوعة ممتعة تشرح الأفكار الفلسفية بصورة غاية في البساطة، لكن أكثر ما يميزها هو الاستخدام المبدع للأشكال وصيغة الإنفوجراف في شرح المفاهيم الفلسفية، كذلك فإن الكتاب مصمم، عبر الألوان الممتعة والصور وطريقة التنسيق، لجذب القارئ المبتدئ ودفعه للاستمرار في القراءة رغم برود بعض الاصطلاحات، يناسب الكتاب الكبار والمراهقين كذلك، ويفتح لهم بابا أوسع للمضي قدما في هذا المجال الممتع.

 

ماذا لو كانت كل حياتك خدعة كبيرة؟

حسنا، إن كتابا جيدا يقدم الفلسفة بصورة سهلة لا بد وأن يمثل دعوة للتفلسف. نعم، سوف يكون من الجيد أن تتعرف إلى المدارس الفلسفية الأساسية وأفكارها ونقدها، لكن الأفضل هو أن تبدأ بممارسة اللعبة نفسها قبل التعرف إلى أعماقها، في تلك النقطة يقترح الكاتب أن تبدأ مع جوليان باجيني وكتابه الرائع "تربيع الدائرة"، الذي يضم 100 تجربة فكرية تستثير عقلك للتساؤل عن أشياء ربما بدت بديهية بالنسبة لك يوما ما.

     

   

كل تجربة منها هي قصة صغيرة يركز السيناريو الخاص بها على جانب من مشكلة فلسفية كبيرة، فيبدأ كتابه مثلا بأن يسألك: "ماذا لو كانت كل حياتك خدعة كبيرة عمل الشيطان على إحكامها بدقة شديدة بحيث لا تتمكن من اكتشافها؟"، ينطلق باجيني من هنا ليسأل: هل هناك ما يمكن أن ينفي صحة تلك الفكرة؟ هل هناك شيء غير قابل للشك مهما بدا بديهيا؟ من تلك النقطة يظهر ديكارت وهو يسأل: إذا كان كل شيء، إذن، قابلا للشك، فهناك شيء واحد يمكن أن أثق به، وهي قدرته الشخصية على التفكير بعقلانية، يصل بك باجيني في النهاية إلى: "أنا أفكر إذن أنا موجود".

 

هل ترى ذلك؟ في كل تجربة فكرية يلعب باجيني بالطريقة البارعة نفسها لاجتذابك كي تتساءل مثله عن المعضلات الأساسية في جوانب فلسفة العقل، والمعرفة، والأخلاق والقيم، إلخ، لكنه لا يهتم بتقديم هذه المعضلات تحت عناوين جامدة كأنك في فصل دراسي، بل يدفعك دفعا لتصل أنت إلى تلك المعضلات كنتيجة لتجارب فكرية تنبع من مواقف نتعرض لها في حياتنا اليومية، فمثلا يحصل ريتشارد على 10 آلاف جنيه بالخطأ من آلة البنك، ما الذي يجعله بحاجة إلى إعادة النقود إذا تأكدنا تماما أن لا أحد رآه ثم إن البنك لم يعلن عن العجز خشية أن تتلوث سمعته؟

    

    

بالطريقة الممتعة نفسها جدا واللافتة للانتباه يدخل للقائمة كتاب آخر ممتع يقدم الفلسفة بطريقة غاية في البساطة، وهو "50 فكرة يجب أن تعرفها عن الفلسفة" لـ بن دوبريه، صدرت للكتاب نسخة مترجمة إلى اللغة العربية مؤخرا، لكن كاتب التقرير يعرف النسخة الإنجليزية فقط، لذلك لن يتمكن من الحكم على جودة الترجمة، بالنسبة لـ "تربيع الدائرة" فهي، على الرغم من بعض البرود، سهلة وممكنة لقارئ مبتدئ، تساعدها سلاسة لغة المؤلف نفسه وتجنبه للاصطلاحات المعقدة تماما.

 

"50 فكرة يجب أن تعرفها عن الفلسفة" هو جزء من سلسلة تتعمد التبسيط، وتفتح الباب للمبتدئين، من سن المراهقة حتّى الشباب، كي يتأملوا هذا المجال الذي يبدو للوهلة الأولى معقدا، لكنه -كأي شيء نظري ومجرد- يصبح أكثر سلاسة حينما يتحول إلى تجارب فكرية حياتية، يبدأ دوبريه بسؤال بسيط: ماذا لو أننا تمكننا -بطريقة ما- من تخدير أحدهم، ثم نزع دماغه، ووضعه في وعاء مملوء بالمغذيات العصبية، ثم توصيله بأجهزة إلكترونية تعطيه انطباعا بأن كل شيء كما كان تماما لم يتغير؟

     

   

في تلك النقطة قد تجيب بـ "لا، هذا مستحيل"، لكن الدماغ في الوعاء كان ليقول ذلك أيضا، أنت وهذا الدماغ لا تختلفان كثيرا، فكلاكما يتحسس الواقع من حوله عبر وصلات، من تلك النقطة يبدأ دوبريه بسحبك تدريجيا إلى عالم الأفكار الفلسفية، ويستعرض خط السير التاريخي لكل الموضوعات المتعلقة بوجهة النظر الشكوكية والتي تقول إن العالم ليس كما يبدو، وهكذا يستخدم الكاتب مدخلا مناسبا في كل مرة، لينتقل بك من مجرد التفكير في لغز بسيط وممتع إلى عالم الفلسفة السخي.

   

الفلسفة للطلبة

"تربيع الدائرة" و"50 فكرة يجب أن تعرفها عن الفلسفة" هما فرصة جيدة جدا للبدء مع الفلسفة، يمكن بعدهما أن تنتقل إلى مرحلة أكثر صلابة، هناك في الحقيقة الكثير من المقترحات في هذا الجانب، لكن كاتب التقرير يفضّل أن تلقي نظرة على أحد أشهر الكتب في هذا المجال، وهو كتاب "الفلسفة.. أنواعها ومشكلاتها" للفيلسوف الأميركي "هانتر ميد"، الكتاب موجه لطلبة السنين الأولى الجامعية الذين لم يتلقوا من قبل مساقا في الفلسفة.

    

  

الكتاب، بدرجة ما، بسيط. يصلح للمبتدئ، لكنه قفزة شاهقة لشخص بدأ مع المصادر السابقة، على الرغم من ذلك فإن السير فيه لن يكون عسيرا بقدر ما سيكون بطيئا فقط، لكن.. من يهتم؟ الهدف هو الاستمتاع بتعلّم الفلسفة وليس الحصول على جائزة نوبل في وقت قريب، لهذا السبب فإن هذا الكتاب وإن كان لا يمثل حالة التدريج التي يودها المبتدئ من الأسهل إلى الأصعب، لكن الأفضل بعد أن تتساءل وتبدأ بالاندهاش، مع الكتابين السابقين، هو أن تتعلم الفلسفة فورا.

  

ينتهج ميد خطة بسيطة وقوية، وهي السبب ربما في شهرة هذا الكتاب بين الطلبة، حيث يبدأ بفصل كامل يوضح فيه أهمية الفلسفة وحاجتنا إليها، ثم ينتقل إلى تحديد المشكلات التي تواجهها، كمشكلات الدين، ومشكلات حرية الإنسان، والأخلاق، ومنها ينطلق إلى هدف الفلسفة، ثم في الفصل الثاني ينتقل إلى حديث مهم عن علاقة الفلسفة بجيرانها وهما العلم والدين، هذان الفصلان هما -كما نرى- أحد أسرار روعة وأهمية هذا الكتاب، لأنهما -كبداية- يحيطان الفلسفة بسور، قد يكون غير واضح، لكنه مهم لكل مبتدئ. ببساطة، لأن أول شيء تود أن تعرفه عن الفلسفة هو: "ما الفلسفة؟"، وذلك سؤال صعب.

    

 

بعد ذلك ينتقل ميد مباشرة إلى موضوعات الفلسفة الأساسية، ومع البساطة والترجمة الجيدة تزداد روعة الكتاب بسبب خطة ميد التي تجعل منه كتابا دراسيا يضع الكثير من العناوين الجانبية التي تربط ما قبلها بما بعدها، في النهاية فإن كتاب ميد ليس كتابا بقدر ما هو كرّاسة طالب جامعي كان يلخّص بها محاضراته كي يستذكرها في نهاية العام الدراسي، تلك الكرّاسة التي يتهافت عليها الزملاء للحصول على ما بها من درر المحاضرات. ميد يجهزك لامتحان ما، لكنه امتحان غير موجود، أنت فقط سوف تشعر بذلك من طريقته، وذلك مهم، تلك القفزة من النصوص المبسطة المتسائلة إلى نصوص مدرسية الهيئة، على سهولتها، تؤهّلك فيما بعد للقراءة في الفلسفة بشكل أفضل (بالضبط كما فعلنا مع كتاب "تاريخ الفلسفة الحديثة" لويليام كيلي رايت في تقرير سابق).

 

بالطبع هناك الكثير من المصادر للبدء في الفلسفة، وكل فيلسوف، أو مهتم بالفلسفة، يرى أن تلك الكتب، أو هذه، هي مقدمة جيدة. لكن كاتب التقرير قد تعمد أن يبدأ بدعم قدراتك على التفلسف ثم ينتقل إلى الفلسفة مباشرة، كذلك فإن بعض الكتب المهمة والممتعة تواجه مشكلات قد لا تناسب بعض القرّاء، فمثلا "مباهج الفلسفة" لوول ديورانت، أو "مدخل إلى الفكر الفلسفي" لـ جوزيف بوخينسكي هي كتب جيدة كذلك لكنها إصدارات قديمة، أما كتابا "الفلسفة ببساطة" لبرندان ولسون و"مبادئ الفلسفة" لـ رابوبرت فقد كانت ترجماتهما صعبة بعض الشيء، مع صعوبة في أسلوب الكاتب كذلك.

  

الفلسفة مهمة، مهمة جدا في الحقيقة. في مرحلة ما من حياتك يجب أن تتعلم عنها بعض الشيء كما هو مهم أن تجرب لعبة الشطرنج أو أن تتزوج. سوف يؤثر ذلك بوضوح في الطريقة التي تتعامل بها مع العالم من حولك، ولندرة التقارير المكتوبة بالعربية والتي تتحدث عن مصادر رصينة في الفلسفة فسوف يهتم الكاتب بتغطية هذا المجال في أكثر من تقرير، فقد بدأنا قبل عدة أشهر بـ "خمسة مساقات فلسفية مهمة لكنها غير مشهورة" ثم "خمسة كتب تقدم لك تاريخ الفلسفة" ثم هذا التقرير، والذي سنتبعه قريبا بآخر عن مساقات فلسفية للمبتدئين، وأخير عن "كيفية قراءة الفلسفة" وهو موضوع مهم ومشكلة كبيرة تشغل بال الكثير من القرّاء. في النهاية سنترك لك مجموعة من خمسة تقارير ستكون دائما داعما جيدا لك في رحلتك خلال تلك المادة الصعبة، والممتعة في آن.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار