انضم إلينا
اغلاق
كيف تعزز الليبرالية خلافات المجتمعات وتعجز عن حلها؟

كيف تعزز الليبرالية خلافات المجتمعات وتعجز عن حلها؟

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

فكّر كيف يجب أن يستجيب المرء لحالة اختلاف بسيطة، يرى فرانك طائرا في الحديقة، ويعتقد أنه حسّون. تقف جيتا بجواره، وترى الطائر نفسه لكنها واثقة من أنه دوري. ما الاستجابة التي يجب أن نتوقعها من فرانك وجيتا؟ إذا كان رد فرانك: "حسنا، لقد رأيت أنه كان حسّونا، لذا لا شك بأنك مخطئة"، فعندئذ سيكون موقفه عنادا بشكل غير عقلاني ومزعجا أيضا؛ وينطبق الأمر ذاته على جيتا إذا تصرفت بهذه الطريقة. بدلا من ذلك، يجب أن يقللا ثقتهما في حكمهما، إن السبب في ردة فعل تصالحية لهذا الخلاف غالبا ما ينعكس في المُثل العليا حول الانفتاح والتواضع الفكري، فعندما تتعلم السلطات اختلافاتها مع مواطنيها، فإن الشخص المتفتح الذهن والفطن المتواضع على استعداد للنظر في تغيير رأيه.

 

إن اختلافاتنا على المستوى المجتمعي أكثر تعقيدا بكثير، ويمكن أن تتطلب استجابة مختلفة. ينشأ أحد أشكال الخلاف المؤذية بشكل خاص عندما لا نختلف فقط حول الوقائع الفردية -كما هو الحال في حالة فرانك وجيتا- ولكن عندما نختلف أيضا حول الطريقة المُثلى لتشكيل المعتقدات حول تلك الحقائق، أي حول كيفية جمع وتقييم الأدلة بالطرق المناسبة. هنا يكمن الخلاف العميق، وهو الشكل الذي تتخذه معظم الخلافات الاجتماعية، إن فهم هذه الاختلافات لن يبعث على التفاؤل بشأن قدرتنا على إيجاد توافق في الآراء.

    

   

تأمل حالة من الخلاف العميق، حيث تعتقد آيمي أن الطب التجانسي* سيعالج الحمى الشائعة التي تعاني منها، أما بِن لا يوافقها الرأي. لكن لا يتوقف خلاف آيمي وبِن هنا؛ تعتقد آيمي أن هناك أدلة قوية على ادعائها، تستند إلى المبادئ الأساسية للطب التجانسي التي تدّعي أن المواد المسببة للأمراض الذائبة تقريبا في الماء يمكن أن تعالج الأمراض، وكذلك الشهادة التي حصلت عليها من مختصي الطب التجانسي (الأطباء) ذوي الخبرة الذين تثق بهم. يعتقد بِن أن أي تدخل طبي يجب اختباره في دراسات عشوائية مضبوطة، وأنه لا يمكن استخلاص أي استنتاجات سليمة من مبادئ الطب التجانسي، حيث إنها تظهر خاطئة من منظور مبادئ الفيزياء والكيمياء، ويعتقد أيضا أن العلاجات الناجحة التي يُعلن عنها من قِبل مختصي الطب التجانسي لا تقدم أي دليل دامغ على فعاليتها.

 

تتفهم آيمي كل هذا، ولكنها تعتقد أن ذلك يجسّد منظور بِن الطبيعي عن الطبيعة البشرية، وهو ما ترفضه. هناك أكثر مما يمكن للطب العلمي الغربي الإحاطة به في البشر وأمراضهم، إذ إنه يعتمد على المقاربات الاختزالية والمادية. في الواقع، إن تطبيق منظور علمي على المرض والشفاء من شأنه أن يشوّه الظروف ذاتها التي يعمل بها الطب التجانسي. من الصعب على بِن أن يتجاوز هذه النقطة: كيف يحاجج بِن بتفوق نهجه دون أن يظهر أن اعتراضه من قبيل افتراض النتيجة قبل السبب أمام آيمي؟ وينطبق الأمر ذاته عليها. بمجرد أن يتم الكشف عن بنية الخلاف بينهما، يبدو الأمر كما لو أنه لا توجد حجة أخرى يمكن لآيمي أو بِن الإتيان بها لإقناع الآخر لأنه لا توجد طريقة أو عملية لإجراء تقصٍّ يمكن أن يتفق عليه كلاهما؛ إنهما عالقان في خلاف عميق.

  

بعض خلافاتنا الاجتماعية الأكثر إثارة للقلق هي خلافات عميقة، أو على الأقل تشترك في بعض سمات الخلافات العميقة. أولئك الذين ينكرون التغيير المناخي بصدق يرفضون الطرق والأدلة ذات الصلة، ويشككون في سلطة المؤسسات العلمية التي تخبرنا بأن المناخ يتغير، أما المتشككون في المناخ فقد عزلوا أنفسهم عن أي دليل قد يكون مقنعا بعقلانية. يمكن للمرء أن يجد أنماطا مماثلة من انعدام الثقة الانتقائي في الأدلة العلمية والمؤسسات في الخلافات الاجتماعية حول سلامة اللقاحات والمحاصيل المعدلة وراثيا، وكذلك في نظريات المؤامرة التي تُعتبر حالات متطرفة من الخلافات العميقة.

 

إن الخلافات العميقة إلى حد ما لا يمكن حلها. ليس الأمر أن آيمي غير قادرة على اتّباع حجج بِن أو أنها لا تراعي الأدلة عموما. بدلا من ذلك، توجد لدى آيمي مجموعة من المعتقدات التي تعزلها عن نوع الأدلة الذي سيكون حاسما في إظهار خطئها. لا يمكن لأي جزء من الحجة أو المنطق الذي يقدمه بِن بإخلاص إلى آيمي أن يقنعها بعقلانية. ماذا يجب أن يكون ردهم؟ هل يجب عليهم أن يتعاملوا مع الاختلاف بالتواضع الفكري نفسه بين فرانك وجيتا اللذين يتعاملان بعقلانية رغم أنهما يختلفان كدليل على ارتكاب أحدهما خطأ ما؟

    

   

لا يوجد لدى بِن سبب يدعو للاعتقاد بأن خلافه مع آيمي يشير إلى أنه ارتكب خطأ مماثلا للخلط بين طائريْ الحسّون والدوري في النهاية. وحقيقة أن آيمي تثق في الطب التجانسي ليس من الأسباب التي تجعل بِن يعتقد أن اعتماده على المبادئ العامة للعلوم الطبيعية أمر مضلل. لماذا يجب أن تكون حقيقة دعم آيمي هذه المبادئ الغريبة هي سبب للاعتقاد بأن النهج الطبيعي غير كافٍ أو مخطئ؟ إذا كان هذا صحيحا، فعندئذ على خلاف حال فرانك وجيتا، لا ينبغي أن يفرض الخلاف على بِن -بطريقة عقلانية- تغيير رأيه؛ قد يكون الأمر نفسه صحيحا بالنسبة إلى آيمي.

 

هذه نتيجة مفاجئة، لقد اعتادت السلطات على الفكرة القائلة بأن استيعاب آراء المواطنين -الذين لا شك في ذكائهم وإخلاصهم- باحترام يتطلب قدرا من الاعتدال من جانبنا. وعلى ما يبدو لا يمكننا أن نحترم الآخرين تماما ونعتبرهم أذكياء ومخلصين بينما ما زلنا مقتنعين تماما بأننا على صواب وأنهم مخطئون تماما، إلا إذا اتفقنا ببساطة على عدم الاتفاق. لكن لا يمكننا فعل ذلك على المستوى المجتمعي لأنه يجب اتخاذ قرار في نهاية المطاف.

  

إن دراسة مدى عمق الخلافات ستُظهر مدى خطورة هذه القضية. لماذا لا نتفق مع الحقائق الصالحة والمعروفة عندما نعيش جميعا في العالم نفسه، لدينا تقريبا القدرات المعرفية نفسها، وفي العالم الغربي على الأقل يكون لمعظم الناس سهولة الوصول إلى المعلومات نفسها تقريبا؟

 

ذلك لأننا نستخدم معرفتنا لدعم المعتقدات الواقعية أو التزاماتنا بالقيم التي تشكّل محور هويتنا، ولا سيما في الحالات التي نشعر فيها بأن هويتنا مهددة. يجعلنا ذلك نبحث عن أدلة بطرق تدعم نظرتنا للعالم، ونتذكر الأدلة الداعمة بشكل أفضل ونكون أقل انتقادا لها. في غضون ذلك، يخضع الدليل المضاد للتدقيق النقدي الحاد أو يتم تجاهله تماما. وبالتالي يمكن أن تصبح المعتقدات الوقائعية علامات للهويات الثقافية: من خلال تأكيد اعتقادك بأن تغيّر المناخ مجرد أسطورة، فإنك تشير إلى ولائك لمجتمع أخلاقي وثقافي وأيديولوجي معين. قد يعود ذلك جزئيا إلى الديناميكية النفسية التي تقود الاستقطاب حول المناخ، وقد يكون للآليات المماثلة دور في الخلافات الاجتماعية المسيَّسة الأخرى.

   

   

يؤثر ذلك على كيفية تفاعلنا بشكل معقول مع الاختلاف المجتمعي حول الحقائق. إن تأكيد الحقائق ليس بالأمر البسيط؛ فهو في الغالب طريقة للإشارة إلى ولاء ديني أو أخلاقي أو سياسي أوسع. مما يصعِّب على السلطات أن تحترم تماما المواطنين عندما تختلف معهم على أمور واقعية.

 

وكما أشار الفيلسوف السياسي جون رولس في كتابه "الليبرالية السياسية" الصادر عام 1993، فإن المجتمع الليبرالي ينسحب إلى حد كبير من محاولة السيطرة على تدفق المعلومات وعقول مواطنيه. لذا لا بد أن تكون الخلافات واسعة الانتشار (على الرغم من أن رولس كان في آرائه خلافات دينية وأخلاقية وميتافيزيقية وليس خلافات واقعية). إن ما يثير القلق بشكل خاص حول بعض الخلافات الاجتماعية هو أنها تتعلق بمسائل واقعية قد يكون من المستحيل حلها تقريبا حيث لا توجد طريقة متفق عليها للقيام بذلك، وكل ذلك يتعلق بقرارات سياسية مهمة. بشكل عام، فإن التنظير حول الديمقراطية الليبرالية قد ركز بشكل كبير على الخلافات الأخلاقية والسياسية، بينما افترض ضمنا أنه لن يكون هناك خلافات واقعية مهمة للنظر فيها. لقد كان من المسلّم به أننا سنتفق في النهاية على الوقائع، وأن العمليات الديمقراطية ستتناول كيف ينبغي لنا أن نحكم في اختلافاتنا في القيم والأولويات. لكن هذا الافتراض لم يعد ملائما لو أنه كان كذلك في مضى.

------------------------------------------------

هوامش

*الطب التجانسي: ويطلق عليه المعالجة المثلية أو الهوميوباثي (Homeopathy)، وهو نظام علاجي وشكل من أشكال الطب البديل يستند إلى المبادئ التي صاغها صامويل هانيمان عام 1796. ويعتمد هذا العلاج على قانون أبقراط في الطب الذي ينص على أن المثل يعالج المثل. والمبدأ الأساسي فيه أن شفاء المرض يتم بواسطة عقاقير أثبتت أنها تنتج عند شخص سليم الأعراض نفسها.

-----------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

هذا التقرير مترجم عن: Aeon ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار