اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/11 الساعة 16:03 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/24 هـ

انضم إلينا
في مديح العزلة.. طريقك لمواجهة بؤس الحياة

في مديح العزلة.. طريقك لمواجهة بؤس الحياة

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة
الجُلُوس مع الأصدقاء على المقهى مساءً، نهار عملٍ شاق مع الزُملاء، ثم العودة للمنزل، هاتفٌ نقال تجول به عبر آلاف المنشورات والتغريدات والصُور وساعاتٌ تمر وتنقضي. ماذا تفعل حينها؟. تؤمل نفسك بتجديد سلوكياتك وتصرُفاتك، وتفتح آفاقًا جديدة لعلاقاتٍ اجتماعية واقتفاء درب السُعداء المُغيِّرين، ولكن لماذا لا تُفكر في الانعزال ولو لفترة قصيرة؟
  
تطرح جينيفير ستيت، طالبة الدراسات العليا في قسم تاريخ الفلسفة بجامعة ويسكونسن-ماديسون، في تقريرها رؤيةً جديدةً للعُزلة تنسف فيها كافة الاعتقادات الراسخة عنها في الوعي الجمعي، لاسيما تُهمة الانطواء والتقوقع، وكذلك أهمية العزلة لممارسة الفكر.

    

نص التقرير

وصف إدجار آلان بو، في عام 1840، "الطاقة المجنونة"، برجُلٍ عجوز يجوب شوارع لندن من الغسق إلى الفجر. إذ يمكن لهذا العجوز أن يستريح من يأسه الشديد عن طريق الانغماس في الحشود الصاخبة لسكان المدينة. وكتب بو "إنه يرفض أن يكون وحده، إنه نوع من الجريمة العميقة.. وإنه رجل الحشود".

      

الشاعر إدجار آلان بو

مواقع التواصل
    

أكد بو، مثل كثير من الفلاسفة والشعراء على مر التاريخ، على أهمية العزلة. اعتقد بو أنه من "سوء الحظ الشديد" أن يفقد المرء قدرته على البقاء وحده ومع نفسه، وأن يُقحَم في الحشود، وأن يتنازل عن خصوصيته الفردية لصالح المطابقة قليلة التفكير مع الجماعة. وبعد عقدين من الزمان، أسَرَت فكرة العزلة مُخيلة رالف والدو إمرسون بطريقة مختلفة قليلًا: فكتب مقتبسًا من فيثا غورث: "في الصباح، هناك العزلة..  تلك الطبيعة قد تتحدث إلى المخيلة، بطريقةٍ لا تفعلها مُطلقًا في وجود صحبة". شجع إمرسون المعلمين الحكماء لينصحوا طلابهم بأهمية قضاء "فترات في عزلة والمداومة عليها"، وهي العادات التي تجعل من "الفكرة التائهة الجادة" فكرة قابلة للتحقق.

   

رؤية حنا أرندت التفسيرية حول العُزلة

وفي القرن العشرين، شكّلت فكرة العزلة مركز الفكر لدى حنا أرندت. قضت أرندت، المهاجرة الألمانية اليهودية، التي هربت من النازية ووجدت في الولايات المتحدة ملجأً لها، معظم أوقات حياتها في دراسة العلاقة بين الفرد والمدينة. وقد رأت من وجهة نظرها أن الحرية مقيدة بكل من المجال الخاص (the vita contemplativa)، والمجال السياسي العام (the vita activa). وقد استوعبت أن الحرية انطوت على ما هو أكثر من القدرة البشرية على التصرف بعفويةٍ وبصورةٍ خلاقة أمام الجمهور. كما انطوت أيضًا على القدرة على التفكير والحكم في المجال الخاص، حيث تمكّنها العزلة من تأمُّل أفعالها وتطور وعيها، وتهرب من نشاز الجمهور، وأن تنصت في النهاية إلى نفسها. وفي عام 1961، فوضت مجلة النيويوركر الأمريكية أرندت لتغطي محاكمة أدولف آيخمان، ضابط وحدات النخبة النازية إس إس، الذي ساعد في تنسيق الهولوكوست.

    

فأرادت أرندت أن تعرف كيف لشخص أن يرتكب مثل هذه الشرور؟، من المؤكد أن لا أحد يمكنه المشاركة في المحرقة إلا إذا كان شخصًا شريرًا معتلًا اجتماعيًا. إلا أن أرندت تفاجأت من افتقار آيخمان إلى الخيال، ومن تقليديته التامة. إذ جادلت بأنه على الرغم من أن أفعال آيخمان تُصنَّف ضمن الأفعال الشريرة، كان آيخمان نفسه -أي الشخص- شخصًا "عاديًا ومألوفًا ولم يكن شيطانيًا ولا وحشيًا. فلم تظهر أي علامة لديه على وجود قناعات أيديولوجية راسخة". كما أرجعت فساده الأخلاقي -وقدرته، بل وحتى رغبته القوية، في ارتكاب الجرائم- إلى انعدام اكتراثه وغياب الفكر عن عقله. لذا فإن عدم القدرة على التوقف والتفكير هو ما أتاح لآيخمان المشاركة في هذا القتل الجماعي.

      

الفيلسوفة حنا أرندت (مواقع التواصل الإجتماعي)

   

وعلى نفس المسار الذي اتبعه بو، الذي ظنَّ أن شيئًا شريرًا تخفى في مكنون نفس رجل الحشود، أدركت أرندت أن "أي شخص لا يعرف أن التواصل الصامت (الذي نفحص من خلاله ما نقول وما نفعل) لن يبالي بالتناقض مع نفسه، ويعني هذا أنه لن يكون قادرًا أبدًا أو راغبًا في محاسبة نفسه على ما يقوله وما يفعله، ولم يمانع بارتكاب أي جريمة؛ نظرًا لأنه يعتمد على كونها تُنسى في اللحظة القادمة". تجنب آيخمان التأمل الذاتي السقراطي. وفشل في أن يعود إلى نفسه، وأن يصل إلى حالة العزلة. كما تجنب المجال الخاص (vita contemplativa)، ولذا فشل في الشروع في العملية الضرورية من طرح التساؤلات والإجابة عليها، والتي كانت ستسمح له بفحص معنى الأشياء، والتمييز بين الحقيقة والخيال، والحقيقة والكذب، والخير والشر.

      

كتبت أرندت "أن تعاني من الخطأ خير لك من أن ترتكب الخطأ؛ لأنك تستطيع أن تبقى صديقًا للشخص الذي يعاني. فمن سيرغب أن يكون صديقًا لقاتل او أن يحيا معه؟ وحتى أي قاتل آخر (سيرفض ذلك)". لا يعني هذا أن الرجال الذين لا يفكرون متوحشون، وأن الحزانى السائرين نيامًا في العالم سوف يرتكبون قريبًا جريمة قتل بدلًا من مواجهة أنفسهم في العزلة. فما أظهره آيخمان لأرندت هو أن المجتمع يمكن أن يؤدي وظيفته وعمله بحرية وديمقراطية فقط إذا كان يتكون من أشخاص منخرطين في نشاط التفكير؛ وهو النشاط الذي يتطلب العزلة. اعتقدت أرندت أن "العيش سويًا مع الآخرين يبدأ من العيش سويًا مع أنفسنا".

      

ولكن قد نطرح تساؤلًا يقول: ماذا إذا أصبحنا وحيدين في عزلتنا؟ أليس هناك خطر من أن نكون أفرادًا منعزلين، وأن ننقطع عن مسرّات الصداقة؟

     

طالما قدّم الفلاسفة تمييزًا هامًا وحريصًا بين العزلة والوحدة. ففي كتاب الجمهورية (380 قبل الميلاد)، قدَّم أفلاطون مثالًا، احتفى فيه سقراط بالفيلسوف المنعزل. ففي كهف أفلاطون، يهرب الفليسوف من ظلمة السرداب الكائن تحت الأرض -ومن صحبة البشر الآخرين- ويتجه نحو رحابة وضياء شمس التفكير التأملي. يصبح الفيلسوف، الذي يكون وحده وليس وحيدًا، منسجمًا مع ذاته الداخلية والعالم. وفي العزلة، يصبح الحوار الصامت "الذي تجريه الروح مع نفسها" أخيرًا مسموعًا.

     

الفيلسوف أفلاطون

مواقع التواصل
   

وتعريجًا على ما قاله أفلاطون، رصدت أرندت ما يلي "يعتبر التفكير، من الناحية الوجودية، شأنًا منعزلًا وليس وحيدًا، فالعزلة هي الموقف البشري الذي أُبقي فيه على صحبة نفسي. أما الوحدة فتأتي.. عندما أكون وحدي وبلا صحبة ولكني أرغب فيها ولا أستطيع أن أجدها". وفي العزلة، لم تتق أرندت مطلقًا إلى الصحبة أو الصداقة الحميمة لأنها لم تكن وحيدة حقًا. كانت ذاتها الداخلية صديقتها التي يمكنها أن تجري معها محادثة، وذلك الصوت الصامت الذي طرح السؤال السقراطي الهام: "ما الذي تعنيه عندما تقولين...؟"، وأعلنت أرندت أن الذات "هي الشخص الوحيد الذي لا يمكنك الابتعاد عنه، فيما عدا من خلال التوقف عن التفكير".

     

يستحق تحذير أرندت أن نتذكره في أوقاتنا الحالية. ففي عالمنا المفرط في التواصل، وهو عالم يمكننا أن نتواصل فيه باستمرار  وعلى الفور عبر الإنترنت، نادرًا ما نتذكر أن نختص أنفسنا بالتأمل منعزلين. إذ إننا نفحص بريدنا الإلكتروني مئات المرات يوميًا، ونرسل آلاف الرسائل النصية خلال الشهر، ويصيبنا هوس تحري تغريدات  تويتر، ومنشورات فيسبوك، وصور إنستغرام، ونؤلم أنفسنا بالاتصال في كل الأوقات سواء مع أقرب الأصدقاء أو حتى العلاقات العابرة على حد سواء. إننا نبحث عن أصدقاء الأصدقاء، وعلاقاتنا العاطفية السابقة، والأشخاص الذين نعرفهم بالكاد، والأشخاص الذين لا علاقة لهم بنا ولا علاقة لنا بهم. إننا نتوق باستمرار إلى الصحبة.

     

بيد أن أرندت تذكرنا بأننا إذا فقدنا قدرتنا على العزلة، وقدرتنا على أن نكون وحدنا مع أنفسنا، فإننا إذًا نفقد قدرتنا المباشرة على التفكير. ونخاطر بأن نحاصَر من الحشود. وتقول بأننا هكذا نخاطر بأن ننجرف "مع ما يفعله ويعتقده أي شخص آخر"، وألا نكون قادرين على التمييز، نظرًا لكوننا داخل كهف المطابقة الخالية من التفكير، بين الصواب والخطأ، والجمال والقبح". ليست العزلة مجرد حالة فكرية ضرورية لتطوير وعي الفرد -وضميره- وحسب، بل إنها أيضًا ممارسة تجهز الفرد للمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية. وقبل أن نكون قادرين على الإبقاء على صحبتنا مع الآخرين، يجب علينا أن نتعلم أن نُبقي على الصحبة مع أنفسنا.

   

نصل بك إلى استنباطٍ جديد نُنزِلها منزلة المُسلَّمات الحديثة، وهي أن العُزلة مرحلةٌ هامة أو طُورٌ خاص ليس للإنسان إلا أن يطأها، وتُصبِح قاطرةً تجهيزية لما ورائها من مراحل وأطوار،  لكي يستطع أن يُغيِّر حياته وينطلق نحو رؤىٍ يُغيّر بها رتابة حياته اليومية.  

_________________

      

هذا الموضوع مترجم عن "أيون"

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار