اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/30 الساعة 19:46 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/14 هـ

انضم إلينا
كيف تتحكم بالغضب؟.. "سينيكا" يقدم فلسفته لتسيطر على انفعالاتك

كيف تتحكم بالغضب؟.. "سينيكا" يقدم فلسفته لتسيطر على انفعالاتك

  • ض
  • ض
مقدّمة الترجمة

رأى الفلاسفة القدماء من المدرسة الرواقية الغضب على أنه جنون مؤقت، حيث يفقد المرء رشده في لحظة مفعمة بالمشاعر اللاعقلانية. في عصر تويتر والاختلافات الحادة على كل شيء من الحرب في سوريا إلى طريقة القيادة على الطرق السريعة، فإن تطبيق نصائح الرواقيين، والفيلسوف سينيكا، سيسمح بالسيطرة على الغضب.

 

نص التقرير

يغضب الناس للعديد من الأسباب، من الأسباب التافهة (سائق يعترض طريق أحدهم) إلى الأسباب الجدية جدا (الناس يموتون في سوريا ولا أحد يفعل أي شيء حيال ذلك). ولكن في الغالب يأتي الغضب لأسباب تافهة. لهذا، فإن جمعية علم النفس الأميركية لديها قسم في موقعها الإلكتروني مخصص "لإدارة الغضب". اللافت في الأمر أن هذه الصفحة تشبه إلى حد كبير إحدى أقدم الدراسات حول هذا الموضوع وهي "عن الغضب"، التي كتبها الفيلسوف الرواقي لوكيوس أنّايوس سينيكا في القرن الأول ميلادي!

 

اعتقد سينيكا أن الغضب هو جنون مؤقت، وأنه حتى عندما يكون مبررا، يجب ألا نتصرف أبدا على أساسه، لأنه في حين قد "تؤثّر الرذائل الأخرى على حكمتنا، فإن الغضب يؤثر على رشدنا، تأتي الرذائل الأخرى في نوبات خفيفة وقد تمضي دون أن يلاحظها أحد، ولكن عقول الرجال قد تغوص فجأة في الغضب. ...وشدّته لا تتناسب بأي حال من الأحوال مع سببه، فهو قد يصل إلى أعلى المستويات من أكثر البدايات تفاهة" يقول.

  

 عقول الرجال قد تغوص فجأة في الغضب، وشدّته لا تتناسب بأي حال من الأحوال مع سببه

مواقع التواصل 
 

إن البيئة الحديثة حيث إدارة الغضب ضرورية هي الإنترنت. إذا كان لديك حساب على تويتر أو فيسبوك، أو تقوم بالكتابة، والقراءة، والتعليق على المدوّنات، فأنت ستعرف ما المقصود هنا. إن الغضب على تويتر وصل إلى مستويات مرتفعة (أو متدنية، اعتمادا على وجهة نظرك) ليس أقله بفضل الرئيس الحالي للولايات المتحدة، دونالد ترمب.

 

أنا أكتب على المنتديات عبر الإنترنت، فهذا جزء من وظيفتي كمدرّس وواجبي كعضو في المجتمع البشري. وتميل المحادثات التي أُجريها مع أشخاص من جميع أنحاء العالم إلى أن تكون ودية ومفيدة للطرفين، ولكن في بعض الأحيان تتدهور هذه المحادثات وتتوتّر. مؤلف بارز اختلف معي مؤخرا حول أمر تقني لم يتردد بنعتي بعضو في "قسم الهراء"! كيف يمكن للمرء أن لا يشعر بالإهانة خاصة عندما لا تأتي من متصيّد مجهول، بل من شخص مشهور لديه أكثر من 200000 متابع؟ الجواب: من خلال تطبيق نصيحة فيلسوف آخر من الرواقيين، ابكتيتوس (الذي كان عبدا مملوكا قبل تحوّله إلى معلّم) من القرن الثاني، فكان قد نبه تلاميذه بهذه الطريقة: "تذكر أننا نحن الذين نعذّب أنفسنا، ونخلق صعوبات لها، أو هي آراؤنا التي تفعل ذلك (عند الغضب). فماذا يعني أن نتعرض للإهانة؟ قف بجانب صخرة وقم بإهانتها، ماذا سوف تنجز؟ لكن إذا شخص ما استجاب للإهانة مثلما قد تفعل الصخرة، فما الذي سوف يكتسبه المهين بنعوته؟".

 

بالطبع، يتطلّب الأمر الكثير من الوقت والممارسة ليصبح مثل الصخرة إزاء الإهانات. ماذا فعلتُ إذن مع الهجوم المذكور أعلاه؟ تصرّفتُ مثل الصخرة، فتجاهلته وركّزت طاقتي بدلا من ذلك على الإجابة عن أسئلة حقيقية من الآخرين، وبذل قصارى جهدي لإشراكهم في محادثات بناءة. ونتيجة لذلك فإن المؤلف البارز كما قيل لي غضب أكثر وأكثر، فيما حافظتُ أنا على صفائي.

  

 

الآن، يقول بعض الناس إن الغضب هو الاستجابة الصحيحة لظروف معينة، مثلا كرد فعل على الظلم، وأن الغضب -المعتدل- يمكن أن يكون قوة دافعة إلى العمل. لكن سينيكا قد يردّ بأن الحديث عن الغضب المعتدل هو من ضروب المستحيلات، ببساطة لا يوجد شيء من هذا القبيل في هذا العالم. أما بالنسبة إلى الدافع إلى العمل، فإن موقف الرواقيين هو أننا نُدفع إلى العمل من خلال المشاعر الإيجابية، مثل الشعور بالسخط عندما نشهد ظلما، أو الرغبة في جعل العالم مكانا أفضل للجميع. الغضب ليس ضروريا على الإطلاق بنظرهم، وفي الواقع فهو غالبا ما يكون عقبة في الطريق.

 

قدّمت الفيلسوفة مارثا نوسباوم مثالا حديثا مشهورا على ذلك في مقالها عن نيلسون مانديلا في موقع آيون. كما تروي القصة، عندما أُرسل مانديلا إلى السجن -لمدة 27 عاما- من قِبَل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، كان في غاية الغضب ولأسباب وجيهة جدا، لم يكن قد تعرَّض لظلم خطير ارتُكب ضده شخصيا فحسب، بل كان الظلم هذا يطال كامل شعبه. ومع ذلك، أدرك مانديلا في مرحلة ما أن تغذية غضبه، والإصرار على التفكير في خصومه السياسيين كوحوش لا بشريين، لن يؤدي إلى أي نتيجة. كان بحاجة إلى التغلب على تلك العاطفة المدمرة، للوصول إلى الجانب الآخر، لبناء الثقة، إن لم يكن الصداقة. فصادق مانديلا حارسه الخاص، وفي النهاية أثبتت رهاناته صوابها، فلقد تمكن من الإشراف على تحقيق تحوّل سلمي إلى مجتمع أفضل، مما يعتبر حدثا نادرا جدا في التاريخ.

 

ومن المثير للاهتمام أن إحدى اللحظات المحورية في تحوله جاءت عندما قام أحد زملائه السجناء بتهريب نسخة من كتاب لفيلسوف رواقي آخر إلى السجن، والكتاب هو تأملات ماركوس أوريليوس. رأى ماركوس أنه إذا كان الناس يرتكبون أخطاء، فما عليك فعله هو "هدايتهم وإرشادهم دون أن تكون غاضبا". وهو بالضبط ما فعله مانديلا بنجاعة.

  

نيلسون مانديلا، سياسي مناهض لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، شغل منصب رئيس جنوب إفريقيا 1994-1999 (رويترز)

 

ما يلي إذا هو دليلي لإدارة الغضب مستوحى من نصائح الرواقيين وخاصة سينيكا:

  • تأمّل وقائيا: فكّر في المواقف التي تسبب لك الغضب، وقرّر في وقت مبكر كيفية التعامل معها.
  • احتوِ الغضب بمجرد أن تشعر بأعراضه. لا تنتظر، وإلّا فإنك سوف تدعه يخرج عن نطاق السيطرة.
  • عاشر أشخاصا هادئين، قدر الإمكان، وتجنب الأناس العصبيين أو سريعي الغضب، فالمزاج مُعدٍ.
  • تعلّم العزف على آلة موسيقية، أو أي نشاط يريح عقلك، فالعقل المسترخي لا يغضب.
  • ابحث عن البيئات ذات الألوان المريحة، لا المزعجة، فضبط البيئة الخارجية في الواقع له تأثير كبير على مزاجنا.
  • لا تشارك في المناقشات عندما تكون متعبا، فستكون أكثر عرضة للاستثارة، والذي يمكن أن يتحول بدوره إلى غضب.
  • لا تبدأ المناقشات عندما تشعر بالعطش أو الجوع، للسبب نفسه.
  • تبنّ الفكاهة الساخرة من الذات، سلاحنا الرئيسي ضد عدم القدرة على التنبؤ بالكون، وقسوة بعض إخواننا من البشر.
  • أبعد نفسك إدراكيا -ما يسميه سينيكا بتأخير الردّ- عن طريق المشي أو الذهاب إلى الحمام، أو القيام بأي شيء يسمح لك بالاسترخاء بعيدا عن موقف متوتر.
  • غيّر جسمك لتغيير رأيك، قم عمدا بإبطاء خطواتك، وخفض نبرة صوتك، وفرض السلوك الهادئ على جسمك.

 

قبل كل شيء، كن محسنا تجاه الآخرين دائما كطريقك نحو حياة جيدة. إن نصيحة سينيكا بشأن الغضب قد صمدت أمام اختبار الزمن، وهناك فائدة لنا جميعا في اتّباعها.

_______________________

 

مترجم عن "أيون"

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار