هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
ما "معنى الحياة"؟.. سؤال يجيبه الدين وتعجز عنه الفلسفة

ما "معنى الحياة"؟.. سؤال يجيبه الدين وتعجز عنه الفلسفة

نايجل واربرتون

فيلسوف بريطاني
  • ض
  • ض
الفلاسفة يتأملون كثيرا في معنى الحياة، على الأقل هذا ما تقوله الصورة النمطية عنهم. عندما أجازف بالاعتراف إلى شخص غريب بأن مهنتي هي تدريس الفلسفة فيقوم بسؤالي: "ما معنى الحياة؟"، فإنه دائما ما يكون لديّ إجابة جاهزة، فأقول: لقد اكتشفنا ذلك في ثمانينيات القرن الماضي، لكن علينا أن نبقيه سرا وإلا سوف ينقطع رزقنا! أو أستطيع أن أقول لك، ولكن بعد ذلك يجب أن أقتلك! في الواقع، نادرا ما يطرح الفلاسفة الحقيقيون هذا السؤال، وعندما يفعلون ذلك، فإنهم غالبا ما يرفضون الإجابة عنه فورا ويقولون إنه سؤال غير منطقي.

   

العبارة نفسها، أي معنى الحياة، هي حديثة نسبيا، حيث يظهر أول استخدام لها في اللغة الإنجليزية في رواية توماس كارلايل "سارتور ريزارتوس" (1836) الساخرة. في الرواية، ينطق العبارة الفيلسوف الألماني الهزلي "ديوجينيس تويفلدروخ" التي تعني روث الشيطان. إن مسألة معنى الحياة سهل السخرية منها ولكنها تظل غامضة تماما.

  

فما معنى كلمة "المعنى" في عبارة "معنى الحياة"؟ عادة هذه الكلمة هي عن معنى الكلمات، أو المعنى اللغوي، في الكلام أو الكتابة. لكن عندما نسأل ما إذا كان للحياة البشرية معنى، هل نسأل عما إذا كان لها هذا المعنى الدلالي؟ هل يمكن أن يكون التاريخ البشري عبارة عن جملة في لغة كونية؟ الجواب هو أن هذا ممكن، من حيث المبدأ، ولكن ليس هذا ما نقصده عندما نبحث عن معنى الحياة. إذا كنا بضعة من الكلمات في نصوص كونية، فسيكون من المثير للاهتمام أن نعرف معناها، لكن الجواب لن يكون له فحوى حقيقي لنا، بما يليق بمعنى الحياة.

      

    

قد يعني "المعنى" الغاية أو الدور في نظام أكبر. هل يمكن للحياة البشرية أن تلعب هذا الدور؟ مرة أخرى، هذا ممكن، ولكن مرة أخرى، يبدو هذا غير ذي صلة هنا. في سلسلة كتب "هيتشهايكير" الخيالية لدوغلاس آدمز، نكتشف أن الأرض هي جزء من كمبيوتر كوني، صُمّم (يا للسخرية) لكشف معنى الحياة. فمهما كان هذا المعنى، فإن دورنا في برنامج الكمبيوتر ليس هذا هو المعنى. أي إننا إذا اكتشفنا أننا جزء من آلة كونية فهذا لا يماثل اكتشاف معنى الحياة وهذا لن يشفينا من أمراضنا الوجودية.

   

بالنظر إلى عدم وجود طريقة أخرى لتفسير السؤال، يستنتج العديد من الفلاسفة أن السؤال بحد ذاته متهافت. فهم عندما يتكلمون عن وجود معنى في الحياة، فإنهم يقصدون معنى الحياة الفردية، أي مسألة ما إذا كانت هذه الحياة أو تلك ذات معنى بالنسبة إلى الشخص الذي يعيشها. لكن معنى الحياة في المطلق ليس مسألة فردية. إذا كان للحياة معنى فهذا المعنى ينطبق علينا جميعا. لكن هل هذه الفكرة منطقية؟

   

أعتقد أنها كذلك. يمكننا أن نحرز تقدما إذا تحولنا بعيدا عن الكلمات التي تشكل هذا السؤال -كلمة "معنى" على وجه الخصوص- إلى السياقات التي نشعر معها بأننا مجبرون على طرح هذا السؤال. فنحن نطرح سؤال "هل للحياة معنى؟" في أوقات المعاناة، أو اليأس، أو الشعور بالفراغ الروحي. ونسأل هذا السؤال عندما نواجه الموت وفقدان الأحبة، ورؤية المعاناة والظلم، ووقائع الحياة التي تصدمنا والتي لا يمكننا قبولها. إن الحياة تبدو مختلّة بعمق. فهل هناك معنى لكل ذلك؟

     

  

من الناحية التاريخية، أصبحت مسألة معنى الحياة محور الاهتمام من خلال قلق الفلاسفة الوجوديين الأوائل مثل سورين كيركيغارد وفريدريك نيتشه، الذين كانوا قلقين من عدم وجود أي معنى لها.

   

بناء على التفسير الذي يُوحي به هذا السياق، فإن معنى الحياة يجب أن يكون حقيقة جوهرية عن العالم تستطيع أن تفسّر من خلالها حتى أسوأ الأمور بشكل مقبول. سيكون شيئا يمكن لنا أن نعرفه عن الحياة، والكون وكل شيء، ويجب أن يعطينا بعض الاطمئنان عن أمور مثل الموت والخسارة والمعاناة والظلم. إن معرفة مثل هذه الحقيقة سوف تجعله من غير العقلاني أن لا نحب الحياة كما هي بعدها، وأن لا نقبل الأشياء كما هي. وسوف تظهر لنا أن أمورا مثل اليأس، أو القلق، أو القنوط هي ردّات فعل خاطئة.

  

فكرة أن الحياة لها معنى هي فكرة أن هناك حقيقة وراءها من نوع غير عادي. سواء كان ذلك صحيحا أم لا، فإن الفكرة هذه ليست لغوا. إنها تعكس الأمل الذي تحتوي عليه كل الأديان الرئيسية. بغض النظر عن محتوى هذه الأديان، فإنها تقدّم صورا ميتافيزيقية يعطي قبولها للمرء أملا بالخلاص، وقبولا للعلل والشرور الظاهر في الحياة. حتى لو لم تقدّم الأديان الحقيقة، وتدعي أن لديها معنى الحياة، فإنها تعكس الاقتناع بأنه هناك حقيقة ومعنى، مهما كان من الصعب فهمها أو التعبير عنها.

    

قد يكون معنى الحياة متعلّقا بالله أو بالآلهة، وقد يكون غير إلهي، كما هو الحال في بعض مذاهب البوذية. لكن ما يميز التأمل البوذي من التأمّل الذهني الذي يسعى إلى إزالة الإجهاد والتوتر هو أن الأول يهدف إلى إنهاء المعاناة من خلال الاستكشاف الميتافيزيقي، فمن المفترض أن تنبثق السكينة والسلوان في البوذية من إدراك طبيعة الأمور -على وجه الخصوص، إدراك عدم أهميّة الذات- وهي خلاصة مؤثّرة عاطفيا.

       

   

لكن أن تتصالح مع طبيعة الحياة من خلال التأمل والصفاء، أو من خلال العلاج النفسي، لا يعني اكتشاف معنى الحياة، لأنه لا يقصد اكتشاف أي حقيقة من هذا النوع. كتب ألبرت أينشتاين مرّة أنه لمعرفة الإجابة عن سؤال "ما معنى الحياة البشرية؟" عليك أن تكون متدينا. ولكن من حيث المبدأ هناك مساحة لسرديات غير دينية حول معنى الحياة، سرديات لا تستدعي أي شيء من خارج العالم كما كشفه لنا العلم. الدين ليس لديه احتكار للمعنى، حتى لو كان من الصعب أن نرى كيف يمكن لحقيقة غير مطلقة أن تناسب تعريفنا، أي إن معرفة معنى الحياة هي فهم كل ما هو غير سليم في العالم. في الوقت نفسه، من الصعب إثبات أي طرح نافٍ (أي إثبات عدم وجود شيء مثلا) لإثبات أن لا شيء سوى الدين يمكنه أن يلعب هذا الدور.

     

يميل الفلاسفة إلى رؤية التهافت في سؤال "ما معنى الحياة؟"، فاستبدلوه بأسئلة حول "حياة ذات معنى". لكن البحث عن معنى الحياة لن يختفي، وهو مفهوم عقلاني بالفعل. لا أستطيع أن أقول لك معنى الحياة وإعطاء ضمانات بأنه يوجد هناك معنى، لكن يمكنني القول إنه ليس من الخطأ طرح هذا السؤال. هل الحياة لها معنى؟ الجواب هو: ربما.

     

------------------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

الرابط الأصلي

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار