اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/9 الساعة 14:22 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/26 هـ

انضم إلينا
ما الذي ينصحنا به الفلاسفة في الحب والعلاقات العاطفية؟

ما الذي ينصحنا به الفلاسفة في الحب والعلاقات العاطفية؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
  

في إحدى ليالي أثينا الحالمة، حضر فلاسفة وشعراء اليونان الأعظم مأدبة أعدها الشاعر أجاثون احتفالا بفوزه في مسابقة مسرحية في اليوم السابق. وبعد أن فرغوا من الطعام، تحداهم فايدروس أن يلقي كل منهم خطبة يصف فيها الحب ويثني عليه. ممتلئي البطون ونصف مخمورين، انطلق كل منهم في محاولة الإمساك بذلك الشعور الأثيري مُمثلا في إيروس إله الحب، وإعطائه جسدا من كلمات.
(1)

   

كان ذلك هو الإطار الذي دارت بداخله محاورات "المأدبة"، كتاب أفلاطون الذي تمحور خصيصا حول الحب. بطريقة أو بأخرى، لا يختلف ما فعله أفلاطون وأصدقاؤه في تلك الليلة عمّا نفعله نحن في جلساتنا الحميمة مع الأصدقاء، حيث نجد دائما أن للحب والعلاقات مكانها المحجوز في أي نقاش تقريبا. أحيانا، وبسرعة وبلا سابق إنذار، نجد أن ما قد بدء كفكاهة مرحة ونميمة غير مؤذية، سرعان ما استحال إلى أسئلة ثقيلة حول حياتنا العاطفية وعلاقتنا بمن نحب. ينتهي النقاش ويذهب كل إلى بيته، لكن داخل كل رأس ما زالت التساؤلات تدور.

   

لا تجيبنا الفلسفة بالضرورة عن تساؤلاتنا الأعمق، فطالما اتسمت بمراوغة لا مكان فيها لإجابات قاطعة، ولم تكن يوما لمن يبحثون عن إجابات جاهزة بلا عناء، لكنها تنير لنا مصابيح صغيرة نستطيع على ضوئها التفكير بوضوح أكبر، وتمنحنا في شكل الفلاسفة رفقة نستطيع معها البحث وراء ما يشغلنا دون أن نحس أننا وحيدون تماما.

   

ومنذ مأدبة أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد وحتى يومنا هذا، ولا جديد تحت شمس الحب. ما زال هو الشعور نفسه المُسكر والمؤلم في آن، والذي نغرق في عذوبته بعض الأيام وبالكاد ننجو من أعاصيره أياما أخرى. وبين هذا وذاك، نظل نتساءل، من أين جاء حبنا هذا؟ وهل نحن حقا نحب من نظن أننا نحب؟ هل سيستطيع حبنا البقاء طويلا وأن يبني يوما ما زواجا ناجحا؟

      

     

أسئلة ثقيلة وصعبة بالطبع، أليس كذلك؟ لندع إذن أصدقاءنا الفلاسفة يأخذون بيدنا ونحاول معهم البحث عن إجابات.

   

الحب ولد من جُرح

بين الخطب التي تلاها الشعراء والفلاسفة في وصف الحب بمأدبة أفلاطون، ظلت خطبة الشاعر أريستوفان الأكثر شاعرية وجمالا، وفيها حاول الشاعر الإجابة عن سؤال من أين جاءت حاجتنا إلى الآخر.

   

لم نكن دائما في هيئتنا الحالية حسب أريستوفان؛ ففي قديم الزمن، كان البشر يمتلكون رأسين، وأربع أذرع، وأربع سيقان، وضِعف قوة أي منا الآن. خائفا من قوتهم وتمردهم، أمسك زيوس سيفه وهوى على أجسادهم قاسما كلا منها إلى نصفين. ومنذ تلك اللحظة، كُتَب على كل منا أن يعيش معذبا إلى الأبد بحنين لا شفاء منه لنصفه الآخر.(2)

   

وإلى الآن، لا يزال الجرح الذي تركه سيف زيوس يلد أجسادا مبتورة وأرواحا تائهة. تهيم تلك الأرواح على وجهها في طرقات الحياة الوعرة بحثا عن نصفها الآخر، تمد أياديها للفضاء بحثا عن صداها الضائع، لتعود الأذرع بخواء وخيبة لا تزال الرغبة تحترق عند أطراف أصابعها. ربما لم يصف هذا الألم أفضل من الفيلسوف الفرنسي رولان بارت في كتابه "شذرات من خطاب في العشق" عندما كتب يقول: "الرغبة ملتهبة وأبدية، لكن لا تبلغ الأذرع المرتفعة أبدا الكمال المعبود".(3)

   

خاطت تلك الأرواح فوق الجرح غشاء رقيقا من العادية تغلف به مكان الحنين النازف لتندمج بسهولة في ابتذال اليومي والمعتاد، حتى يأتي ذلك الزمن السحري وتقابل من ضاع عنها في قديم الأزل. يصف أفلاطون تلك اللحظة على لسان أريستوفان ويقول: "اشتاق كل واحد لنصفه الآخر، فكانوا يطوقون بعضهم البعض، ينسجون ذواتهم معا، يرغبون في النمو معا".(4)

    

القبلة، إدوارد مانش

     

تتصدع الأرواح مجددا، لكن هذه المرة معا وإلى الأبد. تفتح كل ذات نفسها للأخرى لتصب نفسها فيها وتحويها، ثم تنغلق بعد اكتمال طقس الاكتمال، وحينها تفنى في المحبوب، يقول بارت عن هذا: "تتأتى نفحة التصدع من جرح، ومن انصهار أيضا. نفنى معا في الحب: إنه فناء علني، يتم الانصهار بمادة الأثير، إنه فناء سري في لَحْدٍ مشترك".(5)

   

وبعد أن صارت الأنا والآخر شيئا واحدا، تُكللنا هالات السعادة والفرحة بالاكتمال وتضعنا في فضاء بعيد كل ما فيه جميل. يتبدى لنا المحبوب حينها الكمال وقد تجسد بشرا، يمد لنا يده وينقذنا من انكساراتنا. لكن على حواف جنّتنا الشعورية، لا تزال الأسئلة تحوم، نحاول أن نحبسها بعيدا عنّا حتى لا تفيقنا من سُكرنا اللذيذ، لكن تأتي اللحظة إن عاجلا أم آجلا، ربما على هيئة جدالنا الأول، أو في شكل حادث تافه وصغير، ويظهر لنا المحبوب بشكل مختلف عن ذاك الذي رسمناه له في مخيلتنا، تأتي اللحظة ونقف ولا بد لنتساءل: ما الذي نحبه فيمن نحب؟ وهل يا ترى من الممكن أن نراه كما هو في الحقيقة غير معميين بسكرات العشق؟    

   

الجمال ينير المحبوب
عند الأب لوثيل، مانيه

       

في بُعد ما ورائي، يكمن عالم آخر مختلف كثيرا عن عالمنا الحالي، يطفو فيه أصل كل شيء في الوجود في كمال لا يُضاهى، وتتجسد القيم والمُثل والمشاعر وكل ما هو غير محسوس جنبا إلى جنب مع سائر الموجودات. هكذا وصف أفلاطون ما أسماه بعالم المُثُل، الذي لا يُعَد عالمنا المادي بالنسبة إليه سوى نسخة باهتة تشوبها الأخطاء.

    

عندما ألقى الجمال في عالم المُثُل بشيء من بهائه على عالمنا الأرضي، أخذ الكل يرى محبوبه كيانا مُكَمّلا لا تشوبه شائبة. يقول بارت: "يدرك الشخص العاشق الآخر بكليته ككل يبعث فيه رؤية جمالية: يمدحه لكونه كاملا، ويمجد ذاته لاختياره له كاملا".(6)

   

وهكذا، فطبقا لأفلاطون، لا يعدو حبنا لمن نحب كونه وسيلة للاقتراب أكثر قليلا من الجمال الكامل الواقع في عالم المُثُل. تكتب ماري لومنييه وأود لانسولان عن هذا في كتاب "الفلاسفة والحب" وتقولان: "يوضح لنا أفلاطون جليا لماذا يعد الجمال هو الهدف الأول لرغبتنا، فسقطنا من سماء الأفكار الطاهرة لمستنقع الحواس، ونسينا الأشكال التي أدركناها فيما مضى وسط خضم خلودها. وحده الجمال، حيث "التألق" هو ملمحه المتفرد، وهو ما يظل يبهرنا للأبد. ولهذا، فإن الروح في حضرة انعكاس هذا الجمال الذي يتجسد أحيانا على الأرض، تشبه آنذاك الجواد المجنح فتستثار وترغب في الطيران. حينها يُنتزَع العاشق من شقاء ماضيه. وقد كتب الشاعر الإنجليزي جون كيتس: "إن الجمال لمتعة أبدية".(7)

    

لكن رُغما عن كل شيء، يأتي الوقت لا محالة ونكتشف ملمحا ما فيمن نحب أبعد ما يكون عن الكمال. حينها، تبدأ أنوار الحب والجمال الباهرة في الانحسار قليلا عن رؤيتنا، لنرى المحبوب لأول مرة عاريا من هالات العشق التي كللناه بها. نأخذ خطوة للخلف، ونحاول أن نفهمه ونعرفه كما هو في الحقيقة لا كما نحب أن نراه. لكن، هل تلك المعرفة ممكنة أصلا؟   

 

هل تعرف حقا من تُحب؟
الحبيبان، رينيه ماجريت

        

في رأي عالم النفس الفرنسي "جاك لاكان"، فالإجابة هي لا قاطعة: هويتنا الحقيقية تبقى محبوسة للأبد خلف سجن الجسد الذي يظهر وحده للآخرين. فبينما يقضي كل منا وقته مع نفسه بشكل كامل داخل أفكاره متحدثا مع ذاته في حوار غير منطوق، لا يظهر للعالم من كل هذا سوى أشكالنا الخارجية التي قد لا تشي بالضرورة بمن نكون حقا. ولهذا، تبقى القاعدة هي كوننا غير مفهومين من قبل الآخرين، ما يصنع حاجزا حديديا يحول دوننا ودون التماهي تماما مع أحد، ويُبقي التواصل الحقيقي شيئا نفتقده في علاقاتنا الإنسانية. لكن المحبوب مُستثنى من كل هذا، أليس كذلك؟ (8)

   

لا يعتقد لاكان هذا. فوفقا لعالم النفس الفرنسي، نحن لا نرى أو نفهم حقا من نحب، بل نقوم بإلصاق خيالتنا عن "الحبيب المثالي" فوق جسد المحبوب ونقع في حب خيال اختلقناه لأنفسنا. تشرح لومنييه ولانسولان هذا على لسان الشاعر والفيلسوف الروماني "لوكريس" وتكتبان: "إن "المعبود" هو حبيب غير موجود. موضوع الحب ليس سوى عرض سمات تخيلية. وابتداء من تلك الذرات التي تخرج من مخلوق جذاب لترتطم بالعين المقابلة، يحكي المحب لنفسه حكاية، ويصنع إلهه، كائنا يعج بألف إغراء، بحيث تتلخص أمنياته في توافر تلك المغريات في الحبيب".(9)

      

 

      

يبدو الحب إذن مجالا محكوما بالأوهام وتشوش الرؤية، ولا يقتصر الوعي بهذا على الفلاسفة فقط، فهنالك مثل شعبي شهير يقول: "مرآة الحب عمياء". ومع عجز مرآة الحب عن عَكس المحبوب، ما الذي يقودنا إلى معرفة إذا ما كنا نحب الآخر حقا، لا تصورنا الشخصي عنه؟

    

الإجابة ليست صعبة، كل ما عليك فعله هو الانتظار وسيأتي المحبوب لا محالة بشيء تافه، شيء لا يناسب الكمال الذي أضفيته عليه، ويخرج حينها بالضرورة عن معجم الخيالات التي رأى لاكان أنك تلصقها به. حينها، ستبدأ عيوبه في التعري، والعيوب، كما يخبرنا الفيلسوف المعاصر سلافوي جيجيك، وحدها تخبرنا إذا كنا نحب من نحب صدقا أم لا.

     

يقول جيجيك: "لا يمكنك أبدا أن تقع في حب شخص كامل. لا بد من وجود شيء صغير مزعج فيه، وفقط عبر ملاحظتك لذلك الشيء يمكنك أن تقول: "بالرغم من ذلك العيب، ما زلت أحبه"". وفقا لجيجك إذن، وحدها العيوب تمثل برهانا قويا على صدق عاطفتنا، فكونك ترى من تحب يأتي بشيء لا تحب، ثم تقرر بعد هذا أنك ما زلت تحبه، لهو دليل جازم أنك تحبه هو نفسه وليس صورة مخادعة رسمتها عنه في خيالك.(10)

 

بعد أن تمر بمراحل الافتتان بالمحبوب، ثم الصدمة حيال عيوبه، ثم تجاوز تلك الصدمة وقبوله كما هو، ويمر ما يكفي من وقت تتأكدان فيه حقا من قوة ما يجمعكما، تبدآن بالتفكير في قضاء ما يبقى من حياتكما معا. يتحول الزواج هنا إلى خطوة لا بد منها. لكن، يظل السؤال: هل تضمنان أن يستمر حبكما إلى ما بعد الزواج؟ أو بمعنى آخر، هل يمكن أن يعيش الحب للأبد؟

   

إلى اللانهاية وما بعدها

وصلت درجة اعتراض الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه على فكرة الزواج القائم على الحب فقط حدا رأى معه ضرورة جعل الزواج تحت تأثير العشق فعلا خارجا على القانون. ولهذا، فإن كان حيا بيننا وتقدمنا إليه بالسؤالين السابقين لضحك ساخرا منا ورد بـ"لا" قوية تقلب تصوراتنا رأسا على عقب.

    

فوفقا للفيلسوف الألماني، الحب هو في النهاية شعور؛ والمشاعر، بجموحها وتقلباتها، لا تصلح لأن تكون أساسا نبني فوقه كيانا نتوقع استقراره للأبد. يقول نيتشه: "ينبغي أن يُمنع الإنسان وهو عاشق من اتخاذ قرار يكون ملزما له طوال حياته، ومن اختيار مرة واحدة وللأبد الشخص الذي سيحظى برفقته".(11)

   

مع هذا، لم يكن نيتشه ضد الزواج ككل، بل كان ضد دخولنا فيه وفي رأسنا تصور حالم عن حياة وردية يزين الحب تفاصيلها، فإن قام الزواج على هذا التصور، لن يعدو حينها كونه وهما نخدع به أنفسنا.

   

بورتريه السيد والسيدة، مانيه

      

لهذا، يرى الفيلسوف الألماني أنه من السخافة أن يَعد أي منا الآخر بشعور هو لا يتحكم فيه من الأصل. وحتى لا تأتي اللحظة التي نشعر فيها بأننا مخدوعون، سيكون علينا أن ندخل الزواج ونحن على وعي تام بأنه لا ما نشعر به تجاه الآخر ولا ما يشعر به الآخر تجاهنا يقع في حيز المضمون. وبناء عليه، اقترح نيتشه تغيير عهود الزواج لتصير: "طالما أحببتك، سأظل أقدم إليك أفعال الُمحبين؛ وإن كففت عن حبك، فستظل تتلقى مني الأفعال نفسها، لكن انطلاقا من دوافع أخرى".(12)

    

ولا يتخذ الزواج المثالي بحسب نيتشه مادته من مشاعر ملتهبة أو قبلات حارة، بل من شيء أهدأ وأبسط من كل هذا بكثير؛ إنه الأحاديث. فنحن نقضي معظم أوقاتنا مع الشريك في تبادل رؤانا وأفكارنا وخبراتنا عن طريق الكلمات، ما يجعل القدرة على التواصل هي الميزة الأهم التي على أي زواج ناجح أن يمتلكها. يطلب نيتشه لهذا من أي شخص مُقدم على الزواج أن يقف برهة ويسأل نفسه: "هل تعتقد أنك ستستمتع بالكلام مع ذاك الآخر حتى سنوات الشيخوخة؟".(13)

       

حبيبان يتحدثان، جيري بورسكي

      

هكذا ينحسر العشق المتأجج عن صورة نيتشه للزواج المثالي، وتأخذ مكانه الصداقة. تكتب مؤلفتا كتاب "الفلاسفة والحب" عن هذا وتقولان: "في الحب الذي يحمل عنوان الصداقة، تفسح تلك الرغبة المتبادلة بين اثنين المجال لتَطلُّع جديد، وتَعطُّش مشترك أرقى، لمثال يتخذ مكانا يعلو به الشريكان. هذا المثال يرتكز على أن يخلق للاثنين، من خلال الاحترام المشترك، واحدا يبتكره الاثنان، قد يكون طفلا أو أي هدف آخر مشترك يسمح بتحقق الطرفين. أما العاطفة، والجنس، وروعة الأيام الأولى، فكلها أشياء مؤقتة".(14) 

    

يقوم الزواج المثالي إذن على استمتاع الطرفين بأحاديثهما معا، وعلى خلقهما شيئا يجمع بينهما ويصبوان دائما إليه. ستحل أيام سيئة لا محالة، لكن يظل رباط الصداقة ضامنا على مضيها بسلام؛ وعندما تأتي الأيام الرائقة، سَيُعبّر الحب عن نفسه مجددا في شكل أكثر هدوءا. فسيشغل بعض الليالي، بعد أن انتهى العمل ونام الأطفال، أحاديث طويلة لا تقطعها سوى ضحكات مبتهجة بين الحين والآخر، وفكرة ستعبر رأس كل واحد وتقول: "كم أنا محظوظ"!   

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار