اغلاق
آخر تحديث: 2018/7/31 الساعة 16:03 (مكة المكرمة) الموافق 1439/11/19 هـ

انضم إلينا
"ديث باراد".. لعبة الحياة والموت

"ديث باراد".. لعبة الحياة والموت

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    

إذا كنت تظن أنه مجرد أنمي أو مسلسل رسوم يابانية متحركة، فأنت مخطئ، فالأمر لا يتعلق بقصة شيقة ومحبوكة، أو رسوم متقنة يتم تحريكها بهدف الإبهار البصري، فالأمر أكبر من ذلك بكثير، فقد تجد نفسك في بئر من الشك محاطا بظلام خواطرك، وقد تتغير حياتك إلى الأبد أو قد تصاب بهوس الاحتمالات متأرجحا على حبل رفيع بين الحياة والموت، حينها تصبح حياتك نفسها في خطر.

  

في عالمنا يموت يوميا ما يعادل 90.000 شخص تقريبا، بعضهم يذهب إلى النعيم وبعضهم يذهب إلى الجحيم، لكن البعض الآخر يصلون إلى "كوين ديكيم" بعد موتهم، وهي حانة يوجد فيها شخص غامض أبيض الشعر يُدعى ديكيم، ولأنهم لا يتذكرون أنهم ماتوا، يجعلهم ذلك الشخص يخوضون لعبة تكون فيها حياتهم على المحك فتنكشف طبيعتهم الحقيقيّة، ليتحدد بذلك مصيرهم.

  

ولأن اللاعبين قد ماتوا بالفعل قبل أن يصلوا إلى ذلك المكان الغامض، فهذه اللعبة لا تقرر حياة أو موت أي من اللاعبين، بل تعمد إلى القبض على أرواحهم وإخراج أشد الأفعال والأخلاق ظلمة داخلها، ومن ثم يستطيع المحكم "ديكيم" أو أي مُحَكّم آخر أن يرسل ذلك الشخص إما إلى النعيم، وإما إلى الجحيم.

  

 

هذه ليست خرافات، هذا هو مسلسل "death parade" أو موكب الموت، الذي يفترض أن النفس البشرية بعد الموت تُرسل إلى مكان غامض يسمى "كوين ديكيم" ويتم تحديد مصيرها، إما للنعيم أو للجحيم، بواسطة نظام تحكيمي يشرف عليه مخلوقات غير بشرية لكنهم يشبهون البشر في الشكل وتحكمهم قواعد ثلاثة هي: المحكِّم لا يمكنه التخلي عن الحُكْم، المحكم لا يمكنه تجربة الموت لأن الموت يجعله بشريا، المحكم لا يمتلك أي مشاعر بشرية لأنه مجرد دمية.

 

تدور أحداث الإنمي عبر 12 حلقة، في كل واحدة، قصة لشخصين مختلفين يصلون إلى هذا المكان الغامض "كوين ديكيم" ليتم تحديد مصيرهما، وهو مبني على قصة الفيلم القصير "Death Billiards" أو بلياردو الموت، ويدور حول عدة أسئلة بسيطة وهي: ماذا تعني الحياة؟ هل يمكن الحكم على البشر من خلال أسوأ حالاتهم؟ هل الطبيعة البشرية خيرة أم شريرة؟ هل كل البشر متشابهون؟ ما الغرض من الحياة والموت؟ لكن في سبيل تقديم إجابات أبحر المسلسل في مسالك أكثر تعقيدا بكثير.

  

ليست مجرد لعبة..

 

إذا كان أمر الموت كموضوع لمسلسل رسوم متحركة صادما لك فلا تستعجل، فهذا ليس مجرد أنمي، واللعبة التي يلعبها البشر داخل تلك الحانة ليست مجرد لعبة للهو والاستمتاع، بل هي أشد قسوة، وقد تجعلك تقفز من الإثارة أو تنفجر باكيا من الحزن. أما تلك الأسئلة البسيطة التي طرحها المسلسل عن معنى الحياة، وطبيعة النفس البشرية ومحاكمتها، فقد أخذته إلى غابة كثيفة من الرموز والفلسفات والتصورات الأسطورية والدينية، كأن المسلسل لكي يقدم فكرته، صُمم على ثلاثة مستويات، المستوى الأول هو التعرف على نظام المحاكمة بعد الموت، حيث يأتي اللاعبان بعد موتهما وهما فاقدان لأي ذكريات، ويتم تحليل تلك الذكريات والبيانات، ثم يتم إرسالها مسبقا للمُحَكّم كي يستخدمها لإصدار حكمه، وهناك تراتبية تحكم ذلك النظام، فهناك كبير المحكمين وهو أقرب مخلوق إلى الإله، وهناك بعد ذلك مشرفة برج المحكمين "نونا" وهي المسؤولة عن توزيع الأدوار وتعيين المحكمين، وأخيرا المُحَكّمين الذين يحرصون على وضع اللاعبين في ظروف قاسية لإخراج حقيقة أرواحهم. (1)

  

أما المستوى الثاني فيتعلق بالمُحَكّم نفسه، وهنا يدخل المسلسل إلى صلب القصة، حيث تقوم القصة على فتاة ذات شعر أسود لا تتذكر اسمها، لكنها البشرية الوحيدة التي تذكرت أنها قد ماتت فور وصولها إلى "كوين ديكيم" ولذلك لم يستطع المحكم "ديكيم" أن يقنعها أن تخوض أي لعبة لأنها تعلم إنها ميتة بالفعل، فقررت "نونا" مشرفة برج المحكمين أن تضعها كمساعدة للمُحَكّم "ديكيم" والذي ستجري عليه "نونا" تجربة حيث ستضع داخله بعض المشاعر الإنسانية، كي تختبر ماذا سيحدث خلال التحكيم، ومن هنا سيقوم الصراع بين تصور المحكم "ديكيم" لكيفية النظر إلى البشر ومحاكمتهم وبين تصور الفتاة التي ستعترض على النظام التحكيمي كله، بل ستزرع الشك في قلب "ديكيم ونونا" نفسهما بخصوص مدى عدالة الحكم على البشر. أما المستوى الثالث فكأنه تجربة اجتماعية وجودية لدراسة سلوك البشر وطبيعتهم، فحين تصبح حياة أحدهم على شفا الموت، تتبدل أفعاله، ويتحول الحب إلى كراهية، والمودة إلى جشع وحقد، ويتحول البشر إلى مسوخ مثيرة للشفقة. (2)

 

 فالبشر الذين يصلون إلى "كوين ديكيم" يُجبرون على اللعب، مهما مروا بظروف قاسية، وتعرضوا للألم، ومهما تعرض أحدهم للألم أو طلب من ديكيم أن يوقف اللعبة، يرد ديكيم أن عليهما إنهاء اللعبة، فيما يذكرنا بتجربة ملليجرام الاجتماعية الشهيرة، وخلال اللعبة تخرج من اللاعبين عدة مشاعر ما بين انتقام وغيرة وكراهية وجشع وتتفجر قضايا مثل العدالة والانتحار والعزلة وغيرها، أما القتل فقد أفرد المسلسل له عدة حلقات ليناقشه بشكل موسع، وكأن المسلسل يناقش قضايا اجتماعية بطريقة وجودية وفلسفية يتداخل فيها معنى الحياة ومعنى الموت بكل ما يتعلق بالإنسان من أسئلة.

      

   

لكن الأغرب أن في الحلقة قبل الأخيرة ستظهر صورة "كيرا" بطل مسلسل "death note" الشهير، لتعيد خلط وترتيب الأفكار التي قدمها الأنمي طوال عشر حلقات سابقة، وجدير بالذكر أن هذا الأنمي من إنتاج إستوديو "madhouse" وهو الإستوديو نفسه الذي أنتج مسلسل "death note".

 

المحاكمة بعد الموت

يبدو للوهلة الأولى أن فكرة المحاسبة في المسلسل تقوم على التصور البوذي للحساب بعد الموت، والذي يعتمد على مبدأ التناسخ وخلود الروح، وهو ما يخبر به المُحَكّم ديكيم الفتاة ذات الشعر الأسود، إن النعيم عبارة عن إعادة إرسال الروح للحياة في هيئة أخرى، أما الجحيم فهو إرسال النفس البشرية إلى الفراغ حيث يفنى الجسد ولا يتبقى غير الوعي المحمل بالألم والندم والخوف، وهو التصور الذي يستند بدوره إلى الديانة الهندوسية التي ترى بتناسخ الأرواح لكنها ترى بانفصال الروح عن الجسد عكس البوذية. (3)

  

 

لكن فكرة المحاكمة في المسلسل ليست مجرد عرض للتصور البوذي والهندوسي، فالمسلسل يحمل كثيرا من الرموز الفلسفية الأخرى والتي تتنوع بين البوذية والهندوسية واليونانية والرومانية القديمة، فالمُحَكّم "ديكيم" وهو النادل الذي يقرر مصير الأرواح البشرية، اسمه مأخوذ من آلهة الميثولوجيا الرومانية القديمة "Decima" والمعروف باسم "Lachesis" في الميثولوجيا اليونانية، وديكيما هذه عند الرومان القدماء لها أختان تسمى الأولى "Nona" وهو الاسم نفسه الذي تحمله مشرفة المحكمين في المسلسل. (3)

 

الأخت الأخرى فتسمى "Atropos" في الأساطير اليونانية وتسمى "Morta" في الأساطير الرومانية، وهي المسؤولة عن تقنيات الموت وكيفيته، وهي تتجسد في شخصية "Castra"، وهي شخصية أخرى في نظام التحكيم تعمل في معمل لمعالجة ذكريات البشر وتصنيفها ثم إرسالها إلى ديكيم لتساعده في تقرير مصير البشر.

   

 

 

أما رئيس ذلك النظام التحكيمي كله فهو أوكيولوس (Oculus) الذي يمتلك شعرا ولحية على هيئة زهرة اللوتس، ورمز زهرة اللوتس تظهر بأشكال متعددة في المسلسل، وتوجد في الأساطير اليونانية والبوذية والهندوسية والشنتوية. ففي أسطورة آكلي اللوتس، يذكر هوميروس في الأوديسّة أن أوديسيوس ورجاله، أثناء عودتهم من طروادة، فوجئوا بعواصف بحرية عاتية عطّلت رحلتهم لأيّام. ثم لاحت لهم من بعيد أرض جزيرة غريبة، فلما نزلوا فيها وجدوا عليها سكانا يسمون آكلي اللوتس وأعطوا لرجال أوديسيوس من فاكهة اللوتس، فلما أكلوها شعروا بالدوار ونسوا أمر سفينتهم، واضطر أوديسيوس أن يعيدهم للسفينة بالقوة. فزهرة اللوتس هنا رمز للنسيان، وهو ما يفعله أوكيولوس (Oculus) حيث يستخدم شعر رأسه ولحيته في قراءة الأفكار ومحو ذكريات أي شخص. (4)

 

في الديانة الهندوسية والبوذية، ترمز زهرة اللوتس إلى الخلود والنقاء والقداسة، ويمتلك أوكيلوس صفات الآلهة الهندوسية الثلاثة: براهما وفشنو وشيفا، وهي خلق النظام وحفظه والقدرة على المهاجمة والتدمير. كما يظهر رمز دائرة سمسارا في المسلسل بشكل متكرر، وهي دائرة توجد في عدة فلسفات وديانات شرقية، أشهرها البوذية، التي ترمز دائرة السمسارا فيها إلى تكرار الحياة والموت داخل مبدأ التناسخ. (5)

   

 

وعلى طول حلقات المسلسل تتكرر عديد من الرموز اليونانية والهندوسية والبوذية والشنتوية، لتعبر عن معاني الألم والمعاناة والخلود والتناسخ، مكونة لوحة فنية كثيفة الرموز، لكنها مخضبة بدماء المعاناة، التي تتناثر قطراتها الحمراء طوال الحلقات، عبر ما يواجهه اللاعبون من ألم تسببه تلك الألعاب القاسية والظروف الصعبة التي يمرون بها، وكلما زادت معاناتهم خلال اللعبة، تذكروا أجزاء من حياتهم، كيف تصرفوا، وماذا ارتكبوا من ذنوب وخطايا دفعتهم إلى ذلك المصير. فمهما كانت الرموز الدينية والفلسفية التي يقدمها المسلسل، فإن محصلة الأمر واحدة، الإنسان يحمل خطاياه معه بعد الموت. (6)

  

لا عدل إلا العدل الإلهي

"كل إنسان يحيا بما ارتكب من خطايا"

  

هكذا قالت "شوكي" الفتاة ذات الشعر الأسود، ففي الحلقة الرابعة من المسلسل، يجمع الموت بين أم مطلقة لديها أربعة أبناء وسيدة أعمال مشهورة قتلتها سكرتيرة مكتبها بعد أن عنفتها الأم ولطمتها على وجهها، وبين شاب قرر الانتحار بسبب الاكتئاب، وبعد إقناعهما بخوض اللعبة والتي كانت عبارة عن لعبة "video game" تحولت اللعبة البسيطة تحولا دراماتيكيا، فعندما شعرت السيدة أنها على وشك الخسارة، هجمت على الشاب وحطمت وجهه بشاشة الجهاز الذي يعرض اللعبة، وعندما فقد وعيه وغطى الدم وجهه، انهارت السيدة، حيث عادت لها ذكريات ما تعرضت له من معاناة وظلم وعنف في حياتها، لقد حولتها ظروف حياتها وما تعرضت له إلى مسخ، فها هي قد أهملت أبناءها واستخدمتهم لصالح شهرتها، وانتهى بها الحال مقتولة على يد فتاة تعمل في مكتبها، أما الشاب فعندما عاد له وعيه، تذكر أن حياته كانت بلا معنى، فقرر إنهاءها منتحرا. (7)

   

  

وظيفة اللعبة هنا هي أن تُظهر ظلام النفس البشرية كما يقول ديكيم وتؤكد نونا، لكن المسلسل يطرح سؤالا آخر، هل تصرفات البشر وهم على شفا الموت تمثل حقيقتهم؟ وهل يمكن الحكم على البشر بهذه الطريقة؟ في حالة السيدة والشاب حاول ديكيم احتضانهما معا وهما يبكيان ندما على ما أصابهما، لكن ماذا تفعل المواساة لمن حطمتهم الحياة فأصبحوا ضحايا في طرقات مصانعها أو معلقون على المشانق في ضواحي مدنها الحديثة؟ وانتهت الحلقة دون أن يظهر أي منهما سيذهب إلى التناسخ أو إلى العدم، كأن المؤلف عاجز عن وضع نهاية مناسبة أو إصدار حكم، لكن في الحلقة الأولى بدا الأمر مربكا للغاية، فالقصة التي بين زوجين حديثي الزواج، تحولت من حب وغيرة بسيطة إلى غيرة قاتلة أدت إلى موتهما معا في حادث سيارة.

 

وعندما بدأت لعبة ما بعد الموت، والتي كانت عبارة عن تصويب للسهام على لوحة تشبه دائرة السمسارا (لوحة تعبر عن التناسخ في الديانة البوذية)، مرسوم عليها أعضاء جسمهما بحيث كلما صوب أحدهما سهمه يشعر الآخر بألم في الموضع الذي صوب إليه الأول، هنا تصاعد الأمر إلى حرب ومنافسة بين زوجين يسعى كل منهما لتعذيب جسد الآخر، وبين الآلام والصرخات، تعود الذكريات، وتخرج الاعترافات، وينتهي الأمر بمذبحة بين الزوجين، يرسل ديكيم على أثرها الزوجة إلى العدم والزوج إلى التناسخ أي إلى الحياة بهيئة أخرى، لكن الفتاة ذات الشعر الأسود تبدي اعتراضها على حكم ديكيم، وتتصادم الرؤية البشرية هنا ومنذ البداية بالنظام التحكيمي القائم على وضع البشر بظروف قاسية لإخراج ما بداخل أرواحهم من ظلام. (8)

  

 

يظهر من الحوار بين الفتاة وديكيم أن المحكم ديكيم لم يفهم القضية بشكل جيد، برغم أنه لديه ذكريات الزوجين كاملة، لأن ديكيم لا يفهم المشاعر البشرية، وكيف تصبح مضللة في بعض الأحيان، وأن البشر ليسوا ملائكة ولا شياطين، بل كل منهم لديه جزء مظلم في روحه وجزء منير. هنا اكتشف المحكم أنه أخطأ في حكمه على الزوجين، ومنذ تلك اللحظة تصدع النظام التحكيمي بالكامل وظهرت شقوق جدرانه واضحة.

  

 أما عندما جاءت قصة السيدة والشاب، فقد تزلزل ذلك النظام بالكامل، لأنه بدون عدل إلهي مطلق وشامل يدرك جوهر الروح البشرية ويراعي منطق فعلها، لا فائدة من أي حكم يطلقه أي مخلوق. ويذهب الكاتب جايسون مورهيد في تعليقه على المسلسل إلى أن تصور خلاص الروح البشرية الذي يطرحه المسلسل تصطف ضد ما قدمه من نظام تحكيمي، "لأن العدالة الظاهرية المعتمدة على أفعال الإنسان غير كافية، بل إن خلاص الإنسان يعتمد على حكم سيادي من الله، يشمل العدل والرحمة معا". (9)

  

رقصة الحياة داخل دائرة الشر

"أنا لست نادمة على الأشياء التي قمت بها، أنا نادمة على الأشياء التي لم أفعلها حينما أتيحت لي الفرصة"

   

 

ماذا يفعل الندم بعد الموت؟ لقد تمنى الشاب المنتحر أن ينادي أمه بلقب "أمي" ولو لمرة، أن يمنحها ذلك الشعور فقط قبل أن يموت، أما السيدة المقتولة فقد بكت تستجدي "ديكيم" أن يعيدها للحياة مرة أخرى، فهي لم تأخذ فرصتها كاملة، حين تزوجت كان زوجها يضربها دائما حتى كسر ضلوعها ثم تركها وحيدة مع أطفالها تواجه الحياة، ماذا كانت ستفعل؟، لكن المسلسل يصل إلى ذروته مع الحلقات الأخيرة والتي تحكي قصة شاب ومحقق، جمعهما الموت، وأثناء اللعب يتذكر الفتى أنه يجب أن يخرج كي يقتل شخصا ما انتقاما لأخته التي اغتصبها ذلك الشخص، أما الرجل فيتذكر أنه محقق، وأن زوجته قتلها أحد المجرمين أيضا، ويريد أن يخرج لينتقم لها.

  

ومع مواصلة اللعب، يتذكر كل منهما أنه نفذ انتقامه بالفعل، ثم يكتشفان أن الشخص الذي اغتصب شقيقة الفتى هو نفسه الذي قتل زوجة المحقق، لكن الأغرب أن الفتى قد قتل المحقق أيضا. تتوالى صور الذكريات ويبدو أن المحقق تورط في قضية شقيقة الفتى بشكل من الأشكال، فبحكم كونه محققا قام بمراقبة الشخص المغتصب ورآه وهو يغتصب شقيقة الفتى لكنه لم يوقفه، وعندما أخبرت الفتاة شقيقها أن هناك شخصا آخر اكتفى بالمراقبة، ذهب الفتى إلى منزل ذلك الشخص وطعنه بالسكين وقبل أن يقتله تلقى طعنة هو الآخر، وتصادف وجود المحقق في المكان نفسه فقام الفتى بطعنه كذلك، ومات الثلاثة. (10)

  

ماذا يمكن أن يحدث عندما يتلاقى القاتل والمقتول بعد الموت؟ سؤال طرحه المسلسل مدعوما بمشاهد درامية دامية، تجبرهم اللعبة على إيلام بعضهما، وتجلدهما ذاكرتهما فاجتمع عليهما الألم الجسدي والنفسي. وفي دفاع المحقق عن نفسه وشرحه للأمر، قال إن مراقبته كانت من أجل الانتقام من ذلك المجرم، والتأكد من إدانته قانونيا، لكن الفتى اعتبر أن المحقق قد شارك في اغتصاب شقيقته بمراقبته دون منعه، وبرغم أنه انتقم لشقيقته بقتل المجرم والمحقق، فقد طلب من "ديكيم" أن ينتقم من المحقق مرة أخرى عقابا على ما سببه له ولشقيقته من ألم، انتقام متوالٍ لا ينتهي عن طريق إيلام كل عضو من أعضاء جسد المحقق المصلوب بخيوط ديكيم العنكبوتية (10)، انتقام مشابه لما سماه علي عزت بيغوفيتش بدائرة الشر، التي يشعلها القتل، ويحفزها الانتقام، والانتقام يجر انتقاما وهكذا. (11)

   

 

في نهاية تلك القصة، حاولت شيوكي "الفتاة ذات الشعر الأسود" أن تمنع الفتى أن ينتقم مرة أخرى من المحقق وتعذيبه بالألم، إلا أنها لم تستطع، لأن النظام التحكيمي الذي يطرحه الأنمي لا يقدم أي فكرة عن العدل، بل يقدم أفكارا متناقضة من عدة فلسفات عن الحساب بعد الموت يغيب عنها جميعا العدالة الإلهية، وبدلا أن يكون الموت والحساب جزاء أصبح تجربة اجتماعية وجودية، تظهر أفعال البشر وتصرفاتهم لكن لا تقدم لهم إجابة وافية ولا عدالة تشفي الصدور. (12)

   

الموت يجعل للحياة معنى

"أنا متأكدة أنه ليس من الخطأ أن نفهم بعضنا بعضا، أتمنى لو أستطيع ذلك"

  

يصل الأنمي إلى نهايته، عندما تطلب "نونا" من "ديكيم" أن يصدر حكما على الفتاة ذات الشعر الأسود، لكنه بدلا من أن يصدر هو عليها حكما، أعطته هي درسا عن البشر ومشاعرهم، وأقنعته أن النظام التحكيمي القائم على دفع البشر إلى أظلم جزء من أرواحهم نظام خاطئ، وعندما اقترح "ديكيم" عليها أن تعود للحياة مرة أخرى مقابل حياة أي شخص آخر، رفضت قائلة: "إن كل إنسان لديه أحباؤه"، وهو ما جعل ديكيم ينفجر باكيا لأول مرة في حياته. (13)

   

لكن ليست الفتاة ذات الشعر الأسود وحدها هي من رفضت تلك المقايضة، مقايضة حياتها بحياة شخص آخر، فهناك فتاة أخرى أرادت استرجاع حياة شاب جمعهما الموت، لكن أحد المُحَكّمين خيّرها بين حياته وحياة شخص على قيد الحياة، وعندما عرض المُحَكّم صورة ذلك الشخص اتضح أنه "كيرا" من مسلسل "death note"، فهل لصورة كيرا مدلول هنا؟

   

 

تذهب آراء كثير من مشاهدي الأنمي أن ظهور صورة كيرا تحمل رسالة تقول إن مسلسل "death note" و"death parade" مترابطان مثل ترابط مسألة الحياة والموت (14)، لكن يذهب رأي آخر أن المُحَكّم جينتي (ginti) اختار صورة كيرا خاصة كي يقول إن هذا الشخص مثلهم، يدّعي أنه يستطيع الحكم على البشر وقتلهم، فيما يقدم الأنمي فرضية أن البشر لا يمكن الحكم عليهم من مجرد مواقف أو ذكريات دون رؤية الجوهر الحقيقي لأرواحهم، هنا تنقلب الصورة تماما، فالمسلسل هنا لا يُظهر انحيازه للتصور الإنساني فحسب، بل يعادي أي صورة من صور الحكم على البشر أو تصنيفهم سواء تحت راية حزب أو أيديولوجية أو حتى دين.

  

ومع أنغام لحن "moonlight" الحزين والذي تعزفه دمية صنعها ديكيم كروبوت فورد الذي يضرب على بيانو مسلسل "westworld"، أخذ الأنمي ثيما ملحميا حزينا كمأساة إنسانية تمتد جذورها لعمق الكون، ومع دموع ديكيم ينقلب تصوره عن حياة البشر من مجرد بشر "يعيشون ويموتون فقط لتستمر الحياة وحياتهم وموتهم بلا معنى"، إلى أن لحياة البشر معنى، معنى يكمن في التضحية والأخلاق والحب والسعادة، وفي الأصدقاء والأهل والأبناء. (15)

    

في النهاية، يقدم لنا مسلسل "death parade" صورة مكثفة عن مآسي الحياة ومحاولة النظر إليها نظرة موضوعية، بعيدا عن إطلاق الأحكام، لكنه في الوقت نفسه جاء محملا بحمولة فلسفية ورمزية كثيفة ومتناقضة في كثير من الأحيان، بين فلسفات غربية وشرقية، وهو ما ينبّهنا أن مسلسلات الأنمي ليست مجرد رسوم متحركة، بل قضايا فلسفية واجتماعية حية تدعو للتأمل والتفكير.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار