اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/3 الساعة 15:16 (مكة المكرمة) الموافق 1439/12/23 هـ

انضم إلينا
"سايكو باس".. نحو عالم جديد خال من الخوف والعبودية

"سايكو باس".. نحو عالم جديد خال من الخوف والعبودية

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 

هل تخيّلت يوما شكل المجتمع بعد مئة سنة من الآن، دعك من صور السيارات الطائرة والبشر الخارقين أو المعدلين وراثيا أو الآلات المتمردة على صانعها كما في فيلم "Blade Runner"، لكن كيف سيكون شكل القانون والمؤسسات، كيف ستتداخل التكنولوجيا مع مشاكل المجتمعات الأساسية: الجريمة، البطالة، العنف، تطبيق القانون، النظام السياسي والاجتماعي. هذا بالضبط ما يناقشه أهم عرض فلسفي واجتماعي تلفزيوني ياباني، وربما عالمي، مسلسل الأنمي "Psycho Pass"، والآن عليك أن تربط حزام الأمان للانطلاق إلى عالم المستقبل.

  

   

في الدقيقتين الأوليين من الحلقة الأولى من المسلسل، نشاهد واحدة من أقل عمليات القتل وحشية في القصة: حيث يتم رمي رجل يرتدي خوذة من أعلى قمة برج غامض، يمر الرجل من خلال نافذة ثلاثية الأبعاد، وفي الهواء يتلقى الرجل طلقة نارية فيتفتت جسده إلى قطع من العظم والشحم.

   

في هذا العالم، الموت بالكاد يمكن أن يسمى "قتلا"، لأن النظام الحاكم يسميه ببساطة وبمنتهى السلاسة "إزالة"، وسرعان ما يتعرف المشاهد على هذا السلاح الذي تسبب في إزالة الرجل تماما وتحويله إلى فتات عظم ولحم، إنه سلاح الدومنياتور أو المسيطر، المتصل بنظام يسمى "Sibyl" أو نظام العرافة.

   

  

أهلا بكم  في اليابان الجديدة في القرن الثاني والعشرين، حيث توصلت التكنولوجيا إلى طريقة فريدة في تحليل سلوك البشر ودوافعهم وقراءة أفكارهم، عبر نظام من الذكاء الاصطناعي يسمى "Sibyl" أو "العرافة"، والذي حل مكان النظام السياسي. نظام أصبح بإمكانه تحديد قدرات البشر والوظائف التي تناسبهم، بل حتى ما يتصل بالملابس والأطعمة، وكل شيء يخصهم، وبذلك تم حل مشكلة البطالة وانعدام النظام ووضع حد للجريمة والعنف. لكن القصة تبدأ بظهور سلسلة من الجرائم ستزلزل المجتمع بل وتتحدى نظام العرافة نفسه وتعرضه لخطر الانهيار.
     

مسلسل "Psycho Pass" هو مسلسل خيال علمي ياباني أنتجه أستديو "Production I.G"، شارك في إخراجه ناويوشي شيوتاني وكاتسويوكي موتوهيرو وكتبه جين يوروبوتشي (Gen Urobuchi) الذي يُقال إنه استخدم نحو خمسين مرجعا فلسفيا وفكريا لكتابة القصة (1)، وتم عرضه في فترة ما بين أكتوبر/تشرين الأول 2012 ومارس/آذار 2013.

   

تستمر القصة عبر موسمين، تدور أحداثهما في اليابان خلال القرن الثاني والعشرين تحت حكم نظام "العرافة" الذي طبق نظام المراقبة الشاملة على جميع البشر، ليطرح المسلسل بذلك أسئلة مركزية، هل يعد هذا النظام عادلا وأخلاقيا، وهل يملك البشر تحت المراقبة الشاملة إرادة حرة أم أنهم يتحولون داخلها لمجرد تروس في آلة عملاقة؟ وهل تتحدد هذه الإرادة بالتكيف أم الاختيار أم التمرد؟ ليبنى على تلك الأسئلة، أسئلة أخرى تدور حول أولوية العدل والقانون، هل هو الإنسان أم النظام والقانون أم الأخلاق؟ ووفقا لهذا الكم المكثف من الأسئلة، يفتح المسلسل بابا على عدد من المشكلات والمعضلات الأخلاقية والقانونية التي فجرها عصر التحديث والعلم والتكنولوجيا عبر السباحة في بحر لجيّ من الفلسفات والأفكار والنظريات الاجتماعية والسياسية.

  

جرائم الأزقة المظلمة للمدينة الفاضلة

ماكشيما أخطر مطلوب للقانون في اليابان في القرن الثاني والعشرين، قارئ نهم للأدب والفلسفة بشكل يجعله يتكلم دائما باقتباسات متنوعة من الفلاسفة

مواقع التواصل
  

هل تخيلت نفسك يوما بطلا في إحدى روايات جورج أورويل التي تحكي عن سيطرة السلطة على المجتمع، إذا كنت ستتسرع بالمقارنة بين المسلسل وتلك الروايات، فسيجاوبك على الفور "ماكشيما" إحدى الشخصيات الرئيسية وبطل المسلسل الأبرز أن الأمر لا يشبه روايات جورج أورويل، ربما يقترب من عوالم ويليام جيبسون وروايته نيورومانسر، وسينصحك أن تقرأ رواية "هل الآليون يحلمون بالخراف الكهربية" (Androids Dream of Electric Sheep?) للروائي الأميركي فيليب كي ديك.

   

ماكشيما أخطر مطلوب للقانون في اليابان في القرن الثاني والعشرين، قارئ نهم للأدب والفلسفة بشكل يجعله يتكلم دائما باقتباسات متنوعة من الفلاسفة، بل إن المسلسل كله فلسفي بامتياز، سينتقل بك من مُثل أفلاطون لمنطق أرسطو لعقل ديكارت لأخلاق كانط، لتنين هوبز، ثم سيلقنك درسا عن القانون والعدالة والسلطة باستخدام ألاعيب فوكوية للتعرف على العالم الجديد الذي تحكمه السيطرة والمراقبة الشاملة.

  

تسوموري أكاني  (مواقع التواصل)

      

تبدأ الحكاية كالقصص البوليسية بانضمام فتاة جديدة، المفتشة "تسوموري أكاني" لقسم التحقيق الجنائي في مكتب السلم الاجتماعي التابع لوزارة الرعاية الاجتماعية، التي تقبع في برج مرتفع ضخم يقع في منتصف المدينة كأنه مبنى الحراسة في نظام سجن البانوبتيكون الذي صممه جيرمي بنثام. لكن هذا البانوبتيكيون بالنسبة لنظام العرافة يعد قديما، فمفهوم المراقبة أصبح أكثر تطورا، حيث يتصل ذلك البرج بكاميرات تغطي كل منطقة وبقعة وشارع وزقاق في المدينة، وتقوم تلك الكاميرات بعمل مسح ضوئي مستمر لكل فرد في المدينة لقياس "معامل تحليله النفسي" (Psycho Pass)، لتشكيل ملف واضح لدى وزارة الرعاية الاجتماعية ونظام "العرافة".

  

يحتوي الملف على هوية كل شخص وتاريخ تحليله النفسي لكشف أي إجهاد أو تدهور يتعرض له، وكل تلك البيانات يقوم بتحليلها حاسوب ضخم هو مصدر الأحكام وتطبيق القانون في المجتمع. فهناك ثلاثة نطاقات لقيمة الـ "CCI" أو التحليل النفسي للفرد: أقل من 100 - المشتبه به ليس هدفا للتطبيق.100 - 299 - يُصنف المشتبه به كمجرم كامن وهو هدف لاتخاذ إجراءات القانون. أكثر من 300 - يشكل المشتبه به تهديدا خطيرا للمجتمع، وبذلك تكون القوة المميتة مخولة للاستخدام وإزالة المجرم.

 

سلاح الدومينيتور أو المسيطر يعد وسيلة تطبيق القانون وذراعه، وهو سلاح يُسمح فقط لفريق المفتشين بجانب فريق من "المنفذين"، أي المخبرين، وهم مجموعة أشخاص يُصنفون على أنهم مجرمون كامنون لكن يعملون مع مكتب التحقيق باستخدامه عن طريق بصمة العين. حيث يقوم السلاح بإطلاق طلقة نارية تشل الشخص في حال كان مصنفا ضمن النطاق الثاني (من 100 - 299) ثم نقله إلى مصحة علاجية ليعود معامله النفسي مناسبا للحياة داخل المجتمع مرة أخرى أو لا يعود فيظل سجينا، أما في مستوى النطاق الثالث (أكثر من 300) فيقوم المسيطر بإطلاق قذيفة تزيل الشخص من الوجود تماما وتحوله إلى فتات لحم وعظم كأنه لم يكن حتى لو لم يرتكب أي جرم. (2)

    

 

وهذا ما سيحدث في القضية الأولى، حيث كاد المنفذ "كوغامي" أن يقتل امرأة وقعت ضحية عملية خطف واغتصاب من شخص يعاني من الاضطراب النفسي والعقلي، فبرغم أن نظام "سيبيل" أو العرافة قد قدم تكنولوجيا تساعد الناس في حياتهم اليومية وتوفر لهم الوظائف حسب قدراتهم بحيث لم يعودوا مضطرين لحيرة الاختيار أو الاختيار الخاطئ للمشوار المهني، بل زودتهم بترشيحات وتوصيات مستمرة حول الملابس والأطعمة والمعلومات الدقيقة اللازمة كل صباح، حتى بدت المدينة وكأنها مدينة فاضلة، كل شيء بها مثالي ودقيق، فإن قاع المدينة وأزقتها المظلمة ظهر بها بعض الأشخاص بمعامل تحليل نفسي مرتفع، وحين يشعر المرء أن تحليله النفسي أصبح مخالفا للقانون، ووضعه أصبح خطرا ومهددا فإن ذلك يدفعه تحت كثير من الضغط أن يرتكب عنفا وجرائم أكثر، حيث لم يعد هناك ما يبكي عليه، فقد تدمرت حياته، لتنشط حينها أسوأ دوافع وغرائز الإنسان، مخبرةً إياه بعدم جدوى الالتزام بأي وازع أخلاقي. (3)

 

هكذا، ومنذ البداية، يظهر سؤال عن معنى أن يكون الإنسان خيّرا أو أخلاقيا، إذا كان الإنسان بمجرد ارتفاع معامله النفسي يندفع لارتكاب أبشع الجرائم، إذًا فالخيرية والأخلاق مجرد توافق أو حظ تحكمه الظروف الاجتماعية وعوامل التنشئة، وبذلك، يكون توماس هوبز محقا عندما قرر أن غياب الدولة سيجعل البشر ذئابا يأكل بعضها بعضا، ولذلك، فإنه يجب إخضاعهم لبرنامج تعليمي يطعّمهم بالأخلاق اللازمة للحياة ويضبط العنف والشر الكامن فيهم.

أما القلة التي تلتزم الأخلاق بوازع داخلي فعليها أن تتحمل الضغوط والإجهادات النفسية، لأن هذا النظام لا يفرق بين المجرم والضحية وبين الظالم والمظلوم، فكلهم سواسية أمام نظام لن يتردد في إبادتهم إذا تخطى معاملهم النفسي حدا معينا، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يتعامل بها النظام مع الجريمة، لأنه لا يقتص للضحية ولا ينصف الإنسان بوصفه إنسانا، بل يمنع الجريمة انطلاقا من جذورها النفسية، بغض النظر عن كينونة ذلك المواطن الذي يُسمى إنسانا. (3)

 

ظهور ماكشيما.. النظام يقابل خصمه

 

بعد توالي الجرائم في مجتمع من المفترض أنه "مجتمع فاضل"، أصبح مكتب الأمن في حالة استنفار، فمنذ ثلاث سنوات ظهرت عدة جرائم مشابهة كان ضحيتها المفتش "ساسياما" الذي تحول جسده إلى إعلان تجاري لمواد كيميائية حولته إلى جثة مشوهة في أحد الشوارع الضيقة، والذي سبب موته ضغطا وإجهادا نفسيا كبيرا لزميله المفتش السابق "كوغامي" الذي تحول إلى "منفذ أو كلب صيد"، أي مجرد مخبر ومجرم كامن بسبب ارتفاع معامل تحليله النفسي، ليصبح بين كوغامي وذلك الشخص المدبر لتلك الجرائم عداء شخصي لا يتعلق بالقانون بل بعدالة الثأر. (4)

"إذا حدّقتِ في الهاوية كثيرا فالهاوية ستحدق إليكِ هي الأخرى"

 

كان هذا رد كوغامي على المفتشة أكاني والتي تعتبر أكثر المفتشين إيمانا بالقانون وبنظام العرافة وقدرته على حل القضايا وتحقيق الأمن، حتى اصطدمت بجدار القهر، فبعد مجموعة جرائم، كانت تظهر في ميادين المدينة لوحات فنية من جثث الفتيات ترمز لرفض هذا النظام والتعبير عن عبثيته، صممتها فتاة من مدرسة ثانوية للبنات كانت تدرس الأدب والفن وهي ابنة فنان تشكيلي حاول بكل موهبته الفنية التعبير عن يأسه من وحشية "نظام العرافة"، لتقرر ابنته إعادة تقديم أعماله، لكن هذه المرة مجسدة بجثث الفتيات التي تقوم باستدراجهن وقتلهن داخل قبو المدرسة. رأت المفتشة أكاني التي لا تزال في نهاية عقدها الثاني صديقتها وهي تُذبح أمام عينها دون أن تكون قادرة على مساعدتها، ولا حتى تستطيع استخدام سلاح الدميناتور، فبرغم حمله للسكين وتعذيبه لصديقة أكاني بدا المعامل النفسي له مستقرا تماما، لذلك، فإنه ومهما ارتكب من جرائم، فهو لا يعد مجرما في نظر نظام العرافة. (5)

  

 

هنا ظهرت شخصية شوجو ماكشيما، العقل المدبر لكل الجرائم السابقة الذي يحاول مكتب الأمن الوصول إليه منذ ثلاث سنوات مضت، وهو من استدعى كل هؤلاء المضطربين عقليا ونفسيا والفنانين والمرتابين في نظام العرافة ليوجههم مباشرة، ليس نحو معاداة النظام، بل للكفر بالمجتمع كله.

 

"إذا كان ماكس فيبر يقول إن الإدارة البيروقراطية تسيطر على الإنسان عن طريق المعرفة، فماذا تظن أنه سيقول لو كان بيننا؟ لكان رد بإحدى عبارات فوكو عن سجن السلطة أو نظام جيرمي بنثام البانوبتيكون"

  

كان هذا نقاشا بين المنفذ كوغامي وأستاذه السابق سايغا جوجي وهو متخصص في علم النفس والتحليل النفسي وأخصائي الأبحاث النفسية في مكتب الأمن سابقا قبل أن يتقاعد بسبب ارتفاع المعامل النفسي لدى جميع أولئك الذين تعلموا على يديه، فمثل فيلم "equilibrium" هناك علاقة بين القراءة والتفكير عموما وبين الشعور ومن ثم المعامل النفسي للبشر. لكن على عكس الفيلم بدا بطل المسلسل "ماكشيما" كأنه يفكر بعقل الفيلسوف "ميشيل فوكو" الذي يعد مصطلح السلطة كلمة مفتاحية لفلسفته.

 

ماكشيما.. عندما يتحول الفيلسوف إلى قاتل محترف

"إذا كنتِ تريدين قتلي فعليكِ اللعب بنفس أسلحتي القديمة"

 

في أول ظهور لـ ماكشيما، وأول لقاء بينه وبين المفتشة أكاني، كان ماكشيما ممسكا بسكينته الصغيرة الحادة موشكا على ذبح صديقة المفتشة أمام عينيها، وقد ألقى للمفتشة ببندقية قديمة وقال لها تلك الجملة، محاولا هدم إيمان المفتشة بنظام العرافة، فإذا كان سلاح العرافة وذراعها "الدوميناتور" غير قادر على محاكمة ماكشيما عبر المعامل النفسي، لأن معامله النفسي أقل دائما من مئة، فيجب عليها أن تتخذ هي القرار بنفسها وتدافع عن صديقتها باستخدام البندقية، وعندما بدت المفتشة مترددة وعاجزة لأنها تؤمن أن استخدام الأسلحة خارج عن القانون ويُعدّ إجراما، بدأ ماكشيما في تعذيب ضحيته بالسكين، مقتبسا من الفيلسوف ديكارت: "أعتقد أن الأشخاص ذوي القيمة هم وحدهم من يتصرفون وفق إرادتهم الخاصة".

 

 

لكن ماكشيما قد استخدم اقتباس ديكارت اقتباسا "فوكاويا"، فهو لا يتعامل مع النظام أو السلطة هنا تعاملا فلسفيا، بل شرع في تحويل الكلمات إلى أشياء كعنوان كتاب فوكو الشهير "الكلمات والأشياء"، وهو في تصوره للسلطة قد تجاوز مقولات ماكس فيبر أن السلطة هي من "تحتكر استخدام القوة المشروعة" ومقولات توماس هوبز "المنظر الأصلي لسلطة الدولة، حيث رأى أن جوهر السلطة هو سيادة الدولة، إذ يعتقد هوبز أنه وفي أفضل حالاتها فإن السلطة سوف تُمارس من الموقف المفرد للسيادة والتي دعاها ليفياثان". (6)

 

لم ينكر فوكو أبدا حقيقة سلطة الدولة بالمعنى الهوبزي، لكن فلسفته السياسية تنبثق من شكوكه حول الافتراض أن القوّة الحقيقية الوحيدة هي السلطة السيادية. الموقف ذاته هو ما تبناه ماكشيما، الذي عبر عن شكوكه في أن القوة الوحيدة هي قوة النظام، ففي كل قضية حاول ماكشيما أن يثبت أن للناس وللخارجين عن النظام وللفوضى والعنف قوة يمكن أن تجابه قوة النظام. (6) وكما نظر فوكو إلى السلطة بتفرد فاستطاع أن يتصورها موضوعة ضد نفسها فهي مكونة من نطاقات مختلفة تتعدد فيها أشكال السلطة حتى تبدو أنها أشكال متناقضة لكنها متعايشة ومتكيفة معا مثل سلطة العلم وسلطة القانون وسلطة الخطاب المشكل للقيم وللعدالة، كذلك أراد ماكشيما أن يضع النظام أمام نفسه عندما ذبح صديقة المفتشة أكاني أمام عينيها ليتحداها في استخدام البندقية بدلا من الدوميناتور، فقد كان يضع تصورها للعدالة أمام سلطة القانون.

 

ليس هذا فقط، بل تساءل ماكشيما مثلما فعل فوكو من قبل عن تعريف الجنون وتعريف الخير والشر والعدالة، فالسلطة تفرض تعريفها لكل تلك الكلمات على الجميع، في حين أنها ترفض وتنبذ أي تعريف آخر خارج خطابها، يقول ماكشيما مشككا: "لطالما تساءلت ما هذه المعايير التي تحددون على أساسها ماهو خير وما هو شر؟"، فكما قال فوكو إن العلم والمؤسسات العلمية ليست محايدة، بل هي في خدمة السلطة، كذلك أثبت ماكشيما تجريبيا أن العلم والسلطة والنظام كله لا يستطيع الحكم عليه أو فهم حالته النفسية والعقلية والروحية، لذلك قرر أن يخرب ذلك النظام كله. (6)

   

إذا لم تستطع هزيمة السلطة فهل يكفيك فضح حقيقتها؟

"من أجل قياس قيمة الشخص، يجب عليك القيام بأكثر من حثهم، الطريقة الحقيقية لاختبار قيمتهم هي منحهم القوة. عندما يحصلون على حرية التصرف خارج حدود القانون والأخلاق، يمكنك أن ترى أرواحهم الحقيقة"

(شوجو ماكشيما)

  

    

قرر ماكشيما بصحبة صديقه المختص بالإلكترونيات أن يعطي الناس القوة والحرية ليفعلوا ما يحلو لهم بعد رفع قيود النظام وتهديده، فصنعوا خوذة معدنية عندما يرتديها الشخص فإنها تعكس أشعة الماسحات الضوئية وكاميرات النظام في الشوارع، لتعطي النظام بذلك مؤشرا خاطئا ومستقرا عن المعامل النفسي للشخص، وبواسطة تلك الخوذة يمكن لأي شخص أن يرتكب أي جرم دون أن يتم اكتشاف هويته الحقيقة في قوائم نظام العرافة، هكذا قام رجل يرتدي تلك الخوذة بالانتقام من طليقته، حيث قام باعتراضها في أحد الشوارع الواسعة وسط حشد من الناس ثم قفز عليها وضربها بمطرقة معدنية صغيرة حتى الموت.

   

الغريب أن لا أحد من المشاهدين تحرك لإنقاذ تلك السيدة، بل اكتفوا بالذهول والمشاهدة والتصوير، أما الأغرب فقد ظهر حينما جاء آلي تابع للنظام ليتحقق من المعامل النفسي للضحية وينصحها أن تهدأ بدلا من أن يتم اعتقالها. يصور ذلك المشهد بحرفية حشدا من معضلات ذلك النظام الذي لا ينظر إلى البشر على أنهم بشر، بل مجرد كائنات تمتلك معاملات نفسية وبعض السوائل الكيميائية داخل أدمغة جلدية، فالمدينة التي جعلها نظام العرافة مدينة فاضلة خالية من غالبية المشاكل، أصبحت صورة عصرية من رواية "عالم جديد شجاع" لألدوس هكسلي، فكل شيء رهن لتعريف حاسوب النظام، المجرم والمجنون والمختل هم من يحددهم النظام بمعايير عقلية وعلمية صرفة وصارمة لا تلتفت لمن هو الظالم ومن المظلوم ولا لماهية الإنسان وكينونته. (7)

    

النظام هو من يحدد الاختيارات ويوجد البدائل ويسلب الناس أرواحهم، وهو من يأمر وينهى وعلى الجميع الطاعة، حتى بدا البشر كلهم كأشياء عديمة المعنى والاختيار، وهو ما عبرت عنه الفتاة أوريو ريكاكو ابنة الفنان التشكيلي عندما قالت: "جميع الناس متشابهون لا يلاحظون أي شيء. لا يقولون أي شيء. لا يفكرون بأي شيء. فهم مجرد قشرة من ذواتهم السابقة وسرعان ما تختفي مثل ذوبان الثلوج. يؤدي هذا الوباء بالأشخاص الأبرياء إلى موتهم، ومع ذلك، لن يتم القضاء على مسببات الأمراض. هذا مرض يسمى الصفاء - شكل من أشكال الموت التي تمناها الناس".

   

 

لكن الخوذة المعدنية التي صنعها ماكشيما وصديقه تقلب الأوضاع رأسا على عقب، فتزداد حالات الشغب والعنف والقتل والسرقة والإجهاد النفسي لدرجة لا يمكن لمكتب الأمن السيطرة عليها. لا يبدو هنا ماكشيما داعيا للفوضى بل عميلا لها مثل شخصية الجوكر في فيلم " The Dark Knight"، لكنه بدلا من أن يترك الأمور للفوضى، يستغل انشغال الأمن بأعمال الشغب ويقتحم برج وزارة الرعاية الاجتماعية بهدف تدمير عقل نظام العرافة، يصعد ماكشيما لأعلى البرج لأنه يعلم أن كوغامي وأكاني سيتبعانه، وبمواجهتهما سيحصل على أكبر متعة، أما صديقه فيتوجه لقاع البرج كي يحاول تدمير النظام، لكنه بعد أن يرى ضخامة الحاسوب المركزي للنظام ينبهر به فيكتفي بتصويره لإذاعة حقيقته على الملأ، وتنتهي مغامرة ماكشيما بمقتل صديقه على يد رئيسة النظام والقبض عليه. (7)

  

يطرح المسلسل هنا ماكشيما كفيلسوف الإرادة الحرة، فتحت قشرة عقل فوكو الحاد اجتمع شوبنهاور ونيتشه وروسو، لكن الأهم وبرغم أن ماكشيما ارتكب عددا من الجرائم وجعل الناس تقتل بعضها كي يهدد ذلك النظام، احتفظ ماكشيما بنظرة أخلاقية معتمدة على أخلاق كانط التي تقول: "لا يمكن أن تكون أخلاقيا إلا باتباع القوانين النابعة من إرادتك الحرة"، والتي أسست للراديكالية الرومانسية أو الرومانتيكية كما سماها إيزايا برلين في كتابه "أصول الرومانتيكية" والتي تفجر معضلة أخلاقية كبرى: هل الإرادة الحرة تمنح الإنسان حرية أن يفعل ما يظنه صحيحا؟ لقد كان التساؤل الذي طرحه ماكشيما والمسلسل كله أعمق بكثير من مجرد تمرد على عالم تحكمه التكنولوجيا والحواسيب، كان تساؤلا بشأن مفهوم العدالة نفسه وعلاقته بحرية الإرادة واحتكار العنف وتطور العلم والتكنولوجيا، سؤال بشأن فعل الإنسان ومصيره في العالم الحديث. (7)

  

مخير ومسير.. أم منبوذ ومقهور؟

"كل إنسان أصبح وحيدا، كل إنسان أصبح فارغا، الناس لم يعودوا يحتاجون إلى بعضهم بعضا، أي علاقة يمكن استبدالها، أي موهبة يمكن تقليدها، لقد سئمت من الحياة في هذا العالم"

(شوجو ماكشيما)

  

لا تبدو مشكلة ماكشيما مع نظام العرافة تتعلق بالمراقبة الشاملة التي يفرضها ذلك النظام فقط، والتي تشمل الكاميرات ابتداءً وحتى مسح دماغ كل فرد لصنع القرارات التي يحتاجها، فلو كان الأمر كذلك فما دخل الإرادة الحرة بالقضية، ولماذا يتم اعتقال أو قتل شخص لديه إرادة حرة أو تفكير مختلف، لكن التقنية التي يستخدمها نظام العرافة أعقد من ذلك بكثير.

 

   

يعتمد عمل نظام العرافة على عملية صنع القرار داخل عقل الإنسان نفسه، لأنه عبارة عن عدة عقول فائقة اجتمعت داخل نظام واحد مع قدرة هائلة على تحليل البيانات لصنع القرارات، لكن العقل البشري داخله نظامان متباينان في طريقة العمل، الأول هو "نحن" أي مجموعة الروابط العصبية التي تشكل الأصوات والأفكار والمشاعر داخل عقولنا، وهو جزء نعي به تماما ونستخدمه في صناعة القرارات، لكن علماء الأعصاب قالوا إن هذا غير صحيح، فخلف ذلك النظام الواعي من التفكير هناك نظام عقلي آخر عبارة عن مجموعة من الروابط العصبية الرفيعة جدا، التي تتحكم في كل شيء بداية من المعالجة العينية للبيانات وحتى التنفس، وهذا الجزء من العقل يعتبر حتى الآن كالصندوق الأسود الذي لا يعرف البشر عنه الكثير. (8)

  

في عام 1980، أجرى العالم بينجامين ليبيت تجربة حول هذا الأمر، حيث أوصل جهازا لقياس الإشارات الكهربية بأدمغة مجموعة من الأشخاص، وطلب منهم أن يحركوا أيديهم، ثم قارن وقت حركة أيديهم بوقت الإشارات الكهربية النابعة من أدمغتهم، والنتيجة كانت أن الإشارات الكهربية سبقت وقت اتخاذ الشخص للقرار بنحو نصف ثانية، مما جعله يستنتج أن قرار حركة اليد حدث في منطقة أعمق في الدماغ قبل حدوثه في الدماغ الواعية للشخص بنحو نصف ثانية (9)، لكن عدم العلم الكامل بأجزاء تلك المنطقة اللاواعية من الدماغ، بجانب طرح انتقاد للتجربة حول أن الإنسان بداية هو من أراد تحريك يده، فجّر السؤال حول ماهية الإنسان الحقيقية وهل إرادته الحرة مجرد وهم أم إشارات كهربية فقط؟

 

هل نحن من نصنع قراراتنا حقا أم هي من تصنع ماهيتنا ومسار حياتنا؟ كانت كل تلك الأسئلة لها تأثير كبير على عالم مسلسل "Psycho Pass"، وهي تفسر لماذا قام نظام "Sibyl" أو العرافة من الأساس، لأن حاسوب ضخم ومجهز لتحليل فائق للبيانات وحده من يستطيع فهم عملية صنع القرار داخل عقل الإنسان، وبالتالي سيتوقع القرار الذي سيتخذه الإنسان مستقبلا واحتمالية ارتكابه لجرائم عنف أكثر من الشخص نفسه.

  

 

بذلك، تكون العلاقة بين الفرد ونظام "العرافة" مثل العلاقة بين النظام الواعي وغير الواعي في عقل الإنسان، ففي حين يمارس الناس حياتهم الطبيعية، يقوم نظام العرافة بصنع قراراتهم والحفاظ على منطقة لاوعيهم آمنة وهادئة، فقد يتم اعتقال شخص يمشي بسلام في شارع عام فقط لأن معامل تحليله النفسي غير مستقر في نظر النظام مما يرفع من احتمالية ارتكابه للجرائم، ويجعل اختيارات الناس كلها محدودة، حتى اختياراتهم في الطعام والموسيقى والفن كلها محددة بإطار يناسب استقرار معامل التحليل النفسي.

 

النظام إذ يفعل ذلك فإنه يحد من نشاط الإنسان من جذوره، فالإنسان ليس دائما في حالة ابتكار ويتصرف وفق قراراته وإرادته الخاصة، بل جزء كبير من أفعال الإنسان هي مجرد محاكاة لما يراه ويعتاد عليه، دون تدخل من عقله الواعي، حتى لو كان لا يتفق مع أفعال معينة فهو قد يفعلها ويحاكيها بشكل غير واعٍ، فعندما حدثت أفعال العنف في المدينة بواسطة الخوذات المعدنية التي نشرها ماكشيما وصديقه (10)، تورط الجميع في عنف وعنف مضاد يستبيح كل شيء بشكل أشبه لسلسة أفلام "the purge"، وهذه ربما أعلى سلطة يمكن لنظام سياسي أن يفرضها على البشر مستقبلا. (11)

  

وهذا هو جوهر ما أراد المسلسل طرحه: ما قيمة أن يحيا الإنسان في مجتمع كهذا دون إرادة حرة؟ ولو كان العلم الذي يقوم عليه نظام العرافة ينكر "الإرادة الحرة" فكيف يوجد شخص كـ "ماكشيما" لا يستطيع نظام العرافة الاعتراف بوجوده؟ لأن الاعتراف به يضع مصداقية وقدرة النظام على المحك، وفي الوقت نفسه لا يستطيع محاكمته أو قتله لاستقرار معامل تحليله النفسي.

  

القانون والثأر والعدالة.. الإخوة الأعداء والحداثة العادلة

 "الإنسان ليس كالحيوانات لأنه من جسد وروح فهو يشعر بالحزن والمعاناة"

(كيركجارد)

 

في طريقه لتحطيم ذلك المجتمع الذي لا يعترف به، أراد ماكشيما تحطيم المفتشة أكاني التي تمثل أكثر الشخصيات إعجابا بالنظام وأكثرهم تفردا، فبرغم ما تعرضت له أكاني من ضغط نفسي وبرغم اكتشافها لحقيقة النظام وآلية عمله تظل مؤمنة أن ذلك النظام برغم قانونه الناقص وعدالته المعتلة وعدم أخلاقياته، يظل أفضل نظام للعدالة والقانون والأخلاق لتسيير المجتمع، ورغم أن موقفها متناقض فهي برغم سلوكها الفردي تقدم المصلحة الكبرى على المصلحة الخاصة (12)، تمثل هي ومعها المنفذ كوغامي وماكشيما ثلاثية متناغمة ومتناقضة تعبر عن قيم مجسدة لنظرات وجودية مختلفة للقانون والحياة كأنهم الإخوة كارامازوف في رائعة ديستوفيسكي الخالدة.

    

 

ففي حين فشل ماكشيما في تحطيم أكاني وإقناعها بالتمرد على القانون واستخدام الرصاص لقتله، كان الشخص المناسب لذلك الأمر هو المنفذ كوغامي الذي تحول الأمر بينه وبين ماكشيما إلى ثأر شخصي، فحلّ قانون البشرية القديم "العين بالعين والسن بالسن" محل قانون العرافة العلمي الصارم، وبعد أن نجحت المفتشة أكاني في القبض على ماكشيما، وتسليمه لرئيسة النظام، حاولت الرئيسة أن تعقد صفقة مع ماكشيما تعرض عليه فيها انضمامه إلى نظام العرافة، فنظام العرافة نفسه ما هو إلا مجموعة عقول لم يستوعبها النظام من قبل تماما مثل ماكشيما حتى تم ضم عقولهم إلى حاسوب العرافة الضخم، ليكون تمردهم مجرد خطأ برمجي داخل النظام (12) مثلما حدث في فيلم "The Matrix" حين وصل البطل إلى الآركيتكت أو مصمم النظام فأخبره أن شخصية العرافة ونبوءة المخلص هي برنامج لاكتشاف أي خطأ برمجي خارج عن إطار الحرب بين البشر والآلات، أما في المسلسل فالنظام نفسه مؤلف من عقول فائقة لم يعترف بها النظام سابقا كعقل ماكشيما. لكن ماكشيما يرفض العرض ويهرب، وهو ما سيؤجج غضب كوغامي الذي لم يعد يؤمن أن النظام قادر على تحقيق العدل.

 

كان كوغامي هو الشخصية المعادلة والموازنة لماكشيما، لذلك فإنه الوحيد الذي استطاع كشف خطة ماكشيما عن ذهابه لتدمير النظام الغذائي للمدينة، فقط حين تصرف بحرية كاملة وفقا لإرادته الخاصة وخارج إطار الشرطة ومكتب الأمن، حينئذ فقط استطاع كوغامي أن يقتل ماكشيما بطلقات رصاص وليس بسلاح الدوميناتور، فأصبح موت ماكشيما انتصارا لفلسفته وهزيمة لنظام العرافة. (12)

   

 

قدّم الموسم الأول من مسلسل "Psycho Pass" فلسفة كثيفة حول عدة قضايا تتعلق بالإرادة الحرة والسلطة والمجتمع ومفهوم العدالة والفعل الأخلاقي، وتتجاوز كونه مجرد مسلسل للرسوم المتحركة، كما قدم دعوة تتعلق بالعودة إلى حداثة عادلة تتكافئ فيها القوى، لا حداثة تحتكر وحدها القوة والمعرفة والسلطة، حداثة يمتلك الجميع فيها أدوات قوة، يستطيع البشر بها إعادة سرديات النضال والتضحية من أجل الأخلاق والعدالة، كما قدّم تجسيدا روائيا ودراميا يحتفي بالجمال الخفي للفلسفة والفن مقابل جفاء العلم والتكنولوجيا مصطحبا معه استبصارا عظيما لوضع الإنسان في العصر الحديث تحثه على الخروج من سلاسل التنميط والعبودية والخوف والعودة إلى روح الفلسفة والفن والتمرد. 

  

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار