اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/20 الساعة 12:32 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/30 هـ

انضم إلينا
المدينة المشوهة.. الفوضى العمرانية كأداة لمقاومة السلطة

المدينة المشوهة.. الفوضى العمرانية كأداة لمقاومة السلطة

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
كتب عالم الاجتماع الحضري الأميركي الشهير روبرت بارك ذات مرة أن المدينة هي "أكثر محاولات الإنسان اتساقا، وبشكل عام أكثرها نجاحا في إعادة تشكيل العالم الذي يعيش فيه بما يتفق بدرجة أكبر مع رغبات قلبه، لكن إذا كانت المدينة هي العالم الذي يتعين عليه العيش فيه فالإنسان بشكل غير مباشر، ودون إدراك واضح بطبيعة مهمته، قد أعاد أثناء خلقه للمدينة تشكيل نفسه" (1).

   

تنبع من ملاحظة روبرت بارك السابقة عدة أسئلة تتعلق بنوع المدينة التي يريد الإنسان أن يعيش فيها، وعن نوع العلاقات الاجتماعية التي يسعى إليها ويكوّنها داخل المدينة، وعن أسلوب الحياة الذي يتمنى الإنسان أن يحيا به.

  

لذلك فنظرة الإنسان إلى المدينة تتعلق بمسألة "الحق في المدينة والحق في تخطيطها"، وترتبط مسألة الحق في المدينة بنقطة مَن يملك المدينة ويمتلك الحق في إعادة تخطيطها على هواه؟ هل من يمتلك المدينة هو النظام الحاكم كما يستقر في مخيلة المصريين عندما يقولون "ملك الحكومة"، أم من يمتلك المدينة هم مجموعة ميليشيات و"فتوات" مسلحة يفرضون هيمنتهم على شوارعها بالقوة، أم أن المدينة ملك للجيوش سواء المحلية أو الأجنبية تشيدها وقتما تشاء وتحرقها وقتما تشاء وتدكّ بيوتها على رؤوس سكانها حينما تشاء، أم أن المدينة هي من حق سكانها فإذا كانوا لا يملكونها فكيف يستعيدونها؟

   

الحق في المدينة.. المدينة العربية المنكوبة

تغرق المدن العربية في صراعات وفوضى وحروب تشنها الحكومات وجيوشها ضد شعبها، ومدن عريقة تدكّ وتدمّر بالكامل كالموصل وحلب

رويترز
     
تشهد كثير من مدن العالم في الوقت الحاضر عمليات تغيّر عمرانية واسعة (2)، حيث يذهب ديفيد هارفي إلى أن "المدينة التقليدية قتلها التطور الرأسمالي السائد، وسقطت ضحية للحاجة المستمرة للتخلص من رأس المال المتراكم وانتشار شكل العمران الرأسمالي الجديد في كل أنحاء العالم" (3).

   

وهذا الأمر قد لاحظه من قبل المفكر والعمراني الفرنسي هنري لوفيفر حيث قال: "المطالبة في الحق في المدينة هو في حقيقة الأمر أن تطالب بالحق في شيء لم يعد موجودا" (4)، فالتحولات التي جرت على المدن في العصر الحديث قد غيّرت شكلها القديم كليا، وبينما يناقش المعماريون والساسة والباحثون هذا الأمر حول العالم، تغرق المدن العربية في صراعات وفوضى وحروب تشنها الحكومات وجيوشها ضد شعبها، ومدن عريقة تدكّ وتدمّر بالكامل كالموصل وحلب.

   

كما ظهرت مشروعات عمرانية ضخمة وباذخة وفي بعض الأحيان "سخيفة لدرجة إجرامية" كما يصفها ديفيد هارفي (5) في أماكن مثل دبي وأبوظبي كوسيلة للتخلص من الفوائض الرأسمالية الناجمة عن الثروات النفطية، وذلك بأشكال "مغالية في الإسراف والظلم الاجتماعي والهدر البيئي، مثل بناء ساحة تزلج على الجليد في بيئة صحراوية حارة" (6).

   

وتستقبل تلك المناطق العمرانية الفخمة من الخليج إلى المحيط أثرياء الشعوب العربية المنكوبة، وتقوم الدولة بتخصيص أراض متميزة وبمساحات غير مسبوقة وفي أماكن حيوية لشركات استثمار عقاري عملاقة لإقامة التجمعات العمرانية المغلقة والمحصنة الفاخرة لفئة محدودة من المجتمع (7)، أما باقي سكان المدن العربية فلا مكان لهم سوى البيوت الخرسانية العادية والشوارع الضيقة والأحياء العامة والعشوائيات في ضواحي المدن الكبرى، مما يعزز من فكرة غياب العدالة والشعور بالتهميش، ويخلق فروقا طبقية وصراعا يوميا يعيشه سكان المدينة العربية، صراعا على امتلاك الشوارع بين السيارات الفارهة وسيارات الأجرة والمواصلات العامة، وصراعا على الأرصفة بين المحلات التجارية الضخمة وبين الباعة الجائلين، وصراعا على الميادين بين مخيلة الأثرياء التي تسعى للترفيه وتنظر إلى الشوارع والميادين كساحات للانتقال والتسوق وبين مخيلة عموم الناس التي ترى أن لها حقا في تلك المدينة وحقا في تلك الشوارع.

    

    

ويمثّل نهر النيل بالقاهرة مثالا على ذلك الصراع (8) بين عموم الناس التي ترى أن لها حقا في رؤية النيل والاستمتاع به وبين نوادي القضاة والشرطة والأثرياء التي تحتل أغلب ضفتي النيل بالقاهرة وتمنع الناس من رؤيته. كل تلك المظاهر تستدعي سؤالا: هل المدينة من حق الحكومة والأثرياء فقط؟ وكيف يستعيد عموم الناس حقهم في المدينة؟

    

الفوضى العمرانية كمقاومة للعمران الرسمي
يذهب الدكتور علي عبد الرؤوف في أطروحته "الفوضى العمرانية الخلاقة في مدينة القاهرة" إلى أن ما نرصده الآن من فوضى عمرانية ومعمارية في مدينة القاهرة يقدم صورة غير واضحة للمجتمع، لكنه يبرز غياب الرؤية المجتمعية لعمران المدينة، ويبين  أن المفهوم السائد لفوضى العمران والتخطيط هو عدم الانصياع للقوانين والقواعد الرسمية الحاكمة التي مصدرها سلطة رسمية (9)ويضيف د. عبد الرؤوف أنه يمكن من خلال فحص العمران الظاهر حولنا أن نرصد تصنيفين رئيسين:
   

أولهما: هو العمران الرسمي القانوني الذي نرى فيه الانتظام والنظام بالمعنى السطحي، هذا النظام الذي يرصده في شبكة الطرقات الفسيحة المتعامدة، وتقسيمات الأراضي الميكانيكية الإيقاع، ونمطية تصميم المباني وشكلها، لكنه يتجاهل حاجات المجتمع ومطالبه، خاصة حاجات القطاعات الفقيرة والمهمشة، فهو عمران -بحسب عبد الرؤوف- يرمز إلى غياب العدالة الاجتماعية، وفرض القهر سياسيا واقتصاديا وثقافيا، ويؤدي إلى الفوضى العمرانية السلبية من انتشار عصابات التجار والباعة.

  

أما التصنيف الثاني: فهو العشوائي الفوضوي غير الرسمي الذي لا ينتج عن رغبة في مخالفة النظام بقدر ما ينتج عن محاولات لطرح حلول لاستمرارية حياة المهمشين والمرفوضين من أبناء المجتمع.

    

   

ففي حين يستمر التمدد والتخطيط العمراني الرسمي والرأسمالي في تجاهل حياة ملايين الناس من سكان المدينة وتجاهل أنماط حياتهم وحركتهم ونشاطهم لكسب الرزق في حياتهم اليومية، يعيد الناس البسطاء والعاديون رسم خطوط حياتهم للتكيف مع العمران المادي (10)، فيعيدون رسم خطوط نشاطهم تحت وفوق  الكباري وعلى ضفاف النيل وعلى كورنيش البحر وفي الساحات والحدائق والميادين العامة.

  

إعادة رسم فلسفة الأماكن العامة
كان التصور المطروح لمجمّعات المصالح الحكومية الضخمة في المدن العربية كـمجمّع التحرير أن يكون كل ما يخص المواطن في مكان واحد (11)، لكن أصبح مجمّع التحرير وميدان التحرير وبقية ميادين المدن العربية عبارة عن ساحات لملاقاة الأغراب، والسير مع الحشود والوقوف في الطوابير الطويلة، فقد أضحت هذه الميادين وتلك المجمعات الحكومية الضخمة رموزا لتيه المواطن ومعاناته.

  

ويذهب عالم الاجتماع زيغمونت باومن (12) إلى أن الفضاء العام في المدن الحديثة مهما اختلفت في النوع والحجم فهي تقع تحت واحدة من فئتين كبيرتين يكمل كل منهما الآخر، ويسمّي باومان الفئة الأولى بـ "الأماكن الطاردة"، ويضرب مثالا له بالمكان الذي يُقال له "لاديفونس" في فرنسا، وهو "عبارة عن ميدان شاسع يقع على ضفة نهر السين اليمنى، وكان الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران هو الذي ابتكر فكرته، وأمر ببنائه، وأشرف عليه، تخليدا لحقبته الرئاسية التي شهدت انفصالا حادا بين منصب الرئاسة وضعف وفشل شخص الحاكم، فيجسّد هذا المكان سمات المكان الطارد، فأول ما يستوقف من يزور "لاديفونس" هو وحشة المكان، وكل ما يقع عليه البصر يبعث على المهابة، لكنه لا يشجع على المكوث طويلا".

  

يحث هذا المكان وسماته زواره على مغادرته سريعا، لأن من ينظر إلى مهابة مبانيه يضيق صدره "فتلك القلاع/الصوامع المنيعة التي تقع في الميدان ولا تنتمي إليه تدفع كل من يتيه في الميدان الفسيح أن يقتدي ويسترشد بها، فيشعر أنه في الميدان ولا ينتمي إليه، فلا شيء يغير من الفراغ الرتيب لهذا الميدان، ولا مقاعد صالحة، ولا أشجار يستظل بظلها من لهيب الشمس الحارقة، ونظرا إلى ما يتسم به جدول مواعيد قطارات المترو هناك من انتظام ممل لا ينفك المرء يرى الطوابير ومواكب المارة كأنهم نمل يخرج من باطن الأرض فجأة، ثم يتفرقون فيحل محلهم مارة آخرون بعد قليل وهكذا"(12).

    

ميدان "لاديفونس" في فرنسا (رويترز)

      

كذلك تم تصميم هذا النمط من الميادين ليكون للأغراب، مثلما قدم فيلم "الإرهاب والكباب" صورة تيه المواطن العادي في مجمع التحرير بميدان التحرير بالقاهرة، ويعتبر ميدانا التحرير ورمسيس بالقاهرة نموذجين للأماكن الطاردة التي يمر بها الأغراب يوميا لقضاء مصلحة ثم مغادرتها سريعا، كذلك أراد النظام المصري الحاكم منذ انتهاء فترة الاستعمار الإنجليزي أن يكون ميدان التحرير هو قلب العاصمة، ففيه تقع المصالح الحكومية وفي نفس الوقت مكان طارد للحشود ومعبر للغرباء المرتحلين إلى أن احتله المتظاهرون في ثورة يناير.

   

كان تغيّر صورة ميدان التحرير في مخيلة المصريين أوضح مثال على إعادة رسم فلسفة المكان العام، حيث تحول ميدان التحرير من فراغ عام إلى ساحة للشعب، فيه تجمع الناس للتعبير عن آرائهم السياسية والمطالبة بحقوقهم (13)، وساعد على ذلك مركزية هذا الميدان داخل القاهرة وقيمته داخل العاصمة بالنسبة للناس والحكومة على السواء.

  

ويضيف علي عبد الرؤوف (14) أن أهمية الميدان ومركزيته في الحراك العام تأتي من ظاهرتين:

الأولى: هي أن الميدان في أيام الثورة وما بعدها لم يكن فراغا جامدا سلبيا، بل كان تجسيدا لعملية دينامية متجددة ونتيجة لتفاعل باقي المدينة ككل بأطرها العمرانية الرسمية والشعبية، ومدى تدفق الناس منها إلى الميدان تبعا لتطورات ما يحدث فيه وحوله.

  

والثانية: هي أن المزيج الاجتماعي في الميدان أيام الثورة كان عاكسا لخليط من الهويات التي تؤكد التعددية التاريخية لكيان الشعب المصري، فقد شهد الميدان -إضافة إلى شباب الثورة وجماعات الناشطين الجدد- كيانات أكثر تنظيما مثل الإخوان المسلمين والسلفيين، كما كان هناك الأقباط والعمال والفلاحون الذين حضر بعضهم من القرى سيرا على الأقدام، وشهد الميدان أيضا حضور مشجعي فِرق كرة القدم والألتراس. وقد تداخل هذا المزيج ربما لأول مرة في تاريخ مصر الحديث واشتركت مكوناته معا لتحويل الميدان من فراغ رسمي مروري طارد إلى فراغ شعبي أهلي إنساني متعدد الهويات.

      

يعتبر ميدانا التحرير ورمسيس بالقاهرة نموذجين للأماكن الطاردة التي يمر بها الأغراب يوميا لقضاء مصلحة ثم مغادرتها سريعا (رويترز)

     

فكانت حالة ميدان التحرير الفراغية ينطبق عليها تصنيف العالم هنري لوفيفر "الفراغات المعيشة" التي تتجاوز الفراغات المتخيلة أو المدركة وتتحول إلى فراغات حقيقية عميقة في حياة الناس وذاكرتهم، ويوضح لوفيفر (15) أن "امتلاك المكان المتخيل يكون عبر الغرق في التاريخ ورموزه، كالمشاهد الشعبية القديمة"، وهنا تظهر محاولات الهجوم الحاد على كل ما هو شعبي وتراثي وعفوي، حيث يوضح لوفيفر  أن "السيطرة على البعد المتخيل للمكان وضبطه تتم من خلال خلق حالة من الخوف وعدم الألفة بجعل الحدود والأطراف أمكنة للقمع والرقابة في مقابل الرأسمال الرمزي" (16).

    

ضفاف النيل.. من عبور اللامكان إلى الوجود فيه
يشرح زيجمنت باومان أن ثمة تصورا مألوفا يطلق عليها جورج بينكو "اللامكان"، حيث إن أماكن اللامكان هي أماكن تسمح بنزول الغرباء فترات طويلة، لكنه يلغي ذاتية المارة أو يجعلها هي والعدم سواء، "فاللامكان فضاء يخلو من السمات الرمزية التي تكشف عن الهوية أو العلاقات أو التاريخ، ومن أمثلته المطارات الجوية، والطرق السريعة، والغرف الفندقية، ووسائل النقل العام" (17).

  

فتخلو تلك الفضاءات من المعاني والدلالات، وتخلو من أي تحاور بشأن الاختلافات، وهي أماكن غير مستعمرة، لكنها فائض لتصميمات عمرانية أخرى، وهي طرق لمدن محصنة في الصحراء كـ "مدينتي" و"العاصمة الإدارية الجديدة" في مصر، أو طريق خالٍ يعمه الصمت والفراغ مثل الطرق السريعة، لكنها ترسم خريطة العمران في ذهن أناس مختلفين يستخدمونها يوميا في حياتهم.

  

كان النيل الذي يشكّل المكوّن الترفيهي الأكبر في مدينة القاهرة قد مُنع على أهل القاهرة، "إذ كانت حواف النهر تضج بنشاط العائلات والشباب والأطفال، وبعد عام 1952 ظهرت أنماط جديدة للتعامل مع هذه الحواف، وتحولت ضفاف النهر من حيز عام يمتلكه الشعب إلى مجموعة من الأحياز الخاصة على شكل أندية تملكها فئات خاصة، بدءا بالجيش والشرطة، ثم تطورت لتشمل باقي السلطات النافذة كالقضاء والإعلام، وشكلت هذه الأندية -كما أظهر عدد كبير من الدراسات- حائطا ماديا لحجب النيل عن سكان القاهرة لعشرات الكيلومترات، وتفاقمت المشكلة عندما تحولت فكرة أندية النهر إلى موضة ومنافسة شملت باقي القطاعات المهنية وجميع أفرع القوات المسلحة وبعض الأندية الرياضية" (18).

   

حين تحول جسر قصر النيل إلى معبر لحشود المتظاهرين نحو ميدان التحرير الذي تحول بدوره إلى ساحة غضب، لذلك تسعى الحكومة لتغيير عمارة الميادين وتفريغها وتحويلها إلى فنادق ومنتجعات لشركات استثمارية كبرى

رويترز
    

وتُعد تلك الأندية من فئة "اللامكان" التي تحدث عنها باومان، فهي دائما للعابرين، ولا تسمح لأي نشاط اجتماعي إلا في حدود الخصوصية الشديدة، ولا تسمح بأي تفاعل إنساني أو نقاش. كذلك فمن منظور كثير من الباحثين في مجال العمران العادل (19) تأتي علاقة سكان المدينة بفراغاتها العامة، ومنها الواجهات البحرية والنهرية، دليلا أساسيا على عدالة المدينة، يأتي هنا "تكثيف ظاهرة لا ديموقراطية العمران المرصودة في عمران القاهرة الكبرى ومصر كلها يأتي في المقام الأول من العجز عن الفصل بين ما هو قانوني وما هو أخلاقي في الوقت ذاته. ففكرة حجب النهر عن الشعب بأندية خاصة لفئات محددة من المجتمع، هذا الفعل الذي يبدو قانونيا يمثل بالقطع ممارسات غير أخلاقية تتنافى مع مبادئ المدينة العادلة" (20).

  

هنا تظهر الفوضى كعمل مقاومةً للعمران الرسمي، حيث تحولت الأجزاء المطلة على النهر من جسر السادس من أكتوبر إلى وقفة احتفالية يستخدمها أبناء الطبقة المتوسطة، فيبدأ المشهد بتوقف موكب السيارات و"الميكروباصات" ويخرج العروسان محاطين بالأهل والأصدقاء ليسجلوا وقائع احتفالية للزواج على جزء من الجسر المطل على النيل، كما يضيف الدكتور عبد الرؤوف أن من الأنشطة الأخرى التي بدأت على جسور القاهرة لمقاومة العمران الرسمي هي تجمع هواة صيد الأسماك الذين يمكن رصدهم بصورة يومية على جسور الجلاء وقصر النيل وأكتوبر، ومع وجود الأنشطة الإنسانية يبدأ الباعة الجائلون في الظهور وفرش الكراسي البلاستيكية وتقديم المشروبات الساخنة، فتصبح الجسور أماكن تحقق الوجود والتفاعل الإنساني بدلا من كونها "لامكان" فقط للعبور المروري.

   

انتشرت كل تلك التفاعلات والأنشطة الإنسانية في أغلب مدن مصر خاصة القاهرة والإسكندرية، وتُمثّل تلك التفاعلات الإنسانية في شوارع المدن مقاومة يدشنها البسطاء والباعة وعموم الناس ضد عمران الحكومة الذي يحاول سرقة المدينة واستلابها من أهلها، كل تلك التفاعلات منذرة بإمكانية حدوث التغير وإمكانية الثورة على النظام الحاكم وعمرانه كما حدث في (يناير/كانون الثاني) من قبل، حين تحول جسر قصر النيل إلى معبر لحشود المتظاهرين نحو ميدان التحرير الذي تحول بدوره إلى ساحة غضب، لذلك تسعى الحكومة لتغيير عمارة الميادين وتفريغها وتحويلها إلى فنادق ومنتجعات لشركات استثمارية كبرى، ونقل المصالح الحكومية إلى خارج المدينة لسحب أهمية ميدان التحرير وباقي ميادين المدن، بينما يبقى الطريق إلى استعادة المدن العربية هو استعادة شوارعها وفرض وجودهم الإنساني بها.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار