اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/26 الساعة 16:56 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/6 هـ

انضم إلينا
كيف كتب الفقهاء في الحب؟

كيف كتب الفقهاء في الحب؟

محمد فتوح

محرر رواق
  • ض
  • ض

"والشفاعة للعشاق فيما يجوز من الوصال والتلاقي سُنةٌ ماضية، وسعيٌ مشكورٌ"

(ابن القيم - روضة المحبين)  

 

قيس وليلى، جميل وبثينة، قيس بن ذريح ولبنى، توبة وليلى الأخيلية، ابن زيدون وولادة بنت المستكفي، أبو العتاهية وعتبة.. هذه بعض الأسماء التي حفظت دواوين العرب هيامها بالمحبوب وولعها بذكره وتخليده في أشعارها. وقد بلغ أمر الحب والمحبة بالعرب مبلغا عظيما حتى ألّفوا في المحبة والأُلفة والوداد مؤلفات مستقلة، وتناولوا هذا الشعور الإنساني دون غضاضة.

 
وكانوا ينظرون إلى أمر المشاعر على كونها مما فطر الله العباد عليه، حتى إن بعض الفقهاء والأدباء يستفتحون كتبهم بحمد الله على الحب والظفر بالمحبوب، كما قال ابن أبي حجلة في مطلع "ديوان الصبابة": "الحمد لله الذي جعل للعاشقين بأحكام الغرام رضا، وحبب إليهم الموت في حب من يهوونه"(1)، وقال ابن القيم في مقدمة "روضة المحبين": "الحمد لله الذي جعل المحبة إلى الظفر بالمحبوب سبيلا، ونصب طاعته والخضوع له على صدق المحبة دليلا، وحرك بها النفوس إلى أنواع الكمالات إيثارا لطلبها وتحصيلا"(2).

  

وقد حفظت دواوين الشعر إفصاح المحبين بمحابهم وذكر أحوالهم، وأحوال من يحبون إما باسمه أو وسمه.

- جميل بثينة: وما ذكرتك النفس يا بثين مرة *** من الدهر إلا كادت النفس تتلف

- كُثير عزة: خليليَّ هذا ربعُ عُزَّة َفاعقلا قلوصيكُما ثمّ ابكيا حيثُ حلَّتِ

 - قيس ليلى: وأما من هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب

- قيس لبنى: عند قيس من حب لبنى ولبنى داء قيس والحب صعب شديد

 - ليلى الأخيلية وحبها لتوبة: فَذَكَرْنَهُ ولا يَـبْـعَـثُ الأَحْزانَ مِثْلُ التّذَكُّرِ

 - ابن زيدون وولادة بنت المستكفي: بِنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقا إليكم ولا جفّت مآقينا

 

 

 
وكان من عادة العرب إذا أَلِفوا شيئا وعلق في قلوبهم، أو اشتد هيامهم به وعَظُم ميلهم إليه أن يُكثروا من اتخاذ الأسماء له، ويعددوا أسماءه بتعدد أوصافه. وبتأمل المعنى اللغوي(3) لكلمة [حُب] نجد أن العرب قد عَرَّفُوه بأنه ضد للبغض ومرادف للمودة. بيد أنهم لم يقتصروا على هذا التعريف الصغير للكلمة، بل وسّعوا واستفاضوا في استخدامات الحب حتى تعددت مرادفات هذه الكلمة (حب) لشدة تعلق قلوبهم بها، وتكرار ورودها على خاطرهم، وبلغت مرادفاتها قريبا من ستين اسما.

 
 "المحبة، الهوى، الصبوة، الصبابة، الشغف، الوجد، الكَلَف، التيمم، العشق، الجَوى، الشوق، الشجن، الحنين، اللوعة، الخُلة، الغرام، الهيام، الوله"(4)كل هذه المفردات اتخذها العرب تعريفا للحب ومرادفاته، وبيانا لمعناه. وقد تبعهم فقهاء الإسلام وعلماء الدين، فألّفوا في الحب والمحبة والغرام والعشق والوله، وأوردوا لذلك القصص وضربوا الأمثال وشحنوا كتب اللغة والتفسير وشروحات الحديث النبوي بهذه الحكايات، بل ألّفوا مؤلفات مستقلة في الحب والمحبة بكافة أشكالها.

 

فكيف كان الحب في عهد رسول الله وصحابته الكرام، وكيف تعاملوا معه؟ وما الكتب التي ألّفها علماء الإسلام عن الحب؟ وما زوايا النظر التي نظروا بها إلى الحب؟ وكيف عالجت كتب التراث الإسلامي هذا الموضوع؟ وما أشهر المؤلفات فيه؟ وهل هو حِكر على كلام الأدباء والشعراء أم سطّر مداده علماء الشريعة والإسلام؟

 

نونية ابن زيدون التي قالها في فراقه ولادة بنت المستكفي

 

مشاهد من الحب في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه

"الحبُّ أوَّلُه هَزْلٌ وآخِرُهُ جِدٌّ"
(ابن حزم الأندلسي)

 

كانت عاتكة بنت زيد زوجة لعبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكانت قد غلبته على رأيه وشغلته عن سوقه. فأمره أبو بكر بطلاقها ففعل، فحزن لفراقها فوقف لأبيه أبي بكر الصديق وهو ذاهب إلى الصلاة فبكى وأنشأ يقول:

 ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها *** ولا مثلها في غير جرم

يطلق لها خلق جزل وحلم ومنصب *** وخلق سوي في الحياة ومصدق

  

فرقَّ له أبو بكر -رضي الله عنه- وأمره بمراجعتها، فلما مات قالت ترثيه:

آليت لا تنفك عيني سخينة *** عليك ولا ينفك جلدي أغرا

فلله عينا من رأى مثله فتى *** أعف وأمضى في الهياج وأصبرا(5)

 

ذكر ابن القيم هذه القصة في فصّل سماه "في رحمة المحبين والشفاعة لهم إلى أحبابهم في الوصال الذي يبيحه الدين". والقصة فيها عشق رجل لأمرأة وشدة هيامه بها، حتى إنه بعد طلاقه إياها اشتد عليه فراقها، فأنشد لأبيه باكيا ومبيّنا لمنزلتها منه وحبه لها، حتى رَقّ له أبوه وحَنّ عليه فأمره بإرجاعها مرة أخرى وإن شغلته عن صناعته وحياته، وأبوه هو أبو بكر الصديق خليفة رسول الله وصاحبه، ومع ذلك لم يجد حرجا في أن يفهم ما بولده من الوَجد والشوق وأن يَردّ إليه روحه بحلال الوصل ورجوعه إلى مَن يحب.


وقد أورد ابن القيم هذه القصة(6) ثم أورد قصصا مشابهة وقعت لخلفاء النبي الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم جميعا، مما يبيّن أن هذه العاطفة ليست مما ينتقص من أقدار الناس في عهد الصحابة الأوائل، ثم علّق ابن القيم بعد إيراده عددا من القصص التي حدثت في عهد الخلفاء: "وقد جاء عن غير واحد من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم أنهم شفعوا هذه الشفاعة"7 أي شفعوا للمحبين بين يدي أحبابهم.

 

من قصيدة بانت سعاد للصحابي كعب بن زهير ويروي أهل السير سماع النبي لها وفي مطلعها الغزل العفيف (مواقع التواصل)

 

وقد أورد أهل الآثار وكتب الحديث تصريح النبي -صلى الله عليه وسلم- بحبه لعائشة وخديجة -رضي الله عنهما- أمام الناس(8)، فلما سأل عمرو بن العاص النبيَّ مَن أحب الناس إليك؟ قال: "عائشة"، وقال لعائشة وهي تعاتبه في ذكره خديجة: "إني رُزقت حبها".


وعلى هذا المنوال نسج علماء الإسلام، فلم يجدوا حرجا من الحديث في الحب وعن الحب بطيب الكلام ورقيق الأخبار. يقول الإمام الحافظ مغلطاي: "وقد أجمع العلماء: أن الحب ليس بمستنكر في التنزيل، ولا بمحظور في الشرع!"(9)، وقد بوّب الإمام البخاري بابا في صحيحه سماه "باب شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- في زوج بريرة"


وأورد حديثا عن ابن عباس: "أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباس: "يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لو راجعته؟! قالت: يا رسول الله تأمرني؟! قال: إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه"(10).


قال الإمام ابن بطال في تعليقه على الحديث: "لا حرج على مسلم في هوى امرأة مسلمة وحبه لها ظهر ذلك أو خفي"(11)، وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "فهذه شفاعةٌ من سيد الشفعاء من محب إلى محبوبه، وهي من أفضل الشفاعات وأعظمها أجرا عند الله، فهي تتضمن اجتماع محبوبين على ما يحبه الله ورسوله، ولهذا كان أحب ما إلى إبليس وجنوده التفريق بين هذين"(12).

 

 
وفي الحديث صورة عجيبة من صور العشق، رجل يسير خلف امرأة كانت زوجه ثم أصبحت أجنبية عنه، وهو يبكي وراءها بكاء حقيقيا، تسيل دموعه على لحيته! حتى أثار هذا المنظر المؤثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ‏ ‏مُغِيثٍ‏ ‏بَرِيرَةَ، ‏وَمِنْ بُغْضِ ‏ ‏بَرِيرَةَ ‏مُغِيثًا"، والغريب أنه لم يعدّ هذا الفعل منه فعلا منكرا، ما دام أنه لم يمسها بسوء، ولا تعرّض لها بأذى(13).


وفي حديث خنساء بنت خذام أن رجلا على عهد رسول الله زوّج ابنة له وكانت تكرهه وكانت تحب عمّ بنيها، وكان خطبها قبل ذلك عمُّ بنيها، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها وزوّجها عمّ بنيها(14).

لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها

لا يسهر الليل إلا من به ألم لا تحرق النار إلا رجل واطيها

لا تسلكن طريقا لست تعرفها بلا دليل فتغوى في نواحيها

 

الحب ليس حِكرًا على كتب الأدباء في التراث الإسلامي

قد يُظن أن احتفاء المؤلفات التراثية التي احتفت بشأن الحب وذكرت القصص والحكايات ونقلت أشعار العرب فيه إنما هي كُتب الأدب فحسب كـ "الأغاني" للأصفهاني أو "العقد الفريد" لابن عبد ربه. لكن بالعودة إلى كتب التراث يتجلى أن موضوع المحبة ومشتقاته لم يكن تابوها سِريًّا في تاريخ التأليف في الإسلام، ولم يكن مُحرما على الناس الكلام فيه، بل تناولته كُتب الفقهاء وشُرّاح دواوين السُّنة النبوية والعلماء كما تناولته كتب الأدباء.


وألّف فيه فقهاء كبار وأئمة من أرباب المذاهب مؤلفات مستقلة خاصة بالحب وحسب، وذكروا فيها مبدأه ومنشأه وأقواه وأضعفه، والأحوال الداعية إليه، والأحوال المنفرة عنه، وصفات المحبوب وأصناف المحبوبين، وما اتصل بالحب من الحزن والنوال والوجد والغيرة وغير ذلك الكثير.
 

احتفت كتب التاريخ والسير والتراجم بقصص الحب وذكرت أخبار مَن عشق في تراجم (سيرة تعريفية) مَن ترجمت لهم وكثير منهم علماء أو صالحون أو زهاد

مواقع التواصل
 

وقد عدّد المؤرخ الشهير أبو الحسن المسعودي عددا من الذين تناولوا أمر الحب في أول ثلاثمئة عام من تاريخ الإسلام, فحصر أسماء عدد كبير من رجال الفكر في المجتمع المسلم، منهم المسلم والمجوسي والمتكلم والفيلسوف والمتكلم والفقيه والأديب(15)، مما يبين أن هذه الظاهرة اشترك فيها الناس في المجتمع المسلم مهما كانت توجهاتهم وميولهم مختلفة!

 

وقد احتفت كتب التاريخ والسير والتراجم بقصص الحب وذكرت أخبار مَن عشق في تراجم (سيرة تعريفية) مَن ترجمت لهم وكثير منهم علماء أو صالحون أو زهاد. وحتى الكتب التي لم تُصنّف في الحب بالأساس تعرضت له في مواطن كثيرة، مثل كتب التفسير، وشروحات الحديث، وكثير من كتب الصوفية والتي ربط الكثير منها الحب بالحب الإلهي، وكذلك الكتب التي عالجت قضايا أو مشكلات اجتماعية خاصة مثل كتاب "الداء والدواء" لابن القيم في معالجته لمسألة العشق والتعلق، وكتاب "ذم الهوى" لابن الجوزي، و"اعتلال القلوب" للخرائطي، و"الإحياء" للغزالي.

 

لم يصلنا الكثير من الكتب القديمة المُفردة في التأليف للحب خصيصا، ولعل أول ما بلغنا من أسماء هذه الرسائل رسالة للأديب المعتزلي الشهير الجاحظ وعنوانها "في العشق والنساء"، وكذلك رسالة أخرى للكندي بعنوان "الزهرة".

قلْبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتلِفي ***  روحي فداكَ عرفتَ أمْ لمْ تعرفِ

لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إن كُنتُ الذي ***  لم أقضِ فيهِ أسىً، ومِثلي مَن يَفي

ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ ***  في حبِّ منْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ

(ابن الفارض)
  

الفقهاء وأشهر مؤلفاتهم في الحب

وإنّي لأهوى النَّوْمَ في غَيْرِ حِينِهِ لَعَلَّ لِقَاءً في المَنَامِ يَكُونُ

تُحَدِّثُني الأحلامُ أنِّي أراكم فيا لَيْتَ أحْلاَمَ المَنَامِ يَقِينُ

شهدت بأني لم أحُل عن مَوَدَّة ٍوأنّي بِكُمْ لو تَعْلَمِينَ ضَنِينُ

وأنَّ فؤادي لا يلين إلى هوًى سواكِ وإنْ قالوا بَلى سيلينُ

(مجنون لبنى)

 

لم ينظر علماء الشريعة إلى المحبة العفيفة على كونها شيئا ينبغي أن يُنزه عنه الرجال، بل نظروا إليها على أنها فطرة إنسانية، وشيء جِبلي للبشر، تُهذب ولا تُعاند، ولا حرج فيها ما ظلت حيز العفاف ولم تتحول إلى معصية، أو تذهبنّ بدين الرجل ودنياه كأنواع المَحاب المَرَضية.

  

من أشهر الكتب التي ألفها فقهاء الإسلام واقتصروا فيها على الحب وما اتصل به

كتاب "طوق الحمامة في الألفة والأُلاف" للإمام ابن حزم الأندلسي



ومؤلفه هو الإمام أبو محمد علي بن حزم الظاهري الأندلسي، وهو إمام كبير في الفقه الظاهري نشأ في تنعم ورفاهية، ورُزق ذكاء مفرطا، وكان والده من كبراء أهل قرطبة(16)
وأما الكتاب فقد جمع مجموعة من أخبار وأشعار وقصص المحبين، وتناول عاطفة الحب بشيء من التحليل النفسي من خلال الحكايات البشرية التي بلغته. فيعالج ابن حزم في أسلوب قصصي هذه العاطفة من منظور إنساني تحليلي.
  
والكتاب يُعد عملا فريدا في بابه(17)
وقد جعل الإمام ابن حزم الكتاب في ثلاثين بابا، وفيه أبواب طريفة مثل "باب من أحب من أول نظرة"، "باب من أحب في المنام". ولعل هذا الكتاب هو الكتاب الأول الذي بلغنا كاملا مستقلا في المحبة والحب، وقد اكتسب شهرة واسعة في الآفاق، وحظي الكتاب بعناية شديدة في الأدب العربي والغربي على حد سواء لا سيما الأدب الإسباني، حتى تُرجم الكتاب إلى الإنكليزية والروسية والإسبانية والفرنسية والألمانية.
 

وكتب الفيلسوف الإسباني الكبير أورتيجا إي جاسيت (1993 - 1995) مقدمة فيها دراسة موسعة وشاملة عن "طوق الحمامة" صدّر بها النسخة الإسبانية(18)وقد عقد الدكتور الطاهر مكي فصلا في كتابه "دراسات عن ابن حزم وكتابه طوق الحمامة" بعنوان "فصل: تأثير طوق الحمامة في الأدب الإسباني" وبيّن فيه أثر كتاب "طوق الحمامة" في الأدب الإسباني(19)رابط لتحميل الكتاب.

  

كتاب "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" لابن قيم الجوزية



والكتاب بلغت شهرته الآفاق، وابن القيم فقيه حنبلي من علماء القرن الثامن الهجري، درس على يد ابن تيمية وله مؤلفات عديدة في الفقه والعقيدة والتفسير والتصوف. 
والكتاب من أحسن الكتب التي أُلّفت في موضوع الحب، وقد تناول ابن القيم فيه كل أنواع الحب، ولعله أكثر الكتب المؤلفة فائدة من جهة جمع الأحاديث والآثار والأخبار في هذا الباب، وأحسنها انتقاء لأخبار المحبين والعشاق.
 
وقد جعله المؤلف في تسعة وعشرين بابا، وقدم لها بمقدمة جيدة ذكر فيها الغرض من تأليف الكتاب وهو الوصال بين الهوى والعقل، وذكر منهجه، وسرد أبوابه، قال ابن القيم رحمه الله: "هذا الكتاب يصلح لسائر طبقات الناس، فإنه يصلح عونا على الدين وعلى الدنيا، ومرقاة للذة العاجلة ولذة العقبى، وفيه من ذكر أقسام المحبة وحكامها ومتعلقاتها، وصحيحها وفاسدها، وآفاتها وغوائلها، وسبابها وموانعها، وما يناسب ذلك من نكت تفسيرية، وأحاديث نبوية، ومسائل فقهية، وآثار سلفية، وشواهد شعرية، ووقائع كونية، ما يكون ممتعا لقارئه، مروحا للناظر فيه"(20). رابط لتحميل الكتاب

 
"ديوان الصبابة" لابن أبي حجلة

 
وابن أبي حجلة فقيه مغربي حنبلي، وكان معاصرا لابن القيم، وقد بدأ كتابه بمقدمة مسجوعة يذكر فيها أخبار من قتلهم الهوى وتركهم كهشيم محتظر، وجعله على مقدمة وثلاثين بابا وخاتمة. قال ابن أبي حجلة: "كتاب حوى أخبار من قتل الهوى وسار بهم في الحب كل مذهب، وتركهم الهوى كهشيم المحتظر وأصبحوا من علة الجوى على قسمين فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ما بين قتيل وشهيد وشقي وسعيد"(21). رابط التحميل الكتاب.

 
وقد نقل فيه عمن سبقوه ممن تكلموا في المحبة كابن حزم في "طوق الحمامة". وقد أكثر من ذكر أبيات شعرية رقيقة وفيها نفائس عديدة.

يقول أناس لو نعت لنا الهوى *** والله ما أدري لهم كيف أنعت

فليس لشيء منه حد أحده *** وليس لشيء منه وقت مؤقت

ما يعلم الشوق إلا من يكابده *** ولا الصبابة إلا من يعانيها

  

 كتاب "تزيين الأسواق في أخبار العشاق" لداود بن عمر الأنطاكي



وداود الأنطاكي عالم بالطب والأدب، كان ضريرا، انتهت إليه رياسة الأطباء في زمانه. وأما كتابه فهو كتاب كبير جعله من مقدمة ثم ذكر المحبين لرب العالمين ثم ثنى الكلام في أحوال عشاق الجواري والكواعب الأتراب وجعل فصلا في ذكر عشاق الغلمان! وأتم كتابه بتتمات في معانٍ للحب والجمال يفتقر إليها العاشقون. رابط لتحميل الكتاب.

 

كتاب "نشوة السكران من صبهاء تذكار الغزلان" للسيد محمد صديق خان

ومؤلفه هو الشيخ محمد صديق خان من علماء الهند الكبار، وله عشرات الكتب في الحديث والتفسير والاعتقاد، وكتاب "نشوة السكران" كتاب لطيف، وذكر مؤلفه أنه اختصر فيه كتاب "ديوان الصبابة" وكتاب "تزين الأسواق" وكذلك كتاب "سبحة المرجان". وقد جعل كتابه "نشوة السكران" في مقدمة بدأها بقوله: "نحمد من زين رياض الوجوه بنرجس اللحاظ وورد الخدود، وأثمر أغصان القدود برمان النهود"، ثم جعله على فصول ثم خاتمة. وفي الكتاب أبيات وصف رائقة للمحبوب وفيها معانٍ لطيفة للغاية فتدبرها.رابط لتحميل الكتاب.
 

  

 
إن العيون التي في طرفها حور.. قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

  

ومن الجدير بالذكر أن فقهاء الإسلام حينما ألّفوا في هذه الأبواب كان لهم أغراض متعددة، مثل الأغراض الأدبية أو أغراض في كشف النقاب عن العاطفة الإنسانية أو من باب ذكر القصص والحكايات والمُلح. وقد أكثروا من ذكر عقوبة المعاصي في ثنايا هذه الكتب وفضل العفة والتعفف وشؤوم المعصية كما ختم ابن القيم كتابه "روضة المحبين" بفصول سماها:

"فيمن ترك محبوبه حراما، فبدل له حلالا أو أعاضه الله خيرا منه" و"فيمن آثر عاجل العقوبة والآلام على لذة الوصال الحرام" و"في ذم الهوى وما في مخالفته من نيل المنى".

  
وكما تبين فإن الحب كان موجودا في عصر الصحابة الكرام والعصور التي تلته، ولم يجدوا غضاضة في التعامل معه، ولم ينظروا إليه بعين الشزر بل بعين الشفقة على أهله، وسعى النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة للمحبين بالزواج، وألّف فقهاء الإسلام فيه مؤلفات مستلقة، وذكروا مكانته في الشرع والدين والدنيا والحِس، وذكروا من قصص المحبين وما كان من أخبارهم، فلماذا اندثرت تلك المفاهيم عن الحب في عصرنا؟

المصادر

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار